English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الإيمان هو الخلق : [21/916آ ] الوضع الصحي للمال بإنفاقه على الفقراء وحسن واستثماره  ـ النحل وإبداعاته الهندسية ـ لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

Text Box: تقديم وترحيب :

 

 

أيها السادة المشاهدون ، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته ، وأهلاً ومرحباً بكم  في هذه الحلقة الجديدة من برنامجكم : الإيمان هو الخلق ، ويسعدنا أن نرحب بأستاذنا صاحب الفضل الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي أستاذ مادة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين بدمشق .

أهلاً وسهلاً بأستاذنا الكريم .

بكم أستاذ علاء ، جزاك الله خيراً .

تأذن لي سيدي ، كل فترة نحن نود أن نشرح عنوان البرنامج ، وصلة البرنامج بالموضوعات المطروحة ، وأن نذكر بأنك منذ الحلقات الأولى من البرنامج بدأت من مقومات التكليف التي وضعها الله عز وجل ليكلف ذلك الإنسان المكرم بالتكليف ، والذي ميزه عن بقية المخلوقات بالتكليف ، فكان هنالك من المقومات أشياء محددة واضحة ، منها الكون ، ومنها العقل ، ومنها الفطرة ، ومنها الشهوة ، إلى أن نأتي إلى الاختيار ، ثم الشرع ، وتحدثت في الكون ، ثم العقل ، ثم الفطرة ، وحططنا الرحال عند الشهوة ، وأوسعنا في هذه المسألة حلقات كثيرة لحساسية هذا الأمر ، ولعدم فهم واضح لدى جمهرة كثيرة من السادة المشاهدين في هذه القضية ، تحدثنا عن الجنس ، وتحدثت عن المال ، وتحدثت أن الجنس ، وأن المال هي قوى كامنة ، هذه القوة الكامنة إذا فجرت ، وإذا استخدمت في أطرها ، وفي مجاريها تحولت إلى طاقة بناءة ، وتحولت إلى النهوض ، وحالة من التقدم ، وإذا استخدمت في غير مكانها تحولت إلى حريق أحرقت ما حولها ، وأحرقت صاحبها كالوقود البنزين ، عندما ينفجر في المحرك المخصص له يسبب الانفجار ، ويتحول إلى حركة ، ويتحول إلى تقدم ، ونقل وتنقل وقوة نافعة ، أما إذا احترق البنزين خارج هذه الحجرة المخصصة تحول إلى كارثة بكل معنى الكلمة .

هل لنا أن نقف عند مسألة المال ، ونذكر السادة المشاهدين بالتسلسل كيف أن المال قوام الحياة ، وأن الإنفاق فيه حياة ، وفيه قوة ، وفيه تقدم ، والشح في النفس ، ومدافعة هذا الشح للإنفاق ، هل لنا أن نلخص حتى نصل إلى قضية ما هو الوضع الصحي للمال في المجتمع المراد بناءه ، والذي أراده الله لنا ؟ .

الدكتور راتب :

 

Text Box: تذكيرٌ بما سبق :

 

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

أستاذ علاء ، جزاك الله خيراً ، نحن في موضوع المال بدأنا بأن المال قوام الحياة ، فالله عز وجل يقول :

 ( سورة النساء الآية : 5 ) .

إن قيام حياتكم بالمال ، فالمال شيء أساسي جداً في حياة الإنسان ، لكننا في موضوع آخر بيّنا أن المال محبب إلى النفس .

 

 ( سورة الفجر ) .

( سورة آل عمران ) .

ولولا أن المال محبب إلى النفس لما ارتقى الإنسان بإنفاقه ، لأن في التكليف ما يتناقض مع الطبع ، طبع الإنسان يقتضي أخذ المال ، التكليف يقتضي إنفاق المال ، إذاً : المال محبب إلى النفس ، ولهذا يكون إنفاق المال سبباً لعروج الإنسان إلى رب الأرض       والسماوات .

ثم تحدثنا أن المال حيادي ، ولأن الإنسان مخير ، كل شيء في حياته حيادي ، بدءاً من شهواته ، ثم إلى حظوظه ، ثم إلى خصائصه ، في خصائصه ، وفي شهواته ، وفي حظوظه الأشياء كلها هذه حيادية بالنسبة إلى الإنسان ، إما أن تكون سلماً يرقى بها إلى أعلى عليين ، أو نهوي بها إلى أسفل سافلين .

وبعد ذلك تحدثنا عن أن إنفاق المال أحد أكبر وسائل التقرب إلى الله ، فالله عز وجل  يقول :

 

 ( سورة البقرة الآية : 177 ) .

قال بعض المفسرين : آتى المال وهو يحب أخذه لا إنفاقه .

وقال بعضهم الآخر : آتى المال لأنه يحب الله عز وجل ، الأول على الحال  والثاني على التعليل ، فصار إنفاق المال دليل محبة الله عز وجل ، من هنا ورد تعريف الزكاة في القرآن على أنها صدقة ، تؤكد صدق الإنسان في محبته لله عز وجل .

ثم بينا في حلقات سابقة أن الإنسان مسؤول مسؤولية مشددة عن كسب المال  وعن إنفاقه ، لقول النبي عليه الصلاة والسلام :

(( لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتّى يُسْأَلَ عَنْ عُمْرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ ، وَعن عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ ، وعن مَالِهِ ـ سؤالان ـ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفيمَ أَنْفَقَهُ ، وعن جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاَهُ )) .

[ أخرجه الترمذي عن أبي برزة ] .

هذا عرض سريع للموضوعات الكبرى التي عالجنها قبل أن نصل لهذا الموضوع الذي سوف نعالجه اليوم إن شاء الله تعالى ، وهذا الموضوع الذي سوف نعالجه اليوم كما تفضلت قبل قليل الوضع الصحي للمال .

الأستاذ علاء :

كيف يكون الوضع صحياً بالنسبة للمال ؟ .

الدكتور راتب : 

 

Text Box: الوضع الصحي للمال :

 

 

Text Box: كلُ شيء له قيمة فهو مال :

 

الله عز وجل هو الخالق ، وهو الممد ، حينما خلق محبة المال في نفس الإنسان  وحينما جعل المال وهو الشيء الذي له قيمة ، نحن حينما ننطق بكلمة مال يقفز إلى الذهن أنه الأموال الورقية ، أو الذهبية ، أو الفضية ، أو الأرصدة  أو السندات ، لكنه في الحقيقة كل شيء له قيمة فهو مال ، فالبيت مال ، والبضاعة مال  والسيارة مال ، والمزرعة مال  والثروات مال ، والمواد الأولية مال ، الذي عنده مئة طن ألمنيوم هذا مال ، فالمال الشيء الذي له قيمة ، يمكن أن يباع ويشترى  .

Text Box: كيف يكون الوضع المالي صحيا ؟

 

 

تداولُ المال بين كل أفراد الأمة :

فالوضع الصحي للمال حينما أراده الله عز وجل أن يكون قوام الحياة ، الذي جعل الله لكم فيه قوام ، فقوام الحياة المال ، هذا المال في الأصل عند الله عز وجل ينبغي أن يكون متداولاً بين كل أفراد الأمة ، هذه الحقيقة ، الدليل :

 

 ( سورة الحشر الآية : 7 ) .

هناك وضع صحي ، وهناك وضع مرضي ، الوضع الصحي أن يكون المال متداولاً بين أفراد الأمة ، أن يكون لكل إنسان بيته ، وأثاث بيته ، وطعامه ، وشرابه وكساءه ، وما يكفيه لمعالجة بعض الأمراض ، حينما يكون للإنسان مال يغطي حاجاته الأساسية ، وهذا مطبق في معظم طبقات الشعب ، إذاً : المال أصبح متداولاً بين أفراد الأمة  هذا لا يعني أن الإنسان يأخذ ما ليس له ، ولا يعني أن الإنسان لا يعمل ، لكن كل إنسان بعمله ، إلا أن هناك حداً لا بد من أن يكون متوافراً للإنسان تحقيقاً لكرامته الإنسانية .

حينما لا يستطيع أن يعمل يكون عاجزاً ، أو حينما يكون دخله لا يكفي لحاجاته الأساسية ، لا بد من أن يكون لولي الأمر جهد لتأمين هذه الحاجات الأساسية ، فالمال قوام الحياة .

الأستاذ علاء :

يكاد الفقر أن يكون كفراً ، وأيضاً لسيدنا علي قول : << لو الفقر رجلا لقتلته بسيفي هذا >> ، هذا الفقر ينال الإنسان قدراً مقدورا ، أم له دور في هذا الفقر ؟.

الدكتور راتب : 

 

Text Box: أنواع الفقر :

 

الحقيقة أن العلماء قسموا الفقر إلى أنواع ثلاث :

 

1 – فقرُ الكسل :

النوع الأول : فقر الكسل   إنسان مهمل ، مقصر ، كسول ، إرجائي ، لا يلبي حاجات الآخرين في حرفته ، وفي عمله دائماً يميل إلى الراحة ، والاسترخاء ، والاستلقاء ، ويؤجل ، ويؤخر ، هذا الإنسان طبعاً سيكون فقير ، هذا فقر مذموم ، اسمه فقر الكسل ، صاحبه مذموم عند الله وعند الناس .

الذي أريد أن أقوله أن الإنسان حينما يقوم بأعماله الاعتيادية ، التعاملية ، وهو مؤمن إيمانًا بالله قويا ، ومخلصا في عبادته ، تصبح عاداته عبادات ، عادات المؤمن عبادات ، وإذا دخل الإنسان إلى محله التجاري ، أو إلى مكتبه الهندسي ، أو إلى عيادته كطبيب ، أو إلى حقله كمزارع ، إلى المعمل كعامل ، وأتقن عمله ، وكان هذا العمل في الأصل مشروعاً  ، وسلك به الطرق المشروعة ، وابتغى به كفاية نفسه وأهله ، وخدمة الناس ، ولم يشغله لا عن طلب علم ، ولا عن فريضة ، ولا عن عمل صالح انقلبت حرفته إلى عبادات ، وهو في حرفته ، فما قولك بإنسان يدخل إلى محله التجاري ، وفي نيته أن يقدم للناس خدمة جليلة بربح معقول ؟ دخل إلى عيادته ، وفي نيته أن يسهم في حل مشكلة الناس الصحية ، دون أن يبتز أموالهم ، دخل إلى مكتبه في المحاماة ، وفي نيته أن يحق الحق ، و أن يبطل الباطل .

 

Text Box: عادات المؤمن عبادات : 

 

كل مؤمن حينما يؤمن بالله الإيمان الصحيح ، وحينما يعبد الله العبادة الخالصة ، الآن أعماله اليومية الاعتيادية ، حرفته ، ذهابه وإيابه ، تربية أولاده ، لو أخذ أهله إلى نزهة ، لأنه أراد تمتين العلاقة بينه وبين أولاده ، لو أراد أن يدخل الفرح على قلوب الصغار ، هو في عبادة .

 ( سورة التوبة الآية : 121 )

 

 

( سورة التوبة الآية : 120 ) .

لذلك قال العلماء : عادات المؤمن عبادات , حتى في البضع ؟ حتى في البضع ، لأنه لو لم يكن بهذا الطريق المشروع لكان في طريق حرام يفسد فتاةً ، وينهي مستقبلها ، الفتاة حينما تتزوج لها مستقبل كبير ، لها بنات ، ولها أصهار ، ولها أولاد ، ولها زوج وفيّ  ، ولو أن جمالها قد زوى في سن متأخرة ، لها مكانة من نوع ثانٍ ، مكانة الحكمة والمرجعية للأسرة ، أما حينما يخلط الإنسان بين قضاء شهوته وبين الزواج ، يخلط بينهما هذه الفتاة فسدت ، ما دام فيها فسحة من جمال تعيش عن طريق الغير مشروع ، أما حينما يكون هناك زواج فهناك مستقبل كبير للفتاة .

(( وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ )) .

[ مسلم عن أبي ذر ]

هذا الحديث الذي قاله النبي الكريم ، إذاً : المؤمن حينما يقوم بأعماله الاعتيادية ، لأنه سبق هذه الأعمال إيمان بالله ، ومعرفة به ، واستقامة على أمره ، وعبادة خالصة له ، إذاً : كل أعماله تصب في خانة واحدة ، وهي الخير .

لذلك أعمال المؤمن عبادات ، وعبادات المنافق سيئات ، العبادات الخالصة الصلاة ، والصوم ، والحج هذه العبادات الشعائرية الخالصة يقوم بها مراءاة ونفاقاً ، لانتزاع إعجاب الناس .

إذاً : النقطة الدقيقة جداً : أن الفقر أنوع ، فقر الكسل ، وهو فقر مذموم عند الله وعند العباد .

2 – فقرُ القَدَر :

عندنا فقر القدر ، إنسان معه عاهة تمنعه أن يكسب المال ، إنسان لا يجد عملا يقوم به ، هو فقير ، هذا فقر القدر وصاحبه معذور ، والمجتمع متكفل به ، على أساس الضمان الاجتماعي ، المجموع يجب أن يحمل الفرد ، وأن يقدم له الحاجات التي تليق بكرامته .

3 – فقرُ الإنفاق :

لكن وسام الشرف الأكبر هو فقر الإنفاق .

((  يا أبا بكر ماذا أبقيت لنفسك ؟ قال : الله ورسوله )) .

فهناك فقر الإنفاق ، وفقر الكسل ، وفقر القدر ، إذاً المال قوام الحياة .

الأستاذ علاء :

سيدي ، هل يقال في هذا : إنه حالة خاصة لسيدنا أبي بكر الصديق ؟ أم ممكن أن يتشبه به أي إنسان ؟.

الدكتور راتب :

كل إنسان معه مال ، وحوله أناس فقراء ، وصادقون ، وفي قلبه رحمة ، ويبتغي الله والدار الآخرة ، إذاً لا بد من أن ينفق ماله ، الأموال المكدسة بالمليارات هذه لا تكون مع الإنفاق ، لا بد من أن تنفق من هذا المال ، لكن :

 

 

 ( سورة الزخرف ) .

الحديث عن جمع الأموال ، فقد يتباهى الأغنياء الذين ما عرفوا الله ، يتباهون بثرواتهم النقدية ، فلذلك : ﴿ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ ﴾ ، إذا تجلى الله على قلبك ، إذا كان في قلبك رحمة ورحمت الناس ، وأنفقت من أموالك في حل مشكلاتهم ، يأتيك من الله رحمة لا تقدر بثمن ، هذه الرحمة تسعد بها في الدنيا والآخرة .

(( إن كنتم ترجون رحمتي فارحموا خلقي )) .

[ حديث قدسي ـ رواه الديلمي عن أبي بكر ]

إذاً : المال قوام الحياة ، وأراده الله أن يكون متداولاً بين أفراد الأمة .

الأستاذ علاء :

اسمح لي سيدي ، هذه إرادة إن خالفها الإنسان تستحيل إلى فقر للمجتمع ، لذلك هل نستطيع الإضافة إلى فقر الكسل ، فقر القدر ، فقر الإنفاق ، هنالك الفقر الذي يكون من خلال حجب طبقة ضيقة للمال عن أبناء المجتمع .

الدكتور راتب :

طبعاً ، لذلك مشروعية فرض الزكاة هذا المال إن لم تستثمره في حقل نافع ، في تجارة ، أو في صناعة ، أو في زراعة إن الزكاة تأكله ، تأكله الزكاة ، قال عليه الصلاة والسلام :

))  اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة )) .

[ أخرجه الطبراني في الأوسط عن أنس ] .

أحد أحكام فريضة الزكاة أن هذا المال إن لم تستثمره في مجال صناعي ، أو زراعي ، أو تجاري فإن الزكاة وحدها تستهلكه في أربعين عاماً ، لهذا كانت الزكاة دافعاً إلى استهلاك المال ، ولهذا أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن نطعم اليتيم لا من أصل ماله ، بل من ريع ماله .

 

( سورة النساء الآية : 5 ) .

فرق كبير بين :

 

 ( سورة النساء الآية : 8 ) .

وبين ﴿ وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا ﴾ ، يجب أن تطعم اليتيم من ريع ماله ، لا من أصل ماله ، هذا من حكمة الله عز وجل ، ومن أن الاستثمار هو من أفضل أساليب التعاون بين الناس .

 

Text Box: هناك طرق مشروعة لاستثمر المال :

 

الحقيقة حينما يثمر المال عن طريق الربا ، البديل له الشرعي المضاربة ، كإنسان معه مال ، وهو كبير في السن ، لا يحسن استثمار المال ، طفل يتيم معه مال ، إنسان لا يعرف كيف ينمي هذا المال ، إنسان آخر كتلة من النشاط والحيوية والخبرة ، وما معه مال ، فإذا تعاون أصحاب الأموال مع أصحاب الخبرات ، وكان الربح بينهما هذا هو البديل ، الاستثمار المال فيه راحة ، وصاحب المال ليس عبئاً على الخبير ، يجب أن يأخذ الربح الثابت وهو الربا ، أبداً ، يأخذ الربح إذا ربح ، فإن لم يربح لا يأخذ شيئا .

لذلك ما من شيء حرمه الله إلا وجعل له قناة نظيفة رائعة ، لكن الطرف الآخر يشوه هذه القناة النظيفة الرائعة ، لمصالح ولأهواء لا تتماشى مع تطبيق منهج الله عز وجل .

 

Text Box: بذخ طائفة تكون على حساب فقر طائفة أخرى :

 

إذاً : المال قوام الحياة ، وأراده الله أن يكون متداولاً بين أفراد الأمة .

هذا مثل دقيق :

لو أن إنسانًا جاء إلى البيت بكيس كبير من البرتقال ، فيه مئة برتقالة فرضاً ، وعنده خمسة أولاد ، كيفما أكلوا فالوضع ضبابي ، أما لو أتى بعشر برتقالات مثلاً ، كل ولد له برتقالتان ، فإذا أكل أحد الأولاد ثلاث برتقالات فقد جعل لبعض إخوته برتقالة واحدة ، وإذا أكل أربع برتقالات حرم أحد إخوته من البرتقال .

هناك تصميم إلهي عجيب ، أن أمة إذا بذخت على حساب أمة تموت من الجوع ، وأن الغني إذا اتخم فعلى حساب جوع الفقير ، لأن هذه الدنيا دار ابتلاء ، أنت حينما تنفق الأموال الطائلة في شهوات ، وفي مسالك لا ترضي الله عز وجل ، يقابل هذا البذخ والترف أناس يموتون من الجوع ، يكون أثرُ عمل هذا الإنسان المتفلت من منهج الله واضحا عند الناس .

الأستاذ علاء :

كمية الماء الثابتة تمطر في مكان ، بالمقابل تمحل في مكان آخر .

الدكتور راتب :

هناك حكمة إلهية ، أن الإنسان إذا خالف منهج الله سيكون لعمله أثر سيء ، ويحاسب عليه يوم القيامة ، لذلك ما اُتخم غني إلا من جوع فقير ، ولا اغتنت أمة معتدية ، ونهبت ثرواتها أمم أخرى إلا على حساب أمم تموت من الجوع ، هذه حكمة الله عز وجل .

إذاً : المال قوام الحياة ، ويجب أن يكون متداولاً بين أفراد الأمة ، الوضع الصحي ، الوضع الإيماني ، الوضع الحضاري أن يكون معظم الناس في مستوى معيشي متقارب ، بيت مأوى ، مركبة متواضعة ، مستوصف ، مستشفى ، طرق معبدة ، شيء يستمتعوا به كل الناس ، أما بأي مكان بالعالم في أناس يتخمون ، وينفقون أموالاً بغير حساب ، مقابل الوضع هناك أناس قد حُرموا من كل شيء .

الأستاذ علاء :

سيدي الكريم ، من هذا المنطلق جاء الحديث النبوي :

((  الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ : فِي الْكَلَإِ وَالْمَاءِ وَالنَّارِ )) .

[ أخرجه ابن ماجه ، ابن عباس ] .

الموارد الأساسية للمجتمع يجب أن تكون دولة مجتمعية .

الدكتور راتب :

هذا من مهمات أولي الأمر ، الماء مرفق أساسي جداً ، حتى إن الله عز وجل  حينما أهلك بلدة وصفها وصفاً جامعاً مانعاً دقيقاً فقال :

 

 ( سورة الحج ) .

المرفق الأساسي لكل الناس معطل ، وأناس أغنياء غارقون في النعيم في قصورهم ، ﴿ وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ ﴾ ، التفاوت الطبقي ، أنا أرى أنه وراء شيوع الدعارة في المجتمع ، شيوع الاحتيال ، السرقة ، النهب ، والله هناك أمراض لا تعد ولا تحصى أساسها الفقر ، أو أساسها التفاوت الطبقي ، لو أن المجتمع كله فقير فهناك تفسير ، أما أناس يترفون ترفا غير معقول أمام أناس تحت سمعهم وبصرهم فقراء ، محرومون من كل شيء ، هذا المجتمع لا بد من أن ينفجر .

فلذلك الوضع الصحي أن يكون المال متداولاً بين أفراد الأمة ، لأن الله عز وجل  يقول : ﴿  كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ ﴾ .

الأستاذ علاء :

سيدي ، الآن الوقت المتبقي للفقرة العلمية ماذا أعددت لنا :

الدكتور راتب :

 

Text Box: الموضوع العلمي : النحل :

 

 

1 – النحل المعماري الماهر :

الحقيقة أن هناك في عالم الحشرات النحل ، وهو من المعماريين المهرة ، فعند خروجنا إلى المروج في يوم مشمس يشد انتباهنا الجمال الأخاذ للأزهار ، وحينما ندقق في هذه الأزهار عن قرب أكثر نشاهد كائناً عجيباً آخر هو النحل ، والنحل أمهر المعماريين نظاماً في الطبيعة .

2 – من أعاجيب خلايا النحل :

تعيش النحل على شكل مستعمرات ، وتنتج العسل الذي هو واحد من أكبر الأغذية على وجه الأرض ، أما العسل الذي تنتجه فتخبئه في الخلايا التي تبنيها في نفسها بأشكال سداسية ، هل فكرنا لماذا أنشأ النحل الخلايا بشكل سداسي حصراً ؟

بحث علماء الرياضيات عن جواب هذا السؤال ، ووصلوا إلى نهاية عجيبة بعد حسابات طويلة ، الطريقة المثلى لإنشاء خزان يستهلك أقل المواد ، ويستوعب أكبر حجم تخزيني ، هو أن تبنى جدرانه بشكل سداسي ليقاوم بالأشكال الأخرى ، لو أنشأنا خلايا بدلاً عن السداسي بشكل أسطواني أو خماسي لظهرت فراغات بينية ، ولو أردنا أن نلغي الفراغات البينية فأنشأنا مربعات المسدسات ، ما الذي يحصل ؟ تخزين العسل في أقراص مثلثة أو مربعة يمكن دون أن يبقى فراغ بينها ، لكن هناك مغزى أدركه علماء الرياضيات ، فالشكل المسدس أقصر محيطاً من بين أشكال الهندسية المحيطة ، ولذلك رغم كونها بالأحجام نفسها ستكون المواد الأساسية المطلوبة في الأقراص المسدية أقلّ من المطلوب من المسدس والمربع ، وباختصار الخليلة السداسية الشكل تؤمن أكبر مكان لتخزين ، وبأقل شمع ، فالنحلة تستخدم أمثل شكل ممكن .

لكن هناك شيء لا يصدق : أما الخصائص المحيرة الأخرى للنحلات تتجسد في ذلك التعاون الرائع في أثناء بناء الخلايا ، عندما يرى الإنسان خلية أُنهي بناؤها ، يظن أنها أنشأت كقطعة واحدة ، نحن في عالمنا ليس هناك إنسان يبدأ بتبليط غرفة من جهة ، وإنسان من جهة ، ثم يلتقيان على بطاقة نظامية ، هذا مستحيل ، أما عند النحل فهناك مجموعة من النحلات تبدأ من كل الجهات ، وتصل إلى الوسط بمسدس ، لا يزيد ولا ينقص ميليمترا ، هذا شيء فوق طاقة البشر .

تبدأ النحلة ببناء الخلايا من زوايا مختلفة ، تبدأ مئات النحل من ثلاثة أو أربعة أماكن متفرقة لإنشاء الخلية ، وباستمرار بناء الخلية تجتمع في النهاية في الوسط ، ليس هناك أي خطأ أو عدم تناسق في نقطة الالتقاط ، تحسب النحل في أثناء نسج الخلايا الزوايا بين فتحات الخلية أيضاً ، فتحات الخلية التي تبقى ظهراً لظهر تنشأ حتماً بزاوية مائلة 13 درجة نحو الأرض ، هذا الميل يمنع سيلان العسل وانزلاقه على الأرض ، مع أن هذه الخلايا تبنى غالياً في أماكن مظلمة لا يدخل إليها الضوء إطلاقاً ، هناك حقيقة مدهشة أيضاً تظهر أن النحل بهذه الخصائص الفائقة تعرفها منذ ولادتها ، ولا تتعلم صنع الخلية أو تعيين الجهة تدريجاً بل تكون على استعداد للقيام بهذه الأعمال بمجرد ولادتها ، لذلك الله عز وجل يقول :

 

( سورة النحل ) .

الأستاذ علاء :

في الحقيقة كنا نود أن نستمر ، وأن نستمتع ، لكن الوقت يداهمنا دائماً ، لا يسعني في نهاية هذه الحلقة إلا أن أشكر أستاذنا الدكتور محمد راتب النابلسي أستاذ مادة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين .

شكراً جزيلاً وإلى اللقاء .

Copyright © 2007 Nabulsi