English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

موضوعات إسلامية : التوكل على الله  – الأحد 26/08/2007 - لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

Text Box: بين يدي الحديث :

 

أيها الإخوة الكرام ، اخترت لكم حديثاً صحيحاً شريفاً ، لماذا اخترت هذا الحديث ؟ لأنني أرى كثيراً من حالات مرَضية أساسها ضغوط نفسية ، أمراض كثيرة تصيب الجهاز الهضمي ، الجهاز العصبي ، القلب ، الضغط ، هذه الأمراض تعزى بالدرجة الأولى إلى الناحية النفسية الضاغطة ، النفس تتلقى ضغطاً ، وطبيعة الحياة معقدة جداً ، المطالب كثيرة ، الموارد قليلة ، الضغوط كثيرة ، التعقيدات بالغة ، المنافسة شديدة ، فما من بيت إلا وفيه هموم لا يعلمها إلا الله ، ما الخلاص من هذه الهموم ، وهذه الضغوط  ، وهذه الصدمات ،  ثم في النهاية تلك الأمراض ، لأن العضوية لا تحتمل هذا الضغط النفسي ؟

 

Text Box: حديث عظيم يقنّن سبيلَ المعيشة والرزق : لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ ...

 

عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

((  لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ ، تَغْدُو خِمَاصًا ، وَتَرُوحُ بِطَانًا )) .

[ أحمد ، النسائي ،  ابن ماجه ، الحاكم ،  وقال الترمذي حسن صحيح  ]

 

1 – الحياة والرزق مصدرٌ لقَلقِ الناسَ :

حديث على إيجازه بليغ في مدلولاته ، أولاً ما الذي يقلق الناس ؟ الرزق وقبل الرزق الحياة ، حياة الإنسان ورزقه ، فإذا أيقن العبد أن له عند الله عمراً لا ينقص ولا يزيد ، وأن له عند الله رزقاً لا بد من أن يستوفيه ، إذا أيقن أن أجله محدود ، ورزقه مقسوم رفع عنه ضغط كبير .

2 – هذا الحديث أصلٌ في التوكّل على الله :

هذا الحديث يتعلق بالتوكل ، ولو أنك توكلت على الله ، انظر إلى الطفل الصغير لا يهتم لا بالإنفاق ولا بالمصروف ولا بارتفاع الأسعار ، ولا بشح الموارد ، ولا بتعقيد الحياة ، كل همه على أبيه ، ما يهتم إطلاقاً ، طفل عمره سنة أو سنتان ، تراه يفرح ، ويمرح ، ويضحك ، المؤمن الصادق حينما يضع همومه عند الله عز وجل يستريح ، هذا الحديث الشريف قال عنه العلماء : هو " أصل في التوكل " ، وهناك أحاديث تبين التوكل من زوايا فرعية ، أما هذا الحديث فيعد أصلاً في التوكل ، وهذا الحديث يعد من أعظم الأسباب التي يجلب بها الرزق ، فهو أصل في التوكل وأصل في طلب الرزق ، قال تعالى :

 ( سورة الطلاق )

 

 

( سورة الطلاق )

النبي عليه الصلاة والسلام قرأ هذه الآية ، وقال : لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم .

3 – نحن بحاجة إلى التوكّل على الله :

 

والآن نحن في أمسّ الحاجة إلى هذه الآية ، نحن في أشد الحاجة إلى التوكل ، إلى أن تلقي الهموم كلها عند الله ، يا رب ، أنا عبدك ، وابن عبدك ناصيتي بيدك ، (( اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ ، وَابْنُ عَبْدِكَ ، وَابْنُ أَمَتِكَ ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ )) .

[أخرجه أحمد وابن حبان والحاكم من حديث ابن مسعود] .

أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له السماوات والأرض من أن تنزل بي سخطك ، أو تحلّ بي غضبك ، ولك العتبى حتى ترضى ، لكن عافيتك أوسع لي .

هذا الدعاء من القلب ، الدعاء مع الخشوع ، الشعور أن الله بيده كل شيء ، يا رب ، ليس لي إلا أنت ، أنا لا أملك إلا رحمتك ، إذا قطعت الأسباب ، إذا قطعت العلائق ، وتوكلت على الله عز وجل فلا شك أنك تشعر براحة كبيرة ، أنا علي أن أعبده ، أنا علي أن أبحث عن أمره ، أنا علي أن أطلب العلم ، أن أتعلم ، وأن أتقصى أمره ، وأن أنفذ أمره ، والباقي كله عليه ، هو يعلم حاجتي ، عبدي كن لي كما أريد ولا تعلمني بما يصلحك ، لا تجشم ، لا تكلف خاطرك ، تقول ماذا تريد ، أعلم ماذا تريد ، أعلم ماذا يصلحك ، أعلم ماذا يسرك ، أعلم ماذا يرضيك ، أعلم ماذا يسعدك ، كن لي كما أريد أكن لك كما تريد .

4 – التوكل والتقوى :

يقول بعض السلف : " لو حقق الناس التقوى والتوكل لأفلحوا " ، فإن التوكل بلا تقوى لا يصح ، وكل إنسان متلبس ، وهذه أخطر فكرة في الدرس ، كل إنسان متلبس بالمعصية لا يستطيع أن يتوكل على الله ، لأنه خجول ، لأن وجهه أسود ، لا يستطيع أن يقول : يا رب توكلت عليك ، أما إذا حقق العبد التقوى ، أي طاعة الله عز وجل فبإمكانه أن يتوكل عليه ، قدمت شيئًا يا رب ، أنا أطيعك ، هذا قسمي فيما أملك ، أنا أملك أن أطيعك ، لكن لا أملك الأقدار ، الأقدار بيدك يا رب ، أنا لا أملك الصحة ، لكن أملك أن أطيعك ، أنا لا أملك المال ، لكنك تملك المال ، أنا أملك أن أطيعك ، أنا لا أملك الأقوياء ، هم بيدك ، أنا أملك أن أطيعك ، الأمر واضح جداً ، أنت ماذا تملك ؟ تملك أن تطيعه ، أنت مكلف بطاعته ، ما أنت مكلفٌ به محاسب عليه ، وما لست مكلفاً به لا تحاسب عليه ، الأقوياء ليسوا بيدك ، السماء ليست بيدك ، تمطر أو لا تمطر ، يا رب إن أمطرتنا فهذه رحمتك الواسعة ، وإن لم تمطرنا فهذه حكمتك البالغة ، شيء مريح .

5 – التوكل استسلام لله تعالى :

أنا قلت لكم مرة : أستاذ لنا في الجامعة من كبار أساتذة علم النفس عقد مؤتمر للطب النفسي في أوربا في ألمانيا ، وكان هو مندوب سوريا في هذا المؤتمر ، بدأ محاضرة بليغة وطويلة ، قال في مقدمتها : أعلن عليكم أيها السادة أن نسبة الأمراض النفسية في مجتمعاتنا قليلة جداً بسبب الإيمان بالله عز وجل .

هم الأحبة إن جاروا وإن عدلوا         فليس لي عنهم معدل و إن عدلوا

والله و إن فتّتوا في حبهم كبدي         باق على حبهم راض بما فـعلوا

***

هناك استسلام لله عز وجل ، أقامك في هذا الشكل ، وفي هذا الدخل ، وبهذه الإمكانيات ، وبهذا البيت ، وبهذه الحرفة ، ليس في الإمكان أبدع مما كان ، يا رب هذا حكمك ، وأنا راض بحكمك ، مشاعر الرضى لا توصف ، المؤمن إذا ارتقى في الإيمان يشعر بالسعادة التي لا توصف حينما يرضى بقضاء الله ، ترضى بقضاء الله ، وقد يكون هذا القضاء مكروهاً .

لذلك كان التوكل من أعظم الأسباب التي يستجلب بها الرزق ، ولو حقق العباد التوكل والتقوى لاكتفوا بذلك في مصالح دينهم ودينايهم .

هناك قطعتان من أرضٍ معدتّان للبناء اشتراهما رجلان ، الأرض الأولى لم يعطى رخصة البناء ، لأن هذه الأرض سوف تمر بها المجاري ، والثاني أعطي رخصة البناء ، فأنشأ المخططات ، وحفر الأساسات ، وأقبل عليه الناس ، وقبض المبالغ الطائلة وتألق وجهه ، ولمعت عيناه ، وعلت الابتسامة على وجهه ، الثاني يرى جاره يبيع ويشتري ، وهو معطل ما زال الهم يضغط عليه ، ويضغط عليه حتى أصيب بأزمة قلبية ، بعد عامين نال الرخصة ، فأصبحت سعر أرضه أضعافاً مضاعفة عن كل أرباح جاره ، ولكن بعد فوات الأوان ، لو توكل على الله لكسب الدنيا والآخرة ، لا تعرف الخير أين هو ، قال تعالى :

 

( سورة البقرة)

 

أيها الإخوة الكرام ، يكفينا جميعاً قصة سيدنا الخضر ، سفينة خرقت ولولا أنها خرقت لصودرت ، ما الذي جعلها تنجو من المصادرة أنها خرقت ، فلو علم صاحبها مسبقاً أن هذا الخرق لصالحه لكان شاكراً للذي خرقها له ، لكنه لا يعلم ، ثم كشف الغطاء .

إذا تحقق العدل من التقوى والتوكل فقد اكتفى بهما في مصالح الدين والدنيا .

 

Text Box: معنى التوكل وحقيقته :

 

الحقيقة الأولى :

عرف بعضهم التوكل بأنه صدق اعتماد القلب على الله ، أنت قد تعتمد على جهة ، ولا تثق  بها ، تقول : هذا اعتماد كاذب ، لكن التوكل الحقيقي الذي منه تنجو من عذاب الدنيا والآخرة هو صدق اعتماد القلب على الله اعتمادا حقيقيا ، والإنسان أحياناً يوكل قضيته لمحامٍ لامع جداً ، وبالتعبير العامي يده طائلة ، مفتاح أكثر القضاة ، فتراه يرتاح ، فلان وكلته مثلاً ، فكيف إذا كان الله جل جلاله هو الوكيل ، قال تعالى :

 

( سورة الحج)

الحقيقة الثانية :

قال بعضهم ، وهذه عبارة دقيقة : حسبك من التوسل إليه أن يعلم الله من قلبك حسن التوكل عليه .

لك وسيلة واحدة إلى الله ، الوسيلة الوحيدة أن يعلم الله أنك صادق في التوكل عليه ، فكم من عبد من عباد الله فوض أمره إلى الله فكفاه الله كل ما أهمّه .

أيها الإخوة الكرام ، نقطتان : عليك أن تطيع الله ، فإذا أطعته فلك عليه حق ، تستطيع أن تتوكل عليه ، التوكل على الله ممتع ومسعد ، لكن العاصي يستحي أن يتوكل على الله ، يخجل ، لأن الذنوب حجاب ، حقيقة التوكل صدق اعتماد القلب على الله في استجلاب المصالح ، ودفع المضار في أمور الدنيا والآخرة ، وهذا تعريف جامع مانع ، صدق اعتماد القلب على الله في استجلاب المصالح ، ودفع المضار في أمور الدنيا والآخرة .

الطالب يتوكل على الله ، والتاجر يتوكل على الله ، يا جبار ، والطالب يقول : يا معين ، والمزارع : يا رزقا ، كل إنسان باختصاصه ، والطبيب يقول : بسم الله الرحمن الرحيم ، حتى الله عز وجل يلهمك التشخيص الصحيح ، ويلهمك الدواء المناسب ، والمحامي كذلك ، والمهندس كذلك ، باب التوكل واسع جداً ، عود نفسك الدعاء ، كلما أقدمت على عمل فقل : اللهم إني تبرأت من حول وقوتي ، والتجأت إلى حولك وقوتك يا ذا القوة المتين .

الحقيقة الثالثة :

تحقيق الإيمان أي حقيقة الإيمان : أنه لا يعطي ولا يمنع ، ولا يضر ولا ينفع إلا الله ، إذاً توكل عليه .

قال بعض العلماء : " التوكل على الله جماع الإيمان ، فالإيمانُ بأكمله يلخص بالتوكل ، والغاية القصوى هي التوكل ، ونحن أحياناً في اللغة العربية نعلم الطالب نصوصا ، نعلمه قواعد النحو ، والصرف ، والبلاغة ، والعروض ، الغاية الكبرى من كل هذه الفروع التعبير السليم الشفهي والكتابي ، التعليم غاية ، لكن النصوص والقواعد والنحو الصرف والبلاغة والعروض وسائل ، فالتوكل غاية ، فإذا عرفت الله ، وكنت مستقيماً على أمره تتوكل عليه في جلب المصالح ودفع المضار في الدنيا والآخرة ، فالطاعة والتوكل لجلب المصالح ودفع المضار في الدنيا والآخرة .

الحقيقة الرابعة :

قال بعض العلماء عن توكل العبد على ربه : " أن يعلم أن الله هو ثقته " .

أحيانا يقول الإنسان : يا رب ، توكلت عليك ، وكل ثقته بفلان ، هذا يعلمه الله ، يعلم الله حقيقة هذا التوكل ، لذلك مَن سرّه أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله ، اللهم إني أسألك صدق التوكل عليك ، دققوا ، صدق التوكل ، لأن هناك توكلا كاذبا ، قال تعالى :

 ( سورة آل عمران)

 

( سورة الحج)

أسألك صدق التوكل على الله التوكل الحقيقي ، اللهم اجعلني ممن توكل عليك فكفيته ، حسبي الله ونعم الوكيل .

Text Box: الأخذُ بالأسباب ثم التوكّلُ على الله :

لكن أيها الإخوة ، الذي لا أريده أن تفهموه مني أنك إذا توكلت على الله تركت السعي بالأسباب ، الله عز وجل  قال :

 

( سورة النساء )

( سورة الأنفال )

 

( سورة الجمعة )

لذلك قال بعض العلماء : " من طعن في الحركة يعني في السعي والكسب فقد طعن في السُّنة " .

كل إنسان ساكن يقبع في بيته لا يتوكل على الله حقيقةً ، أنت إنسان كسولٌ ، ليس هذا هو التوكل ، التوكل أن تأخذ بكل الأسباب ، التوكل مكانه القلب ، والجوارح مكانها السعي ، لا تخلط هذا بذاك ، لا تلبس على الناس دينهم ، التوكل في القلب ، والسعي بالجوارح ، قال أحد العلماء : " من طعن في الحركة يعني في السعي والكسب فقد طعن في السنة ، ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان " .

إذا ما توكل الإنسان معنى ذلك أنه ضعيف الإيمان ، وإذا ما سعى فهو ضعيف التطبيق للسنة ، النبي كان يسعى ، وأكملُ شيءٍ أن تسعى بجوارحك ، وأن تتوكل بقلبك ، أنا علي أن أسعى ، وأوضحُ مثلٍ أن المطارِدين من قريشٍ حينما وصلوا إلى غار ثور النبي بقي رابط الجأش ، هو أخذ بالأسباب ، والآن هو متوكل ، مثلُ طالب درس ، ليس مضطربا ، الآن توكل التاجر ، اشترى البضاعة المناسبة ، واجتهد في اختيارها وأسعارها ، ويرتاح ، الآن بيعها على الله ، المزارع زرع في الوقت المناسب وتوكل ، شيء جميل ، لك مظهران مظهر السعي والنشاط والحركة ، والعلم والأسباب والخطط ، ومظهر من الداخل سلام في سلام ، يا رب ، هذا الذي علي فعلته بقي الذي عليك ، في الدراسة ، والزواج والتجارة والصناعة والقضاء والطبابة والتدريس والهندسة ، عليك سفر ، أنت راجعت السيارة ، الميكانيك والأجهزة فقط ، وعلى الله الباقي ، أما إذا ما راجعتها فلا يكفي التوكل ، تنشأ معك مشكلة كبيرة ، لو راجعت السيارة تقول : أنا متوكل يا رب ، ما فيها كوابح ، ولا شيء ، هذا غير معقول ، ما هذا التوكل ؟ هذا الشخص المتوازن بقدر ما هو مستسلم بقدر ما هو يأخذ بالأسباب .

Text Box: التوكلُ حالُ النبيِّ والكسبُ سنّتُه :

 

أيها الإخوة الكرام ، التوكل حال النبي والكسب سنته ، فمن عمل على حاله لا ينبغي أن يترك سنته ، سنته السعي وحاله التوكل ، أنت مكلف أن تقلده في حاله وفي سنته ، في حاله بالاستسلام ، فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا جاءه أمر على ما يريد قال : الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وإن جاءت الأمور على غير ما يريد قال : الحمد لله على كل حال ، هكذا الله يريد ، أنت كل حياتك من أجله ، قال تعالى :

 

( سورة الأنعام )

كل حياتي من أجلك يا ب ، وهذا قرارك ، وهذه حكمتك .

والله مرة قرأت لوحة فيه :

 

] وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ [

 

( سورة الطور : من الآية 48 )

لو كان حكم الله واضحا جداً فا يحتاج إلى صبر ، لما تكون مريضا عند طبيب أسنان ، ويعطيك إبرة البنج المخدر ، وتعرف أن الإبرة مؤلمة ، لا أقول : جداً ، لكن مؤلمة ، لكن ألمها أخف بكثير من آلام قلع الضرس ، فالأمر واضح عندك ، لأنه واضح فأنت صابر ، لكن الأمر إذا ما كان واضحا فالله عز وجل  يقول لك :

] وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ [

أجمل شيء في حياة المؤمن إذا جاءت الأمور على خلاف مراده يقول : يا رب ، لك الحمد ، أنا مستسلم ، أنا راض يا رب ، التوكل حال النبي ، والكسب سنته .

 

Text Box: علاقة التوكل بأفعال الإنسان التعبدية والعادية :

 

1 – علاقة التوكّل بالطاعة والعبادة :

قال بعض العلماء : " أفعال الإنسان ثلاثة أنواع ، أولها الطاعات التي أمر الله عباده بها ، وجعلها سبباً للنجاة من النار ودخول الجنة ، هذه الطاعات لا بد من فعلها مع التوكل على الله ، والاستعانة به عليها ، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله ، قال النبي عليه الصلاة والسلام  في تفسير هذه الكلمة : 

(( لا حول عن معصية الله إلا بالله ، ولا قوة على طاعته إلا به )) .

[ ورد في الأثر ]

يجب أن تتوكل على الله في أداء الطاعات ، وأحيانا الله عز وجل يضعف لك همتك ، يضعف لك مقاومتك أحياناً ، وإذا رزق الله الإنسان الاستقامة فلا ينبغي أن يتيه بها على الخلق ، أنا مستقيم ، وأنا غير فلان ، ومن أنت ؟ إذا كنت مستقيماً فهذا فضل من الله عليك ، فإذا استقام الإنسان على أمر الله ، واعتد باستقامتك ، وتاه بها على عباد الله فهذه ليست استقامة ، لقد شابها الكبر ، شابها العلو ، لذلك هذه الاستقامة ليست مقبولة إلا إذا خالطها التواضع ، خالطها العبودية لله ، المؤمن الصادق إذا وفقه الله لطاعة يشكر الله على أن وفقه إليها ، يا رب ، سمحت لي أن أقوم بهذا العمل ، سمحت لي أن أحضر هذا المجلس ، وهناك إنسان مريض ، وإنسان يسبب الله عز وجل له متاعب كثيرة في حياته ، مشاكل في البيت والعمل ، والأولاد ، فإذا فرغه الله عز وجل ، وسمح له أن يحضر مجلس علم فهذه من نعم الله ، قال تعالى :

 

 

(سورة الحجرات )

حتى العبادة تحتاج إلى توكل ، والدليل ، الفاتحة :

 

] إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعِينُ [

( سورة الفاتحة : الآية 5 )

 تستعين بالله على صلاتك ، وعلى صيامك ، وعلى حجك ، وعلى زكاة مالك ، وعلى غض بصرك ، وعلى ضبط لسانك ، وعلى تحرير دخلك ، وعلى قيامك بالأعمال الصالحة .

2 – علاقة التوكّل بالعادة والمباح :

الشيء الثاني : ما أجرى الله به العادة في الدنيا ، وأمر به عباده ، كالأكل عند الجوع ، والشرب عند العطش ، والاستظلال من الحر والتدفؤ من البرد ، هذه أيضاً أسباب ، إن لم تأخذ بها تحاسب عليها ، فإذا أهمل الإنسان طعام الفطور ، وحدث معه ضعف ، أو أهمل نوع الطعام ، أهمل الحاجات الأساسية التي أمره الله بها ، وحدثت له مشكلة فهذه المشكلة يحاسب عليها ، يحاسب على تقصيره ، جسمك ليس ملكك ، فهذا الجسم أمانة بين يديك ، سلمك الله إياك فعليك أن تعتني به لأنه قوام حياتك ، ورأس مالك في حياتك ، فالعناية بالصحة جزء من الدين ، أن تعلم ماذا تأكل ، ماذا تشرب ، هناك أشياء فيها مواد ملوثة ، قلنا لك : في الصيف أمراض كثيرة وخطيرة جداً ، وحدثت حالات وفيات كثيرة جداً من التلوث ، الآن أنا أنصح أن يكثروا تناول الطعام في بيوتهم ، فالعامل في مطعم أحيانا لا ينظف نفسه إذا قضى حاجة ، لا تعرف هذه السَّلَطة ما بها فيها مواد ملوثة ، بهذه الطريقة تنتقل الجراثيم ، بهذه الطريقة تنتشر الأوبئة ، الخضار الورقية ممنوع استعمالها ، الطعام خارج المنزل الأولى للإنسان أن يبتعد عنه لعدم الدقة في إعداده ، والغسيل المتقن للخضار والفواكه ، هذا أخذٌ بالأسباب وعلى الله الباقي ، أما أن تهمل الأمر فلا ينبغي .

لفت نظري أني قرأت في الجريدة منذ يومين أن كل موظفين المطاعم مكلفون أن يقدموا فحوصاً لبرازهم للصحة ، خبر لفت نظري ، معنى هذا تنتقل الجراثيم أن بهذه الطريقة ، لماذا النبي عليه الصلاة والسلام أمرنا بالنظافة الشديدة ، الحقيقة موضوع الغذاء إذا كان مطعم القائمين عليه ليسوا مؤمنين فموضوع النظافة مهمل جداً أن أما المؤمن فحريص على ذلك .

 

Text Box: لو حقق العباد التوكل على الله بقلوبهم لساق الله إليهم أرزاقهم مع أدنى سبب :

الآن يقول بعض العلماء : لو حقق العباد التوكل على الله بقلوبهم لساق الله إليهم أرزاقهم مع أدنى سبب كما يسوق إلى الطير أرزاقها بمجرد الغدو والرواح .

أحيانا الله عز وجل يرزقك ، لكن بعد أن يعصرك ، مشاكل ، ومعالجة مع الناس حتى تلحق رزقك ، وأحيانا يكرمك الله فيبعث لك رزقا يكفيك مع جهد بسيط ، هذا من إكرام الله لك .

اسمعوا هذه الحقيقة ، إذا طلبت العلم ، وحضرت مجالس العلم ، وأعطيت من وقتك الثمين وقتاً لمعرفة الله ، بفهم كتابه ، بفهم سنة نبيه ، بفهم السيرة ، أرجو الله عز وجل  ألا أكون مبالغاً في هذا ، ساق الله لك رزقاً وفيراً مع جهد يسير ، أنا أشعر أحيانا مع شخص يشكو لي درجة غير معقولة ، يقول : أنا مسحوق كسحق الليمونة المعصورة ، ينام الساعة الواحدة ، إذا كانت الدنيا فقط تأخذ منك كل هذا الجهد ، وكل ذاك الوقت ، والله هذه حياة صعبة ، فإذا ألغي وقت فراغ الإنسان فقد ألغي وجوده .

أنا أقول لكم : الآن أي عمل من أعمالكم إذا استغرق كل وقتكم مهما علا دخله فهو خسارة كبيرة ، وقد ألغى وجودك ، أنت تعمل من أجل رسالة ، من أجل إيمانك بالله ، من أجل عمل صالح ينفعك بعد الموت .

أنا أخالف أناساً ، الدنيا كلها ما عنده شيء غير تجارته من الفجر إلى نصف الليالي ، لا زوجة ، لا أولاد ، لا مجلس علم ، لا درس فقه ، لا قرآن ، كل وقته في تجارته ، تجارته قبر له ، وفي معمله ، معمله قبر له ، وفي وظيفته ، وظيفته قبر له ، انتهى الإنسان ، العمل الذي يستغرق كل وقتك هو خسارة فادحة ، ولو در عليك مئات الألوف ، لأنك انتهيت ، انتهى وجودك ، انتهت رسالتك .

أحيانا هناك إنسان يتباهى ، والله أنا آتي بعد ما ينام أولادي ، وأذهب قبل أن يستيقظوا ، مَن لهم أولادك ؟ أنت لست أبًا ، أنت منفق عليهم فقط ، لو حقق العباد التوكل على الله بقلوبهم لساق الله إليهم أرزاقهم مع أدنى سبب ، كما يسوق إلى الطير أرزاقها بمجرد الغدو والرواح .

لذلك الإمام أبو حنيفة قرأ عن النبي عليه الصلاة والسلام حديثاً ، كان هذا الحديث انعطافاً في حياته ، ما هذا الحديث ؟ (( من طلب العلم تكفل الله له برزقه )) .

[ ورد في الأثر ]

هذا الكلام قطعي ، إذا طلبت العلم تكفل الله لك برزقك ، وربما حرم الإنسان الرزق بذنب يصيبه ، لأن الذنوب تقطع الأرزاق .

 

Text Box: من أسباب الرزق :

 

1 – الاستقامة :

وعندنا للرزق سبب آخر ، ففي آية قرآنية استنبط منها العلماء أن هذا العمل يسبب بحبوحة الرزق ، قال تعالى :

( سورة الجن )

 

الاستقامة .

2 – الصلاة :

الصلاة ، قال تعالى :

 

( سورة طه )

 

الدليل :

( سورة طه )

3 – التقوى والتوكل :

التقوى والتوكل هذه الثالثة .

4 – الاستغفار وإتقان العمل والأمانة والصدقة وصلة الرحم :

الاستغفار ، إتقان العمل ، الأمانة ، صلة الرحم ، الاستقامة والأمانة وصلة الرحم وإتقان العمل والصدقة ، استمطروا الرزق بالصدقة والتوكل مع التقوى .

 

Text Box: بمَ نفسِّر عدم توافر الرزق مع توافر أسبابه ؟

 

هذه كلها أسباب لوفرة الرزق ، وإذا توافرت كلها والرزق قليل فبمَ نفسر ذلك ؟ نفسر ذلك بالحكمة ، كما في الأثر : " إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ، فإذا أغنيته أفسدت عليه دينه ، وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ، ولن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها ، والأجل محدود والزرق مقسوم ، لا تقلق ، قال بعض السلف : توكل تُسَقْ إليك الأرزاق بلا تعب ولا تكلف .

 

Text Box: علامة صدق التوكل اليأس مما في أدي الخلق :

 

سئِل أحد العلماء : " ما علامة صدق التوكل ؟ فقال : أن يتوكل العبد على الله ، وألا يكون في قلبه أحد من الآدميين يطمع أن يجيبه بشيء .

يجب أن تيئس مما في أيدي الخلق ، ما دام فلان لا يقصر لو طرقت بابه ، فلان يودني ، تقول : باب السماء مغلق ، إذا يئست بما في أيدي الخلق أمدك الله عز وجل بما تحتاج ، فعلامة صدق التوكل اليأس مما في أدي الخلق .

لا تسألن بني آدم حــاجة          و سل الذي أبوابه لا تُحجَب

الله يغضب إن تركت سؤاله          وبني آدم حين يُسأَل يَغضب

***

كان أهل اليمن يحجون ، ولا يتزودون ، ويقولن : نحن متوكلون ، فيحجون ، فيأتون مكة ، فيسألون الناس ، فأنزل الله هذه الآية :

( سورة البقرة )

هذه الآية تدل على الأخذ بالأسباب ، الحقيقة أن صدق التوكل عرفه بعضهم بأنه قطع الاستشراف من الخلق ، الاستشراف هو الطمع .

سئل أحد العلماء : ما الدليل ؟ قال : قول إبراهيم عليه السلام لما عرض عليه جبريل أن يساعده ، وهو يرمى في النار ، فقال له : ألك حاجة ؟ قال : أما إليك فلا ، وظاهر الكلام أن إبراهيم ترفع عن سؤال جبريل حينما ألقي في النار .

الله عز وجل حينما رأى منك يأسك من الخلق أمدك بما تريد .

سئل أحد العلماء ، وهو بشر الحافي عن التوكل فقال : اضطراب بلا سكون ، وسكون بلا اضطراب ، فقال له السائل : فسره لنا حتى نفقهه ، فقال بشر : اضطراب بلا سكون ، رجل تطرب جوارحه بالسعي ، وقلبه ساكن إلى الله لا إلى عمله ، سعى وأخذ بالأسباب ، وخطط ، وسأل ، وقدم واستدعى ، أخذ بكل الأسباب ، هذا اضطراب ، لكن بلا سكون إلى هذا العمل ، بل السكون إلى الله عز وجل ، رجل ساكن إلى الله عز وجل بلا حركة ، ولا اضطراب ، فاضطراب بلا سكون ، وسكون بلا اضطراب .

 

Text Box: كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ

 

إذا توكل الإنسان على الله عز وجل ، وقصر في تحصيل رزق أولاده فهو