English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

ندوات منهج التائبين : المحاضرة "10 / 30"  : تكرار التوبة ، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المذيع :

     بسم الله ، والحمد لله ، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه .

     أيها الإخوة المستمعون ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، نحييكم ، وهذا لقاء يتجدد بحمد الله تعالى ضمن برنامج منهج التائبين ، أرحب بفضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أحد أبرز علماء ودعاة دمشق ، أهلاً ومرحباً بكم فضيلة الشيخ ، ونتابع الحديث عن التوبة النصوح الصادقة ، ماذا إذا تكرر الذنب وتكررت التوبة ؟ هل تبقى توبة نصوحاً صادقة ؟

الأستاذ :

     بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

     تحدثنا في الحلقة السابقة عن التوبة النصوح ، وهي التوبة التي لا رجوع عنها ، ولكن الإسلام واقعي ، الإسلام يسع كل المسلمين ، الآن دخلنا في موضوع آخر ، الأصل والأكمل أن تكون التوبة نصوحًا ، لا عودة فيها ، ولكن لو أن شاباً سألنا ماذا أفعل ؟ وقعت في الذنب مرة ثانية ، هل الحكمة أن نيئسه من رحمة الله ؟ أم أن نفتح له أبواب رحمة الله عز وجل ؟ هذا موضوع حلقة اليوم ، الأكمل ما قلناه في الحلقة السابقة ، الأكمل أن تكون التوبة نصوحاً ، الأكمل ألا يرجع الإنسان عن توبته ، لأنه دخل في أبواب رحمته ، الأكمل أن يفتح العبد المذنب مع الله صفحة جديدة ، فإذا زلت قدمه ، وهذا من ضعف الإنسان ، وأعاد الذنب مرة ثانية ، من له غير الله ؟ لمجرد أن ييئس الإنسان من قبول توبته يفجر ، والأمر يكون في حيز صغير ، فإذا هو في متاهة كبيرة ، فرحمة الله جل جلاله كانت كحبل النجاة ، يتمسك به العاصون ، كانت كصمام الأمان ، كانت كقارب النجاة ، فلابد من أن نؤكد للإخوة المستمعين أنك إذا أعدت الذنب فأعد التوبة ، وليس لك إلا الله .

(سورة الشورى)

ورد في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا ، وَرُبَّمَا قَالَ : أَذْنَبَ ذَنْبًا ، فَقَالَ : رَبِّ أَذْنَبْتُ ، وَرُبَّمَا قَالَ : أَصَبْتُ ، فَاغْفِرْ لِي ، فَقَالَ رَبُّهُ : أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ ، وَيَأْخُذُ بِهِ ، غَفَرْتُ لِعَبْدِي ، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا ، أَوْ أَذْنَبَ ذَنْبًا ، فَقَالَ : رَبِّ ، أَذْنَبْتُ ، أَوْ أَصَبْتُ آخَرَ ، فَاغْفِرْهُ ، فَقَالَ : أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ ، وَيَأْخُذُ بِهِ ، غَفَرْتُ لِعَبْدِي ، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا ، وَرُبَّمَا قَالَ : أَصَابَ ذَنْبًا قَالَ : قَالَ : رَبِّ أَصَبْتُ ، أَوْ قَالَ : أَذْنَبْتُ آخَرَ ، فَاغْفِرْهُ لِي ، فَقَالَ : أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ ، وَيَأْخُذُ بِهِ ، غَفَرْتُ لِعَبْدِي ، ثَلَاثًا ، فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ )) .

(صحيح البخاري)

     كأن النبي عليه الصلاة والسلام وهو الصادق المصدوق عن ربه يؤكد لنا أن رحمة الله واسعة ، وأنه لابد من أن نصل إليه ، أن نلجأ له ، وأن نحتمي به ، وأن نركن إلى رحمته ، وفي حديث آخر عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ((يا رسول الله ، أحدنا يذنب ، قال : يكتب عليه قال : ثم يستغفر منه ، ويتوب ، قال : يغفر له ، ويتاب عليه ، قال : فيعود ، فيذنب ، قد يكتب عليه ، قال : ثم يستغفر منه ، ويتوب قال : يغفر له ، ويتاب عليه ، قال : فيعود ، فيذنب قال : يكتب عليه ، ولا يمل الله حتى تملوا )) .

(الحاكم في المستدرك ، والطبراني في المعجم الأوسط)

المذيع :

     أبواب التوبة مفتوحة على المؤمن ، من كمال إيمانه ، ورقي إيمانه ، وتألق إيمانه أن يوقن حق اليقين بأن التوبة مقبولة بإذن الله تعالى ، وأن الله سبحانه وتعالى يقبل التوبة مهما تكررت ، ومهما تكرر الذنب .

الأستاذ :

     ذلك أن الله عز وجل يقول :

(سورة النساء)

هذه إرادة الله !

     بل إن في الحديث القدسي : (( إن تابوا فأنا حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب ، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد ، والسيئة بمثلها ، وأعفو ، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها )) .

المذيع :

     هنا بعض المحاجين يقولون لك : طالما أن إرادة التوبة هي من عند الله سبحانه وتعالى فمن أين تأتي إرادة الذنب ؟ هل الله سبحانه وتعالى يريدنا أن نذنب ؟

الأستاذ :

 حاشا لله .

(سورة الأعراف)

(سورة الأنعام)

     هذه الآية أصل في نفي الجبر ، والجبر عقيدة فاسدة ، لو توهمناها لكنا في ضلال مبين .

     خلقنا ليرحمنا ، بدليل قوله تعالى :

(سورة هود)

     أن نتوهم أن الله أراد الذنب لنا هذا مستحيل ، وألف ألف مستحيل ، أراد الخير لنا ، أراد الهداية لنا ، ولكننا مخلوقات أنعم الله علينا بنعمة الاختيار ليثمّن عملنا ، فالإنسان مخير ، وأساس الذنب كما بحثنا هذا في أول حلقة أن كائناً أودعت فيه الشهوات ، ومعه منهج ، فتحرك بدافع من شهوته من دون منهج ، تماماً كالذي يقود مركبة بلا مقود ، فيها محرك قوي هي الشهوة ، أما المقود هو المنهج ، فمركبة تتحرك بلا مقود مصيرها حادث مروّع ، فكل إنسان يتحرك في شهوة أودعها الله فيه هي في الأصل حيادية ، ليرقى بها إلى رب الأرض والسماوات ، هي شهوة بمثابة سلم نرقى به ، أو دركات نهوي بها ، هذا هو أصل الذنب ، كائن مخير ، لذلك لا تجد لا في الملائكة ، ولا في الجمادات ، ولا في الحيوانات تكليف ، ولا ذنب ولا توبة ، مخلوقات مسيرة ، الإنسان والجن من بين مخلوقات الله جميعاً منحوا نعمة الاختيار ليثمن عملهم ، وأودعت فيهم الشهوات لتكون سلماً لهم إلى رب الأرض والسماوات ، فتحركوا بدافع من شهواتهم بدون منهج يسيرون عليه فوقعوا في هذه الذنوب ، هذا فلسفة الذنب ، أما أن يريد الله ذنباً للإنسان ،

ألقاها في اليم مكتوفاً وقال له      إياك إيّاك أن تبتل بالماء

     العوام له كلمات هي الكفر بعينه ، يقول لك شارب الخمر : طاسات محدودة بأماكن معدودة ، من قال هذا ؟ هذا كلام إبليس ، فكل كلمة يقولها العوام ينبغي أن تقاس بالقرآن ، فإن وافقته نقبلها ، وإن عاكسته نركلها بقدمنا ، لابد من عقيدة سليمة ، والعقيدة السليمة أساس العمل الصالح ، ولو أن هناك عقيدة لا تنعكس عملاً فاعتقد ما شئت ، ولكن لأن كل انحراف في العقيدة يقابله انحراف في السلوك .

     إذاً لابد من أن نمحص عقائدنا ، وأن نعرف الله عز وجل .

(( ابن عمر ، دينك دِينك ، إنه لحمك ودمك ، خذ عن الذين استقاموا ، ولا تأخذ عن الذين مالوا )) .

المذيع :

     هنا في الحديث النبوي الشريف الذي صحت روايته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيحي البخاري ومسلم عن العبد الذي أذنب ثلاثاً ، وتاب من ذنبه ، في بعض روايات الحديث هناك خاتمة له " فليعمل ما شاء " ، أي هل يا تُرى يعمل ما شاء ، هكذا على الإطلاق ، يذنب ويتوب ، يذنب ويتوب ؟

الأستاذ :

 أنا أفهم هذا التذييل في الحديث فهماً لعلي أكون مصيباً به ، حينما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام عن سيدنا عثمان حينما جهر جيش العسرة قال : (( ما ضرّ عثمان ما فعله بعد اليوم )) .

(الترمذي)

     كأن النبي e يقول : بلغ مرتبة من القرب من الله أنه قلما يخطئ ، فحينما يذنب ويتوب ، ويذنب ويتوب ، ويذنب ويتوب ، كأنه آن له ألا يذنب ، أما أنا لا أفهم الحديث على أنه مهما عاش إلى أمد طويل يذنب ويتوب ، كلما أذنب ، وتاب ضعفت علاقته بالله عز وجل ، ولعل هذا هو الصواب ، هناك قول آخر : عن علي رضي الله عنه قال : " خياركم كل مفتن تواب قيل فإن عاد ؟ قال : يستغفر الله فيتوب ، قيل فإن عاد ؟ قال : يستغفر الله ويتوب ، قيل حتى متى ؟ قال : حتى يكون الشيطان هو المحسور " .

     لا تكن عوناً للشيطان على أخيك ، بل كن عوناً لأخيك على الشيطان ، هذا معنى المؤمن يهب الأمل للمذنبين .

     والذي تعرفونه كثيراً أن الذي سأل راهباً عن إنسان قتل تسعة وتسعين رجلاً ، هل له من توبة ؟ قال له : لا ، فكمل به بالمئة ! أما العالم الآخر الذي سئل أمره أن يخرج من أرض يذنب فيها إلى أرض فيها قوم صالحون ، العالم الآخر عالج أصل المشكلة ، وكأن الله عز وجل حينما يقول :

(سورة التوبة)

     العالم الحقيقي يبحث عن سبب الذنب ، البيئة السيئة ، رفقاء السوء ، المثيرات التي يعيشها الإنسان ، هذه كلها تدفعه إلى الذنب فأنت إن أردت أن ترفع مستوى إنسان أبعده عن أسباب الذنب ، فالهروب من أسباب الخطيئة خير من أن تهرب من الخطيئة نفسها .

     حينما قال الله عز وجل :

(سورة الإسراء)

لمَ لمْ يقل : لا تزنوا ؟ حينما قال الله عز وجل :

(سورة البقرة)

لمَ لمْ يقل : فلا تعتدوها ؟ ذلك أن للمعصية وهجاً ، أنا أضرب مثلاً دقيقًا : وزير كهرباء في بلد ما هناك خط توتر عالي ثمانية آلاف فولت ، لابد من وضع لوحة تحذر المواطنين ، هذا التيار له حرمة ، أو دائرة ، أو حيز ، إن دخل فيه الإنسان أصبح قطعة من الفحم ، فهذا الوزير يضع اللوحة ممنوع مس التيار ، أم ممنوع الاقتراب منه ؟ ممنوع الاقتراب منه ، لذلك قال تعالى :

     شهوة جنسية تشبه صخرة في رأس جبل متمكنة ، أنت إذا دفعتها لك أن تدفعها ، ولكن لن تستقر إلا في قاع الوادي ، أنت حينما تتساهل بممهدات الفاحشة في الأعم الأغلب يقع فيها الإنسان ، فلذلك حينما أنصح الناس بالتوبة أنصحهم أيضاً بالبعد عن أسباب الذنب ، البيئة الفاسدة ، الرفيق السيئ ، الصحافة الماجنة ، القصص الإباحية ، متابعة الأفلام التي لا ترضي الله ، هذه كلها تودي إلى المعصية ، فالبطولة أن أبتعد عن أسباب المعصية ، وللسيد المسيح كلمة رائعة يقول : الشريف هو الذي يهرب من أسباب الذنب ، لا من الذنب نفسه ، فغض البصر ، وعدم الخلوة طريق لحفظ الفرج ، هناك أساليب كثيرة إن طبقها الإنسان ابتعد عن الفاحشة ، فأنا كإنسان أدعو الناس إلى الله عز وجل أقول لهم : توبوا ، ولكن يجب أن أبين لهم أنه ينبغي أن يبتعدوا عن مظان المعصية ، وعن أماكن المعصية ، وعن العصاة ، بل إن العلماء يقولون : إن صحبة الأراذل تجرح العدالة .

     (( فمن عامل الناس فلم يظلمهم ، وحدثهم فلم يكذبهم ، ووعدهم فلم يخلفهم ، فهو ممن كملت مروءته ، وظهرت عدالته ، ووجبت أخوته ، وحرمت غيبته )) .

[ورد في الأثر]

     فإن ظلم الإنسان الآخرين ، أو كذبهم ، أو أخلف وعده معهم ، سقطت عدالته ، لكن العلماء ذكروا أن هناك أشياء كثيرة تجرح العدالة لا تسقطها ، مما يجرحها صحبة الأراذل ، والتنزه في الطرقات ، والحديث عن النساء ، وتطفيف بتمرة ، وأكل لقمة من حرام ، ومن بال في الطريق ، من مشى حافياً ، من أكل في الطريق ، العلماء عددوا أحوالاً كثيرة تجرح العدالة ، لكن أريد من هذا اللقاء من هذا الذي يجرح العدالة أن نصحب الأراذل ، ومعنى قوله تعالى :

     هذا الذي يعصم الإنسان عن الذنب ، وفي الحديثين المشهورين الذي قتل تسعة وتسعين رجلاً ، التوجيه النبوي أن العالم الآخر أبعده عن مواطن الربا وعن البيئة ، فأنت لن تستطيع أن تستقيم على أمر الله إلا إذا كنت في بيئة صالحة ، فقل لي من تصاحب أقل لك من أنت .

المذيع :

     هل ندخل اليأس إلى قلوب من هم في بيئة قد تكون غير صالحة ؟

الأستاذ :

     هنا يوجد توجيه : أنا حينما يكون قدري أن أكون في بيئة سيئة ينبغي أن أكون في برج أخلاقي عنهم ، لا في برج فكري ، أنا أعيش معهم ، لكن لا أقع في سقطاتهم ، ولا أنغمس في شهواتهم ، لا تذل قدمي كما يذلون ، هناك من يعيش في بيئة لا ترضيه ، هذا قدره ، لكن حينما يبتعد بأخلاقه عن سقطات من حوله الله عز وجل يعينه على الطاعة .

المذيع :

     أتحدث عن إنسان أذنب مع هذه البيئة العاصية المذنبة ، ولكنه أراد أن يتوب هل لنا أن نعطيه إرشاداً عدا أن يتخلى عن هذه البيئة ؟

الأستاذ :

نرشده ، ونقول له كما قال الله عز وجل :

(سورة الكهف)

هو معهم بجسمه ، لكنه لا يطيعهم ، ولعل في هذا إرشاد تربوي كبير جداً .

المذيع :

     أريد أن أضع الإصبع على الجرح ، لنقُل : فتاة مغلوب على أمرها ، والدها يشرب الخمر ، يقول لها : أحضري لي كأس الخمر ، وهذا غالباً ما يقع ، وهي تنهج منهج الله ، وملتزمة بطاعته ، وبرفض معصيته ، وترجو رضاه ، فماذا تصنع ؟

الأستاذ :

     قبل أن أجيب على هذا السؤال أبين حكمة الله في هذا التخليط ، قد ينجب فتاة طاهرة من أب سيئ ، وقد ينجب أب جيد فتاة سيئة ، الحكمة من ذلك أن هذا الأب حينما يرى ابنته الطاهرة المستقيمة الملتزمة لعله يتذكر الله عز وجل ، ما خلّط الله الصالح مع الطالح في أسرة واحدة إلا ليكون الصالح مذكراً وقدوة للطارح ، وكم من فتاة تاب أبوها على يديها ، كم من زوج سيئ تاب على يد زوجته ، هذا التخليط هناك حكمة تربوية رائعة منه : أنت كمعلم تضع الطالب الجيد إلى جانب الطالب السيئ ، فلعله يأخذ منه بعض أخلاقه الفاضلة ، أما لو وضعت سيئين في جانب واحد يحدث انفجار ، فالتخليط من حكم الله العظمى ، نحن نقول لهذه الفتاة الطاهرة التي تعرف الله عز وجل : حينما تتصلين بالله عز وجل الصلة المتينة هذه تعطيك حكمة ومقاومة عالية جداً ، وتعطيك لساناً طليقاً في الحق ، فلعل هذه الفتاة ، وهي في بيئة سيئة يهديها الله عز وجل إلى طريق قويم لإصلاح أبيها ، أنا أقول : لكم لا يمكن أن تستقر حقيقة الإيمان في قلب مؤمن إلا وأن تعبر عن نفسها بحركة نحو الآخرين ، المؤمن ليس سلبياً : وليس متقوقعاً : وليس منسحباً من الحياة .

     أنا أذكر كما تفضلت أباً شارب الخمر كلما رأى ابنه يصلي يضربه ، ومازال هذا الابن ينصح أباه عشرات السنين إلى أن تاب على يده ، وعرف قيمته ، فأحد شيوخ الأزهر علمته نملة ! دخل الأزهر فلم ينجح في الامتحان فنوى أن يبتعد عنه ، فرأى نملة صعدت إلى هدفها ثلاثاً وأربعين مرة ، وهي مصرة !

     أعرف قصة صاحب ملهى الشام ، له بنت لا تأكل من طعامه أبداً ، ولا يمكن أن ينالها من مال أبيها شيء ، ولو طلبت المليون منه لم يتردد في إعطائها هذا المبلغ ، لكنها رأت ماله حراماً فاستقامت على أمر الله ، والمؤمن دون أن يشعر هو داعية كبير باستقامته ، الدعوة بالعمل أبلغ من الدعوة باللسان ، العفة والأمانة والصدق دعوة ، هذا الذي ينبغي أن يكون عليه من كان قدرهم أن يعيشوا في بيئة سيئة .

المذيع :

     نتابع غداً بإذن الله تعالى حديثنا عن التوبة النصوح الصادقة ، أشكركم فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أشكر الإخوة المستمعين لحسن متابعتهم لنا في برنامج منهج التائبين ، حتى الملتقى لكم التحية ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

Copyright © 2007 Nabulsi