English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الموضوع : دروس حوارية – الأحد 09 / 7 /2006 - التكافل الاجتماعي في الإسلام - لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

 Text Box: الضمان الاجتماعي مهمة أولي الأمر ، والتكافل مهمة أفراد المسلمين :
 

 

أيها الإخوة الكرام ، مع موضوع جديد من الموضوعات الاجتماعية التي ينبغي أن تنال المرتبة الأولى في المعالجة ، هذا الموضوع اسمه التكافل الاجتماعي ، وهناك مصطلح آخر اسمه الضمان الاجتماعي ، الضمان الاجتماعي من مهمات أولي الأمر ، فإذا مرض الإنسان فلابد له من ضمان صحي ، إذا افتقر من ضمان تعاون ، هذه مهمة أولي الأمر ، لكن مهمة آحاد المسلمين في التكافل الاجتماعي ، والتكافل الاجتماعي هو الذي يجعل حياة الإنسان كريمةً ، أنت لست وحدك في المجتمع الإسلامي ، الكل لواحد ، والواحد للكل ، المنطلق مِن قوله تعالى :

[ سورة الشعراء ]

 Text Box: قاعدة الأقرب فالأقرب :
 

 

لماذا ؟ لأن أقرب الناس إليك نسباً ، أو أقرب الناس إليك داراً ، أو أقرب الناس إليك إيماناً هؤلاء أولى بمعروفك من غيرهم .

هناك نقطة دقيقة جداً ، وقد وصلنا إلى موضوع الدعوة ، ابدأ بمن تثق ، وابدأ بمن يثق بك ، لأن هذا الذي تثق به ويثق بك ليس بينك وبينه حاجز .

كتجربة بسيطة : أنت في الطريق إلى المسجد ، هل تستطيع أن تمسك بإنسان لا على التعيين ، وتقول له : اذهب معي إلى المسجد ، هناك درس جيد مثلاً ؟ يخاف منك ، أما أخوك ، ابنك ، ابنك أخيك ، ابن أختك ، ابن أخيك ، ابن عمك ، ابن خالتك هناك ثقة ، وليس هناك قلق ، ولا خوف ، لذلك المؤمن بادئ ذي بدء ينبغي أن يستغل العلاقة التي أساسها الثقة ، لذلك أمر اللهُ عز وجل النبيَّ عليه الصلاة والسلام فقال :

[ سورة الشعراء ]

ثمة إخوةٌ كثر يهتدون إلى الله عز وجل ، بعد أشهر يأتي بأخيه ، بعد أربعة أشهر بأخيه الثاني ، بعد فترة بصهره ، ثم بابن أخته ، هذا إنسان مبارك ، لأنه أقرب الناس له ، كما أن عند الفقهاء لا تقبل زكاة مسلم وفي أقربائه محاويج ، فالأقربون أولى بالمعروف ، لكن كلمة الأقربون بعضهم أعطاها أبعاداً ثلاثة ، الأقرب نسباً ، والأقرب إلى الفقر ، والأقرب إلى الإيمان ، في أي مشروع توزيع زكاة مالك ، أو الصدقة ابدأ بأقرب الناس إليك ، ابدأ بأقرب الناس إليك نسباً ، أو بأقربهم إليك إيماناً ، أو بأقربهم إليك مكاناً ، إما بجارك ، أو بأخيك النسبي ، أو بمن هو أقرب إليك من أي إنسان ، وهو المؤمن ، لذلك كلما ارتقى المجتمع يرتقي معه التكافل الاجتماعي  .

 Text Box: أساس التكافل الاجتماعي :
 

 

1 - أساس الجوار :

أيها الإخوة الكرام ، نحن تكافلنا الاجتماعي أساسه النسب ، وأساسه المكان ، الأحاديث التي أوردها النبي عليه الصلاة والسلام في حقوق الجار تعد مفخرة الإسلام ، مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه .

أتدرون ما حق الجار ؟ إن استعان بك أعنته ، وإذ استنصرك نصرته ، وإن استقرضك أقرضته ، وإن مرض عدته ، وإن مات شيعته ، وإذا أصابه خير هنأته ، وإذا أصابته مصيبة عزيته ، ولا تستطل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلا بإذنه ، وإذا اشتريت فاكهة فأهدِ له منها ، فإن لم تفعل فأدخلها سراً ، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ ولده ، ولا تؤذه بقتار قدرك ـ برائحة الطعام ـ إلا أن تغرف له منها .

هناك تضامن وتكافل على أساس المكان ، الأحاديث التي أوصى بها النبي عليه الصلاة والسلام للجيران كثيرة جداً ، والأحاديث التي أوصى بها النبي عليه الصلاة والسلام بالجيران كثيرة جداً .

2 - أساس الجوار :

والأحاديث التي أوصى بها النبي عليه الصلاة والسلام بالأقرباء أكثر ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام يبين أن الإنسان إذا أعطى من ماله ، أو من زكاة ماله لأقربائه فله في هذا العطاء أجران ، أجر الصدقة ، وأجر الصلة ، يجب أن ننطلق من أن التكافل في الإسلام على أساس جغرافي ، وعلى أساس نسبي ، وما مِن إنسان ليس له أقرباء ، ولا جيران .

 Text Box: أنواع التكافل الاجتماعي :
 

 

1 – التكافل المالي :

التكافل أيها الإخوة الكرام أنواع ، عندنا تكافل مالي مادي ، وتكافل معنوي ، ويقع في مقدمة التكافل المعنوي النصيحة ، الإرشاد ، التعليم ، الدعوة إلى الله .

سمعت عن أسرة من أسر دمشق العريقة أنها أسست جمعية ، هذه الجمعية لها أهداف كثيرة ، أول هذه الأهداف أنها قد شكلت شركة تجارية ، رأسمال هذه الشركة من أفراد هذه الأسرة ، وقام على هذه الشركة مدراء ، و اختصاصيون ، وهي ربحية ، ربح هذه الشركة عائد لهذه الأسرة المترامية في دمشق ، مهمتها أن تزوج شبابهم ، وأن تؤمن للشباب تعليماً جامعياً ، مهمتها أن تساعدهم في الزواج ، ريع هذه الشركة فقط لمساعدة أفراد هذه الأسرة ، طبعاً هناك أُسَرٌ أعدادها كبيرة ، أسرة بالمعنى الواسع ، كل من ينتمي لهذه الأسرة له حق في هذه الشركة ، الأغنياء يدفعون كرأسمال ، والفقراء ينتفعون .

أيها الإخوة الكرام ، التعاون دين ، والتعاون حضارة ، ونحن لا نرقى عند الله إلا بالتعاون ، فهذه الجمعية الخيرية المتعلقة بهذه الأسرة لها أهداف تثقيفية ، فمِن حين لآخر تقيم ندوات ومحاضرات لأفراد هذه الأسرة ، تستقبل بعض العلماء ، وقد دعيتُ مرة إلى هذه الجمعية ، وألقيت فيها عدة محاضرات ، وعندها لجان اجتماعية تتفقد أحوال هذه الأسر ، الوضع الاجتماعي ، الوضع الاقتصادي ، الوضع التعليمي ، الوضع الديني ، فكل أسرة على حدة ، وضعها المعيشي : هل تحتاج إلى مساعدة من الشركة ؟ الوضع التعليمي : هل هناك أولاد تسللوا من المراحل التعليمية تقنعهم بالعودة ؟ هل هناك شباب يفتقرون إلى قسط جامعي غالٍ جداً لن يقبلوا في التعليم الرسمي ؟ هناك جمعيات خاصة تدفع لهم الأقساط .

أيها الإخوة الكرام ، ما الذي يمنع أن نفعل هذا ؟ وهو بين أيدينا ، والله عز وجل ما كلفنا فوق طاقتنا ، هذا ضمن إمكانات أي إنسان ، والله عز وجل بنص قرآني قطعي الدلالة يقول :

[ سورة المائدة : 2]

لو فكر كل واحد بأي طريقة في أن يعاون من حوله من أقربائه ، أو من جيرانه ، أو من زملائه ، أو من أصدقائه ، أو من أقرب الناس إليه تعاونًا ماديًّا ، تعاونًا علميًّا لكانت الحياة أفضل .

مثلاً : طبيب يحمل أعلى شهادة من بلد بعيد ، شهادته نادرة ، إذا كان إنسانًا عاديًّا همّه الأول أن يجمع أكبر ثروة ، وإذا كان إيمانه عاليًا جداً همه الأول أن يعمِّم علمَه على أكبر شريحة من الأطباء حتى يعمَّم هذا العلم لكل الزملاء .

والله هناك شيء واقع ، عدة أطباء جاءوا من بلد بعيد يحملون أعلى الشهادات ، يفكرون أن يذهبوا إلى المحافظات لإلقاء المحاضرات باختصاصهم لزملائهم ، الحالات المستعصية في المحافظات يأتون بها إلى الشام ليعالجوها مجاناً ، أنت حينما تنطلق من ذاتك إلى خدمة الخلق فأنت عند الله كبير ، وحينما تخرج من ذاتك ، من مصالحك ، من همومك الخاصة ، من مصالحك الخاصة لخدمة الناس فأنت عند الله كبير ، لذلك قال تعالى :

[ سورة المائدة : 2]

 

2 – تشغيل الشباب العاطل عن العمل :

أحياناً عندك منصب شاغر لعمل أو لوظيفة ، اسأل من بين المؤمنين : هل هناك إنسان بلا عمل ؟ هل هناك إنسان عاطل عن العمل ؟ لو أنه فكرنا في الأعمال ، بدأنا بالأعمال لأن أكبر مشكلة تواجه المجتمعات النامية هي البطالة ، والبطالة نوعان : بطالة حقيقية ، وبطالة مقنّعة ، الذي دخله خمسة آلاف هذا ليس له عمل ، عملياً دخله لا يكفيه ، هذه بطالته مقنّعة ، الدخل لا يكفي ، إذاً يبحث عن أساليب غير مشروعة لكسب المال ، والذي ليس له عمل أصلاً عبء على المجتمع ، حبذا كل واحد ضمن أسرته ، ضمن من حوله يكون منه تعاون ، وتأمين للأعمال .

والله قال لي مرة أخ بالحرف الواحد ، وأنا لا أقيّم كلامه الآن ، قال : أنا عندي من المال ما يكفيني وأولادي أولاد أولادي ، أنا لست بحاجة إلى أن أعمل ، عنده معمل فيه ثمانون عاملاً ، كان هناك صعوبات لا تحتمل في تأمين المواد الأولية ، وفي أشياء كثيرة ، فجاء يستشيرني في إغلاق معمله ، قال لي بالحرف الواحد : لا أربح شيئاً ، الأرباح تساوي المصاريف ، أنا لست بحاجة أن أبذل جهداً كبيراً بلا مقابل ، قلت له : وهؤلاء العمال الثمانون عاملاً أنت تفتح بهم ثمانين بيتاً ، يأخذون ما يغطي في الأعم الأغلب معظم مصاريفهم ، والسبب أنت ، قلت له : هل تصدق أنك لو أبقيت المعمل يعمل ، ولم تربح قرشاً واحداً فأنت أكبر رابح ، أنت فتحتَ ثمانين بيتاً ، لذلك الآن دون أن أشعر الصناعي له مكانة عندي ، الصناعي عنده ألف عامل ، ثمانمئة عامل ، ألف ومائتا عامل ، فتح ألفًا ومئتي بيت ، لذلك أنت حينما تفكر بالآخرين وتخرج من ذاتك لخدمة الخلق فأنت عند الله مقرب جداً .

 Text Box: التعاون فرضٌ في الإسلام :
 

 

أيها الإخوة الكرام ، الفكرة الدقيقة أن التعاون فرض في الإسلام ، فرض لأنّ كلَّ أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ، وقد قال لك القرآن الكريم : ] وَتَعَاوَنُوا [ .

بالمناسبة ، كنت أقول لكم دائماً : الإنسان معه طبع ، ومعه تكليف ، الطبع خصائص نفسه ، والتكليف بالأمر والنهي ، دائماً الطبع يتناقض مع التكليف ، لأن تناقض الطبع مع التكليف هو ثمن الجنة .

كأمثلة أذكرها كثيراً ، الطبع يقتضي أن تأخذ المال ، والتكليف أن تنفق المال ، الطبع يقتضي أن تبقى نائماً ، والتكليف أن تستيقظ ، الطبع يقتضي أن تخوض في فضائح الناس ، والتكليف أن تصمت ، الطبع يقتضي أن تملأ عينيك من محاسن النساء ، والتكليف أن تغض البصر ، هذا تناقض بين الطبع ، والتكليف ثمن الجنة ، الآن الطبع فردي ، والتكليف جماعي ، أنت إذا عدت إلى طبعك ينبغي أن تعيش وحدك ، وأن تستمتع بالحياة وحدك ، وأن يكون لك دخل وحدك ، أما حينما تتعاون مع الآخرين تكون قد خرجت من طبعك إلى أمر الله عز وجل ، لأن أمر الله يقتضي التعاون مع الآخرين ، قال تعالى :

[ سورة المائدة : 2]

هناك شيء آخر أيها الإخوة الكرام أتمنى أن يكون واضحاً جداً عندكم ، أنت يمكن أن تكون غنيًّا ومحسنًا تدفع زكاة مالك وزيادة ، بالمناسبة من قال لك : إن المؤمن مكلف أن يدفع زكاة ماله فقط فقد أخطأ ، من قال لك هذا الكلام ؟ قال تعالى :

[ سورة المائدة : 2]

آتى لزكاة شيء ، وآتى المال على حبه شيء آخر ، آتى الزكاة كفرض ، لكن آتى المال على حبه هذه الصدقة ، فعلامة محبتك لله أن تنفق من مالك ، نحن حينما نفهم هذا الدين العظيم فهمًا حقيقيًّا نابعً من الكتاب والسنة لا نراه عبادات شعائرية ، بل نراه منهجًا متكاملاً للحياة .

 Text Box: حقيقة صلة الرحم :
 

 

أيها الإخوة الكرام ، التعاون يبدأ بالتعاون المادي دائماً وأبداً ، والأحاديث التي تتحدث عن صلة الرحم تقترب من ثلاثين حديثاً ، ومِن أجلّ العبادات التعاملية في الإسلام عبادة صلة الرحم ، أليس كذلك ؟ هذه العبادة تبدأ بالاتصال ، وقد تبدأ باتصال هاتفي ، ثم يتابع هذه العبادة بزيارة ، وبعد الزيارة تفقد أحوال القريب المعاشية التربوية العلمية الدينية الاجتماعية ، ثم تتابع هذه العبادة بالعطاء المادي إذا كانوا فقراء ، أو بالتوجيه الاجتماعي إذا كان فيهم خلل أو خصام ، أو بالتعليم إذا كانوا في جهل ، أو التثقيف إذا كان فيهم ضعف ، فتتابِعُ هذه الأسرة بكل ما تحتاج ، وبعد ذلك يأخذ هذا القريب بيد قريبه إلى الله ، هذه صلة الرحم ، لكن الناس أفرغوها من مضمونها ، وجعلوها زيارة تقوم بها في العيد ، وكلك رجاء ألا تجده في البيت ، فتكتفي أن تضع البطاقة ، وانتهى الأمر ، مسخت هذه العبادة الاجتماعية الرائعة إلى وضع بطاقة في البيت من العام إلى العام ، لكن الله تعالى قال :

[ سورة الحجر]

موضوع التكافل الاجتماعي ، والضمان الاجتماعي من مهمة أولي الأمر ، أما التكافل الاجتماعي فمن مهمة أفراد المؤمنين ، هذا التكافل الاجتماعي مبني على أساس الجوار ، وعلى أساس النسب ، الجوار في العمل زميل ، في السكن جار ، الجوار في مناسبات خاصة صديق ، وعلاقات الإيمان أيضاً لها المكان الأول في هذه العلاقة .

لذلك أيها الأخوة الكرام ، نحن نرجع التضامن الاجتماعي إلى نواحٍ مادية ، مساعدة ، شراء بيت ، تأمين آلة ، حرفة ، ماذا تفهمون من قول سيدنا عمر : << إذا أعطيتم فأغنوا >> ، ليس معقولا أن تفهم هذا الكلام على أن تعطي الإنسان مئة مليون ، بل يجب أن تعطيه حتى يكون غنياً ، لا أن تهيئ له حرفة ، أن تهيئ له عملا .

والله هناك عمل قام لي علاقة فيه إن شاء الله ، أن إنساناً قدم بيتاً فأسست جمعية التأهيل لحرفة للفتيات الفقيرات ، في هذا البيت تعلم الفتيات الخياطة بأعلى مستوى ، ثم إذا نجحت الفتاة في دورات عديدة يقدم لها آلة خياطة ، ثم يقدم لها القماش يصنع ثياباً ، تؤخذ هذه الثياب فتباع لصالح هذه الفتاة ، فتاة فقيرة في الأعم الأغلب تمد يدها إلى المحسنين متسولة ، جعلناها منتجة ، كانت متسولة فأصبحت منتجة ، كانت قابضة زكاة فأصبحت دافعة للزكاة ، التصور السقيم أن الزكاة نأتي بأناس فقراء يموتون من الجوع فنعطيهم مبالغ ضئيلة جداً ، لا ، هذه تعلمهم الكسل ، هذه تميت فيهم الكرامة ، يكون في الطابور الطويل فتقدم لهم مبالغ يسيرة زهيدة ، ليس هذا هو المطلوب ، المطلوب أن تؤهله لعمل ، لذلك في بعض المجتمعات ما يقدم مالٌ لإنسان فقير إلا مقابل عمل ، دققوا لا يقدم مال لفقير إلا مقابل عمل ، هذا الفقير لا يأخذ صدقة ، ولا زكاة ، يأخذ أجرة ، يأخذ المبلغ وهو رافع الرأس ، يأخذ هذه الأجرة وهو عزيز النفس ، يأخذ هذا المبلغ ولا يشعر بالمهانة أبداً ، أنت حينما تعطيه مالاً مقابل عمل فأنت تربي فيه الكرامة ، تربي فيه العزة ، يأخذ هذا المال من دون خجل ، يأخذه لأنه تعويض أتعابه ، فلو كان في الأعمال كل شيء إذا دفع للناس مقابل أعمال نمَت ، وحصل التقدم والرقي.

فلذلك أيها الأخوة الكرام ، موضوع التكافل الاجتماعي موضوع خطير جداً ، وكل واحد بإمكانه أن يفعل هذا .

 Text Box: دعوة إلى خطوات عملية للتكافل الاجتماعي :
 

 

أنا أدعوكم الآن إلى خطوات عملية ، اكتفينا بالكلام ، الكلام وحده لا قيمة له إطلاقاً ، فقد ترى عشرة أشخاص يدخلون في جمعية ، يدفع كل واحد ألفًا بالشهر ، العشرة أشخاص يعطون كل شهر لواحد عشرة آلاف فتحل مشكلة ، كان يريد أن يشتري حاجة بالتقسيط الربوي ، الآن اشتراها بالقرض الحسن ، بدل أن يشتريها بالتقسيط الربوي ، أعطونا هذا المبلغ هذا الشهر لفلان ، فاشترى هذه الآلة بالسعر النقدي من دون زيادة ربوية ، إذاً أقلّ مستوى بالتعاون قضية الجمعيات ، هذه شائعة في الشام ، والحمد لله ، هذا تعاون ، والتعاون الثقافي بالأسرة .

هناك إنسان متفوق بالرياضيات ، يجمع طلاب الكفاءة قبل الامتحان فيعطيهم درسًا أسبوعيًّا بالرياضيات ، هذا تعاون ، إعطاء درس خاص هذا تعاون ، أحياناً إذا في شاغر عمل نبحث بين الأقارب ، أو بين أفراد الأسرة الواحدة ، أو بين رواد المسجد عمن يسد هذه الثغرة .

أحيانا جامعة تحتاج إلى إمام مسجد ، وطالب يحمل شهادة ثانوية ، وبحاجة أن يدخل كلية الطب ، فعين إماماً بهذه الجامعة ، أعفي من القسط ، ودخل كلية الطب ، والقسط غالٍ جداً ، لما تفكر بالآخرين تكتب عندك ، أما الأمور بلا تخطيط ، بلا تعاون ، بلا متابعة فكل إنسان يعيش لذاته ، يعيش همومه الخاصة ، يعيش متاعبه الخاصة ، يعيش ترفه ، أحياناً لا يعبأ بأحد ، هذا الإنسان ليس عند الله مقرباً ، الحمد لله العمل الخيري إعطاء رخص للجمعيات فيه تسهيلات كبيرة جداً ز

أنا سمعت من أكثر من سنتين عن مئتين وأربعين جمعية في القطر إلى ألف وأربعمئة قبل أيام ، وقد دعينا إلى جمعية خيرية دعوا أشخاصًا من علية القوم ، كان أحدهم رئيس جامعة ، تبرع بخمس منح دراسية كل عام لأبناء هذه القرية ، ومستشفى تبرع بمعالجة عدد معين من المرضى لهذه القرية ، عمل تعاوني رائع ، والله الإنسان أحياناً تدمع عينه أن المستشفى قدّم ، والجامعة قدمت ، والمحسنين قدموا ، والعلماء قدموا ، هذا هو التعاون ، ونحن حياتنا مبنية على التعاون ، والآية الكريمة صارخة :

[ سورة المائدة : 2]

هذه الآية أصل في الدين ، وكل إنسان يتعاون مع أخيه يتعاون مع أخيه بقدر طاعته لله ، وكل إنسان يتنافس مع أخيه بقدر معصيته لله ، قال سيدنا أبو بكر لسيدنا عمر : << امدد يدك لأبايعك يا عمر ، سيدنا عمر قال : معاذ الله !!! أيّ أرض تقلّني ، وأيّ سماء تظلّني إن كنت أميراً على قوم فيهم أبو بكر ، قال : يا عمر ، أنت أقوى مني ، قال : أنت أفضل مني ، عندئذ قال : عمر قوتي إلى فضلك >> ، فنتعاون .

 Text Box: التعاون حضارة :
 

 

 

أيها الإخوة الكرام ،  التعاون حضارة ، التعاون والتضامن والتكافل حضارة ، وأن تعيش للمجموع أنت إنسان راقٍ جداً ، وأن تحمل هموم الناس أنت أرقى ، وأن تتبرع بمالك ، أو بوقتك ، أو بعلمك ، أو بخبرتك لمن حولك فأنت أرقى وأرقى ، يجب أن يحل التعاون مكان التنافس ، مع الأسف الشديد أعداؤنا في الغرب يتعاونون إلى درجة مذهلة ، بل إن أبناءهم يربون على التعاون ، حتى الألعاب التي يلعبها صغارهم أساسها التعاون ، لا يوجد لعبة فردية أبداً ، اللعب كلها أساسها تعاون ، حتى يدخل التعاون إلى دمهم ، أنا أرى أن هؤلاء الذين تفوقوا في الأرض ، وملكوا ناصية العالم ربّوا أبناءهم من مئات السنين على التعاون ، كأن في دمهم كرية بيضاء ، وكرية حمراء ، وكرية تعاون ، نحن كأن في دمنا كرية بيضاء ، وكرية حمراء ، وكرية تنافس ، في البلاد المتفلتة ينافس بعضنا بعضاً ، يحطم بعضنا بعضاً ، على مستوى شركة ، على مستوى مؤسسة ، على مستوى دائرة ، كل شخص يتربص بالثاني الدوائر ، مفهوم فريق العمل عندنا مفقود ، مفهوم التعاون مفقود ، وهذا من الإسلام ، من أخلاق الإسلام ، أنت بعملك لك زميل أخطأ قنص ، تأتي إلى المدير العام ، فتقول : هذا لا يفهم شيئاً ، ارتكب غلطة كبيرة جداً ، أنت إذا كنتَ مؤمنًا تتجه إليه ، انتبه ، هذا خطأ ، هكذا صوابه ، الله يجزيك الخير ، أنت الآن أكبر مؤمن ، لا ، لا نتكلم معه ، لا ننصحه ، نتكلم مع المدير ، سيحطمه ، ثلاثة أرباع أعمالنا هكذا بدوائرنا ، بمعاملنا ، بمؤسساتنا ، بشركاتنا ، كل شخص يحطم الآخر ، هذه علامة تخلف فاضح ، أما مجتمع المؤمنين فتتجه إليه ، وتقول له : هذا خطأ ، وهكذا الصواب ، بينه وبينك انتبه ، هذا الذي ينبغي أن يكون .

أنا لكثرة ما أرى من نزاعات في الأعمال ، في الشركات ، في المؤسسات ، في الدوائر ، في الأسر ، كل مشروع فيه تنافس ، كل شخص قناص على الآخر ، حينما يرى الخطأ ثبته ، الآن يشهر به عند المسؤولين ، حتى يتحطم هذا الإنسان ، فلذلك أسأل الله لي ولكم التوفيق ، والنجاح ، وأسأل الله لكم التعاون ولي أيضاً ، تعاونوا ، فبالتعاون يرضى الله عنا جميعاً ، ولعل الله يرحمنا بالتعاون .

 

و الحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi