English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

التربية الإسلامية : تربية الأولاد في الإسلام : التربية النفسية 1 ـ  ظاهرة الخجل ـ الدرس " 15 " . لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد   الأمين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

 

Text Box: الخجل و الحياء :

 

أيها الأخوة الكرام ، مع الدرس الخامس عشر من دروس تربية الأولاد في الإسلام .

واليوم ندخل في التربية النفسية ، وهذه التربية النفسية واسعة جداً ، ونكتفي في هذا اللقاء من التربية النفسية بظاهرة هي ( الخجل ) ، الخجل نقيصة ، والحياء فضيلة   ، وفرق كبير بين الخجل وبين الحياء ، الحياء من الإيمان ، أما الخجل من تربية قاسية ، من تربية كلها شتائم ، ضرب ، وإهانة ، هذه التربية القاسية التي يسلكها الآباء مع أبنائهم ، من نتائجها الوبيلة أن هذا الطفل ضعيف الشخصية ، يخجل أن يتكلم ، وقد يصاب بحبسة في نطقه ، التأتأة من خوفه ، فالأب القاسي الذي يسارع في ضرب ابنه ، وشتمه أمام إخوته  أو أصدقائه هذا الطفل يتحطم ، فلذلك لا يستطيع أن يقول كلمة ، أحياناً يجبن عن أن يطالب بحقه ، يجبن عن أن يدافع عن نفسه .

فالأب الذي لا يعرف أصول التربية ، والأبوة كما تعلمون مسؤولية ، قد يسبب لابنه متاعب كبيرة جداً حينما يكبر .

 ( سورة يس الآية 12 ) .

 

Text Box: استمرار أثر التربية القاسية في الطفل إلى سن متأخرة جداً :

 

أثر التربية القاسية في الطفل قد تستمر نتائجها إلى سن متأخرة جداً ، فضعف شخصية الطفل ، خوفه من العقاب ، أحياناً يكذب ، والكذب من نتائج القسوة ، أحياناً يركن إلى أصدقائه وأصدقائه أكبر خطر عليه ، لأن تأثير الصديق على صديقه يزيد عن تأثير الأب ، والأم ، والأخوة الكبار ، والأخوات الكبار ، والمعلم ، والشيخ ، تأثير صديق على صديقه يزيد عن تأثير كل هؤلاء مجتمعين .

فيا أيها الأخوة ، ساعة غضب ، ضرب مبرح ، إهانة ، شتيمة ، دائماً يشتم الأب ابنه ، أنت غبي ، وقد يكون ذكياً جداً ، لكن كلمة غبي حطمت معنوياته .

التقيت بعالم كبير في بلد إسلامي ، يحمل أعلى شهادة ، وله إنتاج كتابي   ودعوي كبير جداً ، أقسم لي بالله أن سرّ تفوقه ، وهو في قرية من قرى حمص ، سرّ تفوقه أن له قريباً غير متعلم ، قال له مرة وهو صغير ، قال له : أنت يا بني سوف تكون عالماً كبيراً ، كلمة ، كلمة ملأت نفسية هذا الصغير ثقة بنفسه .

حدثني طبيب ، له ابن ، فمن أجل أن يحثه على أن يكون طبيباً ، قال            له : الخطاط الفلاني من كبار خطاطي سوريا تقدمت به السن ، وأخاف أن يتوفاه الله دون أن يكتب لك لوحة الطبيب فلان ، وهو في الصف السابع ذهب إلى الخطاط ، وكتب لوحة الطبيب فلان الفلاني ، وضعها في غرفة ابنه ، فهذا الطفل الصغير يستيقظ فإذا اسمه الدكتور فلان ، والآن من كبار أطباء دمشق ، مختص بالعمود الفقري .

كلمة تشجيع ، كلمة ثقة ترفع معنويات ابنك ، لا تنسوا أن الفضيلة وسط بين رذيلتين ، في خجل ، وفي وقاحة ، فالجرأة ، وقوة الشخصية بين الخجل كنقيصة ، وبين الوقاحة كنقيصة .

سيدنا عمر يمشي في الطريق ، رأى غلماناً يلعبون ، له هيبة كبيرة ، لما رأوه تفرقوا ، إلا واحداً منهم ، بقي واقفاً بأدب ، لفت نظره ، قال له : يا فلان لِمَ لم تهرب مع من هرب ؟ قال له : أيها الأمير ! لست ظالماً فأخشى ظلمك ، ولست مذنباً فأخشى عقابك  والطريق يسعني ويسعك ، أرأيت إلى هذه الجرأة ، وهذا الأدب .  

 

Text Box: الأبوة مسؤولية و قوة شخصية الابن بسبب حسن تربية الأب :

 

لذلك : قوة شخصية الابن بين الوقاحة والتطاول وعدم الأدب ، وبين الخجل  والتطامن المرضي ، هذه بسبب حسن تربية الأب .

والله أيها الأخوة ، لو تأملتم الأخطاء التي يرتكبها الآباء بحق أولادهم ، وكيف سيحاسبون عليها في المستقبل ، الأبوة مسؤولية ، قبل أن تتزوج ، وقبل أن تنجب اطلب العلم لأن الإنسان بنيان الله ، وملعون من هدم بنيان الله ، طفل بريء له كرامته ، له مشاعره   ، نمي له مشاعره ، نمي له كرامته ، أعطه حماساً ، أعطه حناناً ، أعطيه محبة ، أعطه عطفاً ، أخطأ ، ممكن يخطئ ، سامحه ، دعه يصدق ، إن ضربته لن يصدق مرة ثانية ، دعه يصدق.

والله أنا لست مبالغاً لكنني أؤمن أن معظم أخطاء الطلاب من المعلمين ، وأن معظم أخطاء الصغار من آبائهم وأمهاتهم ، بيوت فيها قسوة ، فيها ضرب ، فيها شتائم  ، خصومات بين الأب والأم ، هذه الخصومات تنعكس على الصغار .

فلذلك : الإنسان بنيان الله ، وملعون من هدم بنيان الله ، هذا ابنك ، هذا سيكون رجلاً ، علمه الأدب ، علمه الحياء ، علمه أن يقف عند حده ، ألا يتجاوز حده .

 

Text Box: بنود التربية النفسية :

 

1 ـ أن يعالج الأب ابنه على انفراد :

أنا أول ملاحظة : أتمنى على كل أب ، وعلى كل أم ، أن يعالج الأب ابنه على انفراد ، بينه وبينه ، ومهما كان قاسياً إذا تمت هذه المعالجة بين الأب وابنه على انفراد كرامة الصغير محفوظة ، والصغير لا يتألم من أبيه لو قسا عليه لأنه أبوه ، لأنه يتألم أشد الألم حينما يصغره أمام أصدقائه .

كنت مرة في أمريكا ، وحدثني طبيب هناك ، له ابن ، هذا الابن في المدرسة دعا زنجياً إلى البيت (صديقه في المدرسة) ، الذي حصل كشأن أي أسرة مسلمة تحب أولادها فالأم هيأت طعاماً لصديقه ، رأى هذا الصديق الزنجي ، رأى ابن يحترم أمه وأباه احتراماً بالغاً ، ورأى الأم تعتني بصديق ابنها ، هيأت له طعاماً ، في عناية بالغة ، هذا الطفل الزنجي لما رأى هذه الأسرة المتماسكة كان سبب إسلامه ، كانت مواقف هذه الأسرة من ابنها سبب إسلامه  والله شيء جميل !.

عفواً ، نحن في بلادنا من فضل الله هناك أسر تعتني بأولادها عناية بالغة ، وتعتني بأصدقائهم ، صديق الابن إذا كان من أسرة مربى تربية عالية محترم جداً .

فيا أيها الأخوة ، أول بند في التربية النفسية ينبغي أن تعالج ابنك فيما بينك وبينه من أجل أن تحفظ له كرامته ، ألا تخدش بين أصدقائه ، أو أمام إخوته .

2 ـ أن يكون قدوة له :

النقطة الثانية : ما في طريقة للتأثير في الصغير كأن تكون قدوة له ، يعني لو أن الأب قال لابنه : قل له : أنا لست في البيت ، هذا الكذب العملي يلغي ألف محاضرة في الصدق ، عود نفسك أن تكون صادقاً أمام ابن ينظر إليك هكذا ، الأب يكذب ! الأب       يدخن ! الأب يرفع صوته في البيت ! حتى رفع الصوت في البيت حتى يسمع من في الطريق هذا الصوت هذا مما يجرح العدالة ، طبعاً أشياء كثيرة تجرح العدالة ، منها :

من مشى في الطريق حافياً ، منها تطفيف بتمرة ، منها أكل لقمة من حرام ، منها من تنزه في الطرقات ، منها من كان حديثه عن النساء ، منها من أكل في الطريق ، منها من قاد جرذوناً ، منها من أطلق لفرسه العنان ، ومنها من علا صوته في البيت .

البيت المؤمن بيت هادئ ، صوت عالٍ لا يوجد ، هناك ود ، محبة ، تسامح ،  معالجة الأمور بالكلام ، لا بخبط الأبواب ، و بتكسير الأواني ، و بالسُباب ،  بالشتائم ، البيت الهادئ ، الأولاد ينشؤون على الهدوء .

الملخص : إن كنت مع الله هداك الله إلى الطريق المستقيم .

 

Text Box: الإسلام منظومة قيم أخلاقية و بطولة الأب أن يربي أولاده على هذه القيم :

 

التربية النفسية تربية على الفضائل ، ينبغي أن تربي ابنك على الصدق ، وأن تعلمه أنه إذا كان صادقاً لن تعاقبه ، ينبغي أن تربيه أن يكون صديقك ، يبوح لك بكل شيء ، وأنت إذا أخطأ يا بني هذا خطأ ، هذا الخطأ يسبب لك سمعة سيئة ، هذا الخطأ قد ينعكس على مستقبلك انعكاساً سلبياً .

ملخص التربية النفسية : أن تنشئ ابنك على الفضائل ، على الصدق ، والأمانة  والعفة ، والاستقامة ، واحترام الآخر ، وإنجاز الوعد ، والوفاء بالعهد ، هكذا الإسلام .

(( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه ، وصدقه ، وأمانته ، وعفافه ، فدعانا إلى الله لتوحيده ، ولنعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم  ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء )) .

[أخرجه الإمام أحمد عن أم سلمة أم المؤمنين ] .

الإسلام بنيان أخلاقي ، الإسلام منظومة قيم أخلاقية ، فبطولة الأب أن يربي أولاده على هذه القيم ، أن ينتبه لحديثهم ، هل هو صادق أم كاذب ، أن ينتبه لأمانتهم ، أن ينتبه لوعودهم .

 طبعاً مرة ثانية : التربية النفسية تعني أن تربي ابنك على الفضائل الأخلاقية لأن الإيمان هو الخلق فمن زاد عليه في الخلق زاد عليك في الإيمان ، ولأن النبي عليه أتمّ الصلاة والسلام قال :

(( وإنما بعثت معلماً )) .

[أخرجه الحارث عن عبد الله بن عمرو بن العاص ] .

(( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق )) .

[أخرجه البزار في مسنده والإمام أحمد عن أبي هريرة ] .

فلذلك محور التربية النفسية التي بدأناها في هذا الدرس أن تربي ابنك على مكارم الأخلاق ، من هذه النقاط النفسية الضعيفة في حياة الابن ( الخجل ) .

 

Text Box: الحياء من الإيمان وأعلى حياء أن تستحي من الله :

 

 فهذا اللقاء مخصص لموضوع الخجل ، وكما تعلمون الخجل ظاهرة مرضية  ويقابله الحياء ، والحياء من الإيمان ، الحياء أن تستحي أن تقترف معصية ، أن تستحي أن تتطاول على من هو فوقك ، الحياء أن تستحي أن تأخذ ما ليس لك ، الحياء أن تستحي من   الله .

(( اسْتحْيُوا مَنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَياءِ ، قُلنا : إنَّا لَنسْتَحيي من اللَّه يا رسولَ اللَّه  والحمدُ للَّه ، قال : لَيس ذَلِكَ ، ولكنَّ الاسْتِحياءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَياءِ : أنْ تَحْفَظ الرَّأْسَ ومَا وَعى )) .

[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن مسعود] .

في نظر ، هل تغض البصر ؟ في أذن ، هل تمتنع عن سماع مالا يرضي       الله ؟ في يد .

(( أنْ تَحْفَظ الرَّأْسَ ومَا وَعى ، والْبَطْنَ ومَا حَوى )) .

[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن مسعود] .

هل تأكل طعاماً ثمنه مال حرام ؟ هل تقودك قدماك إلى معصية ؟ هل تبطش       بيدك ؟ هذا حق الحياء ، وأعلى حياء أن تستحي من الله ، لأن الله حيي :

(( يَستَحي من عبده إذا رَفَعَ إليه يديه أنْ يَرُدَّهُما صِفْرا خَائِبَتَيْنِ )) .

[أخرجه أبو داود والترمذي عن سلمان الفارسي ] .

(( عبدي كبرت سنك ، وضعف بصرك ، وانحنى ظهرك ، وشاب شعرك  ، فاستحي مني فأنا أستحي منك )) .

[ ورد في الأثر ] .

 

Text Box: الحياء فضيلة عظيمة فعلى الآباء أن يربوا أبناءهم على ستر عوراتهم :

 

الحياء فضيلة فيجب أن تربي ابنك على الحياء ، الحياء يتمثل في أن الطفل ينبغي ألا يخلع ثيابه أمام إخوته ، أو أمه وأبيه ، والله في أسر ما شاء الله ! موضوع خلع الثياب يتم على انفراد ، في غرفتها ، وهناك أسر غير منضبطة ، طفل يقوم بثيابه الداخلية أمام أخواته البنات ، والنبت تقوم بثياب شفافة أمام إخوتها الذكور ، والأبواب مفتوحة ، وما في انضباط ، هناك ظواهر و انحرافات خطيرة جداً بين أفراد الأسرة سببها الأول هذا التفلت .

مرة وجه النبي أصحابه إلى أن يستأذن الرجل على أمه إذا دخل عليها ، فصحابي جليل قال : إنها أمي ! قال له : أتحب أن تراها عريانة ؟ .

من البديهيات ألا تدخل على ابنتك قبل أن تستأذن ، لعلها نائمة ، لعلها متكشفة في أثناء النوم ، يدخل أخ على أخته من دون استئذان ممنوع ، يدخل الأب على ابنته من دون استئذان ممنوع ، حينما تحفظ العوارات في البيت يكون في حياء ، أما إذا في تفلت ، في إهمال ، في ثياب متبذلة ، يرتديها الشباب والشابات في البيت أمام أمهم وأبيهم ، وأمام بعضهم بعضاً ، هذا الوضع المتفلت قد يؤدي إلى انحراف لا تحمد عقباه .

إذاً أولاً : أن نربي الابن على ألا يظهر عورته أمام إخوته ، ولا أمام أمه وأبيه .

 

Text Box: المؤمن منضبط الكلام ليس بفاحش ولا متفحش :

 

أيها الأخوة ، الآن الكلمات ، هناك كلام يسمعه الصغير من الطريق ، يجب أن ينبه هذه كلمة بذيئة ، البيت المنضبط يعيش الابن مع أمه وأبيه سنوات طويلة ، لا يستمع ولا إلى كلمة بذيئة واحدة ، ولا إلى ذكر العورات ، ولا إلى سُباب فاحش ، فكلما سعيت إلى أن يكون سمع ابنك منزهاً عن كل كلمة بذيئة فهذا من فضل الله عليك .

الآن خلع الثياب أمام الكبار والصغار ، من دون تحفظ ، واستخدام كلمات ليست تليق بالإنسان ، البيت المنضبط .

(( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه )) .

[أخرجه الإمام أحمد عن أنس بن مالك] .

والمؤمن ليس بفاحش ولا متفحش ، منضبط الكلام .

 

Text Box: قوة شخصية الابن تنتج من حسن تربية أبيه :

 

أيها الأخوة ، هناك حديث شريف قد يفهمه الناس خطأ ، الحديث :

(( إذا لم تَسْتحِ فَافْعلْ مَا شِئْتَ )) .

[أخرجه البخاري وأبو داود عن أبي مسعود الأنصاري ] .

من أدق معاني هذا الحديث ، يعني إذا لم تستحِ من الله فافعل ما تشاء ، ولا تعبأ  هذا يعطيك قوة شخصية ، نحن تحدثنا قبل قليل عن أن قوة شخصية الابن ناتجة من حسن تربية أبيه ، فبين أن يكون الأب قاسياً فينشأ على الخجل ، وهو نقيصة ، وبين أن يعلو صياح الابن فالأهل يفرحون ، يتكلم بكلمة بذيئة يضحكون ، يتطاول على ضيف يهللون ، تعلّم على الوقاحة ، يتطاول على ضيف ، يضرب الضيف ، وإن كان صغيراً ، يتكلم كلمة بذيئة ، والكل يضحكون ، معنى ذلك أنت السبب أيها الأب في أن يتعلم الوقاحة والتطاول ، فلابد من أن يكون التوجيه متوازناً بين أن يكون خجولاً ، وبين أن يكون وقحاً ، فالحياء فضيلة بين رذيلتين ، بين رذيلة الوقاحة ، ورذيلة الخجل .

(( إذا لم تَسْتحِ فَافْعلْ مَا شِئْتَ )) .

[أخرجه البخاري وأبو داود عن أبي مسعود الأنصاري ] .

ما دمت واثقاً أن هذا العمل وفق منهج الله ، ويرضي الله ، لا تعبا بكلام الناس وأحد أسباب ضعف الشخصية الخوف من كلام الناس ، وأحد أسباب قوة الشخصية الأمر واضح ، الهدف واضح ، الوسيلة مشروعة ، امضِ بما أردت ولا تعبأ بكلام الناس ، ومن عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به .

 

Text Box: من لم ينهَ عن المنكر و يأمر بالمعروف فقد خيريته :

 

موضوع الحياء من الله : مرة استنصحني موظف في التموين ، التقى بي صدفة ، قال لي : انصحني ، أنا أردت أن استفزه ، قلت له : اكتب الضبوط ، وأودع الناس في السجن ، قال لي : ما هذا الكلام ؟! قلت له : إذا كنت بطلاً هيئ لأي شيء تفعله جواباً لربك ، لا لمن هو فوقك ، هذا هو الحياء ، أنا سوف أحاسب عن هذا العمل ، هل موقفي أمام ربي سليم ؟ هل معي جواب  يا رب أنا فعلت هذا ابتغاء مرضاتك .

أي أحد أسباب قوة الشخصية هذا الإنسان ينطلق من مبادئ ، من قيم يؤمن بها ، لكن أحياناً المجتمع يرفض بعض القيم ، يرفض قيم النصيحة  أضرب مثلاً على هذا :

تأتي ابنة أخيك إلى البيت لزيارة عمها ، وهي ترتدي ثياباً فاضحة ، ثيابها تصف كل خطوط جسمها ، والعم يرحب بها أشد الترحيب ، ويثني على دراستها ، وذكائها   وجمالها ، أين النصيحة ؟ لأنه لو نصحها تنزعج ، وإذا نصحها قد لا تعود ثانية لزيارته .

 ( سورة المائدة الآية : 79 ) .

فأحياناً توجه نصيحة لابنة أخيك ، وهي متألقة ، متشوفة بشخصيتها ، ترتدي ثياباً فاضحة ، أهلها لا يهتمون بمظهرها ، وتبقى ساكتاً أنت ؟! إذا لم تستحِ من الله في توجيه هذه النصيحة فافعلها .

والله مرة دخلت إلى إنسان ، محسوب على المسلمين ، عنده موظفة بوضع لا يرضي الله عز وجل نصحته ، قال لي : والله جاءني مئات الأشخاص ما أحد نصحني هذه النصيحة ، هي واجب ، والأمر تلافاه ، إن لم تنصح أين قيمتك ؟.

 ( سورة آل عمران الآية : 110 ) .

إن لم ننهَ عن المنكر ، وإن لم نأمر بالمعروف ، فقدنا خيريتنا ، وأصبحنا أمة كأية أمة لا فضل لها على أحد .

Text Box: المؤمن ليس بالخب ولا الخبُ يخدعه :

 

الآن الحياء والخجل ، قال تعالى :

 ( سورة الشورى ) .

عنده قوة شخصية ، إنسان تطاول عليك ، إنسان يقود مركبة قيادة رعناء ، أنا أخجل أن أحاسبه ، حسبي الله ، لا ، يجب أن تقف موقفاً حازماً من تفلته من قواعد السير ، وإلا لست مؤمناً ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾ ، الناس آخذون فكرة أن المؤمن تأخذ حقه فيسكت ، تتطاول عليه فيسكت ، تسحقه فيسكت ، مؤمن ! يعني درويش ، يعني أجدب ، لا .

يقول سيدنا عمر : لست بالخب ولا الخبُ يخدعني ، لست من السذاجة أن أجبن ولست من الخبث أن أخدع ، لا أَخدع ، ولا أُخدع ، المؤمن كيس ، فطن ، حذر ، فإذا في تطاول ينبغي أن توقفه عن حده ، ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾ .

 

Text Box: من غلب على ظنه أن عفوه عن إنسان يصلحه فليعفُ عنه :

 

شاب يقود مركبته قيادة رعناء ، وسبب حادثاً لطفل ، لكن الحمد لله الطفل لم يمت ، لكن في رضوض ، وفي كسور ، يصطفل ، له رب يحاسبه ، لا ، كلما فعلنا معه هذا تطاول أكثر ، لابدّ من أن تأخذ بحقك منه .

لكن أحياناً يكون سائق المركبة رجل وقور يمشي بسرعة معتدلة جداً ، فالطفل يقفز أمامه ، صار مسؤولاً ، مع أن الحق على الطفل ، لكن مسؤول ، فإذا عفوت عنه قربته إلى الله ، ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾ .

 ( سورة الشورى الآية : 40  ) .

فإذا غلب على ظنك أن عفوك عنه يصلحه فاعفُ عنه .

( سورة الشورى الآية : 40  ) .

أي أصلحه بعفوه :

 ( سورة الشورى الآية : 40  ) .

أحياناً يُتهم في المدرسة ظلماً يسكت ، إن ربيته تربية قاسية يسكت ، لا يرفع إصبعه ، لم أفعل هذا أنا ، فلما الطفل يدافع عن نفسه بأدب ، بجرأة ، تكون قد ربيته تربية بين الخنوع والخجل ، وبين الوقاحة والتطاول .

 

Text Box: من استشار ابنه أشعره بقيمته و مكانته :

 

بعض الأمثلة : هل تصدقون أن يجلس النبي عليه الصلاة والسلام بين أصحابه وعن يساره أشياخ كبار ، كأبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعن يمينه طفل صغير ، جاء شراب بحسب السنة ينبغي أن يبدؤوا برسول الله ثم من على يمين رسول الله ، وطفل صغير  قال له : يا غلام أتأذن لي أن يشرب الأشياخ ؟ قال له : لا والله ، لا آذن لك ، لا آذن لأحد بحقي أن أشرب بعده ، اعتبره حقاً مكتسباً .

أرأيتم إلى هذا التوجيه ؟ كيف أنه استأذن طفلاً ، بالاستئذان أعطيته شخصيته  ، أعطيته حقه ، والنبي الكريم سمح له أن يشرب قبل الأشياخ ، وما اعتبرها تطاولاً ، اعتبرها شرفاً له أن يكون دوره في الشرب بعد رسول الله .

كيف علمنا ؟ أنت لما تستشير ابنك أيضاً شيء كبير جداً ، يا بابا نريد أن نفعل كذا ما قولك ؟ يا لطيف ! يشعر بقيمته ، بمكانته ، أبي يستشيرني ، وقد تستمع إليه برأي حصيف وهو صغير .

يروى أن أبا حنيفة النعمان يمشي في الطريق رأى طفلاً أمامه حفرة ، قال       له : إياك يا غلام أن تسقط ، قال له : بل إياك يا إمام أن تسقط ، إني إن سقطتُ سقطت وحدي ، وإنك إن سقطت سقط معك العالم ، أنا سقوطي لا شيء ، أما الإنسان القدوة إذا سقط سقطَ معه العالم .

 

Text Box:  أمثلة من التاريخ عن صغار في منتهى الأدب :

 

سيدنا عمر بن عبد العزيز ، دخل عليه وفد المهنئين ، تقدمهم صبي صغير  انزعج ، قال له : أيها الغلام اجلس ، وليقم من هو أكبر منك سناً ، غلام فصيح متكلم     فقال : أصلح الله الأمير ، المرء بأصغريه قلبه ولسانه ، فإذا وهب الله عبداً لساناً ذاكراً ،  وقلباً حافظاً ، فقد استحق الكلام ، ولو أن الأمر كما تقول لكان في الأمة من أحقّ منك بهذا المجلس ، أُعجب به .

موقف آخر ، عبد الملك بن مروان دخل عليه وفد المهنئين ، يتقدمهم صبي صغير ، فانزعج أيضاً ، قال لحاجبه : ما شاء أحد أن يدخل عليّ حتى دخل ؟ حتى      الصبية ؟ فقام هذا الصبي الصغير وقال : أيها الأمير ! إن دخولي عليك لم ينقص من قدرك  ولكنه شرفني ، أصابتنا سنة أذابت الشحم ، وسنة أكلت اللحم ، وسنة دقت العظم ، يبدو في جفاف فأصبحوا على شفا الموت جوعاً ، ومعكم فضول أموال ، فإن كانت هذه الأموال لله فنحن عباده ، تصدقوا بها علينا ، وإن كانت لكم أيضاً تصدقوا بها علينا ، وإن كانت لنا فعلامَ تحبسوها عنا ؟ فقال هذا الخليفة : والله ما ترك هذا الغلام لنا في واحدة عذراً .

مرة شاب يلقي درساً في مسجد ، شاب ناشئ ، تحلق الناس حوله وأحبوه كثيراً ، هذا أثار حفيظة كبار العلماء ، التقليل يُهين ، فجاء أحدهم كي يُصغره ، فجلس في مجلسه فلما انتهى الدرس قام هذا العالم المشهور ، وقال : يا هذا ، هذا الذي قلته ما سمعناه ، فالشاب أديب جداً ، قال له : سيدي وهل حصّلت كل العلم ؟ إذا قال نعم يكون أخطأ خطأ كبيراً ، قال له : لا ، قال له : كم حصلت منه ؟ قال له : شطره ، قال له : هذا الذي قلته من الشطر الذي لا تعرفه .

أحياناً الإنسان أديب لكن يجيب إجابة رائعة ، هذا من الشطر الذي لا تعرفه .

هناك شاب صغير يقوم بعمل (يقوم به الكبار عادة) ، فرجل أراد أن يُصغره ، فقال له : يا غلام ، كم عمرك ؟ قال له : عمري كعمر سيدنا أسامة بن زيد الذي قاد الجيش ، وفيهم أبو بكر ، وعمر ، وعثمان .

 

Text Box: من ربى ابنه على الجرأة و الصدق و الأمانة فقد نمى شخصيته ورباه تربية حسنة :

 

لذلك أيها الأخوة الكرام ، الأدب رائع جداً ، سيدنا يوسف قال :

 ( سورة يوسف الآية : 100 ) .

أيهما أخطر السجن أم الجب ؟ الجب أخطر ، الجب احتمال الموت مئة بالمئة أما السجن الحياة مضمونة ، لكن لو قال وقد أحسن بي إذ أخرجني من الجب ذكر إخوته بخطئهم الكبير .

لذلك ورد في بعض الآثار :

(( لا تحمروا الوجوه )) .

 لا تخجل إنساناً ، تجاوز موضوع الجب ، وشكر الله على أنه خرج من السجن .

في آخر الزمان والعياذ بالله كما ورد في الحديث الصحيح :

(( وإذا كانت أمراؤُكم شِرارَكم ، وأغنياؤُكم بُخَلاءَكم ، وأُمورُك إلى نسائكم  فبطنُ الأَرض خير لكم من ظهرها ، إذا كانَت أُمراؤُكم خيارَكم ، وأغنياؤُكم سُمحاءَكم  وأمورُكم شورَى بينكم ، فَظَهْرُ الأَرضِ خَير لكم من بطنها )) .

[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]

يعني بشكل أو بآخر أنت حينما تربي ابنك أن يكون جريئاً ، أن يكون صادقاً ، أن يكون أميناً ، أن يكون واضحاً ، أن يطالب بحقه ، ألا يقبل الذل ، ألا يرضى أن يكون مهاناً هذه التربية تنمي شخصيته ، وتجعله بين الخجل المذموم وبين الوقاحة التي لا تحتمل .

 

Text Box: العاقل من استنكر المواقف التي لا يرضي الله عز وجلّ :

 

الآن الذي يُرى إما من شدة الضرب والشتائم الطفل خجول ، ضعيف الشخصية ، يخجل أن يطالب بحقه ، أو من شدة الإعجاب به على خطئه ، وعلى بذاءة لسانه ، وعلى تطاوله يصبح وقحاً لا يحتمل .

يروى أن شخصاً أراد أن يكسب رهاناً على حلم معاوية ، فدفع غلاماً إلى أن يغمزه من مؤخرته حينما يصعد المنبر ، فكان سيدنا معاوية ذكي جداً ، حينما غمزه هذا الطفل علم أن هناك مراهنة فقال : اكسب الرهن يا غلام ، يعني الذي راهن على حلمه نال هذا الرهن ، هذا الطفل ألف أن يفعل هذا مع غير معاوية ، فعلها مع آخر فقتله ، فقالوا : حلم معاوية قتل الغلام .

لما طفل يتطاول تبقى ساكتاً له ، يفعلها مع إنسان ظالم يسحقه ، فلما تقف موقف الناصح ، المستنكر لموقف لا يرضي الله عز وجلّ هذا موقف حكيم .

 

Text Box: العاقل من ربى أولاده على الحياء لأن الله سبحانه وتعالى يحب الحياء :

 

لذلك تربية الأولاد فيما يتعلق بظاهرة الخجل تجعلهم أصحاب شخصية قوية بين الخجل كنقيصة ، وبين الوقاحة كرذيلة ، والحياء كما قال عليه الصلاة والسلام :

(( الحياءَ من الإيمانِ )) .

[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك عن عبد الله بن عمر ] . 

(( الإيمان بضع وسبعون شُعبة ، وأفضلها قول : لا إله إلا الله ، والحياءُ شُعْبَةٌ من الإيمان )) .

[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ] . 

فنربي أولادنا على الحياء ، لأن الله سبحانه وتعالى يحب الحياء .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi