English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

ندوات منهج التائبين : المحاضرة "24 / 30"  : سلوك التائب في المجتمع ، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المذيع :

     بسم الله الرحمن الرحيم ، و الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

     أيها الإخوة المستمعون ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، أحييكم في مستهل هذا اللقاء المتجدد بحمد الله تعالى دائماً عبر أسير إذاعة القرآن الكريم من لبنان ، أرحب بفضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أحد أبرز علماء دمشق ودعاتها ، أهلاً ومرحباً بكم ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

الأستاذ :

     وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .

المذيع :

     ما زلنا نتحدث في منهج التائبين ، وأخلاق التائب لنصل إلى ملمح هام جداً ، ألا وهو كيف يتحرك هذا التائب في المجتمع ، كيف ينقل توبته إلى الآخرين ، ويدعو إليها ؟

الأستاذ :

     بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

     الحقيقة أن المؤمن دون أن يشعر ، وقد أقول : دون أن يكون داعية إلى الله ، لأن الصدق وحده دعوة ، والأمانة وحدها دعوة ، والعفة وحدها دعوة ، فنحن نريد أن نؤكد هذه الحقيقة أن الإيمان ما إن تستقر حقيقة الإيمان في قلب المؤمن إلا وتعبر عن ذاتها بحركة إلى الآخرين ، ليس في الأرض مؤمن سكوني بعيد عن الحياة ، منسحب ، متقوقع ، انعزالي ، سلبي ، لا يمكن أن تكون هذه صفات المؤمن ، المؤمن إيجابي ، يعاشر الناس ، يخالطهم ، يحتمل أذاهم ، لكن هذا التائب له ميزة ، قد تكون دعوته دعوة صامتة ، وأنا أرى الآن أن الدعوة الصامتة أبلغ من الدعوة الناطقة ، ذلك أن الأنبياء جاؤوا بالكلمة ، وبالكلمة قلبوا وجه الأرض ، وحققوا المعجزات ، ولكن مع شديد الأسف أن هذه الكلمة في عصور الضياع ، والهرج ، والمرج ، والكذب ، والتدوير ، والتزوير ، والنفاق فقدت مصداقيتها ، فكأن الكلام لم يعد يؤثر كما ينبغي ، ما الذي يصلح هذا الخلل في الدعوة البيانية ؟ يصلح هذا الخلل الدعوة الصامتة ، فأنا أتأثر أشد التأثر لموقف صادق ، أو موقف عفيف .

     جاءتني رسالة من إنسان أقسم لي إنه عقب سماع درس في الأمانة أعاد إلى ورثة عشرين مليون ليرة سورية ، دون أن يملكوا عليه سنداً أو بينة ! هذا الأمين بعمله يفوق حد الخيال .

     حدثني أخ جاء من واشنطن قال : سائق مغربي نسيت سيدة عنده محفظة لها في عشرة آلاف دولار في سيارته ، ذهب إلى قسم الشرطة في ( نيوجرزي ) وقدم هذه المحفظة لرئيس القسم ، لكنه كان واعياً جداً ، طلب منه إيصالاً أو نسخة عن إيصال ليرى أين ستكون هذه الأمانة ، وما مصيرها ؟ الذي حدثني به أخ كريم ، أنه جمع طلاب بعض المدارس ، وجاء حاكم الولاية ، وسأل الطلاب : لو أنكم وجدتم في مركبة مبلغاً من المال ماذا تفعلون به ؟ فقالوا بشكل عفوي : نأخذه ، فقال : لكن هذا السائق المسلم أعاد عشرة آلاف دولار !

     أحياناً موقف أمين أو عفيف أو صادق يفوق آلاف المحاضرات ، نحن الآن بحاجة إلى دعوة صامتة ، المشكلة أن التائب حينما غض بصره ، وضبط لسانه ، وضبط دخله وإنفاقه ، حينما انتظمت حياته آلاف المبادئ والقيم إنسان متميز ، وصارخ في حياته ، الشيء الممنوع لا يفعله ، لو هددته ، وما شئت أن تهدد .

     المؤمن الصادق لا تغريه سبائك الذهب اللامعة ، ولا ترهبه سياط الجلادين اللاذعة ، إنه عرف الله ، واستقام على أمره ، فهذا الذي تاب إلى الله لأنه صادق ، صدقه دعوة إلى الله دون أن يشعر ، لأنه أمين أمانته دعوة إلى الله ، لأنه عفيف عفته دعوة إلى الله دون أن يشعر ، ذلك أن الصدق والأمانة والعفاف أركان الأخلاق ، هذا المؤمن إذا حدثك فهو صادق ، وإذا عاملته فهو أمين ، وإذا استثيرت شهوته فهو عفيف ، لذلك سيدنا جعفر حينما سأله النجاشي عن رسول الله قال : (( أيها الملك ، كنا قوماً أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الرحم ، ونسيء الجوار ، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته ، وصدقه ، وعفافه ، ونسبه ، فدعانا إلى الله لنعبده ، ونوحده ، ونخلع ما كان يعبد آبائنا من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء )) .

[أحمد عن أم سلمة]

     فعجبي من أن هذا الصحابي الجليل العملاق سيدنا جعفر حينما كلفه النجاشي أن يعرفه بدين الإسلام أنْ ذكر له قيمه الخلقية ، وكأن النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال : (( بني الإسلام على خمس ... )) .

[متفق عليه عن ابن عمر]

     فكأن الخمس شيء ، والإسلام بناء أخلاقي كامل ، بل إنه من زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان .

     أنا لا أصدق أن إنساناً يشد إلى الدين من صلاة المصلي ، ولا من صيام الصائم ، ولكن يشد إلى الدين من معاملة المؤمن ، معاملة المؤمن متميزة حين ينعكس إيمانه صدقاً وإخلاصاً وأمانة ووفاء بالعهد وإنصافاً .

     رجل في أثناء موسم الحج هناك دية المقتول خطأ بحادث سير ضعف ديته قبل موسم الحج ، ديته في الحج مائتا ألف ريال ، واللهِ سمعت هذه القصة ، وتأثرت لها تأثراً بالغاً : إنسان يركب مركبته ، في طريق فرعي ظهر منها شاحنة ، فيها رجل وامرأته وبنتان ، فلما ظهرت مقدمتها في الطريق الفرعي خفف سرعته ، فلما بدا لسائق الشاحنة أن يقف وقف مديداً ، ولم يتحرك ، فأعاد سرعته العالية ، بعد أن رفع سرعته العالية تقدم فجأة فحدث حادث ، فماتت زوجته وولداه ، ترتبت على هذا السائق الذي ضرب هذه المركبة الصغيرة ستمئة ألف ريال ، أي ما يزيد على عشرة ملايين ليرة سورية ، ماذا قال له هذا البدوي حينما جاء أولوا الأمر ، الشرطة ؟ قال : والله الحق علي ، وخسر بهذه الكلمة عشرة ملايين ليرة .

     الحقيقة عصرنا فيه تقدم وكومبيوتر ، وصواريخ وأقمار صناعية ، وفضائيات وأجهزة حديثة جداً ، لكن هذا العصر مع كل تفوقه العلمي والتكنولوجي فيه لؤم وقسوة ، وأنانية وتأكيد الذات ، بينما العصور السابقة الإسلامية فيها نبل ورحمة وإنصاف ، فنحن لا نستطيع أن نشد الناس إلى الدين بصلاتنا وصيامنا فقط ، نشدهم إلى الدين بإنصافنا ورحمتنا ومعاملتنا .

     سيدنا صلاح الدين الأيوبي حينما فتح القدس لم يسفك دماً حراماً ، بل إن امرأة جاءته وقد فقدت ابنها ظل واقفاً حتى أعادوا لها ابنها ! الحقيقة أن التائب دون أن يشعر داعية إلى الله ، ودعوته صارخة ومؤثرة ، لأن الناس كما قلت في حلقة سابقة : يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم ، ولغة العمل أبلغ من لغة القول ، أنت حينما تأتمر بأمر الله طلباً لرحمة الله وحفظه وتوفيقه ، لكن من أدراك أن الذي رآك تغض بصرك ، أو أن الذي رآك تؤدي ما عليك بالتمام والكمال ، أو أن الذي رآك تعف عن محارم الله ، هذا الذي يتأثر ما هذا الإنسان ؟

     أنا أذكر أن هناك اسمًا لامعًا جداً في أمريكا اسمه ، جيفري لانك ، هذا عالم رياضيات من قمم علماء الرياضيات ، وهو ملحد ، جاءته شابة شرق أوسطية محجبة حجاباً كاملاً في أيام الصيف الحارة ، يقول هذا العالم : إن فتيات أمريكا في الصيف شبه عرايا ، هذه جاءته من الشرق الأوسط ، وهي محجبة حجاباً كاملاً ، قال : عندها قناعات عالية جداً ، حتى إنها خالفت ما هو عليه بنات جنسها ، قال : ثم إنني شعرت بقدسيتها ، ثم إنني لم أجرؤ على أن أحدق في وجهها ، ثم إنني شعرت برغبة جامحة أن أخدمها ، ثم عكفت على قراءة كتب المسلمين ، قرأ تفسير القرآن وقرأ السنة ، وانتهى به المقام إلى أن يكون الآن من أكبر دعاة أمريكا ! وحينما زرت أمريكا كنت على موعد معه ، لكن لم يتح لي أن ألتقي به .

     ما الذي دفعه إلى أن يسلم ؟ هذه الفتاة المحجبة ، الفتاة لم تتكلم بكلمة .

المذيع :

     وجد أن وراءها عقيدة صلبة ، وإيمان راسخ .

الأستاذ :

     كنت مرة في الحج ، فأشاروا إلى إنسان ألماني غربي يطوف حول البيت ، له قصة رائعة ، سكن عنده شاب من دمشق في بيته ، وعندهم لا مانع أن تكون علاقة بين من يسكن عندهم وبين ابنته ، له فتاة جميلة جداً ، المشكلة أن هذا صاحب البيت لم يستطع أن يرى هذا الشاب يحدق مرة في ابنته ! غير طبيعي ، يسكن معهم ، وهو في البيت ، وليس هناك قيود إطلاقاً ، فجرى حوار بينه فكان إسلام هذا الرجل على يد هذا الشاب ، ما الذي دفعه إلى حواره ؟ غض بصره فقط .

المذيع :

سبحان الله العظيم ‍‍‍‍! ‍الذي يسر على يد هذا الشاب هدى هذا الرجل .

الأستاذ :

     حجاب هذه الفتاة سبب هداية أكبر عالم رياضيات ملحد ، والآن من أكبر الدعاة بأمريكا جيفري لانك ، وألف كتاباً ثميناً جداً درست بعضه في دمشق ، وبالمقابل هناك قصة أخرى لشاب مقيم في أمريكا بسبب الدراسة ، رأى فتاة أعجبته جداً ، فاستأذن والدها أن يتزوجها ، فلما علم الأب ذلك توعده أنه إذا تزوجها ليس ابنه ، وسيحرمه من الإرث ، فتألم ألماً لا حدود له ، ثم اقترح عليه مرة ثانية أنها إذا أسلمت هل يقبل ؟ فالأب وافق ، فاشترى كتباً إسلامية مترجمة إلى اللغة الإنجليزية ، ودفعها إليها كي تقرأها ، وتسلم فيتزوجها ، هي ذكية جداً ، قالت له : لابد من أن أقرأها بعيدة عنك حتى لا تكون ضاغطاً علي ، فجرى بينهما اتفاق على أن تبتعد عنه أربعة أشهر لتقرأ هذه الكتب ، فإن قنعت بالإسلام أسلمت ، وتزوجها ، هو بدأ يعد هذه المدة بالساعات ! بل بالدقائق ، ومضت هذه الأشهر والتقى بها ، وكانت المفاجأة الصاعقة أنها أسلمت ، ولكنها لن تتزوجه ، لأنه ليس مسلماً !

     هذه قصة معاكسة ، حينما عرفت الإسلام رأته ليس مسلماً ، فأنت حينما تطبق الإسلام تدعو إلى الله ، وأنت لا تشعر ، وحينما تخالفه تنفر من هذا الدين ، وأنت لا تشعر ، هذا ما أردنا أن نؤكده في هذا اللقاء .

المذيع :

     كانت هذه مشاهدات حول كيفية تعاطي التائب في المجتمع مع من حوله ، أشكركم فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ، نلتقي في الغد في حلقة أخرى من برنامج منهج التائبين بإذن الله تعالى ، أشكر الإخوة المستمعين لحسن إصغائهم ومتابعتهم ، حتى الملتقى لكم التحية ، السلام عليكم ورحمة الله بركاته .

Copyright © 2007 Nabulsi