English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

ندوات منهج التائبين : المحاضرة "19 / 30"  : الآمر بالمعروف لا يحتقر مقترف الذنب "1" ، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المذيع :

     بسم الله ، والحمد لله ، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى صحبه ومن والاه ، اللهم إنا نحمدك حمداً يوافي نعمك ، ويكافئ مزيدك ، نحمدك على نعمة الإيمان والإسلام ، وكفى بها نعمة ، أرحب بكم مستمعينا الكرام بتحية الإسلام ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، أرحب في مستهل هذا اللقاء  بفضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أحد أكبر علماء دمشق ودعاتها ، أهلاً ومرحباً بكم ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

الأستاذ :

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .

المذيع :

     فضيلة الشيخ ما زلنا في الحديث عن التوبة النصوح ، وما يرافقها من موضوعات يجب أن نسلط الضوء عليها ، وخاصة في الحياة اليومية للمؤمن ، والمسلم الذي عليه واجب وفرض عيني أن يدعو إلى سبيل الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ماذا يفعل إذا صادف أحدهم أخاه يقترف ذنباً من الذنوب ؟ كيف يعالج هذا الموقف ، وبماذا ينصح ؟ وما هي الطريقة المثلى للأمر بالمعروف هنا ؟

الأستاذ :

     بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

     الحقيقة أننا وصلنا من خلال حلقات سابقة إلى أن تأخير التوبة ذنب أيضاً يضاف إلى الذنب الذي ينبغي أن تتوب منه ، وأن عدم إنكار المنكر منكر آخر يضاف إلى المنكر ، لكن اليوم القضية تختلف .

     أنا ـ والحمد لله ـ مؤمن ، لي صديق ، لي أخ ، لي قريب ، لي جار ، لي إنسان يلوذ بي ، يقترف ذنباً المرة تلو المرة ، أنا ماذا ينبغي أن أفعل ؟ الحقيقة أن هناك حديثًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم والله يقصم الظهر ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَعْمَلَهُ )) .

(سنن الترمذي)

     الإنسان أحياناً تأخذه العزة بالطاعة لا بالإثم ، لك أن تعتز بطاعتك .

     يروى أن الإمام الحسن كان يمشي بإحساس عال جداً ، قال له : أكِبرٌ يا رسول الله ؟ قال : لا هذا عز الطاعة .

     لك أن تعتز بطاعتك ، ولكن هذه العزة بالطاعة لا تحملك على أن تحتقر عاصياً لله ، لعل هذا العاصي يتوب بعد حين ، ويسبقك ، مادام قلبه ينبض ، وفي عمره بقية فباب التوبة مفتوح على مصراعيه ، والإنسان حينما يتوب إلى الله قد يحرق المراحل حرقاً ، لذلك قال بعض العارفين : " رب معصية أورثت ذلاً وانكساراً ، خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً " ، الذي يقترف ذنباً مغلوب على أمره ، ويبكي أشد البكاء ، ويندم أشد الندم ، وتتمزق نفسه أشد التمزق ، هو أقرب إلى الله من إنسان يطيع الله مع الكبر ! فالاستكبار ولو كان في الطاعة مرفوض عند الله ، وصاحبه محجوب عن الله ، فالعبرة أن أكون مع الله ، وأنا في قمة الطاعة .

     الحقيقة أن الإنسان حينما يستقيم أمامه منزلق الغرور ، أنا كنت أقول دائماً : بلوغ القمة صعب جداً ، كأن القمة هي قمة جبل ، والطريق إليه وعر ، والصعود حاد ، وصخور ، وغبار ، وأكمات وحفر ، لكنك إذا وصلت إلى القمة يمكن أن تنزل منها في ثانية بسبب الغرور ! والغرور هو داء الناجحين في الحياة ، حتى التائب ينظر إلى من حوله يراهم يقترفوا المعاصي يحتقرهم يعيرهم يستعلي عليهم ، ثم يفاجئ أنه وقع في الذنب الذي اقترفوه .

المذيع :

     قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَعْمَلَهُ )) ، هذا معنى دقيق جداً لهذه الآفة التي قد تصيب كثيرين حقيقة ، ليتنا نفصل أكثر ، لا تشجيعاً على المعصية ، لنقل : ذلّ المعصية ، وانكسار العاصي خير من استكبار الطائع ، نركز على أن الطاعة فرضًا واجبًا ، وصلة بالله عز وجل ، ولكن إذا رافقها الاستكبار فهي مرفوضة .

الأستاذ :

     سيدنا يوسف هو نبي ومعصوم ، فحينما نجاه الله من مطب امرأة العزيز ماذا قال : هل قال : إن بإرادتي القوية امتنعت عنها ؟ هل قال : أنا بعلمي الغزير ؟ ما قال هذا ، قال : 

(سورة يوسف)

     إنه استعان بحفظ الله له ، أرأيت إلى هذا التواضع ؟ استعان بحفظ الله له ، بتأييد الله له ، هل من المعقول نبي كريم أبو الأنبياء سيدنا إبراهيم أن يقول :

(سورة إبراهيم)

     المشكلة أن هذا الذي يقترف المعاصي والآثام هو إنسان مثلنا ، وقد يكون مفكراً ، وعاقلاً ، وذا ذكاء كبير ، ولكن أنت حينما يعينك الله على طاعته ينبغي أن تذوب شكراً له ، حينما يعينك الله على عمل صالح تذوب شكراً له ، قلت لكم قبل قليل : سيدنا يوسف قال :

     سيدنا موسى حينما سقى المرأتين ما قال ؟ هذا عمل عظيم أنا فعلته ، أنا خططت له ، أنا رتبته ، أنا عندي خبرات متراكمة ، لا ، قال :

(سورة القصص)

     الحقيقة ، وأنا أحتاج أن أذكرها الآن : المؤمن أمام امتحانين دقيقين جداً ، امتحان بدر وامتحان حنين ، امتحان بدر الافتقار إلى الله :

(سورة آل عمران)

     امتحان حنين قال أصحاب رسول الله ، وفيهم رسول الله : لن نغلب اليوم مِن قلة ، اعتدوا بقوتهم وبعدَدِهم ، فقال تعالى :

(سورة التوبة)

     أنا أستنبط أن كل مؤمن يعاني في اليوم الواحد ـ ولا أبالغ ـ مئات الامتحانات ، في كل موقف تواجهه مشكلة ، في كل أمر عصيب يعانيه ، إذا قال : أنا ، تخلى الله عنه ، وأوكله إلى نفسه ، وإذا قال : الله ، تولاه الله ، فنحن كل يوم بين التولي والتخلي ، تقول : أنا ، يتخلى عنك ، تقول : الله ، يتولاك ، وأنا في قمة الطاعة ، وفي قمة القرب من الله ينبغي أن أعترف أن هذا فضل من الله .

     هذا موقف الأنبياء ، نبي كريم أكبر نبي أعده قدوة للشباب ، سيدنا يوسف في موضوع معين متعلق بالمرأة ، هو غير متزوج ، والتي تدعوه إلى نفسها سيدته ، وهي بارعة الجمال ، وليس من صالحها أن يفوح هذا الأمر ، ثم إنه غريب ، والغريب يشعر بحرية في حركته ، ثم إنه عبد ، وغير متزوج ، والتي دعته سيدته ، العلماء عدوا أكثر من عشرة أسباب تعينه على أن يقترف هذا المنكر ، فقال :

(سورة يوسف)

     الحقيقة أن الشاب أحياناً يؤخذ من المرأة ، والرجل الكبير يؤخذ من المال ، وأكبر معصيتين في الحياة معصية متعلقة بالمرأة ، ومعصية متعلقة بالمال .

المذيع :

     الكلام أيضاً ينسحب على النساء ، معصية تتعلق بالرجل وهكذا ، لأن الحديث عندما يطلق يطلق بالتخصيص .

الأستاذ :

     قاعدة التغليب تجعل كل خطاب للرجال هو خطاب للنساء حكماً ، إلا في حالات خاصة ، هناك أحكام خاصة بالمرأة ، أما إذا قال الله :

(سورة التحريم)

أيضاً أيتها المؤمنات حكماً ، فأنا أريد أنك إذا وفقت على توبة نصوح ينبغي أن تذوب شكراً لله على أنه امتن عليك بهذه التوبة ، وعلى أنه أعانك عليها ، وعلى أنه قبلها منك ، وعلى أنه ثبتك عليها ، هذه نعمة ، لكن أحياناً شاب ليس ناضجاً يعينه الله على طاعة من الطاعات ، فإذا رأى من حوله مقصراً فيها عيّره ، واستعلى عليه ووبخه ، بل الأغرب من ذلك يتألّى على الله ، يقول له : لن يغفر لك هذا الذنب ! الغيب لا يعلمه إلا الله ، سوف أذكر بعض الأحاديث الواجب أن أذكرها الآن :

   عَنْ جُنْدَبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَ (( أَنَّ رَجُلًا قَالَ : وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ ، فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ )) .

(صحيح مسلم)

     كلمة كبيرة أن تعتز بطاعتك اعتزازا غير طبيعي ، وأن تحتقر من يعصي الله ، وهو مغلوب على معصيته ، لعل الله يقبل هذا العاصي يقبل توبته ، ويغفر له ، ولعل الله يحبط عمل المتكبر .

     أنا الآن أتكلم عن أخلاق التائب ، ينبغي أن تكون أخلاقه مشبعة بالتواضع ، ينبغي أن يره فضل الله عليه ، وأن يعتقد اعتقاداً جازماً أنه لولا أن الله أعانه على هذه التوبة لما كانت هذه التوبة ، ينبغي أن يشكر الله على أن بصره ، وأعانه ، وقبل منه ، فإذا رأى إنساناً شارداً تائهاً ينبغي أن يأخذ بيده .

     أنا لا أنسى قول سيدنا عمر لأحد أصدقائه ، وقد ترك الحجاز ، وذهب إلى الشام ، وعاقر الخمر ، وتفلت من منهج الله ، فكتب له كتاب : أحمد الله إليك ، قابل التوب ، غافر الذنب ، شديد العقاب ، ذي الطول ، وما زال يستعطفه ، ويذكره بماضيه حتى بكى بكاء شديداً ، وأقلع عن ذنبه ، وعلم عمر ذلك ، فقال : هكذا اصنعوا مع أخيكم إذا ضل ، كونوا عوناً له على الشيطان ، ولا تكونوا عوناً للشيطان عليه .

     فأنا حينما أتوب ، وأشعر أن الله قَبِل توبتي ينبغي ألا أحتقر العصاة ، ينبغي أن آخذ بيدهم ، أنا أذكر أن النبي عليه الصلاة والسلام جاءه شارب خمر ، وقد أقذعوا له في القول ، فقال : دعوه ، فإنه يحب الله ورسوله ، ما نفى عن شارب الخمر محبة الله ، لكنه أكد أنه مغلوب على أمره .

     عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (( أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ ، قَالَ : اضْرِبُوهُ قَالَ : أَبُو هُرَيْرَةَ ، فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ ، وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ ، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ ، قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ : أَخْزَاكَ اللَّهُ ، قَالَ : لَا تَقُولُوا هَكَذَا ، لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ )) .

[البخاري]

     أنا أريد أن الأخ المؤمن إذا رأى عاصياً ينبغي أن يستوعبه ، أن يكون له قلب كبير .

المذيع :

     ما أحوجنا إلى هذه الأخلاق في هذه الأيام ، والتكفير المجاني على مصراعيه ، والكل يحقر الآخر بمعصيته ، وهكذا الأمر ، أصبح فوضى مطلقة إذا صح التعبير ، فضيلة الشيخ أخلاق التائب ، وعدم احتقاره لمعصية غيره هذا فضل عظيم يمن الله به على عباده التائبين الطائعين ، الركع السجود ، نفصل ذلك أكثر فأكثر في الحلقة المقبلة بإذن الله من برنامجنا منهج التائبين .

     أشكركم ، وأشكر الإخوة المستمعين لحسن متابعتهم ، هذه تحية من فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ، ومنا في برنامج منهج التائبين ، حتى الملتقى مستمعينا الكرام في الغد لكم التحية ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

Copyright © 2007 Nabulsi