English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

تربية الأولاد في الإسلام – 20 / 51 : : التربية الاجتماعية : حق الكبير ،  لفضيلة الدكتور محمد راتب

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

                                                                 

 الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على سيِّدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين ، اللهمَّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا ، إنَّك أنت العليم الحكيم ، اللهمَّ علِّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علَّمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحقَّ حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة الكرام ... مع الدرس العشرين من دروس تربة الأولاد في الإسلام ، ولازلنا في مسؤولية الآباء عن تربية أولادهم التربية الاجتماعيّة ، ووصلنا إلى تلقين الصغار الحقوق المتعلّقة بالوالدين وذوي الرحم ، والمعلّم والمربّي و ها نحن أولاء ننتقل اليوم إلى حقِّ الكبير .

وصدقوني أيّها الأخوة ما من طفلٍ أو صغيرٍ يرتكب عملاً قبيحاً أشدَّ من أن يتطاول على كبير .

 لذلك قد تعجبون أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم تبرأ من مَن لا يوقر كبيرنا ولا يرحم صغيرنا ولا يعرف لعالمنا حقه .

فالإنسان المتطاول على من هو أكبر منه ، إنسانٌ بعيدٌ بعداً شديداً عن  التربية الإسلامية.. لذلك النبيّ عليه الصلاّة والسلاّم في توجيهاتٍ دقيقةٍ وكثيرة بيّن حقَّ الكبير .

أولاً من هو الكبير ؟ أحد تعاريف الكبير أنّه كبير السن ، فالمتقدّم بالسن كبير ، ولا يمكن لصغير في السن أن يتطاول على كبير مع أنّ العالم كبيرٌ شيخٌ ولو كان حدثاً ، والجاهل حدثٌ ولو كان شيخاً .. هذه حقيقة ، العلم يكبِّر الإنسان والجهل يصغّره ، ترى أشخاصاً كباراً في السن حول مهندسٍ شابٍ يأخذون منه التعليمات الموافقة التوجيهات ، وقد يكونون في سنِّ أولاده ، هم كبار ولكنّهم لم يدرسوا ، فالعالم شيخٌ ولو كان حدثاً والجاهل حدثٌ ولو كان شيخاً ، لكن الكبير هو الكبير في السن مبدئيّاً ، والكبير هو الكبير في العلم والكبير هو الكبير في القدر .

في الحياة توجد ثلاث قوى : العلم .. إمامٌ عادل ، وعالم عامل ، وإنسان كبير في السن .. فالإنسان يحترم إما لعلمه ، أو إذا كان في منصب وهو يقوم بحقِّ هذا المنصب ، على كلٍ من كان أكبر منك سناً، أو أكثر منك علماً ، أو ارفع منك تقوىً وديناً ، أو أسمى منك جاهاً وكرماً .. هذا هو الكبير .

وما رأيت أدباً أرفع من أدب أصحاب رسول الله .. سيّدنا العبّاس عمّ رسول الله سؤل أيكما أكبر أنت أم رسول الله ؟ قال هو أكبر مني وأنا ولدت قبله . أرأيتم إلى هذا الأدب .

أيُّها الأخوة ... روى الترمذي عن أنسٍ رضي الله عنه قال قال عليه الصلاة والسلام : ما أكرم شابٌ شيخاً لسنّه إلا قيّض الله له من يكرمه عند سنّه .

ما أكرم شاب شاب  ،  نكرة ، يعني أي شاب شيخاً : يعني أي شيخ .. يعني كبير في السن.. بعضهم استنبط استنباطاً لا أدري مبلغه من الصحّة أي إذا أكرمت إنساناً في الثمانين فأبلغ الظن أنّك سوف تصل إلى الثمانين عاماً حسب الحديث .. هذا استنباط لا أدري مبلغه من الصحّة.. لكن الإنسان إذا أكرم شيخاً لسنّه قيض الله من يكرمه عند سنّه .

هل لهذا الحديث معنى مخالف ؟ المعنى العكسي إذا تطاول إنسانٌ على إنسان كبير وهو شاب في ريعان الشباب أو قوي أو في منصب حسّاس ، وإنسان في سنّ والده تطاول عليه ، اعتدّ بقوّته ، وبمنصبه وبسلطته تطاول عليه الحديث له مفهومٌ معاكسٌ وقد أسماه المفهوم المخالف ..  وما تطاول شابٌ على شيخٍ استخفافاً به إلا قيّض الله له من يستخفُّ به ومن يهينه في هذا السن .

حدّثني رجل أثق بحديثه ، كان راكباً قطاراً وقبيل أن ينطلق القطار من المحطّة ، غرفته فيها شاب ، صعد إلى هذه الغرفة شيخ وقور كبير في السن فأناس غير مهذّبين أنزلوه بالقوّة وتطاولوا عليه ، هذا الشيخ  انكفأ على نفسه تألم وأظنُّ أنّه بكى ، الذي حدّثني بهذه القصّة أخذ هذا الشيخ إلى غرفةٍ أخرى في القطار وأكرمه ، وأراد أن ينسيه هذه المأساة ، فما كان من هذا الشيخ إلا أنّ قال : والله في هذا المكان بالذات كنت شاباً وتطاولت على رجل كبير في السن .

والعوام يروون قصصاً كثيرة جداً وأنا أصدّقها .. فبهذا المكان ضرب والده ، وبنفس المكان ابنه ضربه .. ما أكرم شابُ شيخاً لسنّه إلا قيّد الله له من يكرمه عند سنّه .. وبالمقابل لا يتطاول شاب على إنسان كبير في السن على والده بالكلام أو بالضرب إلا سوف يدفع الثمن باهظاً .

البرُّ لا يبلى ، والذنب لا ينسى ، والديّان لا يموت .. اعمل ما شئت كما تدين تدان .

فقد ذكرت لكم مرّة قصّة رجل عادي جداً بل أقل من العادي وله أولاد عاديّون جداً وأقلّ من عاديين ، ليس له ميّزة وليس لهم فضل، لكن هذا الرجل فقد حركته ، أصيب بالشلل فنهض أولاده الشباب الذين هم أبناؤه فخدموه خدمةً لا يمكن تصورها ، وكان لهم قريبٌ يلحظ هذه الخدمة قال لي : بقيت سنة وأنا أعجب لهذه الخدمة لا الرجل المخدوم من العلم والقدر والكرامة والعطاء والتضحية والمؤاثرة بحيث يستحقّ هذه الخدمة ، ولا هؤلاء الشباب من العلم والتقى والورع بحيث ينطلقون من إيمانهم بهذه الخدمة ، فقال لي هذا الرجل : والله بقيت عاماً وأنا أتساءل ما سرّ هذه الخدمة ؟!! ثم بعد ذلك اكتشف أنّ هذا الرجل المشلول رعى أمّه  خير رعاية حينما أصيبت بفالجٍ أقعدها الفراش .

فربّنا عزَّ وجلَّ تجاوزاً لطبيعة الشباب وطبيعة الأب دفع هؤلاء الشباب لخدمة أبيهم .. يعني بالتعبير الدقيق الحياة دينٌ ووفاء .

ويقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه أبو داوود والترمذي عن عمروٌ بن شعيب عن أبيه عن جدّه رضي الله عنهم : ليس منّا من لم يرحم صغيرنا ويعرف حقَّ كبيرنا .

ليس منّا .. وهذه الأحاديث كلمة  ليس منّا تشير إلى أنّها كبيرة ، من مقاييس الكبائر أن يتبرّأ النبيّ من نسبة هذا الإنسان إليه : ليس منّا . فإذا قرأتم في الجامع الصغير : ليس منّا .. ليس منّا أثنى عشر حديثاً تقريباً .. عبارة ليس منّا خطيرة جداً تعني أنّ هذا الشيء من الكبائر... ليس منّا من دعا إلى عصبيّة .. ليس منّا من قاتل على عصبيّة .. ليس منّا من نهب ولا من اغتصب .. ليس منّا من خبب امرأةً على زوجها .. ليس منّا من خبب عبداً على مولاه إلى آخره.. ليس منّا من لم يرحم صغيرنا ويعرف حقّ كبيرنا ...

وروى أبو داوود عن أبي موسى رضي الله عنه قال قال عليه الصلاة والسلام : إنّ من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم ، وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه ، وإكرام ذي السلطان المقسط .

من إجلال الله تعالى أن تكرّم كبيراً في السن ذا شيبةً مسلم ، طبعاً القصد  مسلماً ، أمّا إذا كان فاجراً  قاسقاً غارقاً في الزنا في شرب الخمر ، فهذا موضوع ثان ، أمّا الحديث فيما بين المسلمين .

يعني إكرام حامل القرآن غير العالي فيه : أي أنّ بعض الناس يحفظون كتاب الله ولكنّهم يحتقرون الآخرين ، القرآن يهذّب الإنسان الإنسان إذا حفظ كتاب الله ، أو كان ماهراً به ، او فهمه فهماً عميقاً ، أو فسّره فلا ينبغي أن يستعلي على خلق الله .

وحامل القرآن غير العالي فيه إذا الجافي عنه ، الجافي عنه :  تركه وانشغل بأمور الدنيا .

وإكرام ذي السلطان المقسط : يعني أنت موجود في قريّة ومدير للناحية وهو رجل مستقيمٌ ليس له أي عمل سيّء ، فلا داعي إلى أن تتجاهله او لا تبالي فيه ، ما دام يقوم بعمل ويرعى أمور هذه القرية ، قائم مقام مثلاً .. أو أنت بمكان ودخل المحافظ مثلاً فلا مانع من أن تحترمه وتقف له هذا شيء ضمن الآداب الإسلاميّة .. أن تكرم ذي السلطان المقسط .

بالمناسبة في الأثر ورد .. أنّ العدل حسن لكن في الأُمراء أحسن .. يعني أنّ ألزم صفة للأمير هي أن يكون عادلاً ، والورع حسن لكن في العلماء أحسن ، والصبر حسن لكن في الفقير أحسن ، والسخاء حسن لكن في الأغنياء أحسن ، والحياء حسن لكن في النساء أحسن ، والتوبة حسن لكن في الشباب أحسن .

العالم ورع ، الأمير عدل ، الغني سخاء ، الفقير صبر ، الشاب توبة ، المرأة حياء .. يعني أجمل ما في المرأة حياؤها

( سورة القصص : آية " 25 " )

 

من علامات قيام الساعة أن ترفع النخوة من رؤوس الرجال وينزع الحياء من وجوه النساء.. الآن يُعقد مؤتمر بمصر هذا المؤتمر من اللائحة التي عقد من أجلها أن الدول الفقيرة عليها أن تصدر تشريعات تبيح الزنا واللواط والسحاق ، وتمنع الأب من محاسبة أولاده قبل البلوغ من ممارسة الجنس ، وتبيح الإجهاض بلا قيد أو شرط ، وتلزم من يمارسون الجنس باستعمال الواقي ، هكذا يريدون .

والإنسان إذا انحلّت أخلاقه انتهى .. طبعاً قد قاطعت بعض الدول  هذا المؤتمر الذي له ضجّة كبيرة ، كي نحلّ مشاكلنا الاقتصاديّة يجب أن نسمح باللواط والسحاق والزنا والإجهاض لكي نحل مشاكلنا الاقتصادية .. هكذا يريدن لنا .

تجاهل لديننا .. تجاهل لهذا المنهج الإلهي ، ولكن أنا والله متفائل هذا المؤتمر كاللقاح تماما يعني يثير في المسلم نخوته ، ويثير فيه تمسُّكه بدينه .

إنّ من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم ، وحامل القرآن غير العالي فيه والجافي عنه ، وإكرام ذي السلطان المقسط .

يعني أُسر وفق المنهج الإلهي أسر نظيفة ، أولاد ينشؤون في طاعة الله ، ينشؤون على الحياء والعفّة ، ينصرفون إلى طلب العلم إلى بناء مستقبلهم، إذا في أزمةً اقتصاديّة تعالج بطريقة أخرى ، تعالج بمضاعفة الدخل ، تعالج بضبط النفقات ، تعالج بإصلاح الأراضي ، تعالج باستغلال الثروات الموجودة في باطن الأرض ، فيوجد في أكثر من ألف حل ، أيعقل أن يكون هذا الحل المعروض في المؤتمر هو حل لمشكلاتنا ؟!! هكذا أرادوا لنا.. لكنّهم لا ينجحون .

وروى أبو داوود عن ميمون عن أبي شديد رحمه الله تعالى أنّ عائشة رضي الله عنها مرَّ بها سائل فأعطته كِسرةً - أي قطعة خبزٍ - ومرَّ بها رجل عليه ثيابٌ وهيئة فأقعدته فأكل ، فقيل لها في ذلك فقالت : قال عليه الصلاة والسلام : أنزلوا الناس منازلهم .

وفي روايةٍ : أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : أن ننزل الناس منازلهم .

طبعاً بماذا ننزل هذا الكبير منزلته ؟ قال : أن يستشار في الأمور الاستشارية ، وأن يقدَّم في المجلس ، وأن يبدأُ به بالضيافة تحقيقاً لقول النبيّ عليه الصلاة والسلام : أنزلوا الناس منازلهم.

وقد ورد أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قدم عليه وفدُ عبد قيس وهم يقولون : قدمنا على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فاشتدَّ فرحه ، فلمّا انتهينا إلى القوم أوسعوا لنا فقعدنا ، فرحّب بنا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ودعانا، ثمّ نظر إلينا فقال : من سيّدكم وزعيمكم ؟ فأشرنا جميعنا إلى المنذر بن عائد ، فلما دنا منه المنذر أوسع القوم له حتى انتهى إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقعد عن يمين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فرحّب به وألطفه ، وسأله عن بلادهم إلى آخر الحديث .

النبي قبل وفداً من دون رئيس ، قبل وفداً ليس رئيسهم إلى يمين النبي .. من زعيمكم ؟ من سيّدكم ؟ أشرنا إلى المنذر بن عائد ، فلمّا دنا من النبيُّ عليه الصلاة والسلام قعد على يمين رسول الله تكريماً له .

معنى ذلك : من آداب الإسلام أن يحترم وأن يبجّل الكبير .. الكبير في السن ، الكبير في المنصب ، الكبير في العلم طبعاً ، وإكرام ذي السلطان المقسط ، أي هذا الإنسان العادل المستقيم المتواضع هذا يكرّم ، وعالم وكبير في السن يكرّم .. لم يرد الغني هنا في هذا الحديث ، ولكن ورد فقط إمام مقسط ، وعالم ، وكبير في السن ، هؤلاء يقدّمون في المجالس ، يقدّمون في الضيافة ، هؤلاء يستشارون ، هؤلاء يحترمون ، هؤلاء يجلسون في صدر المجلس .

قال : الكبير ينبغي أن يقدّم في صلاة الجماعة ، وفي التحدُّث إلى الناس ، وفي الأخذ والعطاء ، أحياناً نقوم بتوزيع الهدايا على الطلاّب ، فإذا وجد إنسان ضيفٌ من ضيوف المسجد عالم جليل فنجعل التوزيع على يدِّ هذا العالم ، إنسان له سابقة في الإسلام فنجعل التوزيع على يده.

روى الإمام مسلم عن أبي مسعود قال : كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول : استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم  .

والنبيّ عليه الصلاة والسلام كان يستقبل وفداً فتكلّم من هو صغيرٌ في السن فقال عليه الصلاة والسلام : كبّر كبّر .

أي ليتكلّم الأكبر سنّاً .

 أحاديث كثيرة النبيُّ عليه الصلاة والسلام نبّه إلى أنّه من الخطأ الكبير ، بل من الكبائر أن يهزأ الصغير من الكبير ، أن يسخر منه ، أن يوجّه إليه كلاماً سيّئاً ، أن يسيء الأدب في حضرته ، أن ينهره في وجهه لما روى الطبرانيُّ في الكبير عن أبي أُمامة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال : ثلاثٌ لا يستخفُّ بهم إلا منافق .. الشيبة في الإسلام ، وذو العلم ، وإمامٌ مقسط .

ألا تتذكرون أحياناً أطفال من المدارس ذوي تربيةً سيّئة جداً إذا مرَّ إنسانٌ كبيرٌ ويقلّدوه واستهزؤوا به ، هذا الشيء وارد وهذا من ضعف التربية ومن سوء التربية .

الآن يتفرّع عن توقير الكبير : الحياء .. الحياء خلق في المسلم يمنعه من فعل القبيح ، يمنعه من التقصير في حقِّ الكبير ، يدفعه إلى إعطاء كلِّ ذي حقٍ حقّه ، لهذا قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الشيخان - البخاري ومسلم - عن عمران بن حصين : أنّ الحياءَ خيرٌ كُلُّه .

فالحياء كلُّه خير .. وبالمناسبة هل يوجد فرق بين الحياء والخجل؟ الخجل مرض وهو نقيصة بالإنسان ، الإنسان يخجل  يقول الحقيقة ، مظلوم ولكنّه ليس مذنباً ولكنّه خاف أن يتكلّم.. فهذا خجل والخجل مرض .. خجل يطالب بحقّه ، خجل يبيّن الحقيقة ، خجل يواجّه الناس ، خجل  ينصح .. هذا شعوراً بالنقص بالخجل ، هذا يجب أن يقاوم .

أما الحياء شيء آخر .. فالحياء فضيلة .. أما الخجل نقيصة بالإنسان .

في أشخاص لا يطالبوا بحقّهم .. فتكون الواقعة على عكس ما قيل ويظلّ ساكتاً .. تكلّم ما دمت لم تفعل هذا لماذا سكتّ ؟ خاف . هذا خجل .

يقول عليه الصلاة والسلام : يا عائشة لو كان الحياءُ رجلاً لكان رجلاً صالحاً ، ولو كان الفحش رجلاً لكان رجل سوء .

فبصراحة أقول لكم والله هذا لا أصدقه أبداً مؤمن يمزح مزحاً جنسيّاً ، يتكلّم بالعورات ،  يسبّ سباباً مقزعاً ، مستحيل : ليس المؤمن بالفاحش ، ولا البذيء . تعيش معه ثلاثين أربعين سنة فلا تلقى كلمة منه تجرح الحياء .. فالنبيُّ قال : يا بنيّتي إنّ هذه الثياب تصفُ حجم عظامك.

 تصف حجم عظامك .. اختار كلمة لا تجرح الحياء أبداً ، فالإنسان أحياناً يتكلّم عن أهله.. يحكي اسم زوجته ، قل : أهلي ..  أهل البيت ،  بناتي . يتكلّم ما بينه وبين امرأته من حديث أحياناً ، يصف أحياناً زوجته أمام الآخرين ، طبعاً يصف عنايتها بطبخها عنايتها بالبيت ، فمن عدم اللباقة والحكمة أن ينقل الإنسان للآخرين خصوصيّاته .

فلو كان الحياء رجلاً لكان رجلاً صالحاً ، ولو كان الفُحش رجلاً لكان رجل سوء .

ويقول عليه الصلاة والسلام : ما كان الفُحش في شيءٍ إلا شانه، وما كان الحياء في شيء إلا زانه .

فأنا ألاحظ ملاحظة أن إخواننا روّاد المساجد طلاّب العلم لهم سمتاً حسناً ، أينما جلسوا .. بأعمالهم ببيوتهم مع أصدقائهم ، بنزهاتهم ،  بلقاءاتهم ، باحتفالاتهم ، يمزح ويتكلّم لبقاً ولطيفاً ، ولكن لا توجد عنده كلمةً تجرح الحياء  .

تجد البعض كلامه كلامٌ مقزعٌ كلام فيه وقاحة وكلام فيه سُباب ،  كلام ملغوم كلام مغشوش، في شخص كيفما تكلّموا يغشَّوا الكلام ، فأيّ عبارةً يقولها يعني بها شيئاً آخر ، هذا ليس من أخلاق المؤمن .

فما أقوله لكم كلام دقيق.. فمؤمن يستخدم عبارات تجرح الحياء؟ هذا شيء مستحيل .

يقول عليه الصلاة والسلام : ما كان الفُحش في شيءٍ إلا شانه، وما كان الحياء في شيء إلا زانه .

وروى الإمام مالك وابن ماجة عن زيد بن طلحة قال عليه الصلاة والسلام : إنّ لكلّ دينٍ خلقاً ، وخلُق الإسلام الحياء .

تجد المؤمن ببيته غير متبذِّل ، التبذُّل في البيت ليس من الإيمان في شيء، حتّى في الثياب، فهل من المكن أن يقوم الإنسان بارتداء ثيابٍ داخليّة أمام بناته مثلاً ؟ أو أمام أخته ؟  الأخت أمام أخيها تكون بثياب متبذِّلة ؟ هذا كلُّه من قلّة الحياء ، المسلم منضبط ، المسلم ضمن البيت وخارج البيت منضبط ، فالتعرّي دليل التوحُّش ، فكلّما كان التعرّي موجوداً فهذا دليل التوحُّش  :

( سورة الأعراف : آية " 26 " )

فمعنى هذا الثياب دليل على التحضُّر والرقيّ ، والتعرّي دليل تخلُّف .

وروى البخاريُّ ومسلم عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال : الحياء شعبةٌ من الإيمان .

أي الحياء : لا يأتي إلا بخير .. فنحن نقول : توقير الكبير .. فالتوقير من لوازمه الحياء ، عندما يستحي الصغير من الكبير فقد وقّره أمّا لو استخفَّ فيه ؟

فتلاحظ أحياناً بالمركبات العامّة طفلاً يقعد على مقعد وإنساناً كبيراً واقفاً ومتمسّكاً وسوف يقع ، والطفل جالس ‍‍ فالطفل يجب عليه أن يقف على الفور ، وحتّى لو قام بحمل حاجة الكبير فهذا أكمل .

وروى الشيخان عن أبي سعيد رضي الله عنه أنّه قال : لقد كنت على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم غلاماً فكنت أحفظ عنه فما يمنعني من القول إلا أنّ هاهنا رجالاً هم أسنُّ منّي .

النبيّ يسأل سؤالاً والغلام يعرف الجواب لذاكرته القويّة لكنّه يخجل يستحي من أن يتكلّم لوجود من هو أسنّ منه في المجلس ، كذا كان يقول أحد الصحابة .

ويروي البخاري وأبو داوود والترمذيّ عن عائشة رضي الله عنها قالت : ما رأيت أحداً أشبه سمتاً ودلاً وهدياً برسول الله صلّى الله عليه وسلّم في قيامها وقعودها من فاطمة بنت رسول الله .. كانت إذا دخلت على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قام إليها فقبّلها وأجلسها في مجلسه، وكان عليه الصلاة والسلام إذا دخل عليها قامت من مجلسها وقبّلته وأجلسته في مجلسها ، ما رأيت أحداً أشبه سمتاً ودلاً وهدياً برسول الله من ابنته فاطمة

هذا الأدب قال : يا رسول الله ما هذا الأدب !! قال : أدبني ربّي فأحسن تأديبي .

الشيء الصارخ بالمؤمن هو أدبه ، فالمؤمن إنسان كسائر البشر له عينان وأذنان وأنف ورأس وجذع وأطراف ، لكن المظهر الصارخ له أدبه .. أدبه في مشيه ، أدبه في جلوسه ، في شرب الماء وفي طعامه في نومه حتى في قيادة مركبته ، في جلسة فيها أدب وفي جلسة فيها كبر، كلّما عاكسه بسبه أثناء القيادة  سبّه على طول في سباب يظل ساكت أثناء القيادة السباب دائماً ، يسبوا بعضهم السائقين من قلّة الأدب .

كان عليه الصلاة والسلام يحدّثنا فإذا قام قمنا قياماً حتى نراه دخل إلى بعض أزواجه .

 الصحابة الكرام وقروا النبيّ توقيراً لا حدود له .

النبيّ عليه الصلاة والسلام كان جالساً فأقبل أبوه من الرضاعة ، فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه ، ثم أقبلت أمّه من الرضاعة - السيّدة حليمة السعديّة - فوضع لها شقّ ثوبه من الجانب الآخر فجلست عليه ، ثم أقبل أخوه من الرضاعة فقام عليه الصلاة والسلام فأجلسه في مكانه.

كلّهم من الرضاعة فكيف حقيقةً .. والده من الرضاعة مدّ له طرف ثوبه ، والدته من الرضاعة مدّ لها طرف ثوبه الآخر ، جاء أخوه أجلسه مكانه .

وروى الشيخان أنّ سعد بن معاذ رضي الله عنه لمّا دنا إلى  المسجد قال عليه الصلاة والسلام : قوموا إلى سيّدكم أو خيركم .

أي أنّ النبي أمر أصحابه في حضرته أن يقوموا لسيّدنا سعد ، فهو سيّد الأنصار ، حتى يجعل لكلّ إنسان مكانه ، الإنسان يتجاهل أي إنسان حوله ، أمّا العظماء .. فسيّدنا رسول الله اللهمّ صلّي عليه مع أنّه سيّد العظماء لكنّه لم يتجاهل من حوله من الصحابة الكرام أعطى كلّ واحد منهم حقّه .

فقد قال لمعاذ : والله يا معاذ إنّي أحبُّك ، وقال : ارمِ سعد فداك أبي وأمّي .، دخل سيّدنا سعد قال : هذا خالي ، أروني خالاً مثل خالي ، أبي قال له : أنت يا أبا عبيدة أمين هذه الأمّة . يا خالد أنت سيفٌ من سيوف الله . ما ساءني قط .. ما طلعت شمسٌ على رجلٍ بعد نبيٍ أفضل من أبي بكر . سيدنا عمر : لو كان نبيٌ بعدي لكان عمر . سيدنا عثمان  : ألا أستحيي ممن تستحي منه الملائكة، وسيدنا عليّ قال : أنا مدينة العلم وعليٌ بابها .

أي أنّه لا يوجد صحابي إلا والنبيّ اللهمّ صلّي عليه أعطاه صفته الحقيقيّة ، وهي من عظمة رسول الله ، مع أنّ الأقوياء  يذكر معهم إطلاقاً ، وكلّ إنساناً معهم مطموس المكانة ، لكن النبيّ اللهمّ صلِّ عليه مع أنّه أعظم خلق الله لكنّه أعطى كلّ أصحابه حقّهم.

أحد الصحابة  سيّدنا كعب بن مالك عندما قصّ علينا خبر تخلُّفه في تبوك وبعد أن تاب عليه الله عزَّ وجلَّ قال : انطلقت أتأمم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تلقّاني الناس فوجاً فوجاً يهنّئونني بالتوبة ويقولون : لتهنئك توبة الله عليك ، حتى دخلت المسجد فإذا برسول الله صلّى الله عليه وسلّم جالسٌ حوله الناس ، فقام إليّ طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه يهرول حتى صافحني وهنّأني .

فاستدلّ العلماء من هذا أنّ تكريم المؤمن العالم ، أو الكبير ، تكريم ذي الشيبة المسلم ، تكريم الإمام المقسط ، أن تقوم له تكريماً فهذا مقبول وهذا العمل من السنّة ، إلا أنّ النبيّ عليه الصلاة والسلام قال :

لا تقوموا كما تقوم الأعاجم لأسيادها .

فهذا الحديث له معنى آخر .. قالوا : من أراد أن يتمثّل الناس له قياماً يجب ألا تقوم له ، المتكبّر الذي يفرض على الناس أن يحترموه بالقوّة هذا متكبر ، هذا يريد التكريم لذاته ، هذا لا تقوم له ، أو إنّهم إذا ما قاموا إلى مرتبته العلميّة قاموا إلى ذاته خوفاً من بطشه ، طمعاً بماله ، فإذا كان التكريم طمعاً بالمال أو خوفاً من البطش هذا خلاف السُّنه ، أمّا إذا كرّمت إنساناً حاملاً لكتاب الله .. فو الله أنا في ذات مرّة أخ أصغر مني بالسنّ  بكثير ولكنّه حافظٌ لكتاب الله ركب معي بالمركبة فلمّا أوصلته نزلت من الباب وودّعته واقفاً ، وهو أصغر مني سناً فهذا يحمل كلام الله ، فلا مانع من أن تكرّم إنساناً حافظاً لكتاب الله ولو كان أصغر منك سناً .

أما إذا كنت تكرّم إنساناً خوفاً منه أو طمعاً في ماله هذا انتهى.. فقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : من جلس إلى غنيٍ فتضعضع له ذهب ثلثا دينه .

وأخرج ابن عساكر عن أبي عمّار أنّ زيد بن ثابت قُرِّبت له دابّةً ليركبها فأخذ ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما بركابها فقال زيد : تنحّ يا ابن عمّ رسول الله . فقال : هكذا أُمرنا أن نفعل بكبرائنا وعلمائنا . فقال زيد : أرني يدك . فأخرج يده فقبّلها فقال : هكذا أُمرنا أن نفعل بأهل بيت نبيّنا .

يعني الأول قدم ركاب الدابة لسيدنا زيد بن ثابت وهو بن عباس ابن عم رسول الله ،  وقال له : هكذا أمرنا أن نفعل بكبرائنا وعلمائنا ، والثاني قال له : أرني يدك فقبّلها ، وقال هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت بيتنا .

أي لو وجدّت مؤمنين يتعاملان دائماً تجد كلّ واحد منهم يقدّم للآخر أحس كلمة وأجمل حركة ، فيقدّم له محلّه ويؤاثره ، ويحترمه ، ويصافحه ، ويقبّله أحياناً إذا كان مسافراً ، العلاقات الإيمانيّة علاقات راقية جداً .

أخواننا الكرام ... الحياة جميلة بالمودّة والمحبّة والاحترام والأدب والعفّة وطهارة اللسان .. لا يستقيم إيمان عبدٍ حتى يستقيم قلبه ، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه . فالشيء الذي يبدو في المؤمن نظافة لسانه .

وكما قلت قبل قليل .. تعيش ثلاثين سنه في سفر ،  في حضر ،  في بيته ،  بوليمة  بنزهة،  بمسجد  بجامع ، بلقاء لا يمكن أن يتكلّم بكلمة فاحشة ، أو بكلمة بذيئة ، أو بكلمة ملغومة، أو بكلمة مغشوشة ، أو يذكر اسم العورات بأسمائها الفاضحة ، أمّا هذا الذي يتكلّم بكلمات فاحشة ، ويسمّي الأشياء بأسمائها الوقحة السوقيّة هذا بعيد عن ذوق الإيمان .. ليس المؤمن بالفاحش ولا البذيء .

فصار معنى الكبير بحسب الدرس هو الكبير السن ، طبعاً من المسلمين ، والحديث فيما بين المسلمين الكبير كبير السن ، و الكبير كبير العلم ، والكبير الإمام العادل ، مدير مدرسة وأنت معلّم عنده هل يجب أن فتطاول عليه ؟ لم يبدر منه شيء فهو رجل يقوم على خدمة الطلاّب ،  مدير لمشفى أنت طبيب ناشئ فإذا رأيته دخل عليك فقم وقف له ، فهذا ضمن عملك ، فاحترام مدير مشفى مدير لثانويّة مديراً لجامعة أو أستاذ لجامعة مثلاً ، مدير لمعمل ، مدير ناحية، احترام إنسانٍ مستقيمٍ منصفٍ عادلٍ هذا ليس فيه أي إهانة لك أبداً ، فأحياناً بعض الناس يصنع لنفسه بطولات ويقول : استطعت أن أهينه . فإذا قلت له : هل عمل لك شيئاً ؟ يقول : لا .. ولكنني أهنته - بهدلته - . فلماذا أهنته وما هذه الأخلاق الشرسة ؟!

فإذا وجد إنسان له منصب مكانة ، و يسيء لك أو يظلم أو يتجاوز حدّه فهل تبني مجدك على إهانته ، كثيراً أسمع هذه البطولات .. بقولهم : لم أقف له ، أو لم أسلّم عليه . فهل عمل معك شيئاً ؟ يقول : لا لم يعمل معي شيء . إذاً لماذا لم تحترمه ، فهذا مدير عام .

بالمناسبة .. إذا كنت موظفاً في مؤسسه ولها مدير عام فاحترامك له هذا ضمن إيمانك وضمن إسلامك ، لا يخدش مكانتك أن تحترمه ، فالله قد جعله مديراً عاماً ، فأنت تل منصب وهو منصف ، أو أكبر سناً ، أو أكثر علماً .

أمً أن يعظّم الغنيُّ لماله فهذا من النفاق ،  أن يعظّم القويُّ لقوّته فهذا من النفاق ، أن يعظّم القويُّ خوفاً من بطشه فهذا من الشرك ، إذا عظّمت القوي فوق الحدّ المعقول خوفاً من بطشه فهذا شرك.

فأنا أتمنّى من إخواننا الكرام أنّ يربوا أولادهم على هذا الأدب فإذا جاء به إلى المسجد ، الطفل يركض يطيش في المسجد  يعلو صوته يضحك  يضطجع على السجّاد فأين والده ؟ فالمفروض أن يتعلّم الأدب ، فو الله نحن نحبّ كلّ الصغار ، فعندما أرى أخاً مع ابنه فو الله أسعد به ، لأنّ هذا الابن عندما ينشأ على المجيء لبيوت الله عزَّ وجلَّ هذا مكانه الطبيعي ، فأنا أتمنّى من كل أخ كريم أن يحضر معه ابنه حتّى يألف الطفل المسجد ، وأحب أن يكون مكرّماً جداً وأتمنى إذا حضر أحد مع ابنه أن تبتسموا في وجه الابن ، وإذا كان معك شيء من الحلوى أعطها له ، واسأله عن ابنه ، فيشعر بمكانته في المسجد .

فالنبيّ الكريم كان يسلّم على الصبيان ويقول : السلام عليكم يا صبيان .

أحياناً تكون سائراً بحارتك ، تجد أحياناً طفلاً صغيراً هو الذي يسلّم على الكبار .. فهذا شيء جميل ويجب عليك أن لا تتجاهله فقل له : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .. ما اسمك يا بني ؟ ومن هو والدك؟ بارك الله بك ، فخذ اسمه واسأله عن والده فهو قد ألقى عليك السلام .

وإذا كنت خارجاً من مدخل بناية ورأيت طفلاً فقل له : السلام عليكم ، ولو كان صغيراً  ، فهكذا الإسلام .. من لوازم المؤمن السلام ، سلّم على الصغير وعلى الكبير ، على من تعرف ومن لم تعرف ، مثلما تكلّمنا في الدرس الماضي .. هذا حقّ الكبير .

من صفات المؤمن توقير الكبير ... وليس منّا من لم يوقّر كبيرنا.. ليس منا .

أرجو الله سبحانه وتعالى أن تترجم هذه الحقائق وتلك التوجيهات النبويّة ، وهذه الأحاديث الشريفة ، إلى واقعٍ نعيشه ، ففي الحقيقة الأب إذا أراد أن يوجّه ففي ذلك جهد ، تجد ابنه يرتكب غلط واثنان والأب ساكت لا يتكلّم ، فالابن ليس له ذنب لأنّه لم يتعلّم ، وإذا لم يتعلّم فمن يعلّمه غير أبيه؟ ! أما إذا حضر الأب لمجلس علم وتلقّى هذه المباديء ورأى ابنه لم يسلّم على الكبير فيقول له : سلّم يا بني . أحياناً يدخل الابن على ضيوف أبيه وينظر لهم دون مبالاة .. فسلّم وقل: السلام عليكم .

وأحياناً بالعكس يكون عند أبيه أكثر من ثلاثين شخصاً والحديث مهمٌّ فيصافحهم واحداً واحداً فمكن في هذه الحالة أن تقول له : يا بني سلّم واقعد .. بأن يقول السلام عليكم ثم يجلس.. أو يكون عنده ست أولاد وكلّما دخل واحداً منهم يصافحوا الحضور واحداً واحداً والكل يقفوا لهم. فيجب إذا دخل الابن أن يقول : السلام عليكم ثم يجلس ، أما إذا وجد ضيف واحد ودخل الابن فيسلّم عليه .

علّم ابنك  يسلّم و يحترم و يقدّم الضيافة بنفسه ، فبعض الأبناء عندهم من النباهة وبدون إشارة من أبيهم يقومون على الفور بتقديم الضيافة للضيف ، فهذا شيء جميل أن يعرف الابن حقّ الضيف .

أحياناً يكون الأب غير موجودٍ في البيت ولك إخوة أكبر منك فقل لصديق والدك أو زميل أو رجل معروف ولـه قيمته ، يقول له ليس موجود وابن آخر يقول : تفضّل وانتظر ، الآن سنخبره ليأتي سريعاً ، ويقوم الابن بتقديم الضيافة له .. فيجب أن تعلّم ابنك كيف يستقبل الضيف كيف يودّع الضيف ، أحياناً يقدّم الضيافة من فوق رأس الضيف ، أو يسلّم على الضيف فيوقع فوقه شراب التوت الشامي .

القصد أن تعلّم أولادك الأدب مع الكبير ، استقبال الضيف ، أو إذا دخل عمّه للبيت فالعم كما قال النبي والد ، فالمفروض أن تعرّفه على أهله وتأخذه معك في الأعياد ويرى عمومه وأخواله كلّهم ، وتذهب إلى بيت بيت من بيوت أقربائه وأولاد خاله وأولاد خالته ، حتى يعرف الطفل من هم أهله .. فأحياناً يقول لي أحدهم : والله لا أعرف من هم أولاد عمّي .. فتصير بذلك قطيعة ، فلا يعرفون بعضهم البعض ، ففي الحقيقة محبّة الآباء تورث محبّة الأبناء ، وبصراحة إذا الإنسان أحبّ شخصاً فيحبّ أولاده ، فالأولاد غاليين مثل الشخص ، فالنبي قد وجّهنا توجيهاً أن لا يقطع أحدنا أهل ودّ أبيه : أهل ودّ أبيك لا تقطعهم فيطفيء الله نورك .

وعندما سأل النبيّ أحد الصحابة قائلاً : أبقي عليّ من برِّ والديّ شيء ؟ قال له : نعم أن تصل صديقهما .

فمن هم أصدقاء الوالد فيجب أن تبقى على صلة بهم .. فأرجو الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه التوجيهات مطبّقة في بيوتنا جميعاً .. والطفل المؤدّب والله يا إخوان لا يقدّر بثمن ، فهو ثروة الطفل الأديب والطفل المربّى والطفل المعلّم و الطفل يعرف حقّ الكبير طليق السان ، شيء لا يقدّر بثمن ، ولا يوجد أبشع من طفل وقح تجده يسبّ بعبارات بذيئة بالطريق، أُقسم بالله الحائط يخجل من كلامه ، تجد أطفال مدارس ويسب أخته وأخت أخته وأمّه بكلمات مقذعه ، فأين تربى هذا وأين أبوه وأين أمّه ، ومن علّمه ، وتجد طفلاً يستحي من كلمة نابية ، وطفلاً يتكلّم الكلمات النابية كأنّها كلمات طيّبة .

فأحياناً تجد من يضع ويعلّق الشهادات ببيته يبرزها ، فهذا معه البكالوريوس وهذا معه الليسانس ، وهذا معه الدكتوراه ، فأنا قناعتي وأرجو أن تكون كلمة دقيقة : شهادتك أولادك .. ويا أيّتها الأخت المؤمنة شهادتك العالية تربية أولادك ، فإذا كان عندك أولاد وبنات على خلق وتربية عالية فهذه شهادة للأم ، وإذا عندك من الأولاد كذلك فهذه شهادة لك ، فشهادتك الحقيقيّة هي أولادك ، فيجب على الإنسان أن يسعى لتربية أولاده التربية المثلى .

فنحن في الدرس العشرين ولا زلنا بحاجة إلى المزيد ، وأنا حريص جداً على أن تكون بيوتنا إسلاميّة ، وعلى أن يكون الابن سائراً عل منهج والده ولكن هذا يلزمه جهداً كبيراً . وأحياناً يتوفّى الأب وتكون الأم أخت الرجال تقوم بتربية أولادهم تربية راقية جداً ، وأحياناً يتوفى الأب ويكون العم مثل الأب ، فأنا أعرف عماً قام بتزويج بنات أخيه بنتاً بنتاً ، ويروون الأهل أنّه لم يجدوا فارقاً ولو ضئيلاً كالشعرة بين ابنته وابنة أخيه ، اختار لهنّ الأزواج الأطهار، وأقام الحفلات ببيته وألبسهن وأكمل شيء .. فأحياناً يكون العم مثل الأب .

فمن هو اليتيم ؟؟ اليتيم هو الذي له أمٌ تخلّت عن تربيّته ، أو أبٌ مشغولٌ .. أب مشغول وأم مسيّئة متخلّية عن مهمّتها ، فاليتيم الحقيقي هو من لا يجد الرعاية الكافية ، فقد قال النبيّ الكريم :

أيُّما امرأةٍ قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنّة .

أحياناً تجد العم أرقى من الأب ، وأحياناً تجد الأم تقوم بدور الأب والأم معاً .. فاليتيم الحقيقي هو الذي ليس له أبٌ يراعاه أبوه مشغول وأمّه مقصِّرة في واجباتها تجاه أولادها .

والحقيقة هذا الدرس نحن في أمسّ الحاجة إليه صغاراً وكباراً ، صغاراً نتأدّب بهذا الأدب، وكباراً نعلّم أولادنا هذا الأدب ، والحمد لله ربِّ العالمين .

                                      *  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi