English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

تربية الأولاد في الإسلام – 39 / 51 : : وسائل تربية الأولاد : التربية بالعقوبة "1"  ،  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

          الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم  اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

 

      أيها الأخوة المؤمنون : لا زلنا في سلسلة دروس تربية الأولاد في الإسلام ، ولا زلنا في الجزء الثاني وهي الوسائل الفعالة في تربية الأولاد ، تحدثت عن التربية بالقدوة وعن التربية بالتعويد و التلقيم وعن التربية بالموعظة والملاحظة ، واليوم ننتقل إلى التربية بالعقوبة .

  أيها الأخوة الكرام : من الثابت أن جزءاً من بني البشر لا يمكن أن يرتدع إلا بالعقوبة ، ولأن الله خالق البشر وهو الخبير بهم قال في كتابه الكريم :

(سورة البقرة)

      فالأصل أن تكون ليناً وتتخذ من الموعظة والقدوة والملاينة والملاطفة والإقناع والتوجيه ولفت النظر الوسائل التي تحمل المربى على أن يستجيب لك ، أما حينما لا يستجيب بهذه الوسائل عندئذ لابد من العقاب .

      أيها الأخوة الكرام : من خلال تعاملي مع الناس هناك نمط لا يمكن أن يستجيب إلا بدافع الخوف من العقاب ، ألم يقل الله عز وجل :

(سورة الأنفال)

       قد تحوز سلاحاً ولا تستخدمه ، لكن لمجرد أنه معك سلاح فتاك الذين حولك يهابونك ، لابد في بعض الأحيان ومع بعض الأشخاص من أن تستخدم أسلوب العقاب .

    هل تتصورون في الأرض قانون يصدر من دون رادع ؟ هل يصدر قانون للسير من دون عقوبات ؟ لا قيمة له إطلاقاً .

    أيها الأخوة : في الغرب رأوا أن العقاب شيء تقليدي أو غير حضاري أو همجي وحشي ، فألغوا عقوبة الإعدام ، واضطرت معظم الدول إلى أن تعود إليه مقهورة ، لأن الجريمة استشرت والقتل استحر ، والتجاوزات شاعت ، ولا يمكن أن ينضبط الإنسان إلا حينما يخاف من الواحد الديان ، لذلك في القرآن الكريم وهو كلام الله عز وجل ومنهج خلق البشر شرع العقوبات ، نبهنا إلى أن الرحمة في موضع إقامة الحد خطأ كبير .

(سورة النور)

      سابقاً وليس الآن بلد بعيد بعد الأرض عن السماء عن أساليب الحضارة ، لمجرد أن يطبق قانون السرقة ترى فيه العجب العجاب ، الذي يبيع النقد يذهب ليصلي وصندوق النقد مفتوح تحت أعين الناس و أيديهم ، ولا أحد يجرؤ أن يمد يده إلى شيء في بلد بعيد عن التحضر بمقياس العصر ، ومع ذلك حين أقيم حد السرقة ترى فيه العجب العجاب ، وبلد آخر هو قمة في الحضارة المادية في كل ثلاثين ثانية ترتكب جريمة قتل ، أو جريمة سرقة أو جريمة اغتصاب ، وهذا الإحصاء عام خمسة وستون ! كل ثلاثين ثانية جمعت جرائم القتل والسرقة والاغتصاب وقسمت على ثواني العام فكان كل ثلاثين ثانية لابد من جريمة قتل أو سرقة أو اغتصاب !

    أن يكون هناك رادع يمنع الإنسان من أن يرتكب إثماً هذا الشيء لابد منه ، المدرسة الناجحة والمؤسسة والجامعة والمستشفى وأي عمل ناجح لابد من أن يكون العقاب رادعاً للموظفين حتى لا يتجاوزوا حدودهم .

   إخواننا الكرام : عندنا خمس مقاصد للشريعة أساسية في حياة المسلمين المقاصد هي الحفاظ على الدين وعلى الحياة وعلى العرض وعلى العقل وعلى المال ، أن يسلم دينك وحياتك وعقلك وعرضك ومالك هذه مقاصد الشريعة الكلية ، ولكل مقصد من هذه المقاصد حد رادع ، فالذي يعتدي على دين الأمة أن يكفر فيما بينه وبين نفسه لا شيء عليه ! لأن الإنسان حر ولا إكراه في الدين ، وله أن يعتقد ما يشاء ، أما حينما تريد أن تسفه دين الأمة بلسانك أو بقلمك أو بأعمالك الفنية أو بقصصك فلابد من عقاب رادع وهو القتل ، حد القتل ، لكن هذا الذي يرتد عن دينه من السذاجة أن تظن أنه يحاسب فوراً لابد من أن يستتاب ويجلس معه عالم كبير ويقنعه إلى أمد طويل ، فإذا أقيمت عليه الحجة ولم يرتدع ويسكت وبقي يطعن في دين الأمة ومقدساتها هذا إنسان يخرب عقائد الناس ومقدساتهم .

     الاعتداء على دين الأمة له حد ولكن لا يطبق فوراً بل بعد الإصرار والإقناع وبعد إقامة الحجة ، والعدوان على حياة الناس حده القتل .

        المؤمن حينما يرى أنه إذا قتل نفساً لابد من أن يقتل ، لا يقتل وفر لهذا الإنسان حياته ووفر له حياته ، فضمنا حياة المقتول والقاتل حينما نضع للقتل حداً ، لذلك العرب في الجاهلية قالت : القتل أنفى للقتل ، لكن القرآن يقول :

       نعمة الأمن لا تعدلها نعمة على الإطلاق ، أقول لكم هذا : لي صديق جاء من أمستردام إلى دمشق على طائرة هولندية قصة قديمة ولا تزال قائمة فألقيت رسالة باللغة الإنكليزية للركاب، هذه الرسالة كما يلي : أنتم راكبون إلى آمن بلد في العالم بمعنى أنه بإمكانك أن تتجول أنت وزوجتك إلى ساعة متأخرة من الليل دون أن تخشى شيئاً ، هذه نعمة لا يعرفها إلا من فقدها، لا تستطيع في معظم الدول بعد غياب الشمس أن تتجول بحرية لأن هناك من يعتدي على حياتك وزوجتك ....

       ليس هذا كلام عام ، هناك أماكن كثيرة وفي مراكز المدن الإنسان ليس آمناً على نفسه ، لكن نعمة الأمن التي يوفرها الدين هذه نعمة لا تقدر بثمن بل إن الإقامة ببلد لست آمناً فيها محرمة ! لأن الأمن قوام الحياة ، رأيتم فيما مضى في بلاد تجاورنا الإنسان ثمنه رصاصة ولا شيء يدفعه القاتل إذا قتل قتيلاً حتى لخلافات بسيطة ولديون بسيطة كان الإنسان يقتل غريمه وينتهي الأمر .

  فمن أكبر النعم نعمة الأمن قال تعالى :

(سورة قريش)

       فحد الاعتداء على الدين والحياة واضح جداً ، هناك حد الاعتداء على العرض ، يكفي أن تقذف امرأة محصنة لابد من أن تجلد ثمانين جلدة ولا تقبل لك بعدها شهادة أبداً ، لأن قذف محصنة يهدم عمل مائة سنة .

   أيضاً سمعة الإنسان شيء مهم جداً سماه العرب في الجاهلية العرض ، نحن إذا قلنا عرض فلانة نتصور أن ينتهك عرضها ، لكن العرض سمعة الإنسان وموطن المدح والذم في الإنسان ، وكما أن المرأة إذا اعتدي على سمعتها يستحق الذي يقذف المرأة ثمانين جلدة كذلك إذا اعتديت على سمعة رجل بالباطل الحكم الشرعي نفسه يجلد ثمانين جلدة ، فلان حرامي أو زاني بلا دليل، لابد من أن يرجم الذي يقذف المحصن والمحصنة ثمانين جلدة .

      العدوان على الدين والحياة والعرض والعقل بشرب الخمر لكل منهم حد . حدثني أخ كان بسفر دعي إلى طعام يعمل في التربية وحضر الطعام نخبة من كبار رجال التربية في تلك المحافظة وموجهون تربويون ومدرسون قدماء لكن شربوا الخمر ، فسمع منهم كلاماً لا يمكن أن يقوله الذي قاله في صحوته مستحيل ! وصل لمناطق حميمة جداً ، ولذكر أسماء ولعلاقات شائنة لا يمكن أن يقولها إذا كان في صحوته قالها في سكرته ، فلذلك الذي يشر بالخمر يعتدي على عقله .

     تروي بعض القصص : إنسان خُيّرَ أن يزني بامرأة وبين أن يقتل طفلاً وبين أن يشرب خمراً ، فتوهم هذا الإنسان أن أهون شيء شرب الخمر ، فشرب الخمر فزنى بالمرأة وقتل الغلام، لذلك ورد أن الشر كله جمع في بيت ثم أرتج عليه فكان مفتاحه شرب الخمر .

فحد الارتداد والقتل والقذف وحد فقد العقل بالخمر وحد السرقة بقطع اليد .

     والله أيها الأخوة : لي أقرباء كثر كانوا في بلد إسلامي يقام فيه حد السرقة والله سمعت قصص ولا يمكن أن تكون بالخيال ، حتى سمعت من برنامج من إذاعة بعيدة جداً في أقصى الغرب عن هذا البلد الذي يقيم حد السرقة ، إنسان يحمل كيس فيه ملايين ليشتري حاجات على ظهره ، رواتب موظفين محافظة بعيدة جداً تبعد ألفين كيلو متر توضع في شاحنة ورق ، في أوروبا قطارات مصفحة ومسلحة ومع ذلك تسرق ، فحينما يقام حد السرقة في بلد يصبح الناس آمنون على أموالهم ، أما حينما يكتفي بالسجن فقط ، وقد يخرج بكفالة وقد وقَد وقد ...يوجد ألف حل ، أما حينما يوقن الذي سيسرق أن يده سوف يفقدها ، بلد فيها عشرين مليون لو أقيم حد السرقة لا تقطع إلا عدة أيادي في السنة كلها ! لكن ضمنا بقاء الأموال لأصحابها ، فالمال قوام الحياة ، هذه العقوبات شرعية مائة بالمائة لأن خالق الإنسان والخبير والعليم هو الذي شرعه .

      حد الارتداد وحد القتل وشرب الخمر والسرقة والقذف ، لكن في الإسلام عقوبات أخرى اسمها التعزيرات تبدأ بالتوبيخ وقد تطور إلى الضرب والسجن ، لكن لا يجوز أن تصل إلى الحد الذي رسمه الشرع .

      ولي أمر المسلمين قد يضع لكل مخالفة عقاباً لها ، من هذا العقاب السجن أو كتاب توبيخ أو ضرب ، فهذه تعزيرات إن لم تكن حدوداً ، حرية حركة بها يرى من المناسب أن يفعل كذا وكذا.

يوجد حد سادس هو حد الإفساد في الأرض .

(سورة المائدة)

      لا أريد أن أطيل عليكم ، لكن البلاد التي قللت من العقوبات تعاني ما تعاني من الويلات ، كل حين نسمع دخل إنسان قتل ثلاثين ثمانية خمسة عشر ، بلبنان قبل شهر دخل إنسان قتل ثمانية، حينما نهون من قيمة العقاب تنشأ مشكلات ليس لها حلول .

     أقول لكم مرة ثانية : بدأت بعض الدول التي منعت عقوبة الإعدام بإعادة هذه العقوبة كرادع كبير للمجتمع من أن تشيع فيه الجريمة .

      مرة سمعت تصريح لرئيس من رؤساء أميركا السابقين : أن أمريكا مهددة بأربع مشكلات خطيرة ! فقبل أن يتابع كلامه تصورت هذه المشكلات هي الصين أو التجمع الأوروبي أو اليابان أو ما شاكل ذلك ، ثم فوجئت بشيوع الجريمة وتفكك الأسرة وانتشار المخدرات .

      سيدنا عمر مرة قيل له : يا أمير المؤمنين إن الناس هابوا شدتك ، بكى وقال : والله لو يعلم الناس ما في قلبي من الرحمة لأخذوا عباءتي هذه ، ولكن هذا الأمر لا يناسبه إلا كما ترى ، أيها الناس : كنت خادم رسول الله وجلواده وسيفه المسلول ، وتوفي وهو راض عني ، والحمد لله على هذا كثيراً وأنا به أسعد ، ثم كنت خادم أبي بكر وسيفه المسلول وجلواده ، وتوفي وهو عني راض والحمد لله على هذا كثيراً وأنا به أسعد ، ثم آلت الأمور إلي فاعلموا أيها الناس أن تلك الشدة قد أضعفت وإنما تكون على أهل المعصية والفجور أما أهل التقوى والصلاح فأنا ألين لهم من أنفسهم ، وسأضع خدي على الأرض ليدوسوه بأقدامهم ، أيها الناس : لكم علي خمس خصال خذوني بهن : لكم علي أن لا آخذ من أموالكم شيئاً إلا بحقه ، وألا أنفقه إلا بحقه ، ولكم علي أن أزيد عطاياكم إن شاء الله تعالى ، ولكم علي ألا أجمركم في البعوث وإذا غبتم في البعوث فأنا أبو العيال حتى ترجعوا .

      لابد من الشدة ، هل تصدقون أن سيدنا عمر كان وزير عدل في عهد سيدنا أبو بكر الصديق ؟ ! وجلس في مجلس القضاء سنتين دون أن يختصم إليه اثنان !

     الآن ستين ألف دعوة بقسم وثلاثين ألف بقسم وأربعين ألف بقسم ، عدد الدعاوى التي ترفع إلى محاكم المسلمين فلكي وأكثرها كيدي وأكثرها أساسه العدوان على الحقوق والأموال والأعراض والعلاقات الشخصية ، المشكلة كلما طبق المسلمون منهج الله عز وجل قلت الخصومات ، الأصل أن الله حينما شرع لك منهجاً من أج أن تتفرغ لعبادته لو دخل اثنان القضاء أسرتان ومن حولهما توتر أعصابهما وتضطرب حياتهما لسنوات عديدة ، أما البطولة ألا تدخل إلى القضاء .

     فسيدنا عمر بن العاص سأله معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه : يا عمر ما بلغ من دهائك ؟ قال : والله ما دخلت مدخلاً إلا أحسنت الخروج منه ، قال : لست بداهية يا عمر ، أما أنا والله ما دخلت مدخلاً أحتاج أن أخرج منه !

فالبطولة اكتب إيصال فهو يلغي دخولك القضاء ، اكتب عقد وصدقه بمحكمة البداية ، اربط أخاك بعقد ، فإنك بهذا تمنع عنه الشيطان ، أما إن لم يكن عقد بينكما فالشيطان جاهر ، وكم من اغتصاب شركة وبيت بسبب تسيب الأمور بلا عقد ، أكثر المنازعات اليوم اشترى بيت من ثلاثين سنة لم يطوبه بسبب كسله كان ثمنه ثلاثين ألف الآن ثمنه ثلاثة عشرة مليون ، مالك البيت معقول طوبه ؟ لا يطوبه يريد فرق مائتين ألف أو نصف مليون أو مليون ، المال الحرام لو طوبت بوقتها لما وصلت لما وصلت إليه ، أكثر المنازعات سببها طمع ، والطمع سببه لا يوجد قيد ، فإذا كل قرض بإيصال وبشاهدين وكل اتفاق بعقد وكل عقد بيع كبير بعقد مكتوب فيه كل الشروط لا نصل إلى القضاء .

           أحياناً تسمع إنسان يمدح نفسه يقول أنا لا أعرف المخفر والقضاء وقصر العدل ، لو أنصف الناس لاستراح القاضي وبات ك عن أخاه راضي ، لذلك ورد : حجر ضج بالشكوى إلى الله قال : يا ربي عبدتك خمسين عاماً وتضعني في أس كنيف قال : تأدب يا حجر إذ لم أجعلك في مجلسي قاض ظالم ، لأن يكون هذا الحجر في أس كنيف أشرف له ألف مرة من أن يكون في مجلس قاض ظالم .

       يروى أنه عقب الحرب العالمية الثانية زعيم بريطانية سأل وزرائه واحداً واحد فسأل وزير الصناعة كيف الصناعة عندك يا مستر فلان ؟ قال : المعامل كلها مدمرة ، سأل وزير الزراعة كيف الزراعة عندك يا مستر فلان قال : الحقول كلها محروقة ، سأل وزير الخزانة كيف الخزانة عندك يا مستر فلان ؟ قال : خاوية على عروشها ، سأل وزير العدل كيف العدل عندك يا مستر فلان ؟ قال : العدل بخير ، فقال هذا الزعيم : كلنا إذاً بخير، أنت حينما تجلس في مجتمع بإمكانك أن تقاضي أي إنسان وتنال حقك فأنت في مجتمع الخير والعدل أساس الملك .

(سورة النساء)

      في محكمة الجنايات لوحتان رائعتان ، لوحة فوق رأس القاضي يراها المتهمون في قفص الاتهام كتب عليها :

هذه الآية القرآنية يقرأها المذنبون ، وكتب فوق رأس المذنبين آية قرآنية يقرأها القاضي :

    سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا *

(صحيح البخاري)

   عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا أَنَّ .....قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ ثُمَّ قَالَ إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا *

(صحيح البخاري)

     كمقدمة للتربية بالعقوبة قلنا : العقوبة لابد منها ، لأن الشرع قررها ، والشرع قرر حدود متعلقة بمقاصد الشريعة الخمس ، وقرر تعزيرات تركت لولي المسلمين ، عقوبات تبدأ بالتوبيخ وتنتهي بالسجن ، لكن ينبغي أن تكون دون الحدود التي شرعت في القرآن الكريم .

مرة ثانية أيها الأخوة : الأصل اللين والطف والتوجيه والتعليم .

      علموا ولا تعنفوا فإن المعلم خير من المعنف ، إن الله رفيق يحب الرفق ، لا يكون الرفق في شيء إلا زانه ، ولا ينزع من شيء إلا شانه .

     هذا الأصل ، ولأن معظم النفوس تستجيب للتوجيه والإرشاد ، أنت كأب أو كأخ كبير أو كمعلم نبه وضح بلطف ، هذا الشيء حرام ويغضب الله ويفسد حياتك ويسيئ إلى سمعتك ويكون عقبة أمام نجاحك بين وضح فصل ، ائتي بالدليل العقل والواقع والفطر والطبيعي والعاطفي فالأصل علموا ولا تعنفوا، وعليك بالرفق وإياك والعنف والفحش ، ويسرا ولا تعسرا .

    لكن أحياناً آخر الطب الكي ، فقد لا يجدي الرفق ولا التوجيه ولا الإرشاد ولا الموعظة لابد من العقاب .

      بالمناسبة يوجد طفل مزاجه لطيف ومسالم ، هذا الطفل إذا ضربته تحطمه ، أنا أستخدم كلمة قاسية جداً الطفل الذي له مزاج لطيف وعنده رقة وحياء هذا لو ضربته أنت في حقه مجرم! وفي طفل والعياذ بالله لا يمكن أن يرتدع إلا بالضرب ، فالبطولة أن تعرف الفروق الفردية بين الصغار ، يوجد طفل إذا أعرضت عنه فقط يحترق ، لو صرفت وجهك عنه .

أيها الأخوة : الحقيقة من أطاع عصاك فقد عصاك ، هذا الذي يخاف من ضربك لا يحبك وأنت لست ناجحاً معه ، ومرة ثانية من السهولة بمكان أن تكون عنيفاً ، ومن السهولة أن تكون ليناً ، لا تكن ليناً فتعصر ولا تكن قاسياً فتكسر ، البطولة أن تحير الذي تربيه ، بينما أنت في أعلى درجات الرحمة أنت في أعلى درجات الشدة ، هذا معنى الآية الكريمة :

(سورة الأنبياء)

     رجاء وخوفاً .

     إخواننا الكرام : هناك حقيقتان خطيرتان في هذا الدرس أول حقيقة أنت أب أو معلم أو أخ أكبر إذا قدمت شيء ثمين للطفل لابنك ، قدمت له حاجاته ومتطلباته ووفرت له كرامته وكنت لطيف معه ويوجد ود بينك وبينه فالابن أو التلميذ يعد للمليون قبل أن يزعجك في شيء ثمين أخذه منك ، أما إذا لا يوجد شيء حاجاته كلها غير مؤمنة وقسوة بالغة ، فلم يعد هناك رغبة عند المتعلم أن يرعى رغبات المعلم ، فعندما تقدم شيء ثمين مثل : لو فرضنا موظف يتلقى من محل تجاري مبلغ أقل بكثير من حاجته ، وفي قسوة ولا يوجد معاملة طيبة ورحمة ، لا تجد هذا الموظف حريص على تنفيذ تعليمات صاحب المحل ، أما إذا كان الراتب مجزي ومعاملة طيبة ومكافئات كثيرة وأعطيات وميزات فهذا الموظف يعد للمليون قبل أن يزعج صاحب العمل ، معنى ذلك عندما تقدم شيء ثمين ....

     معلم بصف عندما يعلم بإخلاص ونفسه لطيفة ومرح مع الطلاب وهو أخ أكبر لهم أو أب فهذه المعاملة الطيبة والعلم الغزير والتوجيه الرقيق والقيم الأخلاقية العالية هذه تجعل الطالب حريص على طاعة المعلم ، والأب كذلك ، فالأب المثالي قلما يجرؤ ابنه على التطاول عليه لا يجرؤ لأنه أخذ حقه ، والله أعرف أخ من إخواننا عنده أولاد أكرمهم إكرام بالغ زوجهم وهيأ لهم عمل واشترى بيت ضمن إمكانيته ، فكلما زرته والله أرى احترام أولاده له يفوق الخيال ، بعض الآباء يقولون دبر حالك أنا ربيت عصامية ، دبر حالك ، لا يساعده أبداً ولا يوجد كلام طيب ولا إنصاف ولا.... أحياناً يتطاول ، فالنقطة مهمة بالدرس جداً : حينما تقدم شيء ثمين لمن تعلمه سواء أباً أو معلماً حينما تقدم شيء ثمين جداً لمن تعلمه أباً كنت أو معلماً فهذا الذي يتعلم منك حريص حرص ليس له حدود على إرضائك وعلى طاعتك ، لا تحتاج لعقوبة بعدها ، أما إذا كان لا شيء منه غير القسوة والكلام القاسي والسباب والشتائم والقهر والإذلال ولم تقدم له شيء لمن تعلمه ، طبعاً لا قيمة له عنده ، ولا يهمه غضبك أو رضاك فبقدر ما تقدم تكتسب هيبة وبقدر ما تكتسب هيبة لا تحتاج إلى العقوبة ، يقول لي أب أقسم بالله : ربى كل أولاده لم يسبهم مرة ولا كلمة قاسية ولم يضرب أحد ، الحاجات مؤمنة في توجيه سديد ، الأب مثالي حريص على تقديم كل شيء لأولاده ، فبالتربية قاعدة دائماً : خطأ الابن سببه الأب ، فإذا قدمت الشيء الجيد قلما تحتاج لاستخدام عقوبة .

      شيء آخر : لو تصورنا أسرة فيها قسوة ، الأب يقسو ويسب الأم أمام الأولاد وقد يضربها، والأخ الأكبر يتلقى الإهانات تلو الإهانات من الأب هذا الجو جو عنف ، فتجد الأخ الأكبر ضرب الصغر وسبه سباب قاسي ، إذا كان رأس البيت قاسي أفراد البيت يتمثلون هذه القسوة بأبشع صورها ، تجد البيت هادئ قلما يعلو صوت ، كله ابتسامة واعتذار ومؤاثرة ، والله أكاد أبلغ درجة من الإعجاب ببعض البيوت من شدة الانضباط الذي فيها ، في مؤاثرة وتضحية وكلام لطيف وصون للحقوق .

      عندما جاءت لسيدنا عمر كنوز كسرى إلى جانبه سيدنا علي قال : يا سبحان الله ، سبح على هذه الأمانة ، واحد معه ملايين مملينة تاج كسرى لو راح على أنطاكية والقسطنطينية وباعه واشترى بيوت وأراضي وقصور وعاش برفاه لآخر حياته ، فجاء بكل هذه الكنوز لأمير المؤمنين ولم يأخذ منها شيئاً، فقال سيدنا عمر يا سبحان الله ، فقال سيدنا علي : يا أمير المؤمنين أعجبت من أمانته ؟ لقد عففت فعفوا ولو وقعت لوقعوا .

     أب إذا كان مثالي هذا يكفي وأن يكون أخلاقي وورع وعفيف وصادق ، تجد الابن صادق ويصلي ، بيت تقام فيه الصلوات الخمس الأولاد يصلون بشكل طبيعي ، فالقدوة سلاح فعال في التربية لا يقدر بثمن ، أحد كبار المربين المسلمين ابن خلدون يقول : إن من يعامل بالقهر يصبح حملاً على غيره .

     الابن إذا قسوت عليه قسوة شديد يفقد ثقته بنفسه ، فيصبح عبئاً عليك ! لا يحسن شيء أضعفت له ثقته بنفسه ، إذا تكلم تقول له أن يصمت ، أراد مساعدتك تخبره بعدم معرفته ، لم يعد يفعل شيء أبداً ، ضعيف الثقة بنفسه مهزوز الشخصية ، إذا جلس بمكان لا يستطيع أن يتكلم كلمة ، وبعض أمراض الكلام تتأتى من قسوة الأب التأتأة والفأفأة والحبسة أمراض الكلام مخيفة أسبابها نفسية فقط ، معظم أمراض الكلام نفسية تأتي من قسوة الأب أو المعلم .

     يقول أخ كريم : زوج ابنته لزوج قاسي جداً ، فالبنت تركت بيت زوجها وجاءت لبيت أبيها، وفي هذا البيت جاء الزوج غاضب وطرق الباب ودخل وهجم على زوجته أمام طفل صغير فأصيب فوراً بالحبسة من خوفه وعانى منها حوالي اثنا عشرة سنة .

تذكروا هذا الحديث : لا يكون الرفق في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه .

    البيت الذي فه رفق ولا يوجد فيه صياح ولا ضرب ولا قتل ولا تخبيط أبواب ولا كسر بلور ولا أعمال عنف ، هذا البيت فيه ملائكة وراحة نفسية، فبقدر ما تكون هادئ بقدر ما يكون الذين معك هادئون ، الحلم سيد الأخلاق، وكاد الحليم أن يكون نبياً .

     فيقول ابن خلدون : إن من يعامل بالقهر يصبح حملاً على غيره إذ هو يصبح عاجزاً عن الذود عن شرفه وأسرته لخلوه من الحماسة والحمية .

     إذا بنت مهانة في بيتها أمها تشتمها وأبوها كذلك ودائماً محتقرة هذه تصبح لينة مع أي أجنبي ، من تسمع منه كلام معسول تلين معه ، لأنها فقدت العطف من بيتها ، أنا لا أعطي مبرر، لكن عندما تكون قاسي جداً والبنت لا تضرب فلها مكانة كبيرة ، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يقف لفاطمة وهذا شيء غريب جداً ، لما جاءته قال : ريحانة أضمها وعلى الله رزقها

     لا يوجد أقرب من البنت لأبوها ، فالذي تسول له نفسه أن يضرب ابنته مشكلة كبيرة ، البنت أساسها الحياء والخجل ، ومحبة الأب والأم ، فالأب والأم القاسيين على ابنتهم دائماً كلام قاسي وتوبيخ لو فرضنا تكلم إنسان غريب على الهاتف كلام طيف تجدها مالت ، هذه مشكلة كبيرة جداً، فعندما تعطي أولادك العطف الكافي والله حدثونا أساتذة في التربية أنهم عملوا تجربة أم أرضعت ابنها بقسوة ، عندهم التجارب تستمر ثلاثين سنة ، وأم أرضعتهم بلين اختلفت طباع الطفلين ، كيف الإنسان يحب يتغذى من حنان أمه وأبوه ، الحنان غذاء غير الطعام والشراب ، أحياناً الخادمة تقدم للطفل كل شيء لكن لا يوجد عندها حنان ، أو بنت تربى عند خالة مرة أب لا يوجد رحمة ، تنشأ عندها صفات غريبة جداً .

     أيها الأخوة : البيت الذي فيه رحمة وحب وهدوء وحلم ورفق هذا البيت كل أفراده يطبعون بهذا الطابع ، الموضوع عن العقوبة لكن نعتبر التوجيه والرفق والملاطفة والملاينة .

      إن شاء الله في درس قادم ننتقل إلى تفاصيل كيف تستخدم العقوبات ، يوجد إنسان يستخدم أقصى عقوبة أول شيء ، يجب أن تبدأ بأخف عقوبة تضاعف العقوبة بالتدريج ، فالموضوع التدرج في المعالجة من الأخف إلى الأشد ، ممكن تبدأ بالتوجيه وبالملاطفة وكله فيه إشارات من النبي عليه الصلاة والسلام ممكن بالإشارة أو بالتوبيخ أو بالهجر أو بالضرب ، هذا كله إن شاء الله سنقف عنده بدرس قادم بتفاصيل الأساليب التي علمنا إياها النبي عليه الصلاة والسلام .

  أيها الأخوة : هذه الدروس أرجو الله عز وجل لمن عندهم أولاد ولمن يعملون في حقل التربية والتعليم ولمن هم مقدمون على الزواج أن يرعوا هذه الأساليب ، لا يوجد أسعد من بيت يسوده الود والتفاهم والوئام

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi