English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

ندوات منهج التائبين : المحاضرة "18 / 30"  : العلاقة بين التوبة والدعوة "2"  ، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المذيع :

     بسم الله ، والحمد لله ، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا ، وإليك المصير  .

     إخوة الإيمان والإسلام ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

الأستاذ :

     وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .

المذيع :

     هذه تحية من فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي معنا في برنامج منهج التائبين  ، أهلاً ومرحباً بكم فضيلة الشيخ ، أحييكم ، وأحيي الإخوة المستمعين في مستهل هذه الحلقة ، فضيلة الشيخ ، وعدنا بالأمس أن نتابع الحديث اليوم عن العلاقة بين ثبات التوبة النصوح الصادقة والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى ، كي يتحقق التوازن الداخلي للمرء الذي يدعو إلى سبيل الله ، ويعمل بما يدعو في حدود ما يعلم ، وبحق من يعرف .

الأستاذ :

     بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

     مشكلة معظم الشباب أنهم إذا استمعوا إلى داعية ناجح موفق ، أو إذا استمعوا إلى نصوص دينية صحيحة تحث على الدعوة إلى الله ينشأ في أنفسهم رغبة صادقة أن يكونوا من الدعاة إلى الله ، ثم يكتشفون في أنفسهم أخطاء كثيرة ، وتقصيرات بالغة ، فيتهمون أنفسهم أنهم ليسوا أهلاً للدعوة إلى الله ، ينشأ صراع عميق ومستمر في نفوس هؤلاء الشباب الذين هم على شيء من الإيمان يحثهم على أن يكونوا أعلاماً في هذه الأمة ، أو على كشف لأخطائهم التي يخجلون بها أمام الله عز وجل ، من هذا الصراع تنشأ مشكلة ، هذا الشاب قد يتوهم ، أو قد يجتهد أنه ليس أهلاً للدعوة ، فيعرض عنها كلياً ، أو يرجئها إلى وقت لاحق ، والذي يحصل أنه ينسحب من حقل الدعوة ، وهذا الإرجاء يستمر إلى مالا نهاية ، فإذا هو مقيم على بعض أخطائه ، وعلى انحرافاته ، صغرت أو كبرت ، العبرة أنه انسحب من حقل الدعوة بدعوة ، على أنه ليس أهلاً لهذه الدعوة .

المذيع :

     بدعوة أنه إذا رأى منكراً لا ينكره ، ولا يدعو إلى إنكاره ، ولا يأمر بمعروف ، ولا ينهى عن منكر ، تكون النتيجة هكذا !

الأستاذ :

     الحقيقة أنه من زاوية معينة معه الحق ، لأن الله عز وجل يقول :

(سورة الصف)

     ماذا يعاني العالم ؟ ولو خرجنا قليلاً أشد معاناة للبشر من دول قوية تكيل بمكيالين ، تعامل جهة ترتكب الجرائم تلو الجرائم ، وتغطيها بصمت غير معقول ، بينما جهة أخرى ترتكب خطأ أقل مما ارتكبت الجهة الأولى ، فتقيم عليها النكير ، لا شيء يسحق النفس ، ويؤلمها كأن يكال لها بمكيالين ، فهذا الشاب ، وهذا منطلقه ، وأنا معه إلى حد ما ، لأن الله عز وجل يقول :

والآية الثانية : 

(سورة البقرة)

     آيتان في الكتاب ، وحديث في السنة يقسم الظهر ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ : قِيلَ لِأُسَامَةَ : لَوْ أَتَيْتَ فُلَانًا فَكَلَّمْتَهُ ، قَالَ : إِنَّكُمْ لَتُرَوْنَ أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إِلَّا أُسْمِعُكُمْ ، إِنِّي أُكَلِّمُهُ فِي السِّرِّ دُونَ أَنْ أَفْتَحَ بَابًا لَا أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ ، وَلَا أَقُولُ لِرَجُلٍ أَنْ كَانَ عَلَيَّ أَمِيرًا : إِنَّهُ خَيْرُ النَّاسِ ، بَعْدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالُوا : وَمَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ ؟ قَالَ : سَمِعْتُهُ يَقُولُ : (( يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ ، فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ ، فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ ، فَيَقُولُونَ : أَيْ فُلَانُ ، مَا شَأْنُكَ ؟ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ ، وَتَنْهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ ؟ قَالَ : كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ ، وَلَا آتِيهِ ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ )) .

(صحيح البخاري)

     وفي حديث آخر أيضاً ، (( لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله )) .

(ورد في الأثر)

     إن رأى الناس منحرفين غارقين في المعاصي ، يأكلون أموال بعضهم بعضاً ، يعتدون على أعراض بعضهم بعضاً ، إن لم يمقت الناس في ذات الله فليس مؤمناً ، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتاً .

     هناك آيتان وحديثان يؤكدان أن المسافة الكبيرة بين ما تقول و بين ما تفعل ، هذا عند الله شيء كبير ، ولكن لهذا الموضوع تفصيلات مهمة جداً ، لكن ماذا نعمل ؟ الآن شاب غلب على أمره معصية ، وهو مكلف أن يأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، بل إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي الفريضة الثالثة ، وهي علية خيرية هذه الأمة ، فحينما قال الله عز وجل :

ما علة هذه الخيرية ؟ 

(سورة آل عمران)

     هناك مشكلة ، إنسان غلبته نفسه ، وارتكب معصية ، ثم رأى صديقه واقعا في هذه المعصية ، يسأله : ما حكم الشرع في هذا ؟ هل ينبغي أن يبقى ساكتاً ؟ هو مرتكب هذه المعصية مثله .

     الآن ننظر إلى الحكم الشرعي ، ماذا ينبغي أن يفعل المسلم ؟ إذا سئل عن منكر واقع فيه ، يصمت ، أو يقر هذا المنكر ، أو ينهى عن هذا المنكر .

    أخ زياد ، هناك حقيقة دقيقة جداً ، موقف المؤمن من المعروف أن يفعله ، وأن يدعو إليه ، وموقف المؤمن من المنكر أن يبتعد عنه ، وأن ينكره ، نحن نسأل ، هناك شرطان في المعروف ، أن أفعله ، وأن آمر به ، والمنكر أن أدعه ، وأن أنهى الناس عنه ، لو أنني قصرت في الجانب الأول هل يلغى الجانب الثاني ؟ لا ، لو أنني اقترفت الجانب الأول المنكر هل يلغى الجانب الثاني في إنكار المنكر ؟ الجواب لا ، فالحكم الشرعي شئنا أم أبينا ، أحببنا أم كرهنا ، أعجبنا أم لم يعجبنا لابد من إنكار المنكر ، والأمر بالمعروف ، بصرف النظر مبدئياً عن ما إذا كنت تقيم هذا المعروف ، أو تقع في هذا المنكر ، لكن أنا أقول : والله شعور صعب جداً ، ومؤلم حينما تقول شيئاً ، ولا تفعله ، وتنهى عن شيء وتفعله ، الشرع يأمرك أن تقول : هذا منكر ، أو هذا فرض ، بصرف النظر عن كونك فعلته أم لم تفعله ، وبصرف النظر عن قوة التأثير ، أو عدم التأثير ، الله جل جلاله أهلك بني إسرائيل لماذا ؟ قال :

(سورة المائدة)

كان عدم التناهي عن منكر فعلوه سبب هلاكهم ، فلذلك لا يحق لأحد أن يدع الأمر بالمعروف إن لم يكن يفعله ، ولا يحق لأحد أن يترك النهي عن المنكر إن وقع فيه .

المذيع :

     لا قدر الله ، لو أن أحدهم ممن يدعون إلى الله ، وإلى سبيله سئل في أمر ، وهو قد يكون لا قدر الله يقترفه ، فبماذا يجيب ؟

الأستاذ :

     لابد من إنكاره ، ويرجو الله عز وجل أن يعينه على تركه ، لكن أيضاً حينما يسأل عن منكر اقترفه يجيب بأنه منكر ، لعل هذا باعث إلى التوبة ، وكأنه يقترب من باب التوبة ، لكن أعجبني قول أحد الشعراء :

ولو لم يعظ في الناس من هو مذنب     فمن يعظ العاصين بعد محمد

إذا لم يتكلم إنسان بكلمة الحق إلا إذا كان مستقيماً استقامة تامة معنى ذلك أنْ تلغى الدعوة إلى الله كلياً ، لأن مقام النبوة هو العصمة ، بينما مقام المؤمنين هو الذنب ، المؤمن مذنب تواب ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ)) .

[الترمذي]

     المؤمن لا شك أنه يقع في الصغائر ، ومن دون أن يصر عليها ، وسريعاً ما يتوب منها ، لذلك قالوا : النبي معصوم ، والولي محفوظ ، معنى محفوظ أنه لا تضره معصية ، بمعنى أنه يكشفها في وقت مبكر ، ويتوب منها لتوه ، ويستغفر الله عليها كثيراً ، وقد يدفع صدقة ، أو يصوم يوماً ، أو يتقرب إلى الله بعمل صالح حتى يغفر الله له هذا الذنب ، فالمؤمن محفوظ ، لكن النبي معصوم .

المذيع :

     هنا فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي عرفنا مما سبق أن هناك علاقة وثيقة بين ثبات الدعوة النصوح الصادقة وبين الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى من خلال تطابق القول مع العمل ، وأن هذا التطابق يكسب النفس توازناً داخلياً يقربها من مقام ربها .

     أشكركم ، وأشكر الإخوة المستمعين لحسن إصغائهم ومتابعتهم ، نلتقي في الغد مع حلقة جديدة من برنامج منهج التائبين ، وسيكون حديثنا عن موقف المؤمن من معصية ارتكبها غيره ، بماذا ينصحه ، وكيف ينصحه ؟

     أشكركم وأشكر الإخوة المستمعين ، حتى الملتقى لكم التحية ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

Copyright © 2007 Nabulsi