English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

تربية الأولاد في الإسلام  40 / 51  : وسائل تربية الأولاد : صفات المربي ،  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد :

أيها الإخوة الكرام : لازلنا في سلسة تربية الأولاد في الإسلام ، ولا زلنا في القسم الثاني منها ، ولقد أنهينا في الدروس السابقة بفضل الله عز وجل الوسائل الفعالة في تربية الأولاد من القدوة الصالحة ، إلى التعويد والتلقين ، إلى الملاحظة ، إلى العقوبة ، إلى الوعظ والإرشاد .

وها نحن ننتقل إلى صفات المربي ، ننطلق من قاعدة تربوية أساسية : أن فاقد الشيء لا يعطيه ، لا تنظر أن يكون المتعلم على خلق إن لم يكن هذا الخلق موجوداً عند المعلم ، لذلك نبدأ بصفات المربي ، والأب ، أو المعلم ، أو من تصدى لتربية الأجيال ، ينبغي أن يعلم علم اليقين أن نجاحه في عمله لا يتحقق إلا إذا كان متصفاً بصفات أساسية ، منها الإخلاص .

حينما يخلص المعلم أو الأب في تربية ابنه أو تلميذه فالله سبحانه وتعالى يلهمه الأساليب الفعالة ، يجب أن تعتقد دائماً أن الإنسان ضعيف ، وفقير ، وجاهل ، لكن إذا استعان بالله ألهمه الله رشده وصوابه ، ما من إنسان نجح في تربية أولاده ، وما من معلم نجح في تربية تلاميذه ، وما من شيخ نجح في تربية إخوانه إلا لأنه أخلص في خدمتهم ، ثمن إخلاصه أن الله يلهمه الصواب .

الله عز وجل قد يؤتي الحكمة ، وقد يعلمك كيف تؤثر بمن حولك ، وقد يعطي لكلامك قوة تأثير لا يعلم سببها ، نحن أحياناً نجد إنسانًا لا يملك وسائل تربية ، لكن تقواه ، وصلاحه ، وإخلاصه لله ألهمه الله رشده .

ثمة قصة لا أستطيع أن أذكر تفاصيلها ، لكن إنسانًا يعمل في أقل عمل تتصوره ، ينقل الرمل والأسمنت على ظهره ، وهو غير متعلم ، مر أمام مسجد ، وسمع درس علم ، فطرب له ، تمنى أن يحوز شريطاً لهذا الدرس ، فلما حاز هذا الشريط كأنه ملك الدنيا ، بدأ يسمعه ، ثم حاز بعض الأشرطة ، هو يعمل حيناً في لبنان ، ثم ينتقل إلى بلده في أقصى الشمال الشرقي من بلدنا ، بدأ يدعو إلى الله بحسب ما سمع ، واستمر في الدعوة ، فإذا لفيف كبير حوله ، وإذا به يُلهم أساليب ناجحة جداً في تربية من حوله ، ثم بدأ يقطف ثمار هذه الدعوة ، طبعاً على مدى سنوات عديدة ، قد تقترب من عشر سنوات ، مرة التقيت به ، وأصغيت إلى قوله ، وإلى أساليبه في الدعوة ، والله الشيء الذي لا يكاد يصدق أن الأساليب التي ألهمها يفتقر إليها كبار الدعاة ، ثم طلب العلم ، وطلب العلم ، وهو الآن على مشارف التخرج من مدرسة تعلم العلم الشرعي .

أنت حينما تخلص تأتيك طاقات كبيرة جداً ، في الأساس لا تملكها ، لكن هذه الطاقات التي مكنك الله منها ، والتي زودك الله بها هي إكرام إلهي لإخلاصك الشديد ، لذلك أول صفة من صفات المربي أن يخلص ، إنك إذا أخلصت ، القاضي إذا أخلص يلهم الصواب، المعلم إذا أخلص يلهم الصواب ، الطبيب إذا أخلص يلهم تشخيص الداء التشخيص الصحيح ، ثم وصف الدواء الجيد ، المحامي إذا أخلص أخذ الحق من الظالم يلهم المرافعة التي تقنع القاضي ، هذه قاعد من أجلّ القواعد ، أنك إذا أخلصت كان الله معك ، إذا أخلصت ألهمك رشدك ، إذا أخلصت منحك الحكمة ، إذا أخلصت أعطاك الوسائل الفعالة لتحقيق أهدافك ، هذا كلام عام ، إذا أخلصت في الكسب الحلال يلهمك الله الأساليب الفعالة في كسب المال الحلال ، إذا أخلصت في أن تحصن نفسك من الحرام ألهمك الله أساليب كسب المال ، وأساليب اختيار الزوجة ، فإذا أنت بعد حين حققت المراد الذي كنت تسعى إليه .

أيها الإخوة : قال تعالى :

( سورة البينة الآية : 5 ) .

بالمناسبة أحد كبار العلماء يقول : " العمل لا يقبل إلا إذا كان خالصاً وصواباً  ، خالصاً ما ابتغي به الله ، وصواباً ما وافق السنة " ، وكلاهما شرط لازم غير كافٍ ، يعني أنت لا يمكن أن يقبل عملك إلا إذا جاء وفق السنة ، كما إنه لا يقبل عملك إلا إذا كان مخلصاً، إن أخلصت ، ولم يكن عملك وفق السنة لم يقبل العمل ، وإن جاء عملك وفق السنة ، ولم تكن مخلصاً لكم يقبل العمل ، لذلك قال تعالى في بعض أدعية القرآن الكريم :

( سورة النمل الآية : 19 ) .

العمل الصالح الذي طلبه النبي الكريم مقيد بأن يرضى الله عنه .

( سورة الكهف ) .

أيها الإخوة : الإخلاص هذا بينك وبين الله ، لا يطلع عليه أحد من أهل الأرض ، لكن العمل إذا رافقه الإخلاص يقبل كثيره وقليله ، والعمل إن لم يرافقه الإخلاص لا يقبل لا قليله ولا كثيره ، درهم أنفق في إخلاص خير من مئة ألف درهم أنفق في رياء .

سمعت أن إنسانًا صلى أربعين عاماً في الصف الأول ، في صلاة الفجر وراء الإمام ، وفي يوم سها ، فتألم ألماً شديدًا ، وقال : ماذا يقول الناس عني ؟ انتبه ، ماذا يقول الناس عني ؟ معنى ذلك أن هذه الصلوات في المسجد ليس فيها إخلاص ، الهدف أن يكسب مكانة فيمن حوله .

ليس غريباً أن تعلموا أن علامة الإخلاص ألا يختلف عملك في السر والعلانية ، عملك في خلوتك كعملك في جلوتك ، إتقان عبادتك في خلوتك كإتقان عبادتك في جلوتك ، من علامة الإخلاص أن العمل الذي تعمله لا يزاد بالمدح ، كما أنه لا ينقص بالذم ، إذا كنت مخلصاً فلا يزداد العمل الصالح بالمدح ، كما أنه لا ينقص بالذم ، المدح والذم لا يؤثران في عملك ، لأنك تبتغي ووجه الله ، ولا يختلف العمل لا في الخلوة ولا في الجلوة ، هو هو ، من علامات الإخلاص .

العلامة الأولى عملك في السر كما في العلانية ، في العلانية كما في السر ، لا يختلف العمل بين السر والعلانية ، بين الجلوة والخلوة ، كما أن العمل لا يتأثر بالمديح ، ولا يتأثر بالذنب ، إذاً أنت مخلص .

الشيء الثاني : إذا كنت مخلصاً حقيقةً ، فهذا الإخلاص يتيح لك أن تقبل على الله، إقبالك على الله يعني أن الله سيتجلى عليك ، لذلك المخلص كأنه قبض أجرته ، سعيد ، أما الذي يعمل أعمالاً صالحة ، ويقول : يا أخي الناس لا يتأثرون ، الناس ما فيهم خير ، لا يشكرون ، معنى ذلك أنك تنتظر شكرهم ، وتنتظر ثناءهم ومديحهم ، كما قلت : حينما تكون مخلصاً فعملك الذي يرفع إلى الله يعود من الله ثوابه ، والثواب : من ثاب ، أي رجع ، ماذا يرجع من الله إذا رفع العمل إليه ؟ يرجع سكينة في قلبك ، هذه علامة الإخلاص .

إذاً عدم تأثر العمل بين السر والعلانية ، عدم ازدياد العمل بالثناء ، وعد نقصانه بالذم ، شعور الإنسان المخلص أنه قبض أجرته من الله ، لذلك لا ينتظر ثناء أحد ، ولا مديح أحد ، ولا يعلق كبير أهمية على ذم الناس له ، فمن عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به .

الحقيقة الصفة الثانية : التقوى أي طاعة الله ، إخلاص وطاعة ، كما يقول العلماء الربانيون : ألا يراك الله حيث نهاك ، وألا يفتقدك حيث أمرك ، أنت عند الأمر والنهي ، أنت وقاف عند كتاب الله .

يروى أن حواراً جرى بين سيدنا عمر بن الخطاب وأبي بن كعب عن التقوى ، فقال له : أما سلكت طريقاً ذا شوك ؟ قال : بلى ، قال : فما عملت ؟ قال : شمرت ، واجتهدت ، قال : كذلك التقوى .

من توهم أن الطريق إلى الله طريق مفروش بالرياحين والزهور فهو مخطئ ، الطريق إلى الله طريق محفوف بالمكاره ، طريق القمم طريق صعبة ، (( أَلَا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ، ثَلَاثًا ، أَلَا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ )) .

[أحمد في المسند]

 وقد سميت طاعة الله تكليفاً ، لأن التكليف ذو كلفة ، ((أَلَا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ، ثَلَاثًا ، أَلَا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ )) ، الاسترخاء ، وأن تعطي نفسك ما تريد ، وما تشتهي ، هو طريق النار ، عمل النار سهل بسهوة ، وعمل الجنة حزن بروة ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ )) .

[ مسلم عن أبي سعيد ] .      

مرة افتتح مسجد في بعض أطراف دمشق ، ودعي إليه علماء دمشق ، وألقوا كلمات رائعة في هذا الحفل ، وتناولوا الطعام ، وخرجنا من هذا ، في الضفة الثانية من الطريق ملهى ـ والعياذ بالله ـ فيه كل أنواع الموبقات ، مسجد في طرف ، وملهى في طرف ، الذي أسس الملهى مات بعد أسبوع من افتتاحه ، والذي أسس المسجد استقبل هؤلاء المدعوين ووجهه كله بشر ، أنا خرجت من الحفل قلت : سبحان الله ! لو وقف هذان الرجلان أمام الله عز وجل ، الأول أراد إفساد الناس ، وحملهم على الزنا والخمر والمبيقات ، والثاني أراد تعريف الناس بالله من خلال هذا البيت العظيم الذي بناه لله .

أحيانا تجد قارئ قرآن توفي ، وقراءته تملأ الخافقين ، ومغنٍّ توفي ، وأغانيه تملأ الخافقين ، وكلاهما ميت ، فلذلك عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ ؛ إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ )) .

[ أخرجه مسلم] .

هذا الذي له عمل صالح عند الموت ينقطع عمله فما قولكم بالذي ليس له عمل إطلاقاً ؟ سبحان الله ! في القرآن الكريم آيات دقيقة ، قال تعالى :

( سورة الملك ) .

أحياناً نجري امتحانًا من أجل أن نعرف الناجحين من الراسبين ، هناك رسوب ، ونجاح ، لكن لو أن الطلاب جميعاً ناجحون ، الامتحان مهمته أن نعرف المتفوقين ، أن نعرف التفوق ، فدائماً وأبداً ينبغي أن يكون التفوق هو الأصل ، كل هذا الكون مخلوق من أجل الإنسان ، فما خلق الله هذا الكون من أجل أن ترسب أو تنجح ، من أجل أن تتفوق .

بالمناسبة لأنك إنسان أنت متفوق ، والدليل حينما قال الله عز وجل :

( سورة الأحزاب الآية : 72 ) .

أيْ إن الإنسان قبل حمل الأمانة ، إذاً ميزه الله ، فلما قبل حمل الأمانة سخر الله له السماوات والأرض ، لماذا الإنسان متفوق ؟ لأنه بإمكانه أن يعصي الله فلم يعصه ، لماذا يثاب الصادق ؟ لأنه بإمكانه أن يكذب فلم يكذب ، لماذا يثاب الأمين ؟ لأنه بإمكانه أن يخون فلم يخن ، لماذا يثاب العفيف ؟ لأنه بإمكانه أن يزني فلم يزنِ ، ينقلنا هذا إلى موضوع الأمانة.

إذا وضعت مئة ألف عند إنسان ، وكتب لك إيصالا دقيقًا ، هذا المبلغ ليس أمانة ، هذا إيداع ، لأن الذي أعطاك هذا الإيصال يمكن أن تقاضيه ، لو شاهدت عليه شاهدين ، هذا المبلغ ليس أمانة ، إنما هو إيداع ، لأنه بإمكانك أن تقاضيه ، أما حينما يعطيك مئة ألف ، ولا يأخذ منك إيصالاً ، وأنت بإمكانك أن تعطيه ، أو لا تعطيه ، فأعطيته ، أنت إذاً أمين ، هذه الأمانة ، أنت مخير ، الآن بإمكانك أن تأتي إلى ملهى أو إلى مسجد ، بإمكانك أن تصلي ، أو لا تصلي ، بإمكان أن تغض البصر ، أو أن تطلق البصر ، بإمكانك أن تطلب العلم ، أو تطلب الجهل .4

عن أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ : (( سُئِلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ أَكْثَرَ مَا يُدْخِلُ النّاسَ الْجَنّةَ ، قالَ : تَقْوَى الله ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ )) .

[ رواه الترمذي ] .

أكبر سببٍ لدخول الجنة طاعة الله ، وحسن الخلق .

عن أبي هُرَيْرَةَ قالَ : قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : (( إذَا خَطَبَ إلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ ، فَزَوّجُوهُ )) .

[ رواه الترمذي ] .

طاعة الله وحسن الخلق ، والحديث الصحيح عن أبي ذرّ ومعاذ رضي اللّه عنهما، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : (( اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُما كُنْتَ ، وأتْبعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَة تَمْحُها ، وخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ )) .

[ رواه الترمذي ] .

إذاً تقوى الله هي معوان المعلم ، الأب المستقيم هو أب مربٍّ ناجح ، لأن استقامته دعوة ، المعلم المستقيم استقامته دعوى ، معه وسائل النجاح ، إذاً الإخلاص والاستقامة ، هذان الشيئان الأساسان في نجاح العلمية التعليمية والتربوية .

وقد ورد النعمان بن البشير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((اتقوا الله ، واعدلوا بين أولادكم كما تحبون أن يبروكم )) .

[ رواه الطبراني ] .

الأب العادل له مكانة ، أما إذا انحاز إلى أحد أولاده ، أو انحاز إلى ولد من زوجة دون ولد من زوجة أخرى سقطت مكانته ، العدل أساس الملك .

رئيس جمهورية فرنسا حينما انتخب ، خطب أقصر خطاب في تاريخ فرنسا ، قال : أنا أشكر من انتخبني ، وأحترم من لم ينتخبني ، وأنا لكل الفرنسيين ، دقق في هذه الكلمة ، هو أب لكل الناس .

فأنت كمعلم ، أنت لكل الطلاب ، فإذا انحزت إلى مجموعة طلاب معينة ، لعلاقات معينة ، لانتماءات معينة  ، لأسباب معينة ، للطلاب الأغنياء فرضاً ، لطلاب الأذكياء ، إذا انحزت لهم أنت فقد العدالة ، وحينما تفقدها تفقد قوة التأثير ، أما حينما ترعى كل الأولاد وكل الطلاب ، بصرف النظر عن مستوياتهم الاجتماعية ، وعن مستوياتهم الاقتصادية ، وعن إنتمائاتهم ، وعن اتجاهاتهم ، ترعاهم جميعاً لك مكانة كبيرة .

يروى أن النبي الكريم وقف في جنازة ، فقيل : هو يهودي يا رسول الله ، قال أليس إنساناً ؟ معنى ذلك أن الإنسان أي إنسان ، ينبغي أن تحترمه ، دخلنا في التفاصيل :

معلم مع طلاب متفوقين ، عينه عليهم ، اهتمامه لهم ، ابتسامته لهم ، يقرأ وظائفهم ، يثني عليهم ، يهش لهم ، يبش لهم ، والطلاب الضعاف مهملون ، يعرض عنهم ، عنيف معهم ، قاسٍ عليهم ، هذا ليس مربياً ، هو الطلاب الجيد لا يحتاج إلى كبير عناية ، من هذا الذي يحتاج إلى كبير عناية الطالب السيئ ، الابن الناجح لا يحتاج إلى عناية بالغة  ، بطولة الأب والمعلم لا في الابن الناجح ، بل في الابن المقصر .

أيها الإخوة الكرام : الصفة الأولى : الإخلاص .

الصفة الثانية : التقوى والصلاح والاستقامة والعدل والإنصاف والرحمة    واللطف ....إلخ .

الصفة الثالثة : العلم .

أنت حينما لا تكون متمكنًا من العلم ، إن تكلمت خطئاً ، والذين تحدثهم أقل منك علماً ضحكت عليهم ، وإن كانوا أكثر يقظة ضحكوا عليك ، إن لم تكن متمكناً من العلم لا تنجح في تربية من حولك .

أيها الإخوة الكرام : التمكن من العلم أساسي جداً ، يروى أن بعض العارفين أخطأ في كلمة في درس ، فغاب سبع سنين حتى تمكن من العلم الذي أخطأ فيه ، العلم ما فيه حل وسط ، العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطيك شيئاً ، بالتعليم ، الأب غير متعلم ، أحياناً الابن يكذب عليه ، أما الأب المتعلم اليقظ  الابن يخشى أن يكذب عليه .

حدثني إنسان عن ابن يدرس في أوربة ، فبعث إلى أهله أنه نجح بتفوق ، فرحوا وهنأ بعضهم بعضا ، عنده أخ له إمكانيات كشف الكذب ، فتح موقع الجامعة بالإنترنت ، وطلب الكلية ، وطلب أسماء الناجين فلم يكن أخوه مع الناجحين ، فالطالب يكذب ، إذا كان في الإنسان سذاجة أو بساطة ، والذي يتولى أمره كذب عليه ، ضعفت مكانته ، أما كلام سيدنا عمر رائع : " لست بالخبّ ، ولا الخبُّ يخدعني " .

المعلم ينبغي ألا يكون من الخبث حيث يَخدع ، وألا يكون من الساذجة حيث يُخدع ، الأب كذلك والمعلم كذلك ، والآية الكريمة :

( سورة المجادلة الآية : 11 ) .

إخوتنا الكرام : الإخلاص والتقوى والعلم .

عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ : قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَلْتَمسُ فِيِه عِلْماً سَهّلَ الله لَهُ طَرِيقاً إِلَى الْجَنّةِ ، وَإِنّ المَلاَئِكَةَ لتَضَعُ أَجْنَحِتَهَا رِضًى لِطَالِبِ العِلْمِ )) .

[ رواه الترمذي ] .

والشيء المألوف أن تتعلم وأن تعلم ، وهذه فريضة عينة على كل إنسان .

عن أَبي كَبْشَةَ السّلُولِيّ عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو قالَ : قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : (( بَلّغُوا عَنّي وَلَوْ آيَةً )) .

[ رواه الترمذي ] .

تعلمت شيئاً من درس علمه لمن حولك ، لأن هذا الوهم أنه أنا لا أستطيع أن أتكلم كلمة حتى أتقن العلم ، لا ، إذا سمعت معنى آية ، أو معنى حديث ، أو قضية إشراقية في الإسلام ، واستوعبتها ، وفهمتها انقلها إلى الآخرين ، تطلب العلم وتعلم ، ودائماً الإنسان يتعلم ويعلم .

عن عَبْدَ الله بنَ ضَمْرَةَ ، قالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : (( ألاَ إِنّ الدّنْيَا مَلْعُونَةٌ ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا ، إِلاّ ذِكْرُ الله ، وَمَا وَالاَهُ ، وَعَالِمٌ ، أَو مُتَعَلّمٌ )) .

[ رواه الترمذي ] .

عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قالَ : قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ خَرَجَ في طَلَبِ الْعِلْمِ كان في سَبِيلِ الله حَتّى يَرْجِعَ ))  .

[ رواه الترمذي ] .

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ )) .

[أخرجه ابن ماجه]

أيها الإخوة الكرام : مع الإخلاص ، ومع التقوى ، ومع العلم الحلم ، وكاد الحليم أن يكون نبياً ، المربي والمعلم والأب إذا كان غضوباً وقاسياً في كلماته لا يستطيع أن يربي أولاده ، كما لا يستطيع المعلم أن يربي تلاميذه ، قال تعالى :

( سورة آل عمران ) .

خذ العفو ، وأمر بالعرف ، وأعرض عن الجاهلين .

( سورة فصلت ) .

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ : (( إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ : الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ )).

[الترمذي]

أوصى النبي بعض أصحابه ألا نغضب ز

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ )) .

[متفق عليه]

وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( يَسِّرُوا ، وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا ، وَلَا تُنَفِّرُوا ))

[متفق عليه]

عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( يَا عَائِشَةُ ، إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ )) .

[مسلم]

 وعَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ )) .

[مسلم]

كاد الحليم أن يكون نبياً ، والحلم سيد الأخلاق ، والصبر عند الصدمة الأولى .

آخر شيء من صفات المربي فضلاً عن إخلاصه ، وفضلاً عن طاعته لله  وفضلاً عن علمه ، وفضلاً عن حلمه ، ينبغي أن يشعر بالمسؤولية ، لأن الله سوف يسأله عن هؤلاء الصغار ، يقول عليه الصلاة والسلام : (( ... وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا ... ))  .

[ متفق عليه ]  

وعلموا أولادكم وأهليكم الخير ، وأدبوهم ، وما نحل والد ولداً أفضل من أدب حسن ، وإن الله سائل كل راعٍ عما استرعاه ، حفظ أم ضيع ، حتى يسأل الرجل عن أهل بيته.

إذا ما لقح الأب ابنه ، وأصاب ابنه مرض عضال ، سوف يسأل ، الأبوة مسؤولية ، تلقيح الأولاد العناية بصحتهم ، أخذهم إلى طبيب مثلاً ، متابعة العلاج ، هذا من مهمات الأب .

أيها الإخوة الكرام : فاقد الشيء لا يعطيه ، إن أردت أن تكون أباً ناجحاً ، أو معلماً ناجحاً ، أو موجهاً ناجحاً لا بد من أن تجمع الإخلاص والطاعة لله ، والعلم والحلم ، واستشعار المسؤولية ، هذه صفات تؤهل المربي ، وتؤهل المعلم والأب ، ومن يدعو إلى الله عز وجل كي يدع بصمات واضحة في نفوس إخوانه وتلاميذه وأولاده وأصحابه .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi