English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

تربية الأولاد في الإسلام – 42 / 51 : : وسائل تربية الأولاد : القواعد الأساسية في التربية : قاعدة الربط "2" ،  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

            الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الأخوة المؤمنون :

      لا زلنا في دروس تربية الأولاد في الإسلام ، ولا زلنا في القسم الثاني في الوسائل الفعالة في تربية الأولاد ، وكان موضوع الدرس الماضي ربط المربى الطفل الناشئ طالب العلم بالإيمان بالقرآن بالإسلام بالسنة .

      واليوم ننتقل إلى ربط آخر هو الربط الفكري ، الحقيقة في ساحة الفكر تطرح طروحات كثيرة جداً معظمها ما أنزل الله بها من سلطان   هذه الطروحات إن لم تدرس ، وإن لم تصنف ، وإن لم يستبعد منها ما كان مخالف للكتاب والسنة فنحن في مشكلة كبيرة ، يعني مثلاً :

     لو أن معلماً أو لو أن أباً يغلب عليه التشاؤم ، ويغلب عليه ضعف الإيمان ، ويغلب عليه لما في القرآن الكريم وهو كلام خالق البشر ، وهو كلام لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، حينما يغلب عليه التشاؤم فيقول انتهى المسلمون ، كلمة انتهى المسلمون ، قد انتهى تلفظها ولا تعني مدلولها البعيد ، لكنه إذا سمعها منك ابنك ، أو سمعها منك تلميذك ربما حبطت عزائمك ، ربما خارت قواه ، لذلك الله قال :

( سورة آل عمران ) .

      كلام رائع ، إذا كنت مؤمناً لا تشعر بالهول ، ولا بالحزن فأنت الأعلى ، وهذا كلام خالق الكون ، أنا أحياناً أشعر أن الإنسان بحاجة ماسة إلى أن يثق بعظمة هذا الدين ، ما من مثلين صارخين يؤكدان ثقة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنصر الله كهذين المثلين .

      لما كان في الطائف ، كذبته قريش ، وحاربته قريش ، وعزلته  وسخرت منه قريش ، فعلق الأمل على أهل الطائف ، فلما ذهب إلى هناك مشياً على قدميه لقيه أهل الطائف بالتكذيب وبالسخرية وبالإيذاء ، فعاد إلى مكة ، قال له سيدنا زيد وكان رفيقه في هذا السفر : كيف تعود إلى مكة وقد أخرجتك ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : إن الله ناصر نبيه ، هذه ثقته بنصر الله عز وجل .

     حينما تبعه سراقة  ليقتله وليأخذ المائة ناقة جائزة من يأتي به حياً أو ميتاً ، قال له : يا سراقة كيف بك إذا لبست سواري كسرى .

      قد تقرأ هذه الجملة ولا تقف عند مدلولاتها العميقة ، إنسان مهدور دمه ، أي إنسان يقبض عليه يأخذ مائة ناقة ، الناقة تقريباً تساوي مائتين ألف يعني مائة ناقة ، يعني مائة مائتين ألف ، يعني مليونين ليرة تقريباً ، أكثر عشرين مليون الآن ، عشرين مليون ليرة ، قال له : كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى .

      يعني أنا ذاهب إلى المدينة بحفظ الله ، وسوف أنشئ دولةً ، وسوف أحارب أكبر دولتين في العالم ، وسوف أنتصر عليهما ، وسوف تأتي إلى المدينة كنوز كسرى ويا سراقة سوف تلبس سواري كسرى ، هذا حصل في عهد عمر ، إذاً أرأيت إلى ثقة النبي بنصر الله .

     أيها الأخوة الكرام :

     أنا أشعر أن معظم المسلمين كادوا أن يقعوا في اليأس ، يرون قوة عظمة لا سبيل إلى أحد أن يجابهها ، وهو متمكن من أطراف الدنيا   متمكن من الأرض كلها رصداً وقصفاً ، وإفساداً ، وكذباً .

   رجل من جلدتهم ، من ثقافتهم ، من جبلتهم ، يقنص الأبرياء ، وهذا عمل لا يقره إنسان ، وأول رسالة كتبها ........ يعني أنا إله ، ثم ظهر أن هذا مسلم طلع ، هذا الكيد ، اسمه جون إيلي محمد ، ألغوا جون وألغوا إيلي بقي محمد ، محمد فعل ، محمد قنص ، كيف ؟

( سورة إبراهيم ) .

        فيأتي المؤمن يرى القوة بيدهم ، والإعلام بيدهم ، والرأي العالمي بيدهم ، وفي أي مكان ....... ويقصفونه ، فمن ضعف إيمانه تخور قواه فالمربي حينما ينطق بلسانه لتلاميذه ، أو الأب    حينما يتحدث أمام أولاده أن المسلمين انتهوا ، ولن تقوم لهم قائمة بعد اليوم هذا كلام يعد في نظام التربية جريمة ، ينبغي أن تربطه بالحقائق ، لا بالرأي العام السائد المستنبط من إعلام موجه ، أو من إعلام مزور ، أو من إعلام يقبع على رؤوسه أعداء الدين .

       من كان يظن أن تقوم للمسلمين قائمة وقد استولى الفرنجة على معظم بلاد المسلمين ، واستولوا على المسجد الأقصى ما يقارب مائة عام وبعدئذٍ هذه الجيوش الجرارة 27 جيش من الفرنجة اكتسحوا الشرق الأوسط وأقاموا فيها مائة عام ، ثم أزيحوا وعاد المجد للمسلمين على يد صلاح الدين رحمه الله تعالى .

      من كان يظن أن تقوم للمسلمين قائمة أن تقوم للمسلمين قائمة لما خرب المغول والتتار العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه ، نحن في دمشق نستمع إلى أحياء قد لا ننتبه إلى معناها ، يقول لك برج الروس  معنى برج الروس ؛ أن هولاكو أمر بذبح خمسين ألف إنسان ، وضعت جماجمهم على شكل برج ، وجاء وتكلم وقال يعني استغفروا لنا فقد كنا سبب استشهادكم ، يسخر.

       من كان يظن أن بعد هولاكو وتيمورلنك والتتار تقوم للمسلمين قائمة ، وقد أزيح التتار والمغول على يد الظاهر بيبرس ، فاليأس نوع من الجهل ، هذا الإسلام لأنه دين الله ، لأنه يمثل الحق ، لأنه يمثل وحي السماء ، لأنه يمثل الحق ، يحارب لأن المعركة بين الحق والباطل معركة أزلية أبدية ، فأي شيء تسمعه أو تراه يندرج تحت هذه المعركة .

    فيا أيها الأخوة :

    الشيء الأول الذي ينبغي أن نلاحظه أن هذا الطفل وأن هذا الطالب وأن هذا الابن وأن هذا المريد إن صح التعبير يعيش قيم ويعيش تاريخاً فإذا شوهت تاريخه ، أو شوهت قيمه ، أو أظهرت العدو أنه عدو لا يقهر فهذه ليست تربية ولكنها تسليط ، ولكنها تشويه ، فينبغي أن تربط هذا الطالب بالحقائق الناصعة المستنبطة من الكتاب والسنة " وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ " .

( سورة آل عمران ) .

( سورة إبراهيم ) .

      الآن ينبغي أن تربط ابنك أو أن تربط تلميذك بمنابع أصيلة للإسلام في منابع أصيلة ، في منابع صافية ، في تغذية صحيحة ، وفي منابع عكرة في منابع مياهها ليس كما يتمنى الإنسان ، فأن تبحث عن مسجد تثق بنظافته وتثق بإخلاص القائمين عليه ، وتثق بالعلم الذي يطرح فيه ، هذه مهمة الأب ، فحينما ينسى الأب أن يختار لأبنه المسجد المناسب  والأصدقاء المناسبين ، والأصحاب المناسبين أيضاً يكون قد ربطهم بجهات ليست كما ينبغي ، حينما يقول عليه الصلاة والسلام : بلغوا عني ولو آية ، فكل مؤمن ينبغي أن يختار مسجداً يثق بالقائمين عليه ، يثق بالعلم ويثق بالإخلاص ويثق بالصحة والصواب ،  فإذا لزمت هذا المسجد ينبغي أن تنقل ما تسمعه من حق إلى من حولك ، هذه هي الدعوة إلى الله التي هي فرض عين ، لأن الله عز وجل  يقول :

( سورة يوسف الآية : 108 ) .

     فمن لم يدعو إلى الله على بصيرة لا يكون متبعاً لرسول الله إطلاقاً والذي لا يتبع رسول الله لا يمكن أن يكون محباً لله لقوله تعالى :

( سورة آل عمران ) .

      يعني أنا من باب الطرفة أعرف صديق يوم الجمعة يحب أن يشتري الفول من مكان من طرف المدينة الجنوبية ، وهو يسكن في طرفها الشمالي وفي أيام الشتاء الباردة يهيئ مركبته وينطلق بمركبته من طرف المدينة الشمالية إلى طرفها الجنوبي ليأتي بطبق من الفول ليأكله مع أولاده صباحاً قد يكلفه هذا ساعتين أو أكثر ، أما حينما يريد أن يصلي الجمعة يختار أقرب مسجد دون أن يعبأ لا بخطيبه ، ولا بطريقة خطبته ، ولا بدعوته  يعني عليه أن يركع هاتين الركعتين ليقول صلينا الجمعة والحمد لله   وسقط عنه الوجوب وإن يحصل المطلوب .

أنا أقول لهذا الإنسان أطبق من الفول أغلى عليك من دينك ، فينبغي أن تبحث لأبنك عن مسجد يرتاح له ، يقنع بخطيبه ، يقنع بمدرسيه ، يقنع بمعهده ، أما أن نلحقه بأي مكان ، بأي مسجد ، بأي معهد ، من دون الدراسة والتحقق ، هذا أيضاً ليس من أساليب تربية الأولاد الناجحة ، ولا من أساليب تربية الأولاد المثمرة .

إذاً : الربط الفكري .

      تكلمنا في الدرس الماضي عن الربط الإيماني ، الإيمان والقرآن والإسلام والسنة والتاريخ الإسلامي والسيرة ، الآن الربط الفكري ، يعني الآن يطرح فكر في المكتبات في الأسواق ، ما كل كتاب يقرأ ، ولا كل دار نشر يشترى منها ، هناك دور نشر تبث السم في الدسم ، لأنه أحياناً كلمة تهز أعماق الإنسان ، لو أنها تمكنت منه دون أن يستطيع أن يردها بدليل تفعل فعلاً خبيثاً في نفسه .

       يعني أحياناً قصة تقرأها ، قد لا تشعر ماذا فعلت ، اطلعت على قصة من أيام أن فتاة متفلتة لا يضبطها شيء ، استغلت جمالها للحصول على كل مآربها إن في الدراسة وإن في التجارة وإن في المنصب ، وحصلت ما تريد ، فتاة زميلتها لأنها ملتزمة ولأنها تخاف الله ، ولأنها ولأنَها ، وهي محجبة هذه بقيت من دون أن تتزوج ، ثم جاءها زوج فقير جداً بالغ في إهانتها ، وبعد عشرين عام وازنت بين نفسها وبين هذه التي وصلت إلى أعلى مقام ، وأعلى ثروة ، وأعلى مكانة ، فأيقنت أنها كانت مخطئة أشد الخطأ حينما التزمت منهج الله عز وجل فانتكست ، طيب هذه القصة بمثابة سم يدس في الدسم ، هل تعتقد أنت أن فتاة تؤمن بالله ، وتخشى الله  وترجو رحمة الله ، وهي وقافة عند حدود الله ، وهي تخشى أن تسخط الله هذه تعامل كما تعامل الفاسقة ، إنك إن ظننت ذلك فإنك لا تقرأ القرآن الكريم .

( سورة الجاثية ) .

       هذا الحكم سيسوءهم ، وهذا الحكم سيدمرهم ، وهذا الحكم سيثبط عزيمتهم ، وهذا الحكم سيصرفهم عن الحق ، والله أيها الأخوة والله أقول زوال الكون أهون على الله من أن يعامل مسيئاً كما يعامل المحسن ، أو أن يعامل محسناً كما يعامل المسيء ، المطروح أحياناً في بعض الحلقات أن الله عز وجل طريق الإرادة ، صح هذا الكلام ، يمكن أن يضع هذا الذي عبده طوال حياته وأفنى عمره في طاعته في النار ، ويمكن أن يضع هذا الذي ناصبه العداء وغرق في المعاصي والآثام في الجنة أتستطيع أن تسأله الجواب لا ، لأن الله عز وجل  يقول :

( سورة الأنبياء ) .

     ولأننا جميعاً ملكه إذاً يفعل بنا ما يشاء ، هذا الكلام ليس دعوة إلى الله ، هذا الكلام إبعاداً عن الله ، الله عز وجل قال :

( سورة السجدة ) .

الله عز وجل يقول :

( سورة هود ) .

الله عز وجل  ألزم نفسه بالاستقامة إلزام ذاتي ، قال :

يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرماً بينكم فلا تظالموا ، قال :

( سورة القلم ) .

قال :

( سورة الزلزلة ) .

قال :

( سورة سبأ ) .

قال :

( سورة الأنبياء ) .

       هذا قرآن ، أن تقول له إن الله لا يسأل عما يفعل ، قد نفهم هذه الآية فهم راقي جداً ، حينما يكون عدله مطلقاً لا يسأل عما يفعل ، يعني تقريباً ولله المثل الأعلى ، لو أجريت مذاكرة وكتبت على السبورة السلم ، وكيف وزعت العلامات وفق هذا السلم ، وأنت قد صححت الأوراق بدقة بالغة  وأعطيت كل ذي حق حقه ، ثم وزعت الأوراق على الطلاب ، ثم سألتهم هل من سؤال ؟ هل من اعتراض ؟ فلزم الجميع الصمت ، ماذا يعني صمتهم ؟ أنك عدلت معهم ، ماذا يعني عدم اعتراضهم ، أنك كنت عادلاً معهم ، لمَ لا تفهم قوله تعالى لا يسأل عما يفعل من هذا القبيل ، لمَ لا تقل مع بعض العلماء عدله يسكت الألسنة .

     شيء آخر :

     ضربت مثل أن أباً لا ينجب بعد سنوات عشر أنجب طفلاً وتعلق به تعلقاً يفوق حد الخيال، يخاف عليه من الهواء ، هذا الأب من حيث القدرة ألا يستطيع أن يذبحه ، من حيث القدرة فقط ، هل عنده عضلات وعنده سكين حادة من حيث القدرة بإمكانه أن يذبحه ، تقول نعم ، طيب سؤال ثاني أيفعلها ؟ تقول لا مستحيل ، مستحيل وألف ألفُ ألف مستحيل أن يفعلها ، فإذا قلنا لا يسأل عما يفعل من حيث القدرة لا من حيث الرحمة  " إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ " فأنت حينما تبث في نفوس الطلاب ونفوس الأبناء ، الأفكار التي تثبط العزائم .

    مرة قرأت قصة في كتاب مدرسة للصف الثامن أن موظف مستقيم لا يأكل مالاً حراماً ، راتبه لا يكفي ، دخلنا إلى بيته لا وقود عنده ، ولا زيت ولا سكر ، ولا ، ما في شيء البيت ، بيته قطعة من الشقاء ، طيب هذا الذي يقرأ هذه القصة بماذا يشعر ؟ ماذا تعني الاستقامة ؟ الفقر المدقع هكذا قال الله عز وجل ؟! الله عز وجل قال :

( سورة فصلت ) .

      يعني أحياناً يكون عند المعلمين أو الأساتذة أو الآباء فكر مشوه ، أو ضعف في فهم كتاب الله ، أو تشاؤم ، أو سوداوية ، فإذا بثوا أفكاراً لا تنهض بنفوس الطلاب ، فقد تصنف تربيتهم بأنها تربية مدمرةً وليست  بناءة .

      إذاً الربط الثاني ينبغي أن تربط أولادك أو طلابك بالفكر الصحيح المستنبط من الوحيين الكتاب والسنة ، لا أن تربطه بطروحات وتساؤلات وتصورات ما أنزل الله بها من سلطان .

    حدثني أخ أنه سمع ببعض المحطات أن في دكتورة بالغذائيات ترى أن أسباب الحروب في العالم كلها تعزى إلى أكل اللحم ، الإنسان إذا أكل اللحم يصبح متوحشاً ، أما إذا أكل النبات يصبح مسالماً ، القضية سهلة جداً نوقف أكل اللحوم ونأكل خضروات ، ما كل شيء يطرح في الساحة صحيح .

    الآن ننتقل إلى الربط الاجتماعي :

     الإنسان كائن اجتماعي ، الإنسان لا يعيش وحده هذه حقيقة ثابتة في الإنسان ، وأساساً الله عز وجل  قهر الإنسان أن يكون في مجتمع ، السبب يعني مكنك أن تتقن حاجة ، أن تتقن عملاً واحداً ، أو عملين ، أنت بحاجة إلى مليار شيء حاجة ، تحتاج إلى زر هذا له معامل وله خبراء، تحتاج إلى خيطان لتثبيت هذا الزر في القميص ، تحتاج إلى خياط ، تحتاج إلى معلم ، تحتاج إلى حلاق ، تحتاج إلى خباز ، تحتاج إلى شواء ، تحتاج إلى مكتبة ، يعني حاجات الإنسان لا تعد ولا تحصى ، لأن الله سمح لك أن تتقن حاجة واحدة ، فهو قهرك أن تكون في جماعة ، أنت تشتري الخبز صباحاً من الفرن ، طيب أنت تعرف أن هذا الخبز كيف صار رغيفاً ، بدأنا بحراثة الأرض وتسميدها ، وتعقيمها ، ثم بزرعها ، وسقايتها ، والعناية بها وتعشيبها ، ثم بمتابعتها ، ثم بمكافحة الأوبئة فيها ، ثم بحصاد القمح ، ثم بدراسته ، ثم بسلقه ، ثم بتيبيسه ، ثم بطحنه ، يعني لو أنك مكلف أن تأكل الخبز من صنعك من أول مرحلة شيء فوق طاقة البشر ، طيب لو أنك مكلف أن تعلم ابنك الرياضيات وأنت لا تقرأ ولا تكتب ، شيء مستحيل   إذاً سمح لك أن تتقن حاجة وأنت محتاج إلى مليار حاجة ، إذاً أنت مقهور أن تكون في مجتمع ، والمجتمع مجال للعمل الصالح ، هل يمكن أن يكون لك عمل صالح من دون مجتمع؟ إطلاقاً ، الآن إذا واحد سكن في قمة جبل ماذا يفعل ؟ يخاطب من ، يطعم من ، يصلح من ، يحل مشكلة من ، لما الله عز وجل  قال : سابقوا ، سابقوا هي معنى المسابقة هل سمعت في الدنيا أن سباقاً يكون فردياً ، والله عملت سباق رائع كنت الأول ، مع     من ؟ مع حالي ، مستحيل ، ما فيه يتسابق لوحده ، سابقوا في مجموع ، إذاً الإنسان كائن اجتماعي ، مقهور بأن يكون اجتماعياً وهو بحاجة إلى مجتمعه ، بل الدرجة الأولى بحاجة إلى مجتمع أن ليعل العمل الصالح الذي هو علة وجوده في الأرض ، بدليل أن الإنسان حينما يقارب الموت يقول :

( سورة المؤمنون الآية : 100 ) .

      فكأن أعظم شيء تفعله في الدنيا أن تعمل صالحاً ، والعمل الصالح يحتاج إلى جماعة ، ويد الله مع الجماعة ، ومن شذَّ شذ في النار ، فعليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد وإنما يأكل الذئب من الغنم القاسية .

    فأول شيء اجتماعياً الطالب أو الابن يحتاج إلى مرجعية دينية   يعني ما في إنسان إلا وله موجه ، فإما أن يكون الموجه شيطاناً ، أو ملاكاً إما أن يوجهه إنسان من أهل الدنيا ينصحه بالمعاصي والآثام ، أو إنسان من أهل الآخرة ، فأنت تحتاج إلى من يوجهك ، إلى من يرشدك ، إلى من يدلك على الطريق ، إلى من يحذرك ، إلى من يشجعك ، إلى من يأخذ بيدك فالطالب يحتاج إلى مرجع ديني ، ليسأله أحياناً ما حكم هذا الشيء ، فأنت دون أن تشعر في البيت تنتقد الدعاة إلى الله ، وقد تسخر أحياناً ، أنت ماذا تفعل ؟ حطمت المثل العليا في حياة الصغير ، أو أنت حينما تنتقد معلم ابنك ماذا تفعل ؟ حطمت مثله الأعلى ، فمن الخطأ الكبير أن تنطلق في البيت تتحدث بشكل صحيح أن غير صحيح عن هؤلاء الذين هم في نظر الناس قدوة ، فالذي يحصل الآن الشيء العجيب ما من مجلس إلا وتنهش في أعراض الدعاة ، طيب لماذا ؟ في سبب عميق ، هذا السبب يقبع في العقل الباطن .

    أخوانا الكرام :

      الإنسان حينما يختل توازنه ، أو حينما يعصي الله يختل توازنه  إنسان مستقيم لما قبض أول مبلغ حرام اختل توازنه ، دون أن يشعر لا يصدق أن أحد أميناً ، طيب أنت قبل أن تأكل المال الحرام تعتقد أن هناك أناس طيبون ، نزيهون ، صادقون ، أمناء ، تثني عليهم ، تعتز بهم، لماذا بعد أن أكلت المال الحرام أنكرت أن يكون إنسان مستقيماً ، صار بعقل الباطن اختلال توازن ، هذا الاختلال في التوازن لا بد من أن يصحح ، لا بد من أن يستعيد توازنه ، يستعيد المنحرف توازنه بإحدى طرائق ثلاث  أول طريقة أن يتوب إلى الله هذا أفضل شيء ، أن يرجع إلى الله ، أن يعقد مع الله الصلح ، لكن حينما لا يرجع إلى الله وقد شذ وعصا وانتهك حرمات الله، وخرق استقامته الآن يحاول أن يعيد توازنه عن طريقين فاسدين   إما أن يبحث عن فتاوى ضعيفة تغطي انحرافه ويتمسك بها  ويثني على من أفتى بها ، ويتهم من لم يفتي بهذا أنه متزمت، لأن هذه الفتاوى تغطيه ، أو أن يتهم كل الصالحين بأنهم سيئون ، ففي شيء شائع الآن أينما جلست هناك من ينتقد ، أنا لا أقول هؤلاء معصومون ، أما أن يكون الضغط عليهم وحدهم، وأن كل هؤلاء المنحرفين ، والزناة  وشاربين الخمر ، والمنافقين ، والكذابين كلهم في منجاة من لسان المتكلم  أما لسانه يخوض في أعراض هؤلاء الذين توخوا الحقيقة ودعوا إلى الله  هذا خطأ كبير ، فإذاً نقد الصالحين هو عملية غير ناجحة لاستعادة التوازن الذي ينشأ من خلل سببه معصية الله عز وجل ، والدليل أنت حينما تستقيم تحب أهل الدين وتثني عليهم ، أقوى دليل في عهد النبي ، السيدة عائشة روج بعض الناس أنها زنت ، الخبر سار في الناس كالنار في الهشيم ، ماذا قال الله عن المؤمنين ؟ قال هؤلاء يظنون بأنفسهم خيراً ، وقالوا معاذ الله هذا بهتان عظيم ، أما الذي ليس مستقيماً أعجبه الخبر ، الخبر غطاه لأنه نحن من؟  زوجة رسول الله وقعت في الحرام ، نحن من ؟ فكل ما سمع خبر فيه انحراف ، من يصدقه ؟ المنحرف ، من يأباه ؟ المستقيم ، فحينما يعصي الإنسان ربه يختل توازنه ، الأولى أن يستعيده بطاعة الله  بالاستقامة على أمر الله ، لكنه يفعل أحياناً على خلاف ذلك ، يستعيده بالطعن بصالحنا ، و يستعيده أحياناً بالتعلق بفتاوى ضعيفة شاذة تغطيه .

     إذاً الربط الاجتماعي يحتاج إلى مرجعية لك ، مثل أعلى ، طبعاً أنا لا أقول في إنسان معصوم إلا النبي ، لكن العلماء قالوا الأنبياء معصومون والأولياء محفظون ، ومعنى محفوظون؛ أن معصيتهم لا تضرهم ، بمعنى أنها ليست كبيرة ، كما أنها ليست عن قصد وتصميم ، يعني سريعاً ما يتوبون ، سريعاً ما يرجعون ، إذاً هم محفوظون وليسوا معصومين  والمعصوم هو سيد الخلق وحبيب الحق .

       الآن الربط الاجتماعي يحتاج إلى أصدقاء صالحين ، إذاً الأب والمعلم ينبغي أن يختار لتلميذه ولابنه أصدقاء صالحين ، لابد من صداقة ، ينبغي أن تربطه بالصديق الناصح ، بالصديق المؤمن ، بالصديق الذي يصلي  بالصديق الذي تربى في بيت مسلم ، أما إذا ربطه بصديق تربى في بيت غير مسلم يذهب إلى بيت صديقه يرى اختلاط وأفلام وتفلت تعجبه هذه الطريقة ، يكره بيته ، لا يعجبه بيته ، فأنت ينبغي أن تربطه بمرجع ديني أو بمرشد ورع ، عالم ورع ، وينبغي أن تربطه بأصدقاء صالحين تربوا في بيئة صالحة ، ثم ينبغي أن تربطه بزملاء في العمل ، قد تكون موظف يعني أنت قد تكون عامل ، أنت بحاجة إلى أصدقاء وزملاء الصديق قد لا يكون من جنسك ، لكن بكل دائرة ، بكل معمل ، بكل مؤسسة ، بكل مدرسة ، بكل جامعة في أناس صالحون ، فينبغي أن تربط له صديقاً من جواره أو مدرسته ، وصديقاً من عمله ، فلا بد من مرجعية ، ولا بد من أصدقاء صالحين هؤلاء هم الربط الاجتماعي للإنسان .

     أنا أحياناً تأتيني بعض المشكلات ، أجد أن إنسان هو وزوجته وأولاده على استقامة رائعة لكن كل أعمام هذا الغلام ليسوا منهج أبيه فإذا زار هذا الغلام أعمامه وقع في إشكال كبير ، الأمور غير منضبطة  الكلام ليس منضبطاً ، الأجهزة ليست منضبطة ، لكن لو تخيلنا أن خمسة أعمام على منهج واحد ، ومن جامع واحد فرضنا ، والبيوت كلها منضبطة إن في الحجاب ، وإن في الكلام ، لو هذا الابن زار أي بيت من بيوت أعمامه لا يتأثر إطلاقاً ، لأنه الجو موحد ، فأنا أجد ملاحظة لما الأخ يأتي بأخيه إلى المسجد أصبح في اثنين في الأسرة ، لو حاول أن يأتي بالأخ الثالث أصبحوا ثلاثة ، لو جاء بالأخ الرابع أصبحوا أربعة ، يعني أصبحوا أكثرية في البيت منضبطين بالشرع ، فصار الأول استقامته أسهل بكثير لأن هناك من يسانده ، هناك من يدعمه ، هناك من يدافع عنه ، أما إذا كان فريد وحده يعني في دعوة مختلطة ، هذا الشاب الملتزم أكل لوحده يأتيه التقريع والاستهزاء والسخرية ، أما إذا كل أخواته ملتزمون مثله اختلف الأمر .

       إذاً الربط الاجتماعي أن تربطه بمسجد ، أن تربطه بمرشد  بإنسان صالح يعد مرجعاً له ، ومثلاً أعلى ، وأن تربطه بأخوة في المسجد وأن تربطه بأصدقاء في الحي ، وبأصدقاء في المدرسة ، وأصدقاء في العمل  يريد في العمل صديق ، بالمدرسة صديق ، بالحي صديق  بالمسجد صديق براعة الأب تتأثر من اختيار الأولاد الصالحين لابنه ، أو المعلم لطلابه .

والحمد الله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi