English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

تربية الأولاد في الإسلام – 21 / 51 : التربية الاجتماعية – غرس الآداب الاجتماعية عند الأطفال – أدب الطعام

 

بسم الله الرحمن الرحيم

                                                                 

 الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على سيِّدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين ، اللهمَّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا ، إنَّك أنت العليم الحكيم ، اللهمَّ علِّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علَّمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحقَّ حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة الكرام ... مع الدرس الواحد والعشرين من دروس تربية الأولاد في الإسلام ولا زلنا في مسؤوليّة الآباء عن تربية أبنائهم التربية الإجتماعيّة ، لكننا ننتقل إلى بابٍ جديد من أبواب هذا القسم ألا وهو غرس الآداب الاجتماعيّة عند الأطفال .

والآداب الاجتماعيّة تشمل : آداب الطعام والشراب ، وآداب السلام ، وأدب الاستئذان ، وأدب المجلس ، وأدب الحديــث ، وأدب المزاح ، وأدب التهنئة ، وأدب عيادة المريض ، وأدب التعزية ، وأدب العطاس والتثائُب .

ولنبدأ بأدب الطعام والشراب .. الصحابة الكرام رضوان الله عليهم تحيّرت عقولهم في هذا الأدب الرفيع الذي كان عليه الصلاة والسلام متحلّياً به ، فسألوه : ما هذا الأدب يا رسول الله ؟!! فقال : أدبني ربّي فأحسن تأديبي .

أيّها الأخوة ... قبل أن نمضي في الحديث عن آداب الطعام والشراب ، وآداب السلام وما إلى ذلك ، أريد أن أُوضّح لكم حقيقة كيف أنّ المؤمن يتأدّب بهذه الآداب ؟

هناك طريقان .. الطريق الأول طريق التعلُّم .. النبيّ عليه الصلاة والسلام يقول لك : يا غلام كُل بيمينك ، وكل مما يليك .

فيمكنك أن تتحلّى بهذه الآداب عن طريق التعلُّم .. يوجد طريقٌ آخر  أنّك إذا اتصلت بالله عزَّ وجلَّ اتصالاً حقيقياً الكمال الإلهي قد سرى إلى نفسك ، فمن دون أن تعرف الحكم تجد أنّك لا تفعل هذا ذوقاً .. فإمّا أنّك لا تفعل هذا العمل معرفةً أنّه لا يجوز فهذا مستوى ، والمستوى الثاني لا تفعله ذوقاً .

الحقيقة والأكمل أن تجمع بينهما .. أن تجمع بين اتصالك بالله وسريان هذا الكمال الإلهي إلى نفسك ، وأن تجمع بين تعلُّم السنّة .. فإذا اتصلت بالله حققت جوهر الأدب ، وإذا قرأت السنّة حققت تفاصيل الأدب، فإذا جمعت بين جوهر الأدب وتفاصيله كنت أديباً متأدّباً بآداب الإسلام .

  المؤمن أدبه بيّن ، لا تعرفه بصلاته وصيامه فقط ، فلو كان بين الصلاتين ، قاعدين في سهرة والعشاء قد أذّن له والكل قد صلّوا ، أو لم تعرف من قد صلّى ، يا ترى ألا تعرف المؤمن من حديثه فقط ؟ من حديثه ، من نظراته ، من طرقه للباب ، لا يطرق الباب ويقف بوجهه نحو الباب  فإذا فتحت امرأةٌ الباب رآها كما هي !! لا .. بل يدير ظهره للباب ، وإذا كان جالساً عند صديقه لا ينظر، فإذا حدثت حركة خلف الجدار وكانت هناك نافذة فلا ينظر بل يدير وجهه ، فالمؤمن لا تعرفه من صلاته وصيامه فقط ، بل ينبغي أن تعرفه من آدابه .. أدبه في المشي ، أدبه في دخول البيت ، أدبه في الجلوس ، أدبه في تناول الطعام ، أدبه في السلام .

الحقيقة إن شاء الله لا أُبالغ أنّ هذا الفصل الذي بين أيدينا من أهمّ الفصول ، لأنّ النبي عليه الصلاة والسلام كان أدبه ظاهراً .. ما هذا الأدب ؟ قال : أدّبني ربّي ، فأحسن تأديبي .

فشيءٌ جميلٌ جداً أن تكون أنت أديباً وتعلّم أولادك الأدب ، تعلّم أولادك أن لا يتكلّموا بكلمةً نابية ، وألا تكون لهم نظرة غير لائقة ، فقد قال تعالى :

( سورة النجم : آية " 17 " )

أحياناً البصر يطغى ، تنظر إلى شيء لا يحلُّ لك ، إذاً الأدب له طريقان .. طريق التعلُّم والتقليد ، وطريق الصبغة ، فقد قال الله عزَّ وجلَّ

( سورة البقرة : آية " 138 " )

والآية واضحة ، فالفطرة صفحة بيضاء لا يوجد فيها خيرٌ أو شرٌ ، لكنّ الصبغة هي اصطباغ النفس لكمال الله من خلال الاتصال بالله والدليل  دقيق جداً يوجد دليل قرآني نبوي ، فالدليل القرآني قال تعالى :

( سورة آل عمران عمران )

هذه الرحمة التي تراحم بها الناس وتراحم بها المؤمنين ، والبادية بشكلٍ صارخ من تصرُّفاتك ، من لينك ، من محبّتك ، من شفقتك من رأفتك  هذه الرحمة من الله .

 ورد في السنّة : إنّ مكارم الأخلاق مخزونة عند الله تعالى ، فإذا أحبّ الله عبداً منحه خلقاً حسناً.

فالخلق الحسن من الله ، من خلال الاتصال بالله ، لكن توجد عندنا حالةً خاصّة يجب أن تعلموها وهذه الحالة أنّ الإنسان بحنكته وذكائه يقف موقفاً أخلاقي ، هو ليس أخلاقياً لكن هذا الموقف أخلاقي ، فهذا الموقف موقف استعراضي ، وهدفه تحقيق مصالح معيّنة ، هذه الأخلاق برع بها الكفّار براعةً ما بعدها براعة .

سيّارة عامة لم تقف لطفل ، حقوق المواطن غالية جداً ، أهل هذا الطفل أقاموا دعوى على الشركة بخمسين ألف جنيهاً إسترلينياً ، المركبة العامّة لم تقف لهذا الطفل وقت الغروب .

لكن شعوباً بأكملها تموت فلا مانع ، يفتعلون المشكلات في كل مناطق العالم ، ما بين الهند والباكستان ، لا يوجد دولتين متجاورتين إلا ولديها مشكلة من فعل الغرب ، وحروب واعتداءات ، وشراء أسلحة ، وتدمير أسلحة ، هم يفتعلون المشكلات ويسفكون دماء الشعوب وينهبون الثروات وإذا لم تقف مركبة الطفل صغير تقام بدعوى وتحصل من الشركة خمسون ألف جنيه في بلادهم.

هذا الكلام قد قام بتلخيصه شاعرٌ ببيتٌ واحدٌ فقال :

قتل امريءٍ في غابةٍ جريمةٌ لا تغتفر

                                 .. وقتل شعبٍ آمنٍ مسألةٌ فيها نظر

إذاً قد يقف الإنسان موقفاً أخلاقياً وهو غير أخلاقي ، وهذا الموقف موقف استعراضي ، هدفه تحقيق مصلحة ماديّة ، هذا الموقف لا قيمة له عند الله إطلاقاً ، فقد قال تعالى :

( سورة الكهف )

 لذلك يوجد موقف أخلاقي ويوجد إنسانٌ أخلاقيٌ ، ولدينا مثالٌ أوضح من ذلك : مثلاً عليك سند بادرت بدفعه فهل أنت صاحب أمانه ؟ لا .. لا وبأعلى صوت لأنّ هذا سند ومالذي بيده السند يقيم عليك دعوى ويحجز عليك ، ويعمل لك مشكلة ويفضحك بالسوق ، فمبادرتك إلى تأدية الحق هذا سلوك مدني ، أما الأمانة أن يعطيك إنسان مئة ألف لتشغلها له عندك ، ويموت أمامك فجأةً ، ولم يبلغ أحداً إطلاقاً .. لا إبلاغ ، ولا إيصال ، ولا إعلام .. ولست في الأرض كلّها مداناً أمام أحد طرقت باب الورثة وقلت لهم : هذه أمانة أودعها أبوكم عندي قبل أن يمت . هذه هي الأمانة .

فيا إخواننا الكرام ... الإنسان بذكائه وحنكته يستطيع أن ينتزع إعجاب الناس ولكن إلى حين ، لكن وحشيته تظهر أحياناً بشكل يفضحه ويكشف له .

فمثلاً بالخمسينات كان الناس مأخوذين بهذا العالم الغربي ، بالعلم والحضارة والرقي والتقدُّم والقيم ، الآن ابن الشارع الطفل الصغير ، عامّة الناس الطبقة غير الواعية من المجتمع ترى وحشيّة الغرب ، وازدواجيّته ، وكيف أنّه يكيل بمكيالين ، وكيف أنّه حاقد على الإسلام حقداً لا حدود له ، أليس كذلك ؟

فالأخلاق الاستعراضيّة لا قيمة لها عند الله ، هي أخلاق أساسها حنكةٌ وذكاء ، هدفها رخيص ، هدفها مكاسب دنيويّة لا تقدِّم ولا تؤخِّر .

فعندنا مثل عربي معروف : أنّ أحد الناس رأى صيّاداً يذبح عصفوراً وقد سقطت من عينه دمعة ، فقال : ما أشدَّ رحمته . فقال له الآخر : انظر إلى السكين .. لا تنظر إلى هذه الدمعة ولكن انظر إلى السكين التي يذبح فيها هذا العصفور .

أردت بهذا الكلام حتى لا ينخدع الإنسان بألفاظ برّاقة بكلمات يقولها الغرب مثل : حقوق الإنسان ، حقوق الحيوان مقدّمةٌ عندهم على حقوق الإنسان ، لأنّ ما يأكله الكلاب من لحوم في العالم الغربي أضعاف ما يأكله شعب الهند من اللحوم بأكمله ، هذا شيء معروف .

فنحن نريد أخلاقاً إسلاميّة ، آداباً إسلاميّة ، آداباً أساسها الاتصال بالله لا أساسها الحنكة والذكاء .

التعلُّم مطلوب ، قلت قبل قليل : أتمنّى أن يضاف التعلُّم إلى الاتصال بالله ، الاتصال بالله يحقق صبغة ، فهذان التعبيران بالقرآن الكريم دقيقان .. الفطرة : صفحةٌ بيضاء . قال تعالى :

( سورة الروم )

فطرة الله التي فطر الناس عليها .. الفطرة أيُّها الأخوة أن تحبَّ الخير دون أن تكون خيّراً، أن تحبَّ العدل دون أن تكون عادلاً ، أن تحبَّ الإحسان دون أن تكون محسناً .

أما الصبغة : أن تكون عادلاً عدلاً أصيلاً ، وأن تكون محسناً إحساناً أصيلاً .

فلان مصطبغ بصبغـة الله أي إنسان متصل بالله مع هذا الاتصال اكتسب كمالاً ، هذا الكمال يمنعه أن يكذب ، يمنعه أن ينظر إلى عورات المسلمين دون أن يعرف الحكم الشرعي ، هذا الكمال ، يمنعه أن يستعلي ، يمنعه أن يتكبّر ، يمنعه أن يأخذ ما ليس له ، هذه هي الصبغة : صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة .. الصبغة الكمال ، أما الفطرة : حبُّ الكمال .

فأنت مفطورٌ فطرةً عالية .. أي أنّك بتحبّ الكمال ، بتحبّ العدل  السارقون إذا سرقوا حاجة ويقسموها فيما بينهم يقولون : أقسمها بالعدل .. وكل العملية سرقة ، محبّة العدل فطرة ، فالسارقون لم يكونوا عادلين  أخذوا مالاً حراماً .. أخذ المال المسروق هذا أكبر ظلم ولكنّهم بالعدل يريدون قسمته ، لأنّ هذا فطرة الفطرة محبّة العدل .. الفطرة محبّة الرحمة ، فقد يكون الأب فاسقاً لا يصلّي وليس فيه ديــنٌ إطلاقاً ولكنّه حريص أن يكون ابنه مربّى تربيةً إسلاميّة  فيضع ابنـه أو ابنته في مدرسة لها توجه إسلامي ، لأنّ هذه من الفطرة، وهي موجودة في كلّ إنسان حتى في المجرم ، وحتى في المنحرف ، حتى في الزاني ، فإذا كان الإنسان له ماضٍ سيّء وأراد الزواج يبحث عن امرأة شريفة .. فيقول لك : أنا أعرف كلّ شيء فأريد امرأة نظيفة.. وهو في الأساس غير نظيف ، فهذه فطرة والفطرة أن تحبّ الكمال .

فالفطرة أن تحبّ الكمال ، أما الصبغة أن تكون كاملاً ، الفطرة ليس لك فيها أجر فهكذا فطرك الله ، أما الصبغة كسبيّة ، أساسها جهد واتصال بالله وعملٌ صالحٌ وضبطٌ للنفس والشهوات .. فالفطرة فطريّة من اسمها ، أما الصبغة كسبيّة ، الفطرة أن تحبّ الشيء ، أما الصبغة أن تكون كذلك .

لذلك الأدب أعظم مصادره الصبغة .. أن تتصل بالله فتصطبغ نفسك بالكمال .

لن أكون مبالغ بهذا الكلام : لو تصوّرنا إنساناً له صلة شديدة بالله ولم يقرأ أي حديث عن آداب الإسلام فأرجّح أنّه يفعل معظمها وهو لا يدري ، عنده حياء من الله يمنعه أن يتواقح ، أو أن يكذب ، أو أن يسُبّ الناس بالألفاظ البشعة ، عنده حياء يمنعه أن ينظر إلى ما لا يحلّ له ، هذا هو الحياء ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: أدبني ربّي . أي أنّ اتصالي بالله جعلني مؤدّباً .

فيا أيُّها الإخوة الكرام فالشيء الذي ينبغي أن يبدو منك كمؤمن هو أدبك ، أدب الطعام ، الشراب ، والسلام الاستئذان ، المجلس ، الحديث ، المزاح ، التهنئة ، عيادة المريض ، التعزية، العطاس، التثاؤب .

لنبدأ بآداب الطعام .. فبالطبع الآن نتعلّم الآداب تعلُّماً بيانيّاً .. وكما قلت سابقاً أنّ الأولى أن نتعلّمها بيانياً أي شرحاً ، وأن نتصل بالله حتى تشتق النفوس هذا الكمال الإلهي بحيث لا تفعل هذا الشيء لا لأنّه حرام ولكن نفسك تأبى أن تفعله .. وعند سفره إلى أحد المحافظات فتح سائق السيّارة العامّة إحدى الأغاني التي يحبُّها فيترنّم تماماً ولكنّه غير محاسب ، هو لا يستمع ولكنّه سمع ، والنبي قال : من إستمع .

لكن هذا الإنسان ذاته بعد أن تتعمّق صلته بالله ، وبعد أن تطهر نفسه ، بعد أن يرقى إلى الله ، بعد سنة لو استمع إلى  الأغنية نفسها يتمزّق .. يقول في نفسه : ما هذا الانحطاط ، ما هذه العبارات البذيئة مثلاً .. ولكنّه لم يكن كذلك ؟؟ ففي المرحة الأولى كان منصاعاً لأمر الله ، ولكن نفسه لم تصطبغ بالكمال ، لكن بعد أن اصطبغت نفسه بالكمال يتأبّى هذه المعصية .

الفطرة أن تحب العدل ، أما الصبغة أن تكون عادلاً ، الفطرة ليس لك فيها أجر لأنّ الله خلقك هكذا ، أما الصبغة لك فيها أجر لأنّها كسبيّة فقد بنيت على أساس إيماني واتصالٍ بالله وعمل صالح واستقامة وضبطٍ للجوارح إلى آخره ...

الآن آداب الطعام ... وهذا الأدب سهلٌ جداً ففي اليوم الواحد لدينا ثلاث وجبات .. يمكن أن تنفذوها على عشاء اليوم أولاً .. فالأدب الأول :

روى أبو داوود والترمذي عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال .. قال عليه الصلاة والسلام : بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده .

هل تصدّقون فقد ذكرت في إحدى الخطب أنّ ثلاثمائة مليون إنسان يصاب في العالم كلّ يوم بسبب عدم تنظيف اليدين عقب قضاء الحاجة وعقب الطعام والشراب ، وتحت اسم أمراض القذارة  أصدرت منظمة الصحّة العالميّة التابعة للأمم المتحدة نشرة بذلك .

وضوء الطعام ليس وضوء الصلاة وضوء الطعام غسل اليدين والفم فقط .. فإذا كنت ماسكاً بشيء في يدك سابقاً ، أو خلعت حذاءك ، أو وضعت يدك على حائط قد يكون قذراً ، أو قد يكون طفلاً لم ينظّف نفسه ووضع يده على الحائط ، أو مسكت شيئاً غير نظيف ، أثناء النهار يجوز أن يكون الفم مفتوحاً ويوجد غبار أو أشياء لا ترى ، فبركة الطعام الوضوء قبله بغسل اليدين والفم ، والوضوء بعده . هذه واحدة .

وروى ابن ماجة والبيهقي عن أنسٍ رضي الله عنه قال .. سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم يقول : من أحبَّ أن يكثر الله خير بيته فليتوضّأ إذا حضر غداؤه وإذا رفع .

الآن يقولون عن تفشّي مرض الحمّى المالطيّة -حمّى البحر المتوسّط - بسبب عدم غلي الحليــب أو الأجبان ، وأمراض العدوى معروفة عندكم ، فغسل اليدين قبل الطعام تعتبر تقريباً حرزاً للإنسان من أن تنتقل له بعض الأمراض عن طريق اللمس ، فليتوضّأ إذا حضر غداؤه وإذا رفع .. قبل الطعام وبعد الطعام ، هذا أول أدب .

والتسمية في أوّله والحمد في آخره ، الأدب الثاني

لما روي أبو داوود والترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت قال عليه الصلاة والسلام : إذا أكل أحدُكم فليذكر اسم الله تعالى ، فإن نسي أن يذكر اسم الله تعالى في أوّله فليقل : بسم الله في أوّله وآخره .

معنى التسميّة : بسم الله أشرب هذا الماء أنّ هذا الماء من نعم الله .. وللتسمية معنيان الأول أن تذكر أنّ هذه نعمة من الله ، أن تذكّرك بفضل الله عليك ، والثاني أن تشرب وفق السنّة  أن تذكّرك بسنّة رسول الله في الشرب .. تذكُّر النعمة ، وتطبيق السنّة .. هذه معنى التسمية .. بسم الله أشرب يعني أشرب ماءً هو من نعمة الله ، وأشرب ماءً وفق ما أمر الله ، هذه معنى التسمية .

وكان عليه الصلاة والسلام إذا أكل وشرب يقول : الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين .

فعند زيارتي لبعض المياتم في شهر رمضان فأجد شيئاً جميلاً جداً أنّ الأطفال جميعاً وبصوت واحد يبدؤُون بالتسميّة فإذا انتهى الطعام يقولون : الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين .. هكذا علّموهم .

قال لي أحد الأخوة : وضعت ابني في مدرسة لها توجيه إسلامي جيد ، ففي ذات مرّة صحا من نومه متأخراً فقال له : يا بني خذ معك هذا الطعام - السندويش - وكله في الطريق . فقال له : يا أبتي قال عليه الصلاة والسلام : الأكل في الطريق دناءة .

 شيء جميل أن يتعلّم الطفل وهو صغير الآداب كيف يأكل ، وكيف يشرب .

الأدب الثالث : ألا يعيب طعاماً قدّم إليه . عليه الصلاة والسلام : ما ذمّ طعاماً قط .

بعض الأشخاص يقرفوا ويقرّفوا ، فلا بدّ من أن يعلّق على ما يقدّم له من الطعام .. فهذه قلية الملح ، أو لم تعقد كفاية ، أو مرقتها مريئة - شاطّه - اللحم قاسي ، لا بد من أن يعلّق .. أما النبيّ عليه الصلاة والسلام لم يعب طعاماً قط .. قال : ما عاب طعاماً قط ، إذا اشتهاه أكله ، وإذا كرهه تركه ، هذا الأدب الثالث .

ومرَّ معي أدبٌ رابعٌ غير مذكور هنا وهو : ما عاب طعاماً ولا مدحه .

كأن يقول : أكلة تذهب بالعقل ، مثل القشطة ، أو مثل الهليون مثل كذا .. أكلت فقم بشكر الله فقط ، فالمبالغة في المدح أيضاً ليست من أخلاق المؤمن ، فمعنى ذلك أنّه عبد بطنه ، وقد قال النبي :

تعس عبد البطن ، تعس عبد الفرج ، تعس عبد الخميصة ، تعس عبد الدرهم والدينار .

الأدب الرابع : أن يأكل بيمينه ومما يليه .

لما روى مسلمٍ عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما قال كنت غلاماً في حجر رسل الله صلّى الله عليه وسلّم وكانت يدي تطيش في الصفحة فقال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : يا غلام سمّ الله ، وكل بيمينك ، وكل مما يليك .

تطيش : أي تتحرّك في الإناء . فقد حضرت طعاماً ووجد طفلاً صغيراً وكان الطعام - كباباً هندي - والطفل يأكل بأصابعه دون خبز وأبوه ساكت ولا يتكلّم .. فشيء لا يحتمل أنّ ابنه سيأكل نصف الموجود من اللحم حاف ويترك الآخرين وأبوه لا يتحرّك وكأن لا مشكلة في ذلك أبداً .

لا بد أن تربّي ابنك وتقول له : كل مما يليك يا بني ، أو كل مثل الناس مع الخبز مثلاً ، أما أن يأكل الابن كيفما أراد فهذا لا يجوز ، فلا بد من أن يكون له أب ليربّيه .

فالنبيّ لم يسكت عندما رأى يد الطفل تطيش في الإناء فقال له : يا غلام سمّ الله ، وكل بيمينك ، وكل مما يليك .

الأدب الخامس : ألا يأكل متّكِئاً لما فيه من الضرر الصحّي ، وظواهر الكبر .

وبالطبع إلا المرضى في المشافي ، أما غير المريض يجب أن يأكل وهو جالسٌ جلسة نظاميّة .

روى البخاري عن أبي جحيفة قال .. قال عليه الصلاة والسلام : لا آكُلُ متّكِئاً .

فالاتكاء يتنافى مع الأدب أمام شخص عظيم ، فسيّدنا زيد الخيل كان رجلاً من وجهاء الجاهليّـة ، فلمّا أسلم سمّاه النبيّ زيد الخير ، ورحّب به وقال له : يا زيد ما رأيت رجلاً فوصف لي وكان قد وصف لي إلا رأيته دون ما وصف إلا أنت يا زيد ، لله درُّك . وقد دعاه النبي إلى بيته وأعطاه متكئاً يتكيء عليه ، سيّد الخلق متّكئاً أسلم قبل ساعة ، فقال له : والله يا رسول الله لا أتّكيء في حضرتك .

هذا هو الأدب .. فقد رأيت مرّتين أو ثلاث في غير هذا الجامع أثناء الدرس من يقعد قعدةً ليس فيها أدب على إطلاقاً خلاقاً ، فإذا كان معذوراً فلا يحق لي أن أتكلّم ، أمً إذا كان غير معذوراً وهكذا رجلاه ومرتاحاً على التمام . هذا بيت الله ، فو الله لو جلس هذه الجلسة أمام إنسانٍ كبيرٍ وله مكانته لطرده ، فأنت في بيتٍ من بيوت الله ، أما المعذور معذور لا أتحدّث عنه أبداً ، فبعض الأشخاص مرضى بتصلُّب في المفاصل فهذا الله عزَّ وجلَّ يعذره ولا يحاسبه ، لكن من دون سبب ؟! يجب أن نتأدّب بآداب الإسلام .

قالوا : يستحبّ التحدُّث على الطعام . البعض يقولون :( يا شهدا يا سعدا ) .. فهذا كلام ليس له معنى ، فالنبي كان يتحدّث على الطعام  الحقيقة أعرف أسراً كثيرة أغبطها ، الطعام عندهم متعة ، الأولاد كلّهم يجلسون إلى مائدة الطعام ويتحدّثون ، فالأب يحدثهم ويستمع إلى أولاده ، بموعظة  قصّة طرفة مثلاً ، ويكون طفلاً بالمدرسة فيقول: هكذا تكلمت المعلّمة ، فهذا شيء جميل مع الطعام ، فمن السنّة التحدُّث مع الطعام ، أما كل واحد من الجالسين عينه على القصعة ويأكل بنهم وكأنّهم في مسابقة ، فهذا ليس طعاماً بل طعام الشياطين .

لما روى مسلمٌ عن جابر رضي الله عنه أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم سأل أهله الأُدم فقالوا : ما عندنا إلا خل . فقال : فدعى به فجعل يأكل منه ويقول : نعم الإدام الخل ، نعم الإدام الخل .

وقد صحّ عنه أنّه كان يتحدّث إلى أصحابه وهو يأكل على المائدة في أكثر من مناسبة .

قال لي أحد الشباب عن والده : إنّه ومن عشرين سنة نأكل طعام الغداء مع رنين الساعة الثانيـة ظهراً ، هكذا نظامه ولا يمكن أن لا نكون مجتمعين على الطاولة جميعاً في هذا الوقت . فهذا وقتٌ مقدّسٌ يجلسون ويأكلون مجتمعين .

ويوجد بيوتٌ مليئة بالفوضى كل ولد له وجبة طعام له وحده ، فأولاً تذهب بركة الطعام ، وثانياً تحدث مشقةٌ كبيرةٌ جداً ، فإذا أمكن اجتماع كلّ الأهل كلّهم ودفعةً واحدة على الطعام ويتحدّثون بحديثٍ ممتعٍ ومؤنسٍ ولطيفٍ فهذا من السنّة وهكذا النبي علّمنا .

ويستحبُّ أن يدعو الضيف لمضيفه إذا فرغ من الطعام .

فتجد البعض إذا انتهى من طعامه يطلب الذهاب .. فأين يذهب ؟ ادعُ لصاحب الطعام بأن تقول له : أكل طعامكم الأبرار وصلّت عليكم الملائكة الأخيار ، وذكركم الله فيمن عنده ، وأفطر عندكم الصائمون .

فقد عزمك وتكلّف فادعُ له كأن تقول له : اللهمّ بارك هذا البيت وبارك أهل هذا البيت ، اللهمّ أعطهم ولا تحرمهم . فادعُ دعاءً لهم .

فقد روى أبو داوود والترمذيّ عن أنسٍ رضي الله عنه أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم جاء إلى سعد بن عبادة فجاء بخبزٍ وزيت فأكل ثمّ قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام : أفطر عندكم الصائمون ، وأكل طعامكم الأبرار ، وصلّت عليكم الملائكة .

هذه من السنّة ... التسميـة في أوّله ، والحمد في آخره ، وغسل اليدين قبل الطعام ، والحديث على الطعام ، وعدم الأكل متّكئاً ، أن تأكل بيمينك ، ومما يليك ، والدعاء للمضيف ، وألا تعيب طعاماً قط ، وألا تمدحه .

لكن إذا سألك المضيف عن الأكل وجودته ، فيجب أن تمدح له  فقد أراد أن يتقرّب منك وصنع لك طعاماً وقد بذل فيه جهداً ، وسألك عن الأكلة وهل أحببتها ؟ فقل له نعم جزاك الله الخير على هذا الطعام الطيّب ، أكلة نفيسة .. فإذا سألك عن الأكل وهل أعجبك فمدحه له جبراً لخاطره.

زارنا أخ له دعوته مع طلاّبه ، فقد لفت نظري أنّه لا يمكن أن يأكل أحد لقمة من الطعام قبل أن يأكل أكبر من في المجلس ، فهذا شيء جميل فأحياناً نكون في نزهة وثلاثة أو أربعة من الأصدقاء لم يحضروا بعد فقد كانوا في خدمة المجموع ، فليس لهم مكان في غرفة الطعام ويكون قد تمّ أكل نصف الطعام ، فأمير الجلسة يجب أن لا يأكل ولا لقمة من الطعام حتى يكون الكل مجتمعين ، فالعدد خمسة عشر مثلاً فإذا كان الكل حاضراً فيبدأ بسم الله .

فالصغار لا يأكلون قبل أن يأكل أكبر إنسان بالجلسة ، والآن يعمل بهذا في المآدب الرسميّة فإذا بدأ بالأكل أعلى شخصيّة بالمأدبة فالكل بعده يأكل ، هكذا السنّة .. فإذا وجد أولاد يجلسون مع أبيهم ، أو طلاّب مع أستاذ هم بنزهة ووضع الطعام فالطالب ليس له الحق في أن يأكل قبل أن يأكل أستاذه ، فإذا تناول قرصاً من - الصفيحة - فهذا خلاف للسنّة ، فلا يأكل الكل إلا بعد أن يمدّ يده رئيس هذه الجلسة أو أمير هذه الجماعة ويأكل أول لقمة ، وليس للأمير أمير المائدة ، أو أمير النزهة ليس له الحقّ في أن يبدأ الطعام إلا بعد أن يحضر كلّ من معه ويتأكّد من ذلك فالكل بمكانه والطعام موزّعٌ توزيعاً جيّداً ثم يبدأ بالطعام وعازماً عليهم بأن يتفضلوا الطعام ، وهم ليس من حقّهم أن يبدؤوا قبله فهذا من دقّة النظام .

فتعلموا ذلك .. كذلك بعض الناس لا يحلو له الاشتغال بعمل الشاي أو يغسل أسنانه أو يقرأ في شيء ويطلب منهم أن ينتظروه أي عمل إلا والناس مجموعون حول المائدة ، فهذا شيء صعب فلا بدّ من أن تراعي كلّ النواحي ، فإذا وضع الطعام فيجب أن يقبل عليه الجميع ، والأب يجب ألا يبدأ حتى يكون الكل موجودين ، والأولاد يجب ألا يبدؤوا بالطعام حتى يبدأ أبوهم .

روى مسلم في صحيحه عن حذيفة قال كنا إذا حضرنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم طعاماً لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله فيضع يده ، هذه السنّة

والحديث الأخير .. روى مسلمٌ عن أنسٍ رضي الله عنه قال : كان عليه الصلاة والسلام إذا أكل طعاماً لَعِقَ أصابعه الثلاث .

متى يستطيع أن يلعق أحد أصابعه ؟ إذا كان غاسلاً ليديه قبل الأكل وإلا فلا يستطيع الإنسان أن يلعقهم .. فإذا كان التغسيل جيداً وبأصابعه دسمٌ فهذه نعمة .

وقال : إذا سقطت لقمة أحد فليأخذها ليميط عنها الأذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان .

أحياناً تقع على الأرض لقمة فتعلق عليها بعض الغبرة فنغسلها قبل أن نأكلها هذا من السنّة.

إخواننا الكرام ... الاستهتار بالنعمة فتجد بالقمامة بعض الطعام ، فالمؤمن الكامل لو رأى في القمامة بقايا من الطعام لا قشعرّ جلده ، أحياناً يترك في وعاء الطبخ بقايا أرز فوضع في المجلى وانجلى وذهب ما فيه من الأرز إلى القمامة ، وأحيانا تجد فيه كسرات من الخبز هذه تأكلها الطيور فقم ببلها بالماء وضعها على السطح فتؤكل كلّها ، أو بقايا فتّة كذلك تأكلها الطيور ، فإذا وجد شيء قد عافت نفسك أن تأكله فيوجد من يأكله وبنهم ولك فيه أجر ، فكل شيء فيه طعام المطلوب أن لا تذهب منه ولو ذرة إلى القمامة ، فالطير يأكله ، فإنني أرى بعيني كثيراً من الخبز يلقى فوق سطح البيت فلا يبقي منه الطيور شيئاً ، فالطير يأكل بقايا الخبز أو الفتّة أو الطبخ بنهم ولك أجر ، فحاول أن لا تلقي ولو بذرّة واحدة إلى القمامة .

ولكن ترى أحياناً أفخر الطعام - لطف الله - بنا يلقى في القمامة فقد سمعت في بعض البلاد يصنعون وليمة من الطعام بها جملٌ صغيرٌ مكتّفٌ وهي من أنفس الأكلات ، فضيف الشرف يأكل فقط منه نصف الأوقيّة ، ولكن من التقاليد والعادات أن لا يأكل أحد بعد الضيف أبداً والباقي يلقى على القمامة .

فإني أشعر أنّ الإنسان المؤمن إذا رأى طعاماً ملقى على القمامة يهتزّ من أعماقه فقد قال رسول الله : يا عائشة أكرمي مجاورة نعم الله ، فإنّ النعمة إذا نفرت قلّما تعود .

فقد دعيت مرّة إلى عقد قران وكان فيه من الطعام النفيس والعدد كبير ، لاحظت أنّه لم يؤكل منه خمسه ، فحدثت لي حيرة ، والداعي رجلٌ مؤمنٌ فسألته مستفسراً في اليوم الثاني فقال لي : والله يا أستاذ لم تضع أرزة واحدة فكل الطعام وضع في أكياس ووضع في البرّادات وأخذ على المآتم وأكل منه لمدة عشرة أيام . أراد أن يكرم الناس بذلك ولم يؤكل خمس الأكل وقام على الفور بتوزيع الباقي .

كذلك في ذات مرّة قام أحد الإخوة بوليمة بعض الإخوة ، فقلت له أين الأكل ؟ قال لي : قمت بتوزيعه كلّه . فبعض الناس يكون جائعاً والطعام جيّد ونفيس فيوزّع ، وكذلك الثياب توزّع.

أيها الإخوة الكرام ... هذه الدروس دروسٌ أساسيه ، فإذا ضبط الإنسان سلوكه ، ضبط طعامه وشرابه ، حفظ نعمة الله هذه النعمة لن تفقدها أبداً ، أما إذا كان هناك استهتارٌ فالله كبير وسيحاسبك .

الآن الشرب .. استحباب التسميـة ، والحمد ، والشرب ثلاثاً لما روى الترمذي عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله عليه الصلاة والسلام : لا تشربوا واحداً كشرب البعير ، ولكن اشربوا مثنى وثُلاث ، وسمّوا إذا أنتم شربتم ، واحمدوا إذا أنتم رفعتم .

   قدّموا له زبديّة من شراب الليمون فشربها على دفعة واحدة . فقالوا : السنّة أن تشربها على ثلاث دفعات !! فقال : هذه واحدة فأين الأثنتان الأخريتان .

لا تشربوا واحداً كشرب البعير ، ولكن اشربوا مثنى وثُلاث ، فالأدب الأول أن تسمّي وتحمد الله عزَّ وجلَّ ، والكأس على ثلاث مرّات.

الأدب الثاني .. نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يشرب من في السقاء أو القُرب .

أي من فمها ، من فم الزجاجة ، أو الأبريق مباشرة ، فقد نهى النبي أن يكون الشرب هكذا.

الأدب الثالث .. كراهية النفخ في الشراب ، فمثلاً شرب أحد الناس ثلاثاً حسب السنّة ولكن في المرّة الثانية ترك الإناء على فمه وتنفّس بداخله ، فأحياناً الزفير يحمل بعض الأمراض ، فالسنّة ما بين الشربتين ابعد القدح عن فيك ، لذلك نهى النبيّ الكريم أن يتنفّس في الإناء أو ينفخ فيه لما في ذلك من الأمراض الصحيّة ، والمنافاة للآداب الاجتماعيّة .

الأدب الرابع .. استحباب الشرب والأكل في حال الجلوس .

الآن درجت موضة الأكل والشرب واقفاً - سفرة بوفيه - وهذا خلافاً للسنّة ، فإذا لم يوجد لديك عدد كافٍ من الكراسي فلا مانع من ذلك ، فيسكب الضيف الطعام ويعود لمكانه السابق الذي كان يجلس فيه لأنّ الأكل واقفاً منهيٌ عنه .

نهى عليه الصلاة والسلام أن يشرب الرجل قائماً . قال قتادة : فقلنا لأنس : الأكل ؟ قال : ذلك أشرّ .

إذا كنت منهياً عن أن تشرب واقفاً فالنهي عن الأكل واقفاً أشدُّ نهياً

وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه  أنّه قال : لا يشربنّ أحدٌ منكم قائماً .

ولكن النبي شرب قائماً .. لماذا شرب قائماً ؟ في بعض الحالات، فإذا كنت ماشياً في الطريق ، والطريق مزدحم وكنت عطشان ووقفت على سبيل ماء فمن غير المعقول أن تقرفص لتشرب والناس يقفون أعلى منك ، فهذه حالة صعبة ، فمثلاً إذا كنت في الكعبة زادها الله شرفاً والازدحام شديد فإذا أردت أن تشرب قاعداً فستجد الناس فوقك ، فأشرب واقفاً .. فالنبيّ الكريم شرب ماء زمزم واقفاً .. وهي حالات قليلة الأولى فيها أن تشرب قاعداً .

فالنبي شرب قائماً لئلا يوجد حرجٌ عند الحالات الضروريّة .

الأدب الخامس .. النهي عن الشرب في آنية الذهب والفضّة ، ففي الحكم الشرعي حرامٌ أن تستعمل الآنية المصنوعة من الذهب الخالص أو الفضّة الخالصة ، أما المُذهّب والمفضض ففيه إجازة .

فإذا كان مطلياً بالذهب شيء لا يذكر ، فالمذهّب شيء والذهب شيء آخر ، وأيضاً المفضض شيء والفضّة شيء . من شرب في إناءٍ من ذهبٍ أو فضّةٍ فإنّما يجرر في بطنه ناراً من جهنّم .

أي أصبح فيه من الترف والاستعلاء والبذخ وتجميـد للمال كبير ينفع الناس بهذه الأواني من الذهب الخالص .. فالآن تجد صنابير من الذهب الخالص ، ومقابض للأبواب من الذهب الخالص ، فقد سمعت عن أحد الملوك أنّ مرحاض طائرته من الذهب الخالص .

الأدب السادس .. النهي عن امتلاء المعدة بالأكل والشرب .

لما روى الإمام أحمد والترمذي وغيرهما عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال : ما ملأ آدميٌ وعاءً شراً من بطنه ، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ، فإن كان لا بدّ فاعلاً ، فثلثٌ لطعامه ، وثلثٌ لشرابه ، وثلثٌ لنفسه .

هذه هي آداب الطعام والشراب تنفيذها سهلٌ جداً ، علّم أولادك وقم أنت بتطبيقها ، وإذا كنت دُعيت إلى طعام نفذها أمام إخوانك فتصبح جزءاً من حياتك .

وإن شاء الله في درسٍ قادم ننتقل إلى آداب السلام ، والموضوعات كما يلي :

أدب الطعام والشراب ، أدب السلام ، أدب الاستئذان ، أدب المجلس ، أدب الحديث ، أدب المزاح ، أدب التهنئة ، أدب عيادة المريض ، أدب التعزية ، أدب العطاس والتثاؤب . والحمد لله ربِّ العالمين .

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi