English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

ندوات منهج التائبين : المحاضرة "25 / 30"  : الذنوب أسباب هلاك الأمم ، والتوبة حفظ هذه الأمم ، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المذيع :

     الحمد لله ، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين .

     أيها الإخوة المستمعون ، نجدد التحية دائماً عبر أسير إذاعة القرآن الكريم من لبنان ، كما يسرني أن أرحب بفضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أحد أكبر دعاة دمشق وعلمائها ، أهلاً ومرحباً بكم ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

الأستاذ :

      وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .

المذيع :

     فضيلة الشيخ ، من المعروف أن هناك أسبابًا لهلاك الأمم ، وفي مقدمات النهاية لسلسلات حواراتنا حول التوبة فإن أسباب هلاك الأمم هي الذنوب ، لنستعرض بعض الأسباب لنتجنبها ، ونعلم مدى قدر التوبة من تلك الذنوب .

الأستاذ :

     بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

     يقول الله عز وجل :

(سورة الروم)

     هذه الآية خطيرة جداً ، في أنها تؤكد أن الفساد من صنع البشر ، خالق البشر كل شيء أبدعه خير عميم ، لكن الإنسان حينما أودعت فيه الشهوات ، وأعطي منهجاً ليضبطها وضع المنهج وراء ظهره ، وتحرك بلا منهج ، وقع الفساد في الأرض ، وهذا الفساد في الأرض .

     فالباء باء السبب ، والله عز وجل كان من الممكن أن يفسد الإنسان ، ولا يذيقه نتائج فساده ، إذاً لا يتوب ، لكن شاءت حكمة الله عز وجل أنه إذا فسد أذاقه نتائج فساده لعله يتوب قال :

     ولو استعرضنا الآيات القرآنية التي تتحدث عن أسباب هلاك الأمم لوجدنا هناك أسباباً كثيرة ، في مقدمة هذه الأسباب التكذيب بما جاء به الأنبياء ، وقد قال الله عز وجل :

(سورة الفرقان)

     أحد أكبر هلاك الأمم التكذيب برسالات الأنبياء ، ولكن هناك قضية خطيرة جداً، ذلك أنه في العالم الإسلامي لا تجد مؤمناً واحداً يكذب بما جاء به الأنبياء ، ولكن هناك بما جاء بالتكذيب العملي ، لو تتبعت حياة المسلمين لا تجد في حياتهم ما يؤكد إيمانهم بالآخرة ، ولا ما يؤكد بأن الله يراقبهم ، وسيحاسبهم ، سلوكهم لا يتناسب مع ما يدّعونه من إيمان ، هذا التكذيب العملي أخطر بكثير من التكذيب اللفظي ، إنك إن كذبت بلسانك فهناك من يحاورك ويقنعك ، لكنك حينما تعترف أن هناك يوماً آخر ، وأن هناك حسابًا ونارًا ، ولا نجد في عمل هذا الإنسان ما يؤكد إيمانه فهذا التكذيب الخطير الذي لا يكشف ، لذلك العلماء قالوا : هناك كبائر ظاهرة ، وهناك كبائر باطنة ، الكبائر الظاهرة الإنسان يتوب منها سريعاً لأنها ظاهرة ، ولكن كبائر القلب كبائر باطنة كالكبر والاستعلاء ورد الحق ، فحينما أقول التكذيب أقصد التكذيب العملي في العالم الإسلامي ، يؤكد هذا المعنى قول النبي عليه الصلاة والسلام ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : (( خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ ، فَقَالَ : أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ؟ قَالَ : قُلْنَا : بَلَى ، فَقَالَ : الشِّرْكُ الْخَفِيُّ ، أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ )) .

(سنن ابن ماجة)

     أما إنني لست أقول : إنكم تعبدون صنماً ، ولا حجراً هذه انتهت ، ولكن شهوة خفية وأعمال لغير الله ، أنا لا أخشى من التكذيب اللفظي ، قد يظهر كاذب من حين إلى آخر فيكذب ، هؤلاء قلة قليلة هم في مزبلة التاريخ ، لكن الذي يقلق المسلم الذي يتمنى أن يعم الخير على كل المسلمين ، الذي يقلق هذا المسلم أنك لا تجد في حياة الناس اليومية ، ولا في تعاملهم ، ولا في بيوتهم ، ولا في تجاراتهم ، ولا في سفرهم ، ولا في علاقاتهم ما يؤكد إيمانهم باليوم الآخر .

     الشيء الثابت أن الإنسان يتعامل مع الواقع بإدراك انفعال سلوك ، أنا لا أنفعل إلا إذا كان إدراكي صحيحاً ، كما أنني لا أتحرك إلا إذا كان انفعالي صحيحاً ، ولعل من أبسط الأمثلة أنك إذا رأيت وأنت في بستان أفعى فعلامة إدراكك أنها أفعى لدغتُها قاتلة أنك تضطرب ، وعلامة اضطرابك أنك تتحرك إما لقتلها ، وإما إلى الهروب منها ، كأن هذا قانون .

     لذلك لو أن الناس أيقنوا أن الله يعلم ، وسيحاسب ، وسيعاقب لا يمكن أن يعصيه أحد ، بل إن الله عز وجل حينما قال :

(سورة الطلاق)

     كأن الله اختار من بين أسمائه الحسنى اسمين فقط القدير والعليم ، حينما تعلم ، وتوقن أن علمه وقدرته تطولك فلا يمكن أن تعصيه ، هذا جانب من جوانب أسباب هلاك الأمم ، التكذيب .

المذيع :

     هل تؤخذ الأمة بذنب بعض الناس ؟

الأستاذ :

     مستحيل ‍! لأن الله عز وجل يقول :

(سورة الأنعام)

     ولأن الله عز وجل يقول :

(سورة العنكبوت)

(سورة سبأ)

     ولأن الله عز وجل يقول :

(سورة الزمر)

     ولكن تؤخذ الأمة أحياناً بمعصية بعض أفرادها إذا أقرتهم على ذلك .

المذيع :

     تقولون : إن من أسباب هلاك الأمم التكذيب ، وسنستعرض بقية الأسباب ، ولكن هنا لا يمكن أن نعمم أن كل المسلمين في عالمنا الإسلامي يكذبون تكذيباً فعلياً ، هناك مجموعة كبيرة أيضاً من الأمة الإسلامية تلتزم منهج الله ، وتعمل بما شرعه ، وأمر به ، فكيف تؤخذ الأمة بذنب البعض ؟

الأستاذ :

     أنا أرفض المقولة الشائعة بين عامة المسلمين : أن البلاء يعم ، أنا أرى أن البلاء خاص ، والإكرام خاص ، والآية دقيقة جداً :

     لا تحمل نفس حِمل نفس أخرى .

     ولكن قال ربنا عز وجل :

(سورة هود)

     ما قال صالحون ! فهذا الذي ينسحب من المجتمع ، ولا يعنيه أمر هدايته ، ولا يأمر بالمعروف ، ولا ينهى عن المنكر ، ولا يحمل هم المسلمين هو مستقيم وحده ، وانتهى الأمر ، هذا يؤخذ بجريرة غيره ، لأنه ترك فريضة سادسة ، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ترك فريضة كبيرة ، فأنا حينما أقول : أخذ الناس جميعاً بتكذيبهم الأنبياءَ بمعنى أن الباقيين أقروهم على أعمالهم ، سيدنا عمر يقول : " والله لو أن قرية ائتمرت على قتل واحد لقتلتهم به جميعاً .

     أستاذ زياد ، تصور أن حريقاً نشب في حي من أحياء بلدة ما ، فالذي يسكن في الطرف الآخر من الحي قال : أنا ليس عندي ماء ، إن لم يخرج من بيته ، ويساهم في إطفاء النار في أول الشارع النار سوف تصل إليه ، لعل هذا معنى قوله تعالى :

(سورة الأنفال)

     هذا الذي لم يقترف هذه المعصية ، وأهلكه الله ، لأنه لم ينهَ عنها ، ولم يتمعر وجهه حينما يراها ، ولم يعبأ بنشوب المعصية بين المسلمين ، هذا ذنب أيضاً ، لكن بشكل عام التعميم من العمى ، لا يعمم إلا أعمى ، في كل بلد هناك طيبون وصالحون ، ودعاة إلى الله صادقون وملتزمون ، هناك من يخاف الله ، لكن حينما يغلب على الأمة فسادها وانحرافها وتفلتها من منهج ربها عندئذ تستحق الهلاك ، لكن المستقيم له معاملة خاصة .

     قال تعالى أيضاً :

(سورة الفرقان)

  

     تكذيب رسالات الأنبياء أحد أكبر أسباب هلاك الأمم ، والتكذيب قولي وفعلي ، وأنا أرى أن التكذيب الفعلي أخطر من التكذيب القولي ، لأن التكذيب الفعلي يدعوك إلى أن تجيبه ، أن تحاوره ، وتأتيه بالدليل والبرهان ، لكنه يعلن أنه مؤمن بالآخرة ، فإذا دققت في حياته اليومية لم تجد أثراً لهذا الإيمان ، تماماً لو أنك ذهبت إلى طبيب ، وعالجك ، وكتب لك دواءً ، وأنت بلباقة عالية أثنيت عليه ، وعلى علمه ، لكنك لم تشترِ الدواء ، لأنك لست مقتنعاً بوصفته ، عدم شراء الدواء هو تكذيب بعلمه ، مع أنك بالغت في احترامه ، وفي الثناء عليه ، فما يقوله الإنسان ، ولا يعمل به لا قيمة له إطلاقاً ، لذلك لم يكن في حياة النبي e نفاق ، لأن المؤمنين كانوا ضعاف ، فالنفاق متى يكون ؟ إذا أصبح المؤمنون أقوياء ، وهناك من له مصالح معهم ، فينافق لهم ، لم يكن هناك نفاق ، فلذلك كان التكذيب صريحًا ، وهذا ملمح خطير في أن الله عز وجل حينما أرسل أنبياءه كانوا في بداية الأمر ضعفاء ، لماذا ؟ لو جعلهم أقوياء لآمن الناس بهم جميعاً ، لا عن قناعة بدعوتهم ، ولكن خوفاً منهم ، لذلك أيعقل أن يمر النبي e على بعض أصحابه ، وهو يعذب ، ولا يستطيع أن يفكه من هذا العذاب ؟ مهلاً آل ياسر ، فإن موعدهم الجنة .

     حينما يكون موضوع التوبة سبباً من أسباب هلاك الأمم ، يكون حجم التوبة وثمارها كبيرة جداً في حياة المؤمن ، لأن هلاك الإنسان شيء مدمر ، فإذا تاب الإنسان من سبب من أسباب هلاكه فقد نجا من عذاب الدنيا وشقاء الآخرة ، فرداً كان أو مجتمعاً .

المذيع :

     ذكرتم بأن التوبة حينما يكون موضوعها سبباً كبيراً من أسباب هلاك الأمم ، أي سبب هلاك الأمم من ذنب كبير ، وهذا الذنب كان موضوع التوبة ومنطلق التوبة .

الأستاذ :

     يقول ابن عباس كلامًا رائعًا : قال : " ما نزل بلاء إلا بذنب ، ولا رفع إلا بتوبة " ، وحينما نقرأ القرآن الكريم نجد أن الله سبحانه وتعالى يقول :

(سورة النساء)

     أي إن الإنسان حينما يؤمن الإيمان الحق ، وحينما يشكر الشكر الحق ، فقد حقق سبب وجوده في الحياة ، عندئذ تنتهي المعالجات كلها ، سبب هلاك الأمم أن تقترف المعاصي والآثام ، وأن يكذب الأنبياء ، فحينما نصدق ، ونستقيم على أمر الله نكون قد تلافينا سبب هلاكنا .

     وهناك فكرة دقيقة جداً ، وهي أن الأمة أو الفرد إذا وقعوا فيما يوجب هلاكهم فهناك أنواع كثيرة جداً لهلاكها ، قد يكون بعارض طبيعي ، كزلزال ، أو فيضان ، أو صقيع ، أو جفاف ، أو بمشكلات داخلية ، أو بعدوان خارجي ، هذه منوعة في أشكالها ، لكن متحدة في سببها ، حينما ترتكب الأمة سبب هلاكها ، قد يأتي الهلاك من طرق كثيرة ، ولا ينفع حذر من قدر ، ولكن ينفع الدعاء مما نزل ، ومما لم ينزل .

المذيع :

     نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي نتابع غداً بإذن الله تعالى استعراض أسباب هلاك الأمم ، وذلك انطلاقاً من تلافي هذه الأسباب بتوبة نصوح صادقة ، ونستعرض هذه الأسباب بعدما تحدثنا في منهج التائبين ، وفي سلسلة حواراتنا عن الذنوب التي يمكن أن تؤثر على الفرد ، الآن نتحدث عن الأمم ، وأسباب هلاك الأمم بذنوب كبيرة ، أشكركم ، وأشكر الإخوة المستمعين لحسن متابعتهم ، حتى الملتقى في الغد لكم التحية ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

Copyright © 2007 Nabulsi