English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

تربية الأولاد في الإسلام – 33 / 51 : : وسائل تربية الأولاد : التربية بالعادة : منهج العادة عند الكبار ،  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

                                                                              

      الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين و على آله و صحبه أجمعين .

     أيها الإخوة :

       تحدثنا عن أهداف التربية الإسلامية ، تربية الأولاد في الإسلام ، و بينت أن مضامين التربية الإسلامية التربية الأخلاقية و الإيمانية و الجسمية و العقلية و النفسية و الاجتماعية والجنسية ، و بدأنا قبل درسين في سلسلة جديدة حول وسائل التربية فتحدثت في درس سابق عن توجيهات النبي عليه الصلاة و السلام في شأن القدوة و كنت قبلها قد ذكرت أنماطاً من قدوة النبي عليه الصلاة و السلام .

      و اليوم ننتقل إلى وسيلة فعالة من وسائل تربية الأولاد في الإسلام إنها التربية بالعادة ، العادات مهمة جداً ، لأن الله سبحانه و تعالى يقول :

[ سورة الروم : الآية 30]

      أكبر معين لأي أب و لأي معلم أن فطرة الإنسان متوافقة تماماً مع منهج الله ، أي أنت لا ترتاح إلا إذا أطعت الله ، و لا ترتاح إلا إذا كنت صادقاً ، لا ترتاح إلا إذا كنت أميناً ، لا ترتاح إلا إذا كنت محسناً، لا ترتاح إلا إذا كنت منصفاً ، فطرة الإنسان ، جبلته ، برمجته ، توليفه ، خصائصه متوافقة تماماً مع منهج الله ، الإنسان حينما يتوب إلى الله يجد نفسه ، ينسجم مع نفسه ، ينسجم مع الكون ، ينسجم مع كل المخلوقات :

[ سورة الروم : الآية 30]

طبعاً قبل هذه الكلمات :

[ سورة الروم : الآية 30]

    أي أن تقيم وجهك للدين حنيفاً : أن تشد بكل طاقاتك إلى الله ، هذا العمل يتوافق مع فطرتك و مع جبلتك و مع خصائصك و مع فطرتك ، لذلك قال عليه الصلاة و السلام :

     " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ..."

[ البخاري ، مسلم ، الترمذي ، النسائي ، أبو داود ، أحمد ، مالك ]

     هكذا مصمم تحب العدل ، الصبغة أن تكون عادلاً أما الفطرة أن تحب العدل ، أن تحب العدل شيء و أن تكون عادلاً شيء آخر ، أن تحب الرحيم شيء و أن تكون رحيماً شيء آخر، حينما تتصل بالله تكون رحيماً أما حينما تولد تولد على حب الرحمة ، لذلك اجمع ألف إنسان من شتى المشارب و المذاهب و الاتجاهات و الالتزام أسمعهم قصة فيها رحمة كلهم يتأثرون ، كلهم يحبون هذا الكلام لذلك كل مولود يولد على الفطرة صفحة بيضاء لا خير فيها و لا شر ، إلا أنها مبرمجة على حب الخير ، على حب العدل ، على حب الرحمة ، على حب الإنصاف ، لذلك الإنسان حينما لا ينصف يشعر بكآبة ، حينما لا يرحم يشعر بصغار، و أكبر مرض في العالم الآن مرض الكآبة لأن الناس خرجوا عن فطرتهم ، خرجوا عن مبادئ فطرتهم ، عذبتهم أنفسهم ، ائت بأرقى سيارة مصنوعة في أرقى بلد في العالم ، أحدث موديل، أعلى مواصفات ، الآن يوجد مركبات قريب الخمسة و عشرين مليوناً سعرها، امش بها في طريق وعر لا تحتمل تفقد كل ميزاتها لأنها مصممة للطريق المعبد ، ارتفاع هيكل السيارة عن الأرض ، طبيعة الضواغط ، طبيعة المكابح ، طبيعة المحرك ، كلها مصممة لطريق معبد، فإن سرت بها في طريق معبد قطفت كل ثمارها و ميزاتها ، أما إذا سرت فيها في طريق وعر كسرتها و لم تفلح لا في سرعة و لا في راحة و لا في هدوء بال ، أما الوعر يحتاج إلى مدرعة ، أي يحتاج إلى مجنزرة ، فأنت مصمم أن تؤمن بالله ، مصمم أن تكون صادقاً ، أميناً ، عفيفاً ، نافعاً ، منصفاً، هذا تمهيد أيها الأب أو أيها المعلم أنت حينما تلفت نظر ابنك إلى قواعد الدين تلفته إلى طبيعته، تلفته إلى خصائصه ، تلفته إلى برمجته ، تلفته إلى توليفه ، تلفته إلى طبيعته ، لذلك الراحة النفسية التي يجدها المؤمن بعد أن يصطلح مع الله لا توصف ، لماذا لا توصف ؟ لأنه انسجم مع نفسه ، تصور تريد أن تفتح باباً بالمطرقة، تحتاج إلى جهد كبير و مضن و أصوات وإقلاق و إزعاج ، أما هذا الباب مصمم أن يفتح بمفتاح صغير ، إن كان معك هذا المفتاح بنعومة بيسر بلا صوت بلا ضجيج بلا شكوى الجيران تفتح الباب و تدخل ، فأنت حينما تعود إلى دينك تعود إلى فطرتك ، حينما تعود إلى دينك تعود إلى طبيعتك، إلى ما فطرك الله عليه ، إذاً أكبر عامل يعين المعلم و الأب على تربية ابنه أن الإنسان في أصل فطرته حينما يولد يولد على الفطرة لذلك يقول عليه الصلاة و السلام في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام الترمذي :

    " عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَأَنْ يُؤَدِّبَ الرَّجُلُ وَلَدَهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ "

[ الترمذي ، أحمد ]

      كل يوم لو تصدق بصاع من بر لَأَنْ يُؤَدِّبَ الرَّجُلُ وَلَدَهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ ، لأن تأديب الابن يقطف ثماره المجتمع كله .

       قبل فترة جاء طفل من طرف إنسان يحمل ألبسة أعطيته الحساب ، بعد دقيقة طرق الباب ثانية قال لي : يوجد خطأ المبلغ يزيد أربعمائة ليرة أنا يوجد خمسمائة ظننتها مائة ، أكبرته إكباراً ، أكرمته إكراماً ، هذا شيء جميل أنه طفل يوجد خطأ بأربعمائة ليرة عاد وطرق الباب و دفع الباقي ، فأنت عندما تربي ابنك على الأمانة و الصدق تكون قدمت خدمة للمجتمع بأكمله ، هؤلاء الذين يسرقون يسببون متاعباً في المجتمع ، هؤلاء الذين ينحرفون ، هؤلاء الذين يعتدون يسببون متاعباً لمجموع الناس ، أما حينما تربي ابناً صالحاً لعل أي إنسان عامله يقول جزى الله أباه على هذه التربية ، لذلك يقول عليه الصلاة و السلام أيضاً :

       " حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدًا أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ "

[ الترمذي ، أحمد ]

      أكبر شيء تقدمه لابنك أن خلقه كبير ، عنده حياء ، عنده رحمة ، عنده إنصاف ، و في حديث ثالث يقول عليه الصلاة و السلام :

        " علموا أولادكم و أهليكم الخير و أدبوهم "

     هذا يحتاج إلى جهد ، يحتاج إلى وقت ، يحتاج إلى علم ، ينبغي أن يكون الأب متعلماً ، ينبغي أن يكون الأب مؤمناً ، ينبغي أن يكون الأب مستقيماً ، ينبغي أن يكون الأب متفرغاً ، ينبغي أن يقتطع من وقته الثمين وقتاً لتربية أولاده ، و الله كنت البارحة في عقد العريس سافر إلى أمريكا ليتابع تعليمه في الطب أثنى عليه أكثر الخطباء ، هو من إخوانا الكرام فقلت لهم في كلمة ألقيتها قلت لهم حينما كنت في أمريكا قلت لإخوتنا المغتربين لو جمعت أكبر ثروة في الأرض و بلغت أعلى منصب في الأرض و نلت أعلى درجة علمية في الأرض و لم يكن ابنك كما تتمنى فأنت أشقى الناس .

      و المشكلة الأولى للأخوة المغتربين أولادهم و نقلت لهم كلمة قالها بعض العلماء في مؤتمر عقد هناك في ديتروي قال : إن لم تضمن أن يكون ابن ابن ابنك مسلماً لا يجوز أن تبقى في هذه البلاد ، فقال لي أحدهم بعد أن انتهى الحفل قال لي : أولادنا ليسوا مسلمين الآن، أنت تقول إن لم تضمن أن يكون ابن ابن ابنك ، الابن الحالي ليس ملتزماً و لا قانعاً و لا معتزاً بأمته و لا بدينه و لا بوطنه ، أدبوا أولادكم على حب نبيكم و حب آل بيته و تلاوة القرآن .

         إذاً التربية بالعادة أنت معك يسموها بالعادة سرعة ابتدائية ، يوجد معك دعم من الله عز وجل أن هذا الطفل الذي بين يديك فطرته سليمة و فطرته تتوافق مع الدين ، فطرته تتوافق مع خوفه من الله ، أنت ليس عليك إلا أن تصقل هذه الفطرة ، أن تشحذ هذه الموهبة ، أن تفجر هذه الطاقة ، النقطة الدقيقة جداً إخوانا و قد لا تصدق ، العامل المؤثر الأول في حياة ابنك لست أنت و ليست الأم و ليس الأخ إنه الصديق ، فقبل أن تشرع في تربية أولادك يجب أن تعلم من هو صديق ابنك ، في بعض التجارب أو الاحصاءات تبين أن الذي يتعلمه الابن من صديقه يزيد عن ستين بالمئة من مجموع ما يتعلمه ، الأب و الأم و الإخوة الأربعين بالمئة أما الصديق ستين بالمئة ، لذلك كيف عرف النبي هذه الحقيقة ، يقول عليه الصلاة و السلام فيما رواه الإمام الترمذي :

     " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِل "

  

     يجب أن تبحث عن أصدقاء ابنك كما تبحث عن ابنك ، لأن أكبر مغذٍ في العادات و القيم والسلوك هو صديق ابنك ، و حينما توفق إلى صديق لابنك في مستوى رفيع فقد ضمنت لابنك الاستقامة و السداد .

قضية البيئة مهمة جداً و البيئة يوجد حديث رواه الإمام البخاري :

      " عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ ـ أي عابد ـ فَأَتَاهُ فَقَالَ إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ فَقَالَ لَا فَقَتَلَهُ فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ فَقَالَ إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ فَقَالَ نَعَمْ وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدْ اللَّهَ مَعَهُمْ وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ............"

[ البخاري ، مسلم ، ابن ماجه ، أحمد ]

     معنى هذا و هذا كلام دقيق و الحديث صحيح و من أصح الصحيح في الصحاح ، معنى ذلك أنك لن تستطيع أن تعبد الله إلا إذا كنت مع المتقين:

[ سورة التوبة : الآية 119]

       أخطر شيء على الابن البيئة ، أحياناً تجد ابناً أخلاقه عالية جداً لأن أهله و بيته و بيت عمه و بيت خالته أسرة منضبطة حتى بفروعها فأينما ذهب لا يوجد كلمة سيئة ، لا يوجد عمل فاحش ، لا يوجد تعليقات جنسية منحرفة ، كل الكلام منضبط و يوجد أدب و حياء و لا يوجد اختلاط ، و قد تجد طفلاً آخراً عجيباً أي يفعل المنكرات القبيحة و كأنه لا يفعل شيئاً لأنه هكذا نشأ في بيئته ، لذلك قال له : انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدْ اللَّهَ مَعَهُمْ وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ .

      و للحديث الطويل تتمة مغزاه هكذا أي ما لم تكن مع المؤمنين ، ما لم تكن من رواد بيوت الله الحرام ، ما لم يكن أصدقاؤك مؤمنين ، ما لم يكن الذين تسهر معهم من أهل الصلاح، ما لم تكن نزهاتك مع المؤمنين، ما لم تكن مجالسك مع المؤمنين ، الإنسان الفاسق الفاجر تماماً كالفاكهة الفاسدة ، دع تفاحة فاسدة في كم كبير من التفاح هذه التفاحة الواحدة الفاسدة يمكن أن تفسد كل من حولها .

     الجاحظ من كبار الأدباء له كتاب يذكر في هذا الكتاب نصيحة عقبة ابن أبي سفيان لما دفع ولده إلى المؤدب ـ إلى المعلم ـ قال : ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح بنيّ إصلاح نفسك ، يمكن أن نقول ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح بنيّ إصلاح نفسك ، ليكن إصلاح نفسك أولاً أو ليكن أول ما تبدأ به إصلاح نفسك ، قال : فإن عيونهم معقودة بعينك فالحسن عندهم ما استحسنت و القبيح عندهم ما استقبحت ، و علمهم سير الحكماء و أخلاق الأدباء و تهددهم بي ، الأم و الأب الموفقان في تربية أولادهما الأم دائماً تخوف أولادها بالأب ، تجعل له هيبة ، الأم الحمقاء تتطاول على زوجها أمام أولادها ، لم يبق في البيت من يهاب ، أما الأم العاقلة و لو يوجد خطأ من قبل زوجها تتهيب زوجها كثيراً أمام أولادها كي تحتمي و كي تتوعدهم به ، أما إذا تطاولت عليه في حضرة أبنائه فقد وقعت مشكلة كبيرة ، أتمنى و الله أيها الإخوة أن لا يوجد مشاحنة بين الزوجين أمام الأولاد ، و لا يكون هناك مهاترات ، و لا يكون هناك نوع من التطاول ، لأن هذا يفقد دور الأب و الأم معاً ، فكلما كان الانسجام بين الأبوين أمام الأولاد رائعاً كانت سلطة الأم و الأب على أولادهما رائعة ، بالمناسبة أيضاً يوجد آباء لا ينتبهوا قد يعنف ابنه أمام أخواته البنات فيهزؤون به طوال الأسبوع و الأشد من هذا أن يعنف ابنه أمام أصدقائه ، إنك تسحقه دون أن تدري ، فالأولى ألا تعنفه لا أمام أخواته البنات و لا أمام أصدقائه مهما يكن تعنيفك شديداً إن كان فيما بينك و بينه يقبله منك ، أحد العلماء سأل إنساناً قضى في السجن سنوات طويلة فقال له : ما أشد ما مر بكم في هذا السجن؟ اقترحوا شيئاً ، ما أشد ما مر بكم في هذا السجن ؟ فقال : ما فقدناه من تربية أبنائنا ، و الله أعلم قصصاً كثيرة أيها الإخوة عن أناس دخلوا السجون ، أي أخطئوا فدخلوا السجون فخرجوا من السجون وأولادهم في أشد أنواع الانحراف ، الأم وحدها لا تستطيع أن تضبط أولادها لأنها في البيت لذلك لما سئل ما أشد ما مر بكم في هذا السجن ؟ فقالوا : ما فقدناه من تربية أبنائنا .

     و من وصية ابن سيناء في تربية الولد أن يكون مع الصبي في مكتبه صبية حسنة آدابهم، مرضية عاداتهم ، لأن الصبي عن الصبي ألقن و هو عنه آخذ و به آنس ، أخطر جهة في حياة ابنك صديقه ، أخطر منك، أخطر جهة في حياة ابنتك صديقتها أخطر من أمها ، أخطر جهة يمكن أن تفعل فعلاً لا يوصف في حياة الطفل صديقه لذلك إذا كان هناك صديق صالح و زار ابنك يجب أن يُستقبل و أن يُرحب به و أن يفسح له المجال ليجلس معه ، لا تتبرم بأصدقاء ابنك ، الصداقة لابد منها ، يوجد أمهات و العياذ بالله اطرده ، رأساً تطرد صديق ابنها و بقسوة إذا جئت مرة ثانية سأكسر قدمك ، أم حمقاء تحطم ابنها و انفضح أمام صديقه و الآن حر أن يختار أي صديق آخر لكن طبعاً أصبح بالتهريب ، صديق تهريب و ليس صديقاً نظامياً ، أنت ابحث عن صديق صحيح أخلاقه عالية له أب ، له أم ، له بيت علم، و اسمح لابنك أن يجلس معه ، و اسمح لابنك أن يختلط معه ، لأنه لابد من صديق شئت أم أبيت .

     أيها الإخوة :

     النقطة الدقيقة أن الإنسان يمكن أن يلقن كل خير هذا كلام العوام ، أن الإتاية عوجا ، هذه آية أم حديث ؟ لا آية و لا حديث هذا كلام الشيطان، هذا كلام التيئيس ، هذا كلام إبليس، هذا كلام الجاهل ، هذا كلام الكسول ، لا يوجد أمل ، يوجد أمل كبير ، و الله أناس في أشد حالات الانحراف الآن أولياء لله ، لو لم يكن هناك من أمل في إصلاح الابن لا يوجد هناك داع للتربية، لا يوجد داع للتعليم ، لا داع أكبر ميزانية بمعظم البلدان ميزانية وزارة التربية بمعظم البلدان ، أكبر عدد موظفين في أي دولة إما الجيش أو التربية ، لأن تربية الجيل من أجل إصلاحه ، لماذا أنزل الله الكتب ؟ لإصلاح الناس ، لماذا بعث الله الأنبياء ؟ لإصلاح الناس ، فأنت حينما تقول لا يوجد أمل ، عندما تيئس الناس من إصلاح الصغار معنى ذلك أنت تتناقض مع نصوص القرآن و السنة .

     يقول أحد العلماء : الصبي أمانة عند والديه و قلبه الطاهر جوهرة نفيسة فإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم شقي و هلك ، و صيانته بأن يؤدبه و يهذبه و يعلمه محاسن الأخلاق ، أحياناً يتعثر طالب بدراسته و خلال شهر والده بغير حكمة يخرجه من المدرسة دعه يعمل عملاً بمحل تجاري ، أعرف إنسانة توفيت لها ابن رسب في الشهادة الثانوية أول سنة ، هي مصرة أن يكون طبيباً ، رسب ثاني سنة ، مصرة أن يكون طبيباً ، رسب ثالث سنة و مصرة أن يكون طبيباً ، رسب رابع سنة مصرة يكون طبيباً ، نجح خامس سنة الآن طبيب أسنان ، أربع سنوات و لم تيئس ، نحن إذا أخذ عدداً من الأصفار و شكوى من المدرسة يخرجوه ، يوجد ظاهرة اسمها التسريب نصف الطلاب يخرجون من المدارس إلى أعمال حرة ، طبعاً كدخل لا يوجد دخل من العلم و لكن العلم له فائدة كبيرة جداً غير الدخل ، نحن الآن أمام أداة فعالة من أدوات تربية الأولاد في الإسلام هي أداة العادة ، لكن الحقيقة العادة لها خصائص عند الكبار و لها خصائص عند الصغار ، ابنك بالحادي عشر بكالوريا أول جامعة له ترتيب ثان ، ابنك بالحضانة و الابتدائي له ترتيب آخر ، سوف نقتصر في هذا الدرس عن منهج العادة عند الكبار .

      أولاً : الربط بالعقيدة ، يجب أن تربط العادات و التقاليد بالعقيدة ، مثلاً لماذا لم يوافق الأب على عرس مختلط ؟ يجب أن تجيبه هذه عادات تتناقض مع منهج الله ، هذه الآية ، هذا الحديث ، لماذا فرضاً لا يخطب الإنسان فتاة سنة سنتان يألفها و تألفه ، يخرج معها و تخرج معه ثم بعد ذلك يكون العقد ؟ هناك عادات الآن سيئة جداً فيجب أن تبين له علاقة هذه العادة بمنهج الله عز وجل ، فالشاب لا يقنع أن هذا حرام ، هذا الحرام من دون تعليل عقلي ، من دون تعليل علمي ، من دون تعليل واقعي ، من دون تعليل فطري ، من دون تعليل نقلي لا تعمل ، و كلما كان الأب أقدر على إقناع ابنه بالعادات الإسلامية ، مثلاً يوجد وليمة مكانين و النساء و الرجال لما لا يكونوا معاً هم أقرباء ؟ يجب أن تبين له الحمو الموت ، يوجد تعليلات رائعة جداً ، الشاب أن تقول له حرام و كفى و هذه لا أفعلها و كفى هذا لا يكفي ، فلابد من ربط العادات التي تعوده عليها بالعقيدة ، بالأمر ، بالنهي ، بالقرآن ، بالسنة ، فكلما تمكنت أن هذه حرام ، أذكر مرة قال لي أخ أنه اشترى سمكاً من مسمكة مباشرة الذي باعه إياها شرع في تنظيف السمك و السمك لا يزال يتحرك فالأب نهاه بقسوة نهاه ، قال له : و لا بساعة و نصف يسكنون ، قال له : أنتظر ساعة و نصف ، لأنه يوجد توجيه إلهي :

[ سورة الحج : الآية 36]

        و نهى عن تعذيب الحيوان ، هذه السمكة لايزال فيها حياة تفتح لها بطنها ، تنزع أحشاءها ، كل موقف يكون له تعليل ، دليل ، توجيه قرآني ، توجيه نبوي ، فالأب الذي آتاه الله إيماناً و علماً فكلما فعل شيئاً أنكره أولاده ينبغي أن يبين لهم ، فلابد من ربط هذه العادات التي تفعلها أو التي تلزمه أن يفعلها ، أو التي ينكرها الابن ينبغي أن تربطها بالعقيدة و بالأمر وبالنهي ، يقول الله عز وجل :

[ سورة المائدة : الآية 50]

من أحسن حكماً لقوم يوقنون ؟

            أيها الإخوة :

      إذاً استخدام تلقين العادات مع الكبار يحتاج إلى ربطها بالعقائد و بالأمر و النهي ، و أكبر دليل :

[ سورة المائدة : الآية 50]

[ سورة الحشر : الآية 7]

[ سورة النساء : الآية 65]

     الشيء الثاني : لابد من تعرية الباطل ، الباطل بيده وسائل نشر كبيرة جداً ، الباطل بيده صحف ، بيده مجلات ، بيده إعلان ، بيده أحياناً محطات فضائية ، فالطفل أحياناً يؤخذ بما يقال، هناك دعوة إلى التفلت ، دعوة إلى التحلل ، دعوة إلى اعتبار الدين شيء من التراث ، ولا يعد منهجاً صالحاً لكل زمان ، فأنت ما لم تعر الباطل أمام ابنك ، ما لم تظهر الأخطاء الجسيمة في الاعتقاد ، الأخطاء الجسيمة في السلوك ، لن تستطيع أن تصرفه عن أهل الباطل في عصر الباطل قوي جداً ، قوى البغي كلها مع الباطل أو تأتمر بأمر الباطل و الذين هم عندهم الحق ضعفاء في هذا العصر ، الباطل معه وسائل كبيرة جداً ، معه وسائل فعالة ، الآن أخطر شيء في العالم هو الإعلام ، انتبهت الدول العظمى للإعلام ، ممكن أن تغسل عقول شعوب بأكملها عن طريق الإعلام ، و تلاحظون كيف تزور الحقائق و كيف تكلم بالباطل ، فأنت تكون سلبياً هو يسمع كما تسمع و يرى كما ترى و يلتقي مع أصدقائه ، فلابد من توعيته بخطورة الباطل وأكبر دليل على ذلك :

[ سورة البقرة : الآية 256]

     أي مستحيل أن تؤمن بالله قبل أن تكفر بالطاغوت ، الأب الواعي يا بابا يوجد اختلاط ، يوجد سهرات مختلطة ، يوجد نوادي ، يوجد رحلات فيها سباحة مع كشف العورات ، يوجد سباحة مختلطة يعدها الشاب هذا مظهر حضاري ، شيء طبيعي جداً ، فالأب ما لم يبين له أن هذا له أخطار قد تدمر أسر بأكملها ، قد تشتت أسر ، قد تطلق نساء من خلال الاختلاط ، لابد من تعرية الباطل ، بالمناسبة الأجانب لهم الفضل في شيء واحد أنهم أعانونا على أن نكفر بهم، قبل الأحداث الأخيرة الباطل خاطف أبصار العالم كله ، بكلمات براقة جميلة ، حقوق الإنسان ، الديمقراطية ، الحرية ، الرفق بالحيوان ، فالناس مأخوذين ، فلما استفزوا انقلبوا إلى وحوش ، إذاً هم أعانونا على أن نكفر بهم ، لأنه قبل أن نكفر بهم لايمكن أن نؤمن بالله ، فالأب الواعي مع ابنه الشاب يجب أن يعري الباطل أمامه ، ليس هناك سعادة هناك حياة مادية محضة ، والإنسان يلهث أمام هدف متحرك لا يستقر على حال ، و أن الإنسان الذي بني و ربي في بيوت الانحراف إنسان بلا هدف ، إنسان ليس فيه خير لا لوطنه و لا لأمته و لا لدينه ، طبعاً فهمكم كفاية و لكن لابد من تعرية الباطل .

     الشيء الثالث و الأخير في تربية الأولاد عن طريق العادة : أولاً أن تربطها بالعقيدة والأمر و النهي ، و ثانياً : أن تعري الباطل ، و ثالثاً : أن تحمله على تغيير بيئته .

     الابن مادام في بيئة سيئة مع رفقاء سوء لا يوجد أمل بالهداية أبداً فينبغي أن تغير له البيئة و أن تهيئ له أصدقاء مؤمنين موثوق بدينهم ، موثوق بأمانتهم ، موثوق بصلاحهم ، هؤلاء يحرصون على أن يكون ابنك معهم في أعلى مستوى .

    أيها الإخوة الكرام :

    إن شاء الله في درس قادم سأتحدث عن العادة مع الصغار ، العادة مع الصغار تحتاج إلى تلقين و إلى تعويد فقط ، الكبير يحتاج إلى ربط بالعقيدة و المنهج و الكتاب و السنة و إلى تعرية الباطل و إلى تغيير البيئة ، أما الصغير يحتاج إلى تلقين و تعويد ، و التلقين و التعويد مع الصغار وسيلة فعالة كبيرة جداً لترسيخ الحق ، و هذا كله ثماره حينما ترى ابنك يصلي قيام الليل و حينما ترى ابنك يغض بصره عن محارم الله ، و حينما تأتي الأخبار من كل حدب و صوب تثني على ابنك ، و على شهامته ، و على ورعه ، و على دعوته إلى الله ، حينما ترى ابنك عالماً جليلاً يدخل على قلبك من السعادة ما تنسى به كل جهد بذلته ، و الله البارحة كنت بعقد قران يوجد عالمين جليلين هما ابنان لعالم جليل توفي في هذه البلدة الطيبة و الله ما رأيت عملاً أعظم لأن هذا العالم الذي توفي ترك هذين العالمين ، معنى شيء عظيم جداً أن يكون اسمك مستمراً من بعد موتك ، فأنت حينما ترى ابنك صالحاً ورعاً مستقيماً منصفاً محباً متفوقاً في عمله يدخل على قلبك من السعادة و الله ما لا يوصف .

 

          والله مرة قلت لأحد الآباء يشكو أن ابنه يكثر المجيء إلى المسجد قلت له : و الله لو تعلم كم هو الخير الذي سيأتيك من ابنك هذا لفعلت الشيء الذي لا يوصف ، ابنك صالح ، ابنك من رواد المسجد ، ابنك ورع ، ابنك أمين ، صادق ، فالآباء إن أردت أن تسعد حقيقة اهتم بابنك صغيراً ، يحتاج إلى وقت و إلى جهد و إلى إنفاق مال و إلى حلم و إلى صبر لكن بعد أن ترى ابنك صالحاً يصلي ، يصوم ، يحسن لله ، هو استمرار لك تنسى كل تعبك .

 

و الحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi