English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

تربية الأولاد في الإسلام – 17 / 51 : : التربية الاجتماعية : حق الأرحام ،  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

                                                                 

 الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على سيِّدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين ، اللهمَّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا ، إنَّك أنت العليم الحكيم ، اللهمَّ علِّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علَّمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحقَّ حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيّها الإخوة الكرام ... مع الدرس السابع عشر من دروس تربية الأولاد في الإسلام ، ولازلنا مع مسؤوليّة الآباء عن تربية أولادهم التربية الاجتماعيّة ، وقد تحدثنا في الدرس الماضي عن تعريف الأبناء بحقوق الوالدين ، واليوم ننتقل لتعريف الأبناء بحقوق الأرحام .

وموضوع الأرحام موضوعٌ دقيقٌ جداً لكثرة ما في النصوص النبويّة الصحيحة من حثٍ على صلة الرحم ، وحسبكم أنّ النجاشي ملك الحبشة حينما سأل سيدنا جعفر بن أبي طالب عن الإسلام ككل ؟ قال : أيُّها الملك كنا قوماً أهل جاهليّة نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القويُّ منا الضعيف، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته ، وصدقه ، وعفافه ، ونسبه ، فدعانا إلى الله لنعبده ونوحّده ، ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم، وحسن الجوار والكفِّ عن المحارم والدماء .

هذه هي الجاهليّة .. وهذا هو الإسلام ، بتعريفٍ بليغٍ موجزٍ جامعٍ مانعٍ ، والعجيب أيُّها الأخوة أنّ تعريف الإسلام في نظر هذا الصحابيّ الجليل ليس عباداتٍ إنّما هو معاملات .. فهل هذا واضح ؟ تعريف الإسلام ليس عبادات ، إنما هو معاملات .

لذلك العبادات نوعان : عباداتٌ شعائريّة ، وعباداتٌ تعامليّة ، ولا قيمة للعبادات الشعائريّة ما لم تصحّ العبادات التعامليّة ، أتحبون الدليل فقد قال تعالى :

 

( سورة العنكبوت : آية " 45 " )

وفي الحديث الشريف الحديث :

من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر ، لم يزدد من الله إلا بعداً .

وقد قال تعالى :

( سورة البقرة : آية " 183 " )

وفي الحديث الشريف :

من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه .

الزكاة .. قال تعالى :

( سورة التوبة : " 103 " )

وكذلك في الآية الشريفة قوله تعالى :

( سورة التوبة : آية " 53 " )

وفي الحج .. قال تعالى :

( سورة آل عمران : آية " 97 " )

وفي الحديث الشريف : من حجّ بمالٍ حرام وقال لبّيك اللهمّ لبيك، يقول الله له : لا لبيك ولا سعديك وحجُّك مردودٌ عليك .

كلامٌ واضحٌ كالشمس .. العبادات الشعائرية لا قيمة لها إطلاقاً ما لم تصحَّ العبادات التعامليّة .. صدق ، أمانة ، عفّة ، استقامة ، وفاء الوعد ، إنجاز العهد ، فقد قال عليه الصلاة والسلام :

لا إيمان لمن لا أمانة له ، ولا دين لمن لا عهد له

ليس عنده إيمان .. المؤمن الصادق تأمنه على روحك وعلى مالك وعلى عرضك .. هذا هو المؤمن ، مطمئن إلى أقصى درجة ، ولا دين لمن لا عهد له فأذكر لكم مثلاً أعيده كثيراً :

تسعة أشهر دراسة ، وست ساعات فحص ، وهذه الست ساعات هي  الصلاة أو الصيام أو الحج ، فإذا لم تكن الدراسة موجودة فلن ينجح، فلو أن طالباً معه ست أقلام حبر احتياطاً ورغيفان من الخبز ، ودواء مسكن - ساندويشتان ، وإسبرين - وترمس للماء البارد ، والسيّارة أوصلته لباب مكان الفحص والسائق في انتظاره ولكنه لم يقرأ من المقرر شيئاً ، فما قيمة كلّ ذلك فالامتحان ليس له قيمة أبداً .

فيا أيُّها الإخوة ... يجب أن نربّي أولادنا على رعاية حقِّ الأرحام ، والشيء الملاحظ أنّ هناك أُسراً فو الله أعتزُّ بها لما عندهم من الترابط ، تجد الأب والأولاد في محبّة وتعاون وتضحية ومؤاثرة ، وسبحان الله في النهاية ترى هذه الأسرة بأكملها في المسجد ، لشدّة الصلة بينهم ، وللتعاون ، فإذا انساق أحدهم إلى أهل الحقّ جرَّ معه الآخرين .

وهناك أسر بالمحاكم ، يقول لك : أربعين سنة ولم يتكلّم مع أخيه وبالقضاء ، أسر كثيرة جداً.

أي بين الجنّة والنار .. أسرة متماسكة ومتعاطفة ومتعاونة ومتآزرة كأنّهم في جنّة ، وأسرة متباغضة متحاسدة وشقاق بينهم ، وعداوة ، بغضاء ، محاكم ، وطلب نفقة ، فهل هذه الحياة حياة.

لذلك النبيّ عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة جداً حضَّ فيها على صلة الرحم .

من هم الرحم ؟ الرحم كلُّ من ترتبط بهم بالقرابة أو النسب . بعض الناس فقط أقرباء الأم.. لا .. الرحم كلُّ أقربائك من جهة الأب أو من جهة الأم ، والعلماء سلسلوا هؤلاء الأقرباء على الشكل التالي :

الآباء والأمّهات أي الأُصول ، والأجداد والجدّات مهما علو ، والإخوة والأخوات ، والأعمام والعمّات ، وأولاد الأخ وأولاد الأُخت ، والأخوال والخالات ، ثمّ من يليهم من الأقرباء الأقرب فالأقرب .

أي آبائك ، وأجدادك ، وأولادك وأحفادك ، وأُخوتُك وأخواتك ، وأولاد إخوتك وأولاد أخواتك ، وأعمامك وأخوالك ، وأولاد أعمامك وأولاد أخوالك ، وعمّاتك وخالاتك .. أي كلّ أقربائك دخلوا في كلمة الرحم .

الحقيقة أنّ سبب تسمية الرحم هكذا قال : لاشتقاق الرحم من اسم الرحمن. وقد قال بعض علماء التوحيد : الرحمن اسم الله الأعظم والدليل قوله تعالى

( سورة الإسراء : آية " 110 " )

لذلك في المصاحف الشريفة في الطبعات الحديثة تجد مكتوباً بالأحمر الله .. الرحمن .. إله.. هو ، الرحمن اسم الله الأعظم .

فالرحم مشتقّة من الرحمن ، ربّنا عزَّ وجلَّ خلق الخلق ليرحمهم فقد قال تعالى :

( سورة هود آية : " 119 " )

خلق الخلق ليرحمهم .

فالحديث الشريف الذي رواه أبو داوود والترمذيّ عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنّه سمع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول في الحديث القدسيّ :

أنا الله .. وأنا الرحمن ، خلقت الرحم وشققت لها اسماً من إسمي ، فمن وصلها وصلته ، ومن قطعها قطعته .

ألا يكفي هذا الحديث .. من وصلها وصلته ، ومن قطعها قطعته.. فمثلاً : له أخت ومتزوّجة بالمخيّم ومن سنتين لم يذهب لعندها لأنّها فقيرة ، زوجها فقير ، أمّا هو عنده ولائم وسهرات فخمة وأدوار وأشياء مرتّبة وبيوت فخمة ، وطعام نفيس ، وهذه الأخت فقيرة .. من وصلها فقد وصلته ، ومن قطعها فقد قطعته .. ألا تعرف أحياناً عندما تزور أختك فتنتعش وتسرّ بتلك الزيارة ، وتعطيها حماساً وترفع شأنها أمام زوجها .

والله يوجد أخ من إخواننا فأنا كنت لا أعرفه سابقاً ، قال لي : أنا أحضر عندك منذ ست سنوات . وسألني سؤالاً أنّ له أختاً معذّبة مع زوجها ، فقال لي : أنا أزورها كل أسبوع مرتين أو ثلاث وأُواسيها ، وأخفف عنها ، وأحاول مساعدتها . والله يشهد أنّ هذا الأخ كبر في نظري إلى درجة لا تصدّق، فمن لها غير أخيها ؟ إذا أخوها زارها ونصحها وأحياناً يصبّرها ويخفف عنها ، وأحياناً يمدح لها زوجها ، فقد تكون لا يعجبها كثيراً ، لكن لم تنتبه لبعض المميزات والأشياء فيه أنّه شريف مثلاً وماله حلال ، وأخلاقه عالية ، وسمعته طيّبة ، ولكن بيته صغير ودخله قليل ، أحياناً الأخ بعلمه يبيّن لأخته قيمة زوجها .

لذلك أفضل شفاعةٍ أن تشفع بين اثنين في نكاح .. وهي أفضل شفاعة على الإطلاق ، أي تقنّع الزوجة بزوجها ، وتقنِّع الزوج بزوجته

ويوجد أقرباء والعياذ بالله .. قال لي أحدهم : شكوت زوجتي لأخيها فقال لي : طلَّقها أريح لك . هذا الأخ أخ الزوجة نصح زوجها بتطليقها ، هذا أخ .. ولكن يوجد أخ ثاني على مستوى راقٍ .

فأنت عندما تزور أختك أو تزور ابنة أخيك ، أو ابنة أختك مثلاً أو ابن عمك زرته ، وطبعاً الكبراء يزاروا ولكن في من ورائهم مكسب فبزيارتهم تزداد عزاً ويحتفل فيك بضيافة من الدرجة الأولى ، لكن بطولتك ليست مع الكبراء ، فتكون أنت كبير ولك قريب صغير ، أو مهمل، أو على هامش الحياة فإذا زرته أنعشته .

إذاً .. أنا الله وأنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي ، فمن وصلها وصلته ، ومن قطعها قطعته .

هذا الحديث يجب أن يحضّنا جميعاً ، فشخص يعيّن يوماً كالجمعة مثلاً ، وبالشتاء الليل طويل ، ومن المغرب للعاشرة مساءً لزيارة الرحم ولو ربع الساعة ، فلا تستحِ من إعطاء القليل فإنّ الحرمان أقلّ منه ، أو أحياناً اتصالاً هاتفياً والسؤال عن صحة أختك وحالها وسؤالها عن ما تحتاج ؟ وبثها شوقه وأن يطلبها للمجيء لعنده ، ثمّ يسلّم عليها ويودّعها ، فهذه المخابرة منعشة .. لأنّ الله عزَّ وجلَّ يحبُّنا أن نكون على قلبٍ واحد ، يحبُّنا أن نكون يداً واحدة ، صلة الرحم تدعّم التكافل الاجتماعي .

بعد قليل سأقول لكم ما معنى صلة الرحم .. أكثر الناس يظنون أنها زيارةً فقط .. فأولها زيارة ، وثانيها مساعدة ، وثالثها هدى .

فأوّل شيء تزور ، فإن وجدت حاجة إلى معاونة ، أو دفع مبلغ من المال .. فإنني أروي قصّة نموذجيّة لأحد إخواننا لعلي قلتها سابقاً .. فذات مرّة زار هذا الأخ أخته فوجد خصومة بينها وبين زوجها على مبلغ من المال تطلبه منه كلّ شهر وهو يأبى أن يعطيها إيّاه ، فهذا الأخ له دخل محدود لكن أراد أن يتقرّب إلى الله ، فقال لها : يا أختي هذا المبلغ عليّ وأنهوا هذه المشكلة. وأصبح كلّ أول شهر يدفع لها ثلاثمائة ليرة وهذا المبلغ هو سبب خلافها مع زوجها كسوة لها ، ولكن زوجها دخله محدود ولا يكفيه معاشه وليس معه وهي مصرّة على الثلاثمائة ليرة فتحمّل دفعها هذا الأخ ، فطرق عليها في اليوم الأول من الشهر الأول ودفع لها المبلغ ، وكذلك فعل في الشهر الثاني والثالث .

فقال لي هذا الأخ الكريم : في الشهر السادس طلبت أخته منه درساً دينياً لبناتها ، ثم بعد ذلك حضر كلّ من بنات الأخت وبنات الأخت الثانية ، فقام بتدريس بنات أخواته كلهم درساً أسبوعياً . وقال لى : وأنا على قدر معلوماتي .. أي آية سمعتها من أحد الدروس ، أو حديثاً ، أو حكماً فقهياً ، أو قصّة عن الصحابة .. فالدرس أنعشني ، وشعرت بقيمتي.

فعندما يدعو الإنسان إلى الله عزَّ وجلَّ يشعر بقيمته ، وأنا لا أكتمكم أنّ أول مستفيد من الدعوة هو الداعي نفسه ، أول من يستفيد من الدرس هو المدرس ، أول من يستفيد من الدرس هو المعلم ، الموجه ، المرشد ، الداعي نفسه ، لأنّ العلم أيُّها الإخوة زكاته بإنفاقه ، فكلّ شيء إذا أنفقت منه يقل إلا العلم يزكو على الإنفاق ، وزكاة العلم نشره ، والنبيُّ عليه الصلاة والسلام يقول:

بلِّغوا عنّي ولو آية .

بلغوا عني .. فأنا الآن أدعوكم .. فأنت تحضر خطبة جمعة ، وهي ساعة إلا ربعاً فلم يثبت بذهنك آيةً واحدةً أو حديث هل هذا معقول ؟ إلا لو كان لا سمح الله النفاق موجود ، فالمنافق عندما كان يحضر عن رسول الله إذا انفضوا من عنده قالوا كما ورد في القرآن الكريم :

( سورة محمد : آية " 16 " )

والله لم أذكر شيئاً من الدرس .. فأنا دائما أقول : إذا لم يكن الإنسان صادقاً في طلب الحق يصبح مثل آلة التصوير من غير فيلمٍ بداخلها ، لو كانت غالية الثمن كثيراً ، ولو انتقى المنظر الجميل ، وضبط كل من المسافة والسرعة والفتحة ، وضغط على الزر ولكن لا يوجد فيلمٍ بداخلها .. لأنّه لا يطلب الحق فلا يظل أو يثبت شيء مما يستمع إليه ، فلو حضر الإنسان واستمع إلى خطبة جمعة ، أو درس في التفسير ، أو درس في الحديث أو في السيرة فهل من المعقول أن لا يبقى شيء مما استمع له ؟!

اجعل هذا الشيء الذي استمعت له مدار الحديث طوال الأسبوع ، إن دعيت لغداء فأخبر الموجودين أو المدعويين عن الخطبة وماذا قال فيها الخطيب ، فهذا كلام جميل ، وإن دعيت لسهرة ، أحياناً يكون عقد للقران أو حل لمشكلة ، أو زيارات دوريّة للأصدقاء أو الأقارب ، ففي كلّ لقاءاتك بلّغ ، فهكذا النبيّ قال : بلّغوا عني ولو آية .

أنت حينما تخرج من ذاتك إلى خدمة الخلق تشعر بسعادة الداعية، فلا تصدّق .. فيجوز الدعاة يبذلون جهداً جهيداً ، ويعملون ليلاً ونهاراً ولكن والله هم أسعد الناس ، يحس بإنسانيته وإنّه في خدمة الحق .

وأنا أقول الدعوة ليست حكراً على الدعاة ، فكلّ مسلمٍ ينبغي أن يكون داعية .

أحد الإخوة أعجبني فقد قال لي : أنا لا أعرف أن أتكلّم ولكنني آخذ أشرطة وأقوم بتوزيعها، وبهذه الطريقة حضر للدروس حوالي عشرة إخوة يستمعون إليك .

فهذا شيء جميل .. فالآن الوسائل ميسّرة ، فأنت لا تستطيع أن تتكلّم فيوجد من يتكلّم عنك، لكن يجب عليك أن تنشر الحق ، لأن الحق إذا لم ينتشر فسينتشر الباطل وسيحاصر الحق، أنت ربما تظن الآن أن نشر الحق لكي ينمو .. لا .. بل للحفاظ على وجودك ، والدليل : الله قد جعل نشر الحق والتواصي به أحد أربع أركان النجاة فقد قال تعالى :

( سورة العصر : آية " 3 " )

هذا اللسان يجب أن يكون طليقاً بذكر الله ، عوّد نفسك أن يكون كلامك من عملك ، والعمل محاسب عليه ، أينما جلست وجرّب ، فالحديث عن الدنيا يفرِّق ، والحديث عن الآخرة يجمع ، فقد يكون بالجلسة تاجر أو مهندس أو موظف أو طبيب ، فإذا تكلّم التاجر عن تجارته ودخله وأرباحه، فالكل تجده ساكتاً - يَكِن - لأن بالطبع كان بعض الجالسين راتبه لا يكفيه خمسة أيام بالشهر وسمع من أحد الحاضرين أنّه بصفقة واحدة كسب منها أربعمائة ألف ، فيتضايق .. ويقول في نفسه ما هذا الراتب الذي أتقاضاه فأنا أعيش على هامش الحياة ، فإذا كان الحديث الدائر عن الدنيا فيحدث الانقباض ، أما إذا كان الحديث عن الله عزَّ وجلَّ فتجد القلوب كلّها استمعت إليه .. لذلك اذكر الله دائماً ، ليكن لسانك رطباً بذكر الله .

فإذا أردت أن يكون لك ابن يصل رحمه فأول شيء كن أنت قدوة له ، فقل له : قم يا بني لنزور عمّتك ، أو خالتك ، أو نزور أختك اليوم فمنذ شهر لم نرها ، أو لنخبرها هاتفياً ، فإذا رأى الابن أن أباه يزور أقاربه ، وأساساً عندما سأل أحدهم النبيّ اللهم صلّي عليه : ماذا بقي علي من برِّ والدي بعد موتهما ؟ قال :

...... وأن تصل الرحم التي لم يكن لها صلةٌ إلا بهما ، فهذا الذي بقي عليك من برّهما من بعد موتهما .

أن تصل الرحم التي لم يكن لها صلةٌ إلا بهما .

يجب أن نقول : أولاً زيارة ، ثانياً تفقّد الأحوال .. فاستمعوا إلى الآية الكريمة .. فمن هو الذي يستحقُّ الصدقة ؟ هل هو السائل ؟ لا .. الملحاح ؟ لآ .. اسمعوا القرآن الكريم ، قال تعالى:

( سورة البقرة : آية " 273 " )

الذي ينبغي أن تساعده لن يسألك ، ولن يطلب منك ، هو أعفُّ من ذلك ، إذاً ماذا لزاماً عليك أنت أن تفعل ؟ عليك أن تتفقّده فما دام هو لن يقول لك أعطني لأنّه عفيف وعزيز النفس ، فماذا تعني صلة الرحم؟ تعني تفقّد الأحوال ، تسال عن أخبارهم وأوضاعهم ، تسأل أختك: المدارس حان موعدها فهل يلزمك شيء ؟ بالطبع يلزمها ألبسة وخلافه ، وإن كان الجو بارداً فيلزمها ثمن وقود للتدفئة فاسألهم هل عبأتم خزان الوقود ؟ أنت في حالة ماديّة جيّدة وهي لم تعبئه.

فالصلة تعني الزيارة ، إنعاش اجتماعي ، وتعني ثانياً التفقّد ، فتوجد مواسم للمدارس او التدفئة بالوقود أو الألبسة ، أو في الأعياد ، أما الصلة الثالثة هي : الهداية .

فعندما تتفقدهم بالزيارات ، وتتفقدهم بالمعونات أصبح لك مكانة كبيرة عندهم والآن أصبحت كلمتك مسموعة ، وتوجيهك مقبولاً على العين والرأس ، لكن لا يوجد أصعب من توجيه الغني للفقير ، فالفقير يتلوّى من جوعه والغني يحدّثه بالقيم ، شيء يغيظ تماماً ، أما إذا عاونته وقدمت له المساعدة فالآن كلامك أصبح مسموعاً وتوجيهك مقبولاً ، فوطّنوا أنفسكم على أنّ صلة الرحم تعني : الزيارة الإنعاشية ، والتفقّد الاقتصادي ، ثمّ الدعوة إلى الله ، هذا أعظم عمل ، فيا ترى من أحقّ الناس بحسن صحابتك ؟ أقرباؤك .

فأنا أقول دائماً كلمة : الناس العاديّون أنت لهم وغيرك لهم ، أما أرحامك من لهم غيرك ؟ لهذا علماء الفقه قالوا : لا تقبل زكاة المسلم وفي أقربائه محاويج . فبادئ ذي بدء تفقّد أقرباءك الذين لا يعرفهم أحد إلا أنت .. اسمعوا الآيات الكريمة :

( سورة النساء : آية " 1 " )

 أي اتقوا الله أن تعصوه ، واتقوا الأرحام أن تقطعوها هكذا المعنى المراد ، لكن توجد بالآية كلمة لطيفة جداً فما معناها وهي : واتقوا الله الذي تساءلون به فأنت سائر في الطريق ، ومرّ شخص هل تستطيع أن تمسك به وتطلب منه أن يعطيك مئتين من الليرات ؟ سوف ينظر لك بازورار . لماذا الابن يسأل أباه بإلحاح وجرأة ؟ لأنّه يعلم أنّ الله أودع في قلب أبيه رحمةً به، تجد شخصاً له مكانة كبيرة تجد الجميع يهابونه إلا ابنه يطلب منه بإلحاح ، فمن له غيرك ؟ فلولا أنّ الله أودع في قلب الآباء هذه الرحمة لما تجرّأ الابن وقال لأبيه هات ، دليل الرحمة فقد قال تعالى : واتقوا الله الذي تساءلون به لولا هذه الرحمة التي أودعها الله في قلوب الآباء والأمهات .. فأحياناً يكون مع الأم في حقيبتها مبلغ من المال فيأخذ ابنها منها قسماً فلا ينشأ من هذا الفعل شيء يغضب لأنها أمه ، لكن يوجد مودّة ورحمة ومحبّة ، ويحسّ الإنسان أنّ الأم والابن شيء واحد وكذلك الأب والابن ، فهذه معنى الآية : واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا .

الآية الثانية قال تعالى :

( سورة الإسراء : آية " 26 " )

وقد قال تعالى :

( سورة النساء : آية " 36 " )

 بالمقابل تقول الآية :

( سورة الرعد : آية " 25 " )

 أي الدعوة إلى قطيعة الرحم من الكبائر ، وقطيعة الرحم من الكبائر ، فإذا قلت لأحد الأشخاص : لا تزر . فهذه كبيرة ، فالدعوة كبيرة والقطيعة كبيرة .

يقول لي أحدهم أن لي أقرباء غير منضبطين ؟ فأجيبه بقولي : إنّك إذا لم تزهم سيزدادون تفلّتاً ، فإذا زرتهم ونصحتهم بالحسنى والحكمة ربما انضبطوا ، أو ربما أوقفتهم عند حد ، إذاً زيارتك مهمة جداً والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض .

وقال تعالى :

( سورة محمد : آية " 22 " )

والله أيها الأخوة لو قرأتم ما في السيرة النبويّة من إكرام النبي لمرضعته حليمة السعديّة لاقشعرّ جلدكم .. كان يمدُّ لها الرداء ، وقد أكرم قومها بأن أطلق كلّ أسراهم ، أعطاهم كلّ سؤلهم لأنّ حليمة السعديّة أرضعته .

فالإنسان كلّما كان عظيماً لا ينسى الفضل ، ولا ينسى الفضل إلا عديم الأخلاق والإيمان .

الآن ثمرات صلة الرحم ودققوا فيها جيداً :

روى الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عن أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت .

( حديثٌ متفقٌ عليه رواه الشيخان )

أي أنّ من لوازم الإيمان صلة الرحم ، أي إن لم تصل رحمك فهناك شكٌ في إيمانك ، في أصل إيمانك أو في كمال إيمانك على اختلافٍ بين العلماء .

فأحياناً تجد شخصاً ذا رزق وفير أي زائد ، فدقق تجد أنّه يصل رحمه لأخته أو ابنة أخته عند زواجها أهداها غسالة أو برّاداً ، وهذه أقرضها وهذه أعطى لابنها بدل ، دفع الأموال إلى الأقرباء هذا مما يستدعي الرزق .

إذا قلنا روى الشيخان أي بالبخاري ومسلم وهذا الحديث من أعلى درجات الحديث أي - ما اتفق عليه الشيخان -.

روى الشيخان عن أنس رضي الله عنه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال : من أحبَّ أن يبسط له في رزقه وينسأ له في اثره فليصل رحمه .

أحد أسباب زيادة الرزق : صلة الرحم . فإنّك عندما تنوي زيارة أقربائك وتقدّم لهم المساعدة فالله يحاسب عنك ، يجعل المساعدة على حسابه ، فيدفع لك .

أحد الأخوة قال لي : اتصلت بي أختي هاتفياً وطلبت مني خمسة آلاف ليرة ، وكان الوقت صعباً جداً فلم يكن معي فالإنسان عسر ويسر، فدخلت صراعاً مع نفسي ، فمعي مبلغ ولكن له مصارف ذات أهميّة كبرى ، وبعد صراع طويل قررت أن أعطيها خمسة آلاف ، فذهبت إلى بيتها وأعطيتها المبلغ ، ونزلت إلى المحل التجاري بالبزوريه ، فجاءه تاجر من السعوديّة يريد شراء - قمر الدين - والقصة قديمه .. فقال له: ليس عندي . فقال له : دلني . فقال له : في المحل الفلاني وكيلٌ للمعمل. فقال له : خذني معك وأوصلني لعنده . فقال له : تكرم .. فأوصلته وقلت له هذا يريد شراء قمر الدين . ومساءً بعث البائع له ظرفاً به عشرة آلاف من الليرات وهو لا ينسى هذه القصة .. طبعاً إذا أضافها على الزبون فهذا حرام ، وذلك دون ذكر لتفاصيل الحكم الشرعي ، أما إذا أعطاها من ربحه فلا شيء في ذلك .

فإذا أعطيت إنساناً كان سبباً لصفقة ما ، كان سبباً وبذل جهداً فأعطيته مبلغاً من ربحك فلا مانع في ذلك ، أما إذا أضفته على الزبون فهذا العمل لا يجوز فعله .

أخ ثانٍ كان له صديقٌ مصاب بانزلاق غضروفي ويجب أن يستلقي على فراش خشبي شهراً، وهو ذو دخل يومي وليس راتباً ، فيحتاج إلى مبلغٍ طوال هذا الشهر ، فألزم نفسه بتأمين المبلغ له وأثناء فترة مرضه ، ولكنه ظلّ مريضاً شهرين ودفع له فيهما عشرين ألفاً والقصة طويلة. فقال لي : والله كانت هناك عمليّة معيّنة خارج اهتمامي وخارج كل توقعاتي الله رزقني منها أربعين ألف ليرة .

القصص كثيرة جداً .. أنفق بلالاً ولا تخشَ من ذي العرش إقلالاً .

عبدي .. أنفق أُنفق عليك .

إذاً صلة الرحم تزيد في العمر وتوسّع في الرزق ، كما قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الشيخان : من أحبَّ أن يبسط له في رزقه ، وأن ينسأ له في أجله - أي يزاد له في عمره - فليصل رحمه .

صلة الرحم تدفع عن الواصل ميتة السوء ... فذات مرّة كنت في طريقي إلى عملي فوجدت أمام القصر العدلي إنساناً ملقىً على الطريق ومغطىً بقطعة من القماش ، فسألت ؟ فقالوا: والله مات هنا ، فذهبت لفترة ثماني ساعات ورجعت وهو في محله ومكانه والناس عليه وفوقه ينظرون.

هذه موتة .. ويوجد رجل من أهل العلم جلست معه في تعزية وخرجنا معاً ، شاهد إنساناً له سيّارة خاصّة فطلب من هذا العالم أن يوصله ، فما أن خرج من بيت التعزية حتى عرض عليه هذا الأخ الكريم وبالطبع العالم محترم فقال له : الله يرضى عليك شكراً . فأوصله لبيته ، والبيت في الطابق الرابع ، وصعد إليه ، ودخل إلى غرفته وخلع جبته وقلع عمامته واستلقى على الفراش وأسلم الأمانة إلى بارئها ، وهذا من تكريم الله له فلو أحبّ أن يأخذ تاكسي لمات فيه وأخذ على المشفى ووضع في البراد أليس كذلك ؟

ولكن الله ألقى في قلب هذا الأخ وهو لا يعرفه بأن يوصله وهذا الأخ بيته بجانب البيت المقام فيه العزاء وليس على درب الشيخ وأراد أن يكرمه بهذا التوصيل ، فقال لي ابن العالم : أنت آخر من كلّمه ، ولم يكلّم أحداً بعدك ، فصلة الرحم تدفع عن الواصل ميتة السوء لما روي عن أنس رضي الله عنه عن النبيّ صلّى الله أنّه قال :

إنّ الصدقة وصلة الرحم يزيد الله بهما في العمر ، ويدفع بهما ميتة السوء ، ويدفع بهما المكروه والمحظور .

كذلك هناك ميتة على قدر عالي ، كأن يموت بين أهله وأولاده معززاً ومكرّماً ، وتقام له تعزية رسميّة والدليل قوله تعالى :

( سورة الجاثية : آية " 21 " )

هناك موتة راقية جداً ، ويوجد إنسان يموت بالمرحاض .. فشخص بالهند ادّعى أنّه المسيح المنتظر وكانت هناك وباء الكوليرا متفشياً وكان يقول : أنا من معجزاتي أنا لن أُصاب بهذا المرض . فما مات إلا مصاباً بهذا المرض وفي المرحاض ... توجد ميتة سوء .

صلة الرحم تعمّر الديار وتثمّر الأموال .. لما روى الطبراني والحاكم عن ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال : إنّ الله ليعمّر بالقوم الديار ويثمّر لهم الأموال . فقيل: وكيف ذاك يا رسول الله ؟‍‍‍‍!! قال : بصلتهم الرحم .

أحياناً تجد إنساناً ماله مبارك ، يشتري بيتاً أو يشتري محلاً يشتري مزرعة أحياناً وترتفع الأسعار ، ويزوّج أولاده ويسكّن أولاده بالبيوت وهو قد بدأ من الصفر ، فمن أين له ذلك ؟ فيه بركة ونماء .

وتجد إنساناً آخر أينما تحرّك لا يأتي بخير ، يقول لك : جميع الطرق مغلقة أمامي .

فقال إنّ الله ليعمر بالقوم الديار ويثمِّر لهم الأموال . قيل : كيف ذاك يا رسول الله ؟!! قال: بصلتهم الرحم . وهذا هو الحديث الرابع.

والنبيّ عليه الصلاة والسلام يقول : صلة الرحم تغفر الذنوب وتكفِّر الخطايا .

روى ابن حبّان والحاكم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال : أتى النبي صلّى الله عليه وسلّم رجل . فقال : إني أذنبت ذنباً عظيماً فهل لي من توبة ؟؟ فقال عليه الصلاة والسلام : هل لك من أم ؟ قال : لا . قال : هل لك من خالة ؟ قال : نعم . قال : فبرّها .

معنى ذلك أنّ الخالة في منزلة الأم .. قال : ألك أمٌ ؟ قال : لا . قال : ألك خالة ؟ قال : نعم. قال : فبرها .. أي ببرها يغفر ذنبك .

وصلة الرحم تيسّر الحساب وتدخل صاحبها الجنّة لما روى البزَّارُ والطبراني والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : قال عليه الصلاة والسلام : ثلاثٌ من كنّ فيه حاسبه الله حساباً يسيرا وأدخله الجنّة برحمته . قالوا : وما هي يا رسول الله بأبي أنت وأمي ؟ قال : تعطي من حرمك ، وتصل من قطعك ، وتعفو عمن ظلمك ، فإذا فعلت ذلك يدخلك الله الجنّة .

أما الشيء الخطير : لا يدخل الجنّة قاطع رحم ... فماذا ينبغي أن نفعل بعد هذا الدرس ؟

قبل أن تعلّم أولادك كن أنت في هذا المستوى ، اعمل جرداً لأقربائك ، وحاول أن تعمل زيارة أسبوعيّة ، فإذا لم تتمكن فلتكن الزيارة نصف شهرية ، وإذا لم تتمكن فلتكن زيارة شهرية ، أما الحد الأدنى الأدنى الأدنى فبالأعياد الرسمية .. عيدي الأضحى والفطر ، هذا العيد للرحم .. هذا الحد الأدنى ، ولو بعدت المسافات ، بطرف المدينة أو بقرية من قرى الغوطة .

لا بدّ من أن تزور رحمك أولاً ، وأن تتفقد أحوالهم ثانياً ، وأن تدلّهم على الله ثالثاً ، والأكمل من ذلك أنت طالب علم ورائد من روّاد المسجد ، وتحضر أربع أو خمس دروس أسبوعياً مع الخطبة ، عليك أن تعمل درساً صغيراً لأخواتك البنات، وأولاد أخواتك البنات فهؤلاء مجموعة اعمل لهم درساً وقم بتحضيره أولاً قبل يومٍ من اجتماعكم .. تفسير لآية ، وحديث له علاقة بالآية، وحكماً فقهياً وقصّة من قصص الصحابة .. واجمعهم وقم بإكرامهم ، فهذا الدرس ينعشك لأنّك كنت أنت سبباً في هداية الناس .

الآن يوجد ضياعاً فإن تركتهم فسيتربون بوسائل لا ترضي الله عزَّ وجلَّ .

فأنا أقترح على كل أخ من إخواننا الكرام أن يدعو .. فلا تقل أنا لست داعية .. فمن قال لك أنّك داعية بل ينبغي أن تكون داعية شئت أم أبيت .. فادع بناتك أو بنات اخواتك درساً للإناث إذا كان لك أخاً مشغولاً .. تاجراً وغارقاً في تجارته وعنده عدد من الأولاد فيهم من الخير فادعهم لعندك وحدد لهم يوماً في الأسبوع ، فإذا وجدوا درساً محضراً وجيداً .. آية وحديث .. حكمة ، قصة أحياناً ، صور من حياة الصحابة سبع أجزاء وهو كتاب لطيف جداً ، اقرأ لهم قصّة عن الصحابة، تروي لهم حُكماً فقهياً ، دعابة ، تقدم لهم ضيافة .. فالضيافة جاذبة لهم وهي لله عزَّ وجلَّ .

فإذا تمكنت من أن تحيط هؤلاء الشباب أولاد أخوك بالرعاية وتوجّهم ، وكذلك أولاد أختك، وبنات أختك هؤلاء رحمك ، فأنت كن داعية لأقربائك ، فإذا بعد عدة أشهر تجد بنات أخواتك قد تحجّبوا بعدما اقتنعوا بالدين ، وأولاد أخواتك أصبحوا يصلون ، ثم بعد ذلك حضروا معك إلى الجامع ، ثمّ أصبحوا مؤمنين ، وأصبحوا قرّة عين لأوليائهم هذا عمل عظيم .

هذا الذي قال عنه النبيُّ الكريم لسيّدنا علي كرّم الله وجهه .. قال له : يا علي .. لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من الدنيا وما فيها .. خيرُ لك مما طلعت عليه الشمس .. خيرٌ لك من حُمُر النعم .

فإذا أراد أحدكم أن يترجم هذا الدرس إلى مجلس علم صغير ضمن أسرته فهم رحمك ، وأقرب الناس لك هم أخواتك الذكور والإناث ، وأولاد أخواتك ذكوراً وإناثاً .. درس أسبوعي ثابت .. آية وحديث وقصّة أو تحفيظ للقرآن .. يقرأ كل واحد من الحضور نصف صفحة واسمع له ، فإن كنت متقناً للتجويد علّمته التجويد .. وتفسير آية أو اثنتين وحديثاً اجتماعياً للنبي وقصة قصيرة في خلال ساعة من الزمن ، فشعرت بقيمتك وأنّك إنسان وصاحب لرسالة ، وشعرت بأنّك أصبحت في قلوب الآخرين .. هذا الذي أتمنّاه عليكم من هذا الدرس .. هذا الدرس ينبغي أن يترجم عملياً .

ما من أحدٍ أصغر من أن يرشد الناس ، وما من أحدٍ أكبر من أن يستمع إلى النصيحة .. أي ما من أحد أصغر من أن يَنصح ، وما من أحد أكبر من أن يُنصح .

لذلك أرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون هذا الدرس مفتاح خير لنا جميعاً في دعوة أقاربنا ورحمنا إلى الله عزَّ وجلَّ .. لكن الإحسان قبل البيان ، افتح قلوبهم بالإحسان قبل أن تطالب آذانهم أن تفتح لك بالبيان ، افتح قلوبهم بالإحسان ، وكل شيء تقوم بإنفاقه في سبيل جلب القلوب لا يعلم إلا الله كم أجره .. فالهديّة رسول ، فإذا كان لك ابن أخ وهو بحاجة إلى هديّة وقدّمتها له، أحياناً قلم وكلّ إنسان بحسب إمكاناته ، فالقلم يفتح له قلبه تجاهك ، أو دفتراً أو كتاباً يكون بحاجة له ، أو بذلة فتوّة أول موسم الدراسة ، إذا أنت حاولت أن تهدي أقرباءك هدايا ثمينة وهم بحاجة لها فبذلك فتحت لهم قلوبهم ، وهذا الدرس هذه هي ترجمته .

فإذا استطاع كل منكم أن يقنع أحد أقاربه بالاستقامة ومعرفة الله يكون بذلك قد حقق هذا الدرس ، والحمد لله ربِّ العالمين .

صلة الرحم ترفع الواصل إلى الدرجات العلى يوم القيامة فقد روى البزَّار والطبراني عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : قال عليه الصلاة والسلام : ألا أدُلُّكم على ما يرفع الله به الدرجات ؟ قالوا : نعم يا رسول الله . قال : تحلُم على من جهل عليك ، وتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك ، وتصل من قطعك .

فالآن لنا تعليق لطيف كثيراً فيوجد حديث يقول فيه النبيّ الكريم : ليس الواصل بالمكافئ، ولكنّ الواصل من وصل من قطعه .

أي أن فلان زارك فتزوره .. له عندي زيارة .. هذه ليست صلة للرحم ، أما صلة الرحم أن يكون الموصول إنسان قطعك فوصلته ، أو حرمك فأعطيته ، ظلمك فأنصفته ، هذه أخلاق المؤمن، أما المعاملة بالمثل هذا أسلوبٌ غريبٌ ، لكن المؤمن لا يتقيّد بهذه القاعدة بل : يصل من قطعه ، ويعطي من حرمه ، ويعفو عمن ظلمه .

فقد قال الرسول الكريم صلّى الله عليه وسلّم : أمرني ربي بتسع خشية الله في السرّ والعلانية، وكلمة العدل في الغضب والرضى ، القصد في الفقر والغنى ، وأن أصل من قطعني، وأن أعفو عمن ظلمني. وأن أُعطي من حرمني ، وأن يكون صمتي فكراً ، ونطقي ذكراً، ونظري عبرةً .

يوجد تحفُّظ واحد إذا كان بيت خالته فيه بنات سافرات متفلّتات ، فذهبنا لصلة الرحم فاستأنسنا بهؤلاء الفتيات ، وجلسنا جلسة لطيفة جداً حتى الساعة الثانية عشر ليلاً ، وخرجنا وقلنا : الحمد لله اليوم قمنا بصلة الرحم . لا .. لا تصدّق نفسك فالقاعدة الفقهيّة تقول : دع خيراً عليه الشرُّ يربو .. وكذلك : درءُ المفاسد مقدّم على جلب المصالح .

أحياناً تكون في النيّة صلة رحم ثم تصبح بعد ذلك صلة أُخرى من نوع آخر ، فهذا غير مقبول على الإطلاق ، هذه طاعة ، والطاعة يجب أن تكون نظيفة من كلّ مخالفة .

أي لك خالة فخالتك فقط ، فإذا كانوا لا يتقيّدون فلا نزور ، ولكن يمكن مخابرتها هاتفيّاً ، فإذا لم تتقيّد خالتك بعد إخراج بناتها أمامك فمعنى ذلك أنهم لم يعتبروك أو يهتموا بك ، عندئذٍ : دع خيراً عليه الشر يربو ، فإذا لم يتقيد بنات عمّتك ولم يتحجبوا منك وقعدوا معك سافرات كاسيات عاريات وقالوا لك : أصبحت شيخاً يا فلان .. كذلك يمزحون معك .. هذه الصلة لا نريدها فاحفظ قدرك وامكث في بيتك ، نحن نصل من يقدّر اتجاهك ، من يقدّر دينك وورعك وعلمك ، وهذه الصلة ليس فيها معصية أبداً ، بل طاعة لله .. فهي عمّتك أو خالتك ، أما إذا وجد الاختلاط أو النظر فالآن دخلنا في موضوع آخر غير الصلة المشروعة وليس لنا علاقة في على الإطلاق .

لذلك ضع هذه القاعدة في ذهنك : درء المفاسد مقدَّمٌ على جلب المنافع .

وكذلك : دع خيراً عليه الشرّ يربو .

عندئذٍ هذا ليس صلة رحم ولكنّه معصية .. فالشيطان في بعض الأحيان يعمل لك مداخلات ويقول لك : ما هذا أنت ألا يوجد عندك دين؟؟ أليسوا هؤلاء بنات عمّتك وأصبحت مقاطعهم إلى الآن شهر ؟؟! هؤلاء نساءٌ أجنبيّات عنك ولا يحقُّ لك أن تنظر إليهنّ أبداً ، والنظر إليهنّ مفسدة، والحديث معهنّ مفسدة أكبر ، والسهرة معهن أكثر .

إذا فلنا تحفُّظٌ وحيدٌ .. لأنّ كثير من الأخوان يقولون لي : أن أثناء الزيارة حدثت المفسدة ، فإذا كان هناك من الضمانات أن تزور خالتك من دون بناتها ، وعمّتك من دون بناتها ، ولا يوجد اختلاط ولا نظر ، فلا مانع في ذلك بل بالعكس هو واجبٌ عليك ، وإذا وجد الاختلاط ففي هذه الساعة تتصل بها هاتفيّاً ، أو تدق على عمتك مثلاً  الباب وتخبرها أنك مستعجلٌ وهل يلزمها شيء منك ؟ أي بحكمة ، فقد قمت بالصلة وأعطيت درساً في نفس الوقت ، إذا وجدت الضمانات فلا مانع من الزيارة .

وبصراحة أقول لكم : إنّ كل إنسان له نقطة ضعف والكل له مأخذ ، فالتجار ربما تكون نقطة ضعفهم المال .. في عقد صفقة مربحة ثلاثمائة في المائة .. لو قلت له إن فيها شبهة . يقول لك : لا تدقق . فمن أين أُخذ ؟ من المال كان مأخذه .

أما الشاب بريعان شبابه وبمقتبل حياته من أين يؤخذ ؟ يؤخذ من النساء .. لذلك أخطر شيء على الشاب .. النساء ، فقد قال صلّى الله عليه وسلّم : ما تركت بعدي فتنةً أضرَّ عل الرجال من النساء .

وقال صلّى الله عليه وسلّم أيضاً : النساء حبائل الشيطان .

وقال : اتقوا الله في النساء .

هذا ليس تزمُّتاً ولكن مبالغة في الحيطة ، فالشاب من هنا يؤخذ ، وكثير من الشباب من قبل النساء زلّت أقدامهم ، وبالطبع إذا لم تكن المرأة منضبطة فهي شيطانة ، شيطانة في ثوب إنسان ، لهذا ربنا عزَّ وجل قال:

( سورة النور : آية " 2 " )

فقدّم الزانية على الزاني لأنّها أقدر على إغرائه من غيره .

هذا درس صلة الرحم ، وإن شاء الله الدرس القادم عن حقوق الجار ، وبعدها حقوق المعلمين ، هكذا يجب أن تربي ابنك على معرفة حقوق الآباء والأمّهات ، وحقوق الرحم ، وحقوق الجيران ، وحقوق المربيّن ، هذا جزء من التربية الاجتماعيّة لأولادك .

والحقيقة إنّ أبلغ تربية أن تكون أنت في هذا المستوى ، عندئذٍ يتعلّم أولادك بالتقليد ، فالقدوة هي أفعل طريقة تربويّة ، كن أنت قدوةً عندئذٍ يأتمر أولادك بما تفعل . والحمد لله ربِّ العالمين .

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi