English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

ندوات منهج التائبين : المحاضرة "27 / 30"  : الكفر بنعم الله سبب لهلاك الأمم ، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المذيع :

     بسم الله ، والحمد لله ، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه .

     أيها الإخوة المستمعون ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، نحييكم في مستهل حلقة جديدة من برنامج منهج التائبين ، أرحب بفضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أحد أبرز علماء دمشق ودعاتها ، أهلاً ومرحباً ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

الأستاذ :

     وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .

المذيع :

     نتابع ما بدأناه من استعراض لأسباب هلاك الأمم ووجوب التوبة من هذه الأسباب ، نتوقف عند الكفر بنعم الله ، وهو سبب أساسي ووجيه لهلاك الأمم ، فكيف يمكن أن نوضح هذه الفكرة ؟

الأستاذ :

     بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

     الحقيقة أن الله عز وجل حينما قال متحدثاً على لسان إبليس :

(سورة الأعراف)

     وللعلماء وقفة متأنية عند هذه الآية ، فإبليس ـ لعنه الله ـ مادام الإنسان شارداً عن منهج الله يتركه ، مادام منغمساً في الملذات والمعاصي والآثام يتركه ، فإذا تاب هذا الشاب إلى الله توبة نصوحًا ، واصطلح مع الله ، وعزم على السير في طريق الإيمان يتصدى له .

     حينما يفكر الإنسان بالصلح والتوبة مع الله ، ويعقد العزم على السير في طريق الإيمان يأتيه الشيطان .

     وبالمناسبة الشيطان سمح الله له أن يفعل ما يفعل ، ويوظف له هذا الفعل لصالح المؤمن ، فوساوس الشيطان قد تدفع المؤمن إلى مزيد من العلم ، وقد تدفعه إلى مجالس العلم ، وقد تدفعه إلى طلب العلم ، فالشيطان يريد إضلال الإنسان وإفساده ، ولكن الله يوظف هذه الرغبة وهذا السلوك لصالح المؤمن .

     قلت قبل قليل : لهذه الآية ملمح خطير قال :

     يقول الإنسان الشارد : التقدم والحداثة والعصرنة ، وهذا عصر الكومبيوتر ، وعصر الفضائيات ، على حساب دينه ، وكأن هذا الدين لا يلح لهذا العصر ، فأحد أكبر أسباب الوسوسة ، وإغواء الشيطان لبني الإنسان تزيين ما في العصر من مغريات ، ومن تفلتات ومن شهوات ، ومن تجاوزات لمنهج الله .

     وإذا كان لهذه الأمة التي هداها الله تاريخ قديم فيه جاهلية جهلاء ، الشيطان يزين لهذه الأمة تاريخها القديم ، فأكثر الأمم الشاردة تعود إلى التاريخ القديم ، تاريخ الوثنية والانحراف والتفلت ، فهناك مصدران كبيران لإفساد الشيطان ، أن يزين لأتباعه ما في العصر الحديث من سقطات وانحرافات وإباحية وآثام وشبهات وضلالات ، أو ما في العصور السابقة قبل الإسلام من ضلالات أيضاً وانحرافات .

     يأتيهم بالوسوسة ، وضوءك لا يصح ، فصلاتك لا تصح ، فأنت هالك ، قرأت الفاتحة ، هناك شدة لم تتقنها ، فقراءتك باطلة فصلاتك باطلة ، هذا جانب من الوساوس .

 

     قبضت راتبك من المصرف ، والمصرف ماله حرام ، أنت معلّم وموظّف ، وقد أنجزت عملك بدقة وأمانة لا علاقة لك بمصدر المال ، تأخذ مالك حلالاً ، لكن الشيطان حتى يعيق إقبال الإنسان على الله يأتيه عن يمينه من جهة دينه وورعه ، وعبادته وطهارته ، وإيمانه بالله ، يوسوس له ، هذا الطفل الصغير ولد أعمى ، ما ذنبه ؟ هذه عن أيمانهم .

     المعاصي والآثام ، فأصبح هناك أربع جهات .

     من بين أيديهم ما في العصور الحديثة من الآثام والفسق ، والفجور والانحراف ، والانحلال والاختلاط ، وما إلى ذلك ، وما في العصور القديمة من جهل وانحراف ، وعن أيمانهم ما في الدين من تأويلات باطلة ، وأحكام جائرة في نظر بعضهم ، أن هذه الصلاة لا تصح إلا بكذا ، وعن شمائلهم المعاصي والآثام ، ولكن الله أغفل جهتين ، أغفل جهة العلو والجهة الأرضية ، قال العلماء : هذا اجتهاد لطيف ، أن الطريق إلى الله سالك ، ومحصن من وساوس الشيطان ، وأن طريق الافتقار إلى الله أيضاً طريق سالك ومحصن ، فهناك جهتان آمنتان محصنتان ، جهة العلو وجهة الافتقار إلى الله .

     هذه جهات فيها وساوس ، وفيها ضلالات ، وما إلى ذلك ، ورد في بعض الأحاديث القدسية : (( إني والإنس والجن في نبأ عظيم ، أخلق ويعبد غيري ، وأرزق ويشكر سواي ، خيري إلى العباد نازل ، وشرهم إلي صاعد ، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم ، ويتبغضون إلي بالمعاصي ، وهم أفقر شيء إلي ، من أقبل علي منهم تلقيته من بعيد ، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب ، أهل ذكري أهل مودتي ، أهل شكري أهل زيادتي ، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي ، إن تابوا فأنا حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب ، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد ، والسيئة بمثلها وأعفو ، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها )) .

[ورد في الأثر]

     هل يمكن أن تقول لإنسان : خذ هذه الليرة ، وعدّها ؟ كلام لا معنى له ، لا تعدّ ! كيف يقول الله عز وجل :

(سورة إبراهيم)

     قال علماء التفسير : إن نعمة واحدة لو أمضيت كل حياتك في عدّ خيراتها وبركاتها لا تنتهي منها ، النعمة الواحدة ! ثم إن الله عز وجل يقول :

     أي : أنتم عاجزون عن إحصاء بركات نعمة واحدة ، فلأن تكونوا عاجزين عن شكرها من باب أولى .

     الأخ حينما ينجب مولوداً تأتيه هدايا كثيرة من أقربائه ، لو جلس مع زوجته ليكتب قائمة لهذه الهدايا ، من جاء بها ، كتب قائمة ، يا ترى إحصاء هذه الهدايا ومعرفة من أهداها أهون أم ردها في مناسبات قادمة ، ودفع مبالغ طائلة كي ترد هذه الهدية ؟ فنحن عاجزون لا عن شكر النعمة ، بل عن إحصائها فقط ، فلأن نكون عاجزين عن شكرها من باب أولى .

المذيع :

     هنا الكفر بنعم الله سبب من أسباب هلاك الأمم ، وهل يكون شكر النعمة شكراً جماعياً من الأمة ؟ وكيف يكون ؟

الأستاذ :

     يقول الله عز وجل :

(سورة سبأ)

     لذلك حينما قال قوم سبأ :

(سورة سبأ)

     من شدة الرخاء والأمطار ، والنباتات والبساتين ، والمياه الوفيرة والعذبة أصبحت بلادهم متصلة ، أنت الآن إذا ذهبت إلى بلد جميل ، وفيه خيرات وافرة ، البناء يتصل ، والمرافق تتصل ، والحاجات تتصل ، وكأنها بلدة واحدة .

     عجب الناس من هذا الدعاء ، أيعقل لإنسان عاقل أن يدعو على نفسه بالهلاك ؟ اجعل بلادنا قاحلة يا رب ! نحن في لبنان كما تعلمون يوجد مناطق متصلة كلها غابات وأبنية ، وبيوت جميلة ، ومرافق وخدمات ، فهذه متصلة ، لكن ما معنى :

     أي : جاء الجفاف ، فجفت الأشجار ، ويبس الزرع ، وتباعد الناس في البنيان ، قال علماء التوحيد : لا يعقل لإنسان أن يدعو على نفسه بالهلاك ! ما تفسير هذه الآية ؟ قالوا : هذا الذي يعصي الله لسان حاله يقول : يا رب ، دمرني ، أفقرني ، لأن المعاصي والآثام سبب الفقر والدمار .

     كمعنى فرعي يقول عليه الصلاة والسلام : (( إني لأكره المرأة تخرج من بيتها تشتكي على زوجها )) .

(ورد في الأثر)

     عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ )) .

(مسند الإمام أحمد)

    هذا كفر بالنعمة تقريباً ، فقال الله عز وجل بعد أن أهلكهم :

     أيْ : عبرًا ، وما هذه الآثار التي نراها بأعيننا كالأهرامات والمدرجات الرومانية ، هذه الآثار أرادها الله أن تبقى لتكون عبرة لكل من أراد أن يعتبر .

     والحقيقة أن هناك بحثًا لطيفًا في القرآن الكريم ، أنني أحصيت كلمة أشد منهم قوة فوجدتها في تسع آيات حصراً ، فكلما أهلك الله قوماً ذكرهم بأنه أهلك من هو أشد منهم قوة ، إلا في آية واحدة رائعة : حينما أراد الله أن يهلك عاداً قال :

فقال الله لهم :

(سورة فصلت)

     وهذا استنباط قطعي ، أن عاداً الأولى كانت أقوى الأمم ، ليس فوقها إلا الله ، فكل أمة أهلكها الله ذكرها بأمة أخرى كانت أقوى منها ، أما حينما أهلك الله عاداً الأولى ذكرها أن الله هو أشد منها قوة ، وهذه إشارة إلى أن عاداً بلغت أعلى درجة في القوة ، وأية أمة أرادت أن تكون كعاد الأولى وادّعت القوة والغطرسة والكبر ، كأن الله عز وجل يقول لها كما قال لغيرها :

     هناك سبب آخر يمكن أن يكون سبباً وجيهاً لهلاك الأمم هو النقص والتطفيف في الكيل والميزان ، وإذا وسّعنا هذا الموضوع ليشمل الغش ، والذي يلفت النظر أن سورة المطففين ذكرت هذا ، قال تعالى :

(سورة المطففين)

     الشيء العجيب أن هذه السورة موجودة في جزء عم ، في الجزء الثلاثين ، وكل السور التي قبلها ، والتي بعدها تبدأ بآيات كونية ، وكأن هذه السورة تنفرد بحكم شرعي ، فقال علماء التفسير : إذا كان عدم إيمانك بالله ، وعدم أدائك للواجبات الملقاة على كاهلك تجاه ربك سبباً لهلاك الإنسان ، فإنك إذا بخست حق امرئ ، أو غششته فهذا يعد سبباً لهلاكك ، إذا كان إنقاص الكيل والميزان سبباً لهلاك الإنسان فلأن يكون جهله بالله ، وتفلته من منهجه مهلكاً من باب أولى .

المذيع :

     هنا فيما يخص الفرد ، وأما يخص الأمم فإذا طغت أمة ، وجارت على بقية الأمم ، وكالت بمكيالين ، فهذا نوع آخر من أسباب هلاك الأمم ، وإنزال العقوبة بهم .

الأستاذ :

     هناك حديث شريف صحيح ، شيء لا يكاد يصدَّق ، كأن النبي يعيش معنا ، وأعد هذا الحديث من دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : (( يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ ، خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ ، لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمِ الَّذِينَ مَضَوْا ، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ ، وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا ، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ )) .

(سنن ابن ماجة)

(( الْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِم)) ، مرض الإيدز أكبر شاهد على ذلك ، وكأن النبي عليه الصلاة والسلام معنا ! فأنا حينما أتوب من سبب كبير لهلاك أمة حصنت نفسي ، وحصنت أمتي معي ، وهذه الفقرات الأخيرة في هذا البرنامج الطيب إن شاء الله نوسع فيها الدائرة من توبة شاب إلى توبة أمة ، من توبة مؤمن إلى توبة المؤمنين ، لأنه كما ذكرتُ قبل قليل قول عباس رضي الله عنهما : "ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة ".

المذيع :

     نسأل الله عز وجل أن يغير الحال إلى أحسن حال ، ونسأله العفو والعافية والمعافاة التامة في الدين والدنيا والآخرة ، أشكركم فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أشكر الإخوة المستمعين لحسن إصغائهم ، ومتابعتهم ، نلتقي في الغد دائماً عبر أسير إذاعة القرآن الكريم من لبنان ، حتى الملتقى كم التحية ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

Copyright © 2007 Nabulsi