English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

ندوات الإعجاز العلمي : الندوة 26 / 30 : دودة القز ـ العنكبوت ، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

( سورة الذاريات ) .

     السماء ، البرزخ ، النحل ، الأرض ، ظلمات الفضاء ، الكون ، النمل ، الكواكب ، دقة الإنسان .

التفكر في الخلق والكون

     التفكر في الخلق والكون ، حوارات مع الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي أحد علماء دمشق ، يجريها عبد الحليم قباني .

المذيع :

بسم الله الرحمن الرحيم

     اللهم صلّ ، وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

     أيها الإخوة ، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .

     إن الزمان الذي نحيا فيه ، والذي يعرف باسم زمن العلوم والتقنية قد وفّر فيه للإنسان من المعرفة بالكون ومكوناته ما لم يتحقق لجيل من البشر من قبل ، لذلك النظر الآن في هذه الآية الكونية الواردة في كتاب الله عز وجل على ضوء الحقائق العلمية المتوفرة يعتبر من أوضح البراهين على هذا الإعجاز العلمي للقرآن الكريم ، وقد جاءت الآيات القرآنية في القرآن الكريم كلها مقام الشهادة لله سبحانه وتعالى بطلاقة القدرة وبديع الصنعة .

     معنا اليوم فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي في هذه الحلقات ، يحدثنا عن الإعجاز العلمي في القرآن والسنة ، أهلاً وسهلاً بكم .

     فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي الأستاذ المحاضر في كلية التربية في جامعة دمشق ، والخطيب والأستاذ الديني في جوامع دمشق ، إن أردنا أن نفكر في شيء معين ، وإن أخذنا مثلاً ما نلبس من سترة لوجدنا أنها مرت بمراحل كثيرة كي تصبح على هذا الشكل ، فلنتفكر في هذه الحلقة مع فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ، ومع دودة القز والحرير لنرى عجائب قدرة الله سبحانه وتعالى ، وهو أول مرحلة من مراحل صنع اللباس .

الأستاذ :

     بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

     أستاذ عبد الحليم ـ جزاك الله خيراً ـ لا بد من توضيح دقيق ، أن هذه الأرض فيها آيات للموقنين ، إن أردت اليقين :

( سورة الذاريات ) .

     إن كل شيء في الأرض وفي السماء ينطق بوجود الله ، وبكماله ، وبوحدانيته ، والصنعة تدل على الصانع ، والحكمة تدل على الحكيم ، والقدرة تدل على القدير ، وقد قال أعرابي مرة : " البعرة تدل على البعير ، والماء يدل على الغدير ، والأقدام تدل على المسير ، أفسماء ذات أبراج ، وأرض ذات فجاج ألا تدلان على الحكيم الخبير ؟! " .

     بالتأكيد أن الله سبحانه وتعالى حينما قال  :

( سورة الأنعام الآية : 103 ) .

     حواسنا الخمس لا تستطيع أن تدرك ، أو أن ترى الإله العظيم .

( سورة الأعراف الآية : 143 ) .

     معنى ذلك أن حواسنا الخمس لا يمكن أن ترى الله عز وجل ، إلا أن عقولنا التي أكرمنا الله بها يمكن من خلال الآثار أن تعرف المؤثر ، من خلال النظام أن تعرف المنظِّم ، من خلال الخلق أن تعرف الخالق ، فنحن نملك وسائل معرفة الله عز وجل ، إنها الآثار التي تدل عليه ،

وفي كل شيء له آية        تدل على أنه واحد

     هذه الدودة ، دودة القز والحرير من آيات الله الدالة على عظمته ، يسميها العلماء ملكة الأنسجة بلا منازع ، مهما تفنن الإنسان في صنع قماش لطيف ليّن خفيف الوزن ، لا يمكن أن يرقى إلى مستوى صناعة دودة القز لهذا الحرير .

     الحقيقة أن خيط الحرير لعاب هذه الدودة ، فإذا لامس لعاب هذه الدودة الهواء أصبح خيطاً ، هذا اللعاب مطلي بمادة بروتينية ، يعطيه لمعاناً لؤلئيًّا ، خيط أساسه ، لعاب جفّ في الهواء ، مطلية بمادة بروتينية تجعله لامعاً ، ودودة القز تستطيع أن تنسج ست بوصات في الدقيقة الواحدة ، وطول خيطها 300 متر ، كل 360 شرنقة تساوي قميصاً حريراً واحداً ، كم وزن هذا القميص ؟ هذا القميص خفيف جداً لا يزيد وزنه على عشرة غرامات .

     إن عشر آلاف شرنقة تساوي كيلوًا واحدًا من الحرير ، إذاً الحرير خيط متين أمتن من الفولاذ ، فلو أمكننا أن نسحب الفولاذ بقطر خيط الحرير لكان خيط الحرير أمتن من الفولاذ ، هذه حقيقة قد لا تصدق ، فهو متين ، وخفيف ، ولامع ، وهو في الأصل لعاب يجفّ إذا لامس الهواء ، وهو مستمر ، 360 مترًا تقريباً طول خيط دودة القز ، نعيد ونؤكد أن } صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ { .

     ما العلاقة بين صنع الله الذي أتقن كل شيء وبين قوله : } إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ { ؟ يتمتع الحرير بألوان زاهية ، فهناك دود يصنع الحرير الذهبي ، وهناك دود يصنع الحرير الفضي ، كالؤلؤ تماماً ، والحرير الذهبي بلون طبيعي لا يتأثر بالشمس ، ولا يحتاج إلى تثبيت ، فهو لون ثابت كالذهب ، ولون ثابت كالؤلؤ .

     مرة أمسكت عباءة مصنوعة من الحرير الطبيعي ، لمعانها ووزنها الخفيف شيء لا يكاد يصدق ، لذلك الحرير من أرقى أنواع الأنسجة ، وهو من صنع هذا المخلوق الصغير الذي يسمى دود القز .

     أنا ألاحظ أن الإنسان كلما أراد أن يبلغ الكمال في صنعته يقترب من صنعة الله ، فالصوف الطبيعي غالٍ جداً ، السبب أن خيط الصوف مفرغ ، خيط الصوف الذي تصنع منه الألبسة الشتوية مفرغ في داخله ، وهذا سرّ الخاصة التي يتمتع بها الصوف ، أما الإنسان حتى الآن فلم يستطع أن يصنع خيطاً مفرغاً من داخله بدقة خيط الصوف ، الآية الكريمة :

 

( سورة آل عمران ) .

     أنا حينما أستخدم عبارة " متين " ، فهذه عبارة فيزيائية دقيقة ، المتانة صفة تقاوم قوى الشدّ ، والقساوة صفة تقاوم قوى الضغط ، فأنا حينما أضغط ، أو أشد قوى الضغط تقابلها قوة القساوة ، وقوى الشد تقابلها قوة المتانة ، فالفولاذ المضفور أمتن العناصر على الإطلاق   ، لذلك تصنع منه الحبال الفولاذية التي تحمل المصاعد ، وتحمل التلفريك ، فأمتن عنصر على وجه الأرض هو الفولاذ المضفور ، إن خيط دودة القز أمتن من الفولاذ ، ولكن لا يستخدم  في الصناعة ، بينما أقسى المواد على الإطلاق الماس ، وميناء الأسنان يأتي بعد الماس في درجة القساوة ، الآن لو فكرنا في قوله تعالى :

( سورة الأعراف ) .

     ما علاقة المتانة هنا مع كيد الله عز وجل ، كيد الله هو تدبيره ، ومعنى : } إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ { ، أي إن الإنسان مهما بدا كبيراً ، مهما بدا قوياً ، مهما بدا متألهاً ، فهو مربوط بحبل متين لا يستطيع التفلت من أمر الله ، ومعنى قوله تعالى :

( سورة الأنفال الآية : 59 ) .

     معنى } سَبَقُوا { : أن الذي كفروا بالله عز وجل لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً ما أراده الله ، وأن الذين كفروا بالله عز وجل لا يستطيعون أن يتفلوا من منهج الله ، إذاً المتانة تعني مقاومة قوى الشد ، والقساوة تعني مقاومة قوى الضغط ، ما دام الحديث قد وصل إلى هذا أذكر أن الاسمنت السم المكعب منه يتحمل من قوى الضغط ما يزيد عن 550 كيلو ، لكن هذا السم المكعب من الاسمنت لا يتحمل من قوى الشد إلا خمسة كيلو ، خمسة كيلو تكسره شداً ، و550 كيلو يتحملها ضغطاً ، لذلك لا بد في الإسمنت من تسليحه بالحديد .

     أما الذي ذكرته قبل قليل : } إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ { ، أي إن الإنسان في قبضة الله ، قد يتوهم أنه طليق ، هو ليس طليقاً ، ولكنه مربوط بحبل مرخى إلى أن يحين الحين .

     إذاً يمكن أن تكون هذه الدودة بخيطها الذهبي أو الؤلؤي ، بخيطها المتين البراق الذي يفوق في متانته الفولاذ ، وبهذا الطول المديد 300 متر ، وبهذا الوزن الخفيف آية من آيات الله الدالة على عظمته .

المذيع :

     حكمة أودع الله سبحانه وتعالى في خلقه ، كما تحدثنا عن دودة القز ، والحرير ، وهذا الصنع من لعاب دودة القز ، وهذا النسيج الذي يخرج منها ، وهو من أجمل ما رأينا من نسيج ، إن خرج ذهبياً أو لؤلئياً .

     حكمة أخرى ذكرها الله سبحانه وتعالى في آية كريمة تحدثت عن بيت العنكبوت ، وهذا ما ذكرتم في كتابكم ، فحبذا لو تحدثونا عن هذه الآية الكريمة .

الأستاذ :

     إن بيت العنكبوت ذكره الله في القرآن الكريم فقال :

( سورة العنكبوت ) .

     الوهن هو الضعف ، بيت العنكبوت أوهن بيت بنص هذه الآية ، فقال العلماء : " إن هي حرف مشبه بالفعل يفيد التوكيد ، } وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ { ، اللام في قوله : } لَبَيْتُ { ، هي في إعراب النحاة لام المزحلقة ، هي أساسها لام التوكيد ، زحلقت من اسم إن إلى خبرها ، إذاً هناك توكيدان في الآية : } وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ { ، فإن تفيد التوكيد ، واللام المزحلقة تفيد التوكيد أيضاً ، يقول الله عز وجل :

( سورة العنكبوت ) .

     إذا ذكر الله شيئاً من خلقه فليلفت نظرنا إليه ، وبعضهم قالوا : إذا أقسم الله بشيء فالنسبة إلينا ، إنه عظيم بالنسبة إلينا لا بالنسبة إليه ، وإذا لم يقسم فمعنى ذلك بالنسبة إليه هذا توجيه للقسم ، لقوله تعالى :

( سورة الشمس ) .

وفي قوله تعالى :

( سورة الواقعة ) .

     فإذا أقسم فبالنسبة إلينا ، وإذا لم يقسم فالنسبة إلى ذاته ، هذا بعض توجيهات الآيتين الكريمتين ، الله عز وجل هنا يؤكد مرتين بإن وباللام المزحلقة : } وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ { .

     جاء في بعض التفاسير : أن بيت العنكبوت ضعيف ، لأنه لا يغني عنها من حر ولا من قر ، ولا من مطر ، ولا من رياح ، وهو ضعيف لتفاهته وحقارته ، هكذا ورد في بعض التفاسير .

     ولكن أستاذاً في علم الحشرات في كلية العلوم في إحدى الجامعات العربية يقول في بعض كتبه العلمية : إن في قوله تعالى :

( سورة العنكبوت الآية : 41 ) .

في هذه الآية إعجاز علمي حيث إن التي تبني البيت هي الأنثى ، فجات تاء التأنيث في قوله تعالى : } كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا { ، يعني هل يستطيع واحد في عهد النبي e أن يفرق بين ذكر العنكبوت وأنثاها ؟ مستحيل ، الآن ثبت أن التي تبني البيت هي الأنثى .

     هناك ملمح آخر في قوله تعالى :

( سورة النحل الآية : 68 ) .

     فالنحلة التي تبني بيت الشمع أيضاً أنثى ، بعض العلماء استنبط ، ولعل هذا قريب من الصحة ، أنه في عالم الحيوان أن الأنثى هي المسيطرة ، وهي التي توجّه ، وأن دور الذكر محدود جداً أمام مهمات الأنثى .

     فلذلك حينما يتخلى الإنسان عن قوامته التي كرمه الله بها ، ويعطي دفة القيادة إلى زوجته ، فكأنه ابتعد عن إنسانيته التي شرفه الله بها حينما قال :

( سورة النساء الآية : 34 ) .

     لكن أنا اطلعت على بحث جديد في العنكبوت هو أمتن من الفولاذ بخمسة أمثال ، بل إن بعض الأنسجة التي تصنع منها القمصان التي تقوم الرصاص مصنوعة من مواد تشبه المواد التي صنعت منها خيوط العنكبوت ، فهو الوهن هنا أنه لا يقيها لا من حر ، ولا من برد ، ولا من رياح ، ومن مطر ، أما خيط العنكبوت كخيط دودة القز أمتن من الفولاذ ، وهذا من آيات الله الدالة على عظمته .

     الأنثى في العنكبوت هي التي تغزل البيت ، وهي التي ترغب الذكر في الدخول إلى البيت ، حيث تقوم أمامه بحركات مغرية ، وتسمعه بعض الألحان الطنانة ، فيأوي إلى بيتها ، وبعد التلقيح تأكله ، وتفترسه ، وتأكل أولادها من بعده ، ويأكل بعض أولادها بعضهم الآخر ، فضعف البيت هنا إضافة إلى أنه يقيها لا من حر ، ولا من قر ، ومن رياح ، ولا من مطر ، فضعف هذا البيت يتأتى من ضعف علاقاته الداخلية ، وقد يجمع الضعفان في ضعف واحد .

المذيع :

     الحمد لله أن الإنسان بعيد عن هذا الأمر .

الأستاذ :

     هذه من آيات الله الدالة على عظمته ، هذه الرحمة التي أودعها الله في الإنسان هي من الله عز وجل ، بدليل أنه لم يدعها في بعض الحيوانات ، يلقحها ثم تفترسه ، ثم تأكل أولادها ، بل إن بعض أولادها يأكل بعضهم الآخر ، فالوهن هنا التمزق الداخلي ، وفي هذه الآية ملمح كبير لنا ، فكلما اختلفنا ، وكلما تنازعنا ضعفنا ، قال تعالى :

( سورة الأنفال الآية : 46 ) .

ومعنى تفشلوا ؛ تضعفوا ، نستخدمها محن خطأ في الإخفاق ، الفشل هو الضعف ، } وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ { ، طبعاً هذا درس لنا في مواجهة أعدائنا أعداء الأمة    ، لابد من التماسك الداخلي حتى نكون أقوى على مواجهة الأخطار الخارجية .

المذيع :

     إذاً أيها الإخوة والأخوات ، فكما شاهدنا ، وسمعنا أن لكل خلق الله ، أو لكل حيوان من الحيوانات التي خلقها الله سبحانه وتعالى ، وكل حشرة من الحشرات هناك حكمة من وراء صنعها وخلقها ، فدودة القز وهي التي تعطي الحرير ، وهو الحرير المتين جداً ، وصاحب هذه الألوان البهية ، وبيت العنكبوت والذي ضرب مثلاً الله سبحانه وتعالى في آياته : } وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ { ، وذلك يدل على هذا الوهن الداخلي والخارجي .

     نتابع مع الدكتور محمد راتب النابلسي هذه السلسلة من الحلقات ، وإلى حلقة قادمة بإذن الله تعالى ، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .

Copyright © 2007 Nabulsi