English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

ندوات منهج التائبين : المحاضرة "17 / 30"  : العلاقة بين التوبة والدعوة "1"  ، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المذيع :

     بسم الله الرحمن الرحيم ، والحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين 

      أيها الإخوة المستمعون ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، نحييكم في مستهل حلقة جديدة من برنامج منهج التائبين ، أرحب بفضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ، معنا في هذا البرنامج ، أهلاً ومرحباً بكم ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأستاذ :

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .

المذيع :

     فضيلة الشيخ ، ثمن العلاقة بين التوبة والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى ، بل إن من أسباب ثبات التوبة النصوح الصادقة الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى ، كيف يكون ذلك ؟ وكيف لنا أن نوضح هذه العلاقة ؟

الأستاذ :

     بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

     الحقيقة الأولى : أن الإنسان فطر فطرة كاملة ، فالذي أمر به ، والذي نهي عنه متوافق توافقاً تاماً مع فطرته ، بل إن تطابق منهج الله مع فطرة الله تطابق ثابت وشامل وكامل وحتمي ، والدليل أن الله سبحانه وتعالى قال :

(سورة الروم)

     أن تقيم وجهك للدين حنيفاً هو نفسه البرنامج الذي فطر عليه الإنسان ، ماذا نستنتج من هذه الحقيقة التي تؤكدها هذه الآية ؟ أن الإنسان إذا خرج عن بنيته الفطرية ، إذا خرج عن منهج ربه فكلاهما واحد ، إذا خرج عن مبادئ فطرته ، أو خرج عن منهج ربه يعاني من حالة نفسية اسمها اختلال التوازن ، يختل توازنه ، ولا شيء أصعب على النفس من أن تنهار من داخلها ، قد يكون الإنسان أمام الخلق متماسكاً ، لكنه إذا كان منهاراً من الداخل نشأ عنده أمراض كثيرة ، تظهر بقسوة بالغة ، أو ردود فعل قاسية جداً ، تظهر بضياع ، وتشتت وصراع مزمن مع كآبة ، وما هذه الكآبة التي يتحدث عنها الناس إلا هي مظهر لخروج الإنسان عن مبادئ فطرته .

     ماذا ينبغي أن يفعل الإنسان إذا خرج عن مبادئ فطرته ، أو خرج عن منهج ربه ؟ وكلاهما واحد .

     العلاج الناجع الذي تعالج به هذا الخلل هو أن تتوب إلى الله ، ولكن هناك من يحاول أن يستعيد هذا التوازن ، لا من خلال التوبة ، ولكن من خلال سوء الظن بالآخرين ، ليوهم نفسه أن الخطأ هو الأصل ، وأن الذين يظهرون للناس الصلاح ، وهم ليسوا كذلك ، هذا محاولة إصلاح الخلل ، ولكن محاولة ليست صحيحة ، أو أن يتعلق الإنسان بعقيدة زائغة لا أصل لها في الدين ليريح نفسه ، فبعض أهل الكتاب تعلقوا بأنهم لن تمسهم النار إلا أياماً معدودة ، والمسلمون تعلقوا بمفهوم للشفاعة ساذج ، افعل ما شئت ، والنبي الكريم e يشفع لك .

     الحقيقة أن التعلق بعقيدة زائغة ، أو سوء الظن بالآخرين مسلكان خاطئان لاستعادة التوازن الذي اختل من خروج الإنسان عن منهج ربه ، أو عن مبادئ فطرته ، هذا إن لم يكن المرء داعية إلى الله ، إن كان مؤمناً من مجموع المؤمنين ، مسلماً من مجموع المسلمين ، كيف إذا دعا إلى الله ، ولم يطبق ما يدعو إليه ؟ أعتقد أن الخلل الذي سوف يعاني منه أضعاف مضاعفة .

     ورد في بعض الآثار : " ابن آدم عظ نفسك فإذا وعظتها فعظ غيرك وإلا فاستحي مني ، تعصي الإله وأنت تظهر حبه ، ذاك لعمرِ في القياس شنيع ، لو كان حبك صادقاً لأطعته ، إن المحب لمن يحب يطيع " .

     ولكن يتوهم الإخوة المؤمنون أن الدعوة إلى الله قاصرة على الدعاة الكبار ، وعلى خطباء المساجد ، وعلى من يعمل في حقل الدعوة ، وعلى المنظِّرين الإسلاميين ، وعلى رجال الفكر المسلمين ، وهذه فكرة ليست صحيحة .

     أول مفاجأة لعل الإخوة المستمعين قد يفاجؤون بها أن الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم ، وكل مسلم لا يدعو إلى الله هو لا يتبع سنة رسول الله e ، وكل من لا يتبع سنة رسول الله e هو في حقيقة الأمر لا يحب الله ، وليس في الدين مجال كي ندلي بآراء شخصية ، إن هذا العلم دين ، دين الله ، ولا يسعه إلا النص الصحيح الموثق الواضح الدلالة .

المذيع :

     يقولون : إن الدعوة في حق كل مؤمن فرض عين ، ولكن بتوضيح بسيط في حدود ما يعلم .

الأستاذ :

     في حدود ما يعلم ، ومع من يعرف .

     ما كلفك الله أن تكون عالماً كبيراً ، ولا أن تحمل أعلى شهادة في الشريعة ، ولا أن تكون خطيباً مفوّهاً ، أنت كمسلم في أي مستوى ثقافي ، وفي أي حرفة أنت فيها أنت مكلف بدعوة إلى الله من نوع فرض العين ، وسوف آتي بعد قليل على الدعوة إلى الله التي هي فرض كفاية .

     أنا الآن أتحدث عن الدعوة إلى الله كفرض عين ، لابد من أن تدعو إلى الله ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً ...)) .

(صحيح البخاري)

فيا رب مبلغ أوعى من سامع ، ولقول الله عز وجل :

(سورة يوسف)

     فمن لم يدعو إلى الله على بصيرة ، وكلمة بصيرة أن تدعو إلى الله بالدليل ، وبالتعليل ، وبأسلوب علمي ، وباللطف والإحسان .

(سورة آل عمران)

     أدعو إلى الله على بصيرة كما دعا النبي e أصحابه بأساليبه اللغوية ، والعلمية ، والتربوية ، والاجتماعية .

     فمن لم يدعُ إلى الله على بصيرة فليس متبعاً لرسول الله e ، ومن لم يتبع رسول الله e فليس محباً لله بدليل قوله تعالى :

(سورة آل عمران)

     الأمر واضح كالشمس ، لكن هذه الدعوة التي هي فرض عين لا يطالب المسلم بها إلا في حدود ما سمعه من الحق ، ونحن في هذا الدين العظيم عندنا عبادة تعليمية هي خطبة الجمعة ، وإخوتنا الكرام يتوهمون أنهم إذا دخلوا إلى المسجد عقب انتهاء الخطبة ، وتابعوا مع الإمام ركعتين يتوهمون أنهم أدوا هذه الفريضة ، وأنا أصر على أن هذه الفريضة لم تؤدَّ بالمعنى الذي أراده الله ، ذلك أن الله عز وجل حينما قال :

(سورة الجمعة)

     أجمع علماء التفسير على أن ذكر الله خطبة الجمعة ، أية خطبة من دون استثناء فيها شرح آية ، أو شرح حديث ، أو بيان حكم ، أو معالجة موضوع إسلامي ، فهذا الذي يصلي ، ويحضر خطبة جمعة ، وأخذ منها آية واحدة ، لو أنه بلغ هذه الآية طوال الأسبوع مع من يعرف ، مع أقربائه ، مع أولاده الصغار ، مع بناته ، مع زملائه ، مع أصدقائه ، مع جيرانه ، مع من يلتقي في ندوة ، في سفرة ، في وليمة ، يكون قد أدى هذه العبادة ، الدعوة إلى الله كفرض عين ، أما الدعوة إلى الله كفرض كفاية فهذه مهمة العلماء المتفرغين المتخصصين الذين آتاهم الله فكراً عميقاً ، ونفَساً طويلاً في الدعوة ، وفصاحة وبياناً ، وتفرغوا لشأن الدعوة ، هؤلاء معهم كل الأدلة التفصيلية ، ومعهم رد على كل الشبهات التي تطرح على الإسلام ، هؤلاء الدعاة الكبار مهمتهم كما قلت قبل قليل فرض كفاية ، إذا قام به البعض سقطت عن الكل ، هذا الموضوع لا يعنينا في هذه الحلقة ، يعنينا الدعوة إلى الله كفرض عين ، المسلم العادي الذي ليس له أي نشاط دعوي إذا خرج عن مبادئ فطرته ، أو عن منهج ربه يختل التوازن ، فكيف إذا خرج من يدعو إلى الله ، ولو دعوة بمستوى فرض العين عما يقول ؟ إن اختلال توازنه أشد وأكبر .

المذيع :

     بمعنى آخر ، وللتوضيح أكثر ، أنكم تدعون المسلم الذي يدعو لنقل أهل بيته وأولاده إلى أداء الصلاة ، والالتزام بما أمر الله به ، وهو يعمل عكس ذلك ، هنا يختل توازنه ، وهذا ما يظهر من اختلال توازنه الداخلي .

الأستاذ :

      كما قال سيدنا علي : " بين الحق والباطل أربعة أصابع " ، بين أن تقول رأيت ، وبين أن تقول سمعت ، الحقيقة أن الناس لا يتعلمون بآذانهم ، بل بعيونهم ، لغة العمل أبلغ من لغة القول ، لو أن أباً متكلماً فصيحاً ألقى على ابنه آلاف محاضرة في الصدق ، كل هذه المحاضرات تهدم إذا قال لابنه : إذا طرق الباب أحدٌ فقل له : أنا لست هنا في البيت ! فالإنسان لا يتعلم إلا بعينيه ، لذلك عظمة الأنبياء أنهم كانوا قدوة للناس ، كانوا مثلاً عليا ، ولا ينجح أبٌ في تربية أولاده إلا إذا كان قدوة لأولاده ، ولا ينجح معلم في تربية تلاميذه إلا إذا كان قدوة لهم ، جاء على البشرية آلاف المصلحين ألفوا الكتب ، لكن لم يحدثوا شيئاً في المجتمع ، لكن الأنبياء وهم قلة فعلوا فعل المعجزات لسبب بسيط جداً ، أنهم فعلوا ما قالوا ، لم يجد المدعو مسافة يبن أقوالهم وأفعالهم ، لم يجد مسافة بين سرائرهم وعلانيتهم .

المذيع :

     فضيلة الشيخ الدكتور محمد رابت النابلسي ، عنوان هذه الحلقة وموضوعها علاقة التوبة ، وثبات التوبة النصوح الصادقة مع الدعوة إلى سبيل الله ، وبخاصة المسلم العادي الذي  بحقه الدعوة إلى سبيل الله فرض عين ، في حدود ما يعلم ، وبحق من يعرف ، ما علاقة ذلك بالتوبة وثبات التوبة ؟

الأستاذ :

     لأنه والله أعلم حينما سعد بقرب الله عز وجل ، فإذا خالف ما يدعو إليه اختل توازنه فشعر بضيق ، والحقيقة الدعوة إلى الله لا تقوم على معلومات فحسب ، بل تقوم على روحانية أساسها الاتصال بالله ، لأن فاقد الشيء لا يعطيه ، الدعوة إلى الله لا يتمتع بمعلومات دقيقة ، بقدر ما يحتاج إلى صلة بالله عز وجل ، والحقيقة الثابتة الصارخة أن الإنسان لمجرد أن يقع في ذنب فقد حجب عن الله ، فإذا وقع من يدعو إلى الله لا سمح الله ولا قدر في مخالفة حجب عن الله ، وأصبح يتكلم مما في دماغه من معلومات ، وعندئذ لا يؤثر .

     الحقيقة أن الدعوة إلى الله أساسها إحداث أثر في المستمعين ، هذا الأثر لا يتأتى من معلومات دقيقة تحفظها ، بل يتأتى من حال مع الله تكتسبه من خلال اتصالك به ، فأنا أقول : لا يمكن أن يحدث أثراً في مجتمعه إلا بشرطين ، أن يكون مطبقاً لما يلقي على الناس ، وأن يكون مخلصاً فيما يلقي على الناس ، التطبيق والإخلاص يهب الكلام قوة تأثيرية عجيبة ، فكم تجد من عالم ينطوي على علم غزير ، ولأنه ليس مطبقاً لعلمه لا يحدث أثراً ولا في طفل صغير ، بينما الذي ينطوي على معلومات متواضعة ، لكنه مطبق لها بالتمام والكمال ، إذا نطق بها هز الصخر ، وهز أعتى الأشخاص ، وأثّر في أقسى القلوب ، القضية قضية تطبيق وإخلاص ، فالذي يدعو إلى الله يحتاج إلى هذا الإخلاص وهذا التطبيق ، وإلا اختل توازنه أشد مما يختل توازن المسلم إذا خرج عن منهج ربه أو مبادئ فطرته .

المذيع :

     وهذا ما سنفصله بحديث عملي وتطبيقي لهذا الأمر ، علاقة ثبات التوبة النصوح بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى في الحلقة المقبلة غداً بإذن الله ، أشكركم فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ، إلى اللقاء في الغد بإذن الله تعالى ، أشكر الإخوة المستمعين لحسن إصغائهم ومتابعتهم ، حتى الملتقى ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

Copyright © 2007 Nabulsi