English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

ندوات منهج التائبين : المحاضرة "23 / 30"  : صور من الواقع ، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المذيع :

     بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه .

     أيها الإخوة المستمعون ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، نحييكم في مستهل هذه الحلقة من برنامج منهج التائبين ، أرحب بفضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أحد أبرز علماء دمشق ودعاتها ، أهلاً ومرحباً بكم ، وجزاكم الله عنا خير الجزاء في هذه السلسلة من الحوارات ، وما فيها من توجيهات قيمة لأخلاق التائبين ومنهجهم  .

     فضيلة الشيخ ، بعد أن تناولنا صور عدة من الواقع المعاش ، هذه صورة أخرى خاطب ملتزمًا بمنهج الله ، تائبًا سائرًا على طاعته ، ويتجنب نواهيه ، يريد أن يرتبط بمخطوبته ، وهي على شيء من المعصية والتفلت ، يقبل بها مخطوبة ، وعندما يتم عقد القران يفرض عليها منهجه على أنه المنهج الصحيح ، وهو كذلك ، ولكن يفرضه فرضاً من منطلق أنها أصبحت في ذمته ، ومسؤول عنها يوم القيامة ، فكيف يمكن أن نعالج هذه المعضلة التي قد تنفر هذه المخطوبة من خطيبها ؟

الأستاذ :

     بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

     قضية الخطبة بين الخاطب ومخطوبته تنتظمها علاقة ذكرها الله عز وجل ، وذكرها النبي عليه الصلاة والسلام ، ذكرها الله عز وجل في قوله تعالى :

(سورة النور)

     وقد نتوهم أن هذا حكم تكويني ، ليس كذلك ، هو حكم تكليفي ، لو أن هذه الآية حكم تكويني ماذا نفعل بزوج صالح مع زوجة سيئة ؟ أو زوجة صالحة ولية مع زوج سيئ ؟ العلماء أجمعوا على أن هذه الآية لا تعني أنها حكم تكويني ، بل إنها تعني أنها حكم تكليفي ، أي احرصوا يا عبادي .

المذيع :

     لنشرح هذا المصطلح حكم تكويني وحكم تكليفي .

الأستاذ :

     الأحكام التكوينية أفعال الله ، بينما الأحكام التكليفية أوامره ونواهيه ، أنا في طريق وضعت لوحة في أوله مكتوب عليها : " ممنوع المرور " ، هذا أمر تكليفي ، الطريق مفتوح ، وبإمكاني أن أسير فيه ، لكن أتحمل جزاءً مِن قِبل واضعي قوانين السير ، فاللوحة ممنوع المرور ، هذا حكم تكليفي ، أما إن وجدت أربع مكعبات إسمنتية قد أغلقت الطريق نقول : هذا حكم تكويني ، أنا لا أستطيع أن أتجاوزه ، لوجود كتل إسمنتية تحول بيني وبين السير في هذا الطريق ، فالحكم التكويني أفعال الله ، بينما الحكم التكليفي أوامره ونواهيه ، ولله المثل الأعلى ، فحينما يقول الله عز وجل :

     هذا حكم تكليفي ، أي ينبغي أن يكون الطيبون للطيبات ، احرصوا يا عبادي على أن يكون الطيبون للطيبات ، هذا أصل في هذا الموضوع ، ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ ، لِمَالِهَا ، وَلِحَسَبِهَا ، وَجَمَالِهَا ، وَلِدِينِهَا ، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ )) .

(صحيح البخاري)

     يوجد حديث فيه تفصيلات أكثر : (( من تزوج المرأة لجمالها أذله الله ـ لجمالها فقط لم يعبأ بدينها ، ولا بأخلاقها ، ولا بتربيتها ـ ومن تزوجها لمالها أفقره الله ، ومن تزوجها لحسبها زاده الله دناءة ، فعليك بذات الدين تربت يداك )) .

(ورد في الأثر)

     هذه آية وهذا حديث .

     الطرف الآخر  ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ )) .

(سنن الترمذي)

     عندنا فتاة ينبغي أن نبحث عن شاب ذي دين وخلق ، وعندنا شاب ينبغي أن نبحث له عن فتاة مقبول أن تكون جميلة ، وأن تكون ذات حسن ونسب ، ولكن ينبغي أن تكون دينة ، وهذا هو الأصل في القبول ، لكن الذي يحصل أن شاباً أعجب بفتاة ، تعامى عن تفلتها من منهج الله ، فلما أصبحت عنده أعطاها أوامر مشددة دون أن يمهد لها ، عندئذ يواجه مشكلة عويصة لا حل لها ، هي متشبثة بما هي عليه قبل الزواج ، وهو يريد أن يحملها بالعنف والقوة والقهر ، وتهديدها بالطلاق بالالتزام بمنهج الله عز وجل ، هذا موقف غير حكيم إطلاقاً .

المذيع :

     كيف نعالج هذه المشكلة ؟

الأستاذ :

     نحن في الأصل نعالجها وقاية لا نقع فيها .

     مرة سأل معاوية بن أبي سفيان عمر بن العاص رضي الله عنه قال : ما بلغ من دهائك ؟ قال : والله ما دخلت مدخلاً إلا أحسنت الخروج منه ، فقال له معاوية : لست بداهية ، أما أن والله ما دخلت مدخلاً أحتاج أن أخرج منه .

     الإنسان العاقل يتزوج امرأة لا يحتاج أن يطلقها ، الأقل عقلاً إن تزوج امرأة ، ولم تكن كما تتمنى بحكمته يصلحها ، فأنت بين أن تتزوج امرأة وفق أهدافك تماماً ، هذا يحتاج إلى بحث طويل ، وإلى صبر مديد ، لكن إن أخذت امرأة ، ولم تكن كما تتمنى ينبغي أن تعاملها بالرفق .

(سورة النساء)

     آية دقيقة جداً ، فأنت حينما تهتدي إلى الله ، والذين حولك لم يكونوا كذلك ، كيف أن الله صبر عليك ؟ ينبغي أن تصبر عليها ، لذلك الزوجة يمكن أن تقمعها ، ولكن ماذا تدري ماذا تفعل في غيبتك ؟ ولكنك إذا علمتها ، وربيتها كانت في غيبتك كحضرتك .

     هذه قضية مهمة جداً ، الزوج القاسي جداً والقامع تفعل زوجته أمامه ما يريد ، فإذا ولّى ظهره فعلت ما تريد .

     نحن فيما يتعلق بشأن الخطوبة ينبغي أن أبين لمخطوبتي بادئ ذي بدء أنني مسلم ملتزم ، وأن هناك أشياء لا يمكن أن أقبل بها ، أنا أتسامح مع الخطيب ألا يوهم مخطوبته بطاعته ، وهي في بيت أهلها ، أن يعد وجودها في بيت أهلها استمراراً للماضي ، في أثناء الخطبة ينبغي أن يبين لها أنني مسلم ملتزم ، لا أسمح بالاختلاط ، ولا بكذا ولا بكذا ، يوجد أشياء ممنوعة في حياتنا ، وأشياء مباحة ، نأخذ منها بقدر ، وأشياء واجبة علينا أن ننفذها ، لماذا كانت الخطوبة تمهيداً للزواج ؟ ليست الخطوبة من أجل أن يستمتع بها فقط ، من أجل أن يبين لها مبادئه وقيمه ، وعاداته وتقاليده ، وما ينبغي وما لا ينبغي .

     أنا لا أنسى هذه المرأة التي خطبها زوجها فقامت ، وخطبت قالت : " أما بعد ، فيا أبا أمية ، إنني امرأة غريبة ، لا أعرف ما تحب ، وما تكره ، فقل لي ما تحب حتى آتيه ، وقل لي ما تكره حتى أجتنبه ، ويا أبا أمية ، لقد كان لك من نساء قومك من هي كفء لك ، وكان لي من رجال قومي من هو كفء لي ، ولكن كنت لك زوجة على كتاب الله وسنة رسوله ، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ، فاتّق الله فيّ ، وامتثل قوله تعالى : } فإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ { .

     كلام طيب ‍! فأنت في فترة الخطوبة ينبغي أن تبين لهذه الفتاة التي تعلقت بك ما ينبغي وما لا ينبغي ، ما يجوز وما لا يجوز ، أنا أعد من حكمتك أيها الخاطب أن تتساهل معها وهي في بيت أهلها ، لكن حينما تبين لها كل ما تريد منها إذا جاءت إلى البيت ينبغي أن تلتزم ، وإلا تنشأ مصائب تنتهي بالطلاق ، ومن بعض الأحاديث : (( تزوجوا ولا تطلقوا )) .

     أنا أفهم هذا الحديث فهماً دقيقاً : تزوج امرأة إذا اختارها من أسرة متفلتة تُرتكب المعاصي في هذه الأسرة كما يشرب الماء  .

المذيع :

     على رجاء أن يقومها ، وأن يصلح حالها ، وهي كذلك على رجاء أن تصلح حاله ، في حال كانت الصورة معكوسة ، فما رأيكم ؟

الأستاذ :

     لا ننتظر المعجزات ، فتاة نشأت عشرين عاماً في بيت متفلت أشد التفلت ، وليس في البيت قيمة دينية واحدة ، وليس فيه صلاة ولا صيام ، وفيه اختلاط يفوق حد الخيال ، وفيه انسلاخ من الدين شديد ، أنا لا أعتقد أن هذه الفتاة يمكن أن أغامر ، وأخطبها ، وأصلحها ، أما إذا عندها بذرة ، عندها رغبة أن تكون ملتزمة ، أنا أتقدم لخطبتها ، حينما أشعر أن هذه الفتاة تريد أن تكون صالحة ، لكن بيئتها سيئة ، هذه ممكن أن آخذها لأصلحها ، أما حينما يعجبني في فتاة جمالها فقط ، ولا أعبأ ببيئتها ولا بتربيتها ولا بأهلها ، ولا بتفلتهم عندئذ سوف أدفع الثمن باهظاً ، حينما تأتي إلى بيتي .

المذيع :

     عليه أن يهيئ الأسباب لزواج ليس بعده طلاق .

الأستاذ :

 الأكمل أن يتزوج امرأة لا يحتاج إلى تطليقها ، والأقل كمالاً أن يتزوج فتاة ليست على ما يريد ، لكنه يحملها على ما يريد بالحكمة والموعظة الحسنى ، وهذه امرأة لها شعور ، ولها فكر ، ولها عقل ، ولها قلب ، فأنا حينما أطرق بابَ عقلها تارة ، وباب قلبها تارة ، وحينما أكون محسناً لها ، وقدوة لها لا شك أنها سوف تنصاع إلى أمري ، أما حينما أكون أنا أتبع شهوتي ، ثم ألزمها أن تكون عفيفة طيبة فهذا شيء مرفوض ، وهو واسع الانتشار ، هو يطلق لبصره العنان ، ويتكلم ما يريد ، ويلتقي مع من يريد ، ويطيل الحديث مع من يريد ، فإذا نظرت إلى رجل عنفها ، ووبخها وأدبها ، كن لها قدوة أنت ، كما أنك تتمناها عفيفة طاهرة ينبغي أن تراك أنت عفيف طاهر .

     لذلك من أروع الآيات في هذا الموضوع :

(سورة البقرة)

     حتى إن ابن عباس رضي الله عنه يقول : (( والله إني أتزين لزوجتي كما أحب أن تتزين لي )) .

     درجة القيادة ، لا كما بين جندي وقائد جيش ‍! بل بين رتبتين فقط ، لا بين أقل رتبة وأعلى رتبة ، هذه الدرجة الواحدة درجة القيادة ، بل إن الله عز وجل يقول :

(سورة الطلاق)

     تأمرها وتأمرك ، تنصحها وتنصحك ، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام كان قدوة لنا حينما استشار زوجته أم سلمة حينما أراد أن يعتمر ، ومنع أن يعتمر ، وأصبح هناك اتفاقية بينه وبين قريش ، فلما أمر أصحابه أن يحلقوا رؤوسهم ، وأن يتحللوا تألموا ألماً شديداً فتلكؤوا ، فذهب دخل إلى خيمته غاضباً قالت له يا رسول الله : احلق وتحلل أنت وهم يتبعوك ، فأخذ بنصيحة أم سلمة ، هكذا !

المذيع :

     هنا تصح المقولة : إن الوقاية خير من العلاج ، هذا الخاطب عليه أن يتخير بحسن اختيار الزوجة أو المخطوبة ، وإلا لا عليه أن يفاجئها بأوامره ونواهيه ، ويريدها على منهج الله كما هو عليه بعد أن تصبح في ذمته وفي منزله ، هنا يأتي الاتفاق على هذه الأمور في أثناء فترة الخطوية التي جعلت لذلك .

الأستاذ :

     أخطر شيء في حياة الإنسان اختيار زوجته ، لأنها ستغدو أم أولاده ، فإذا أنجب منها ولداً كان الفراق صعبًا جداً ، الطفل يتمزق ، أما أنا فيمكن أن أغير مركبتي من حين إلى آخر ، وأغير بيتي .

     أقول مرة ثانية : حرفة الإنسان وزوجته ألصق شيئين به ، فكلما كان اختياره متأنياً وموفقاً سعد بزوجته إلى أمد طويل ، وكلما كان متسرعاً في اختيار زوجته شقي بها ، وشقيت به .

المذيع :

     اللهم اجعلنا هادين مهتدين ، غير ضالين ولا مضلين ، أشكركم فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أشكر الإخوة المستمعين لحسن إصغائهم ، ومتابعتهم لبرنامج منهج التائبين ، ملتقانا في الغد بإذن الله تعالى ، حتى ذلك الحين لكم التحية ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

Copyright © 2007 Nabulsi