English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  ندوات منهج التائبين : المحاضرة "03 / 30"  : أنواع الذنوب : " الذنب الذي بين العبد وربه "، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

دار الفتوى إذاعة القرآن الكريم من لبنان

منهج التائبين ، حوار يومي حول التوبة ومعانيها ، مع فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ، مع تحيات زياد دندن .

بسم الله الرحمن الرحيم

الأستاذ زياد :

     بسم الله ، والحمد لله ، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه ، ومن والاه .

     أيها الإخوة المستمعون ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، يتجدد اللقاء ، أرحب في مستهله بفضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أحد أبرز دعاة دمشق وعلمائها ، أهلاً ومرحبا بكم فضيلة الشيخ .

     وعدنا الإخوة المستمعين أن نتابع سلسلة حواراتنا عن التوبة ، وهذا معنى آخر لشرح الذنب ، ذكرنا فيما سبق الذنب الذي لا يغفر ، ألا وهو الإشراك بالله سبحانه وتعالى ـ والعياذ بالله ـ إلا أن يتوب المشرك من إشراكه ، والذنب الذي لا يترك ، وهو الذنب الذي بين العبد وأخيه الإنسان ، الذي لا يغفر إلا بأدائه ، أو بالتسامح به ، الآن نتحدث عن الذنب الذي يغفر ، وهو الذنب الذي بين العبد وربه ، بداية ما هو هذا الذنب ؟ 

بسم الله الرحمن الرحيم

الأستاذ راتب :

     الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

     فرض الله علينا العبادات كالصلاة والصيام والحج والزكاة ، وفرض علينا أن نغض أبصارنا ، وأن نضبط ألسنتنا ، وهناك معاصٍ من نوع الإثم ، في القرآن الكريم مصطلحان دقيقان ، الإثم والعدوان ، العدوان أن تعتدي على أخيك ، على حياته ، أو على ماله ، أو على سمعته ، الإثم كمَن شرب الخمر فيما بينه وبين الله ، دخل إلى غرفة ، وشرب الخمر ـ أثم ـ نعم ، نظر إلى امرأة لا تحل له في الطريق ، فرضاً ، تكلم كلاماً لا يرضي الله عز وجل ، هذه المعاصي التي لا تتعلق بحقوق العباد ، تتعلق بحقوق الله عز وجل .

الأستاذ زياد :

     إذاً هل هناك فرق بين الذنب والإثم ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ )) .

[ أخرجه أحمد في مسنده الترمذي وابن ماجه] .

إذاً : الذنب خطأ ، وهناك الإثم والعدوان ، فما الفرق بينهما ؟

     العدوان تجاوزت حدود الله فاعتديت على أخيك الإنسان ، أي إنسان ـ مسلم أو غير مسلم ـ أبداً ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى صُبْرَةٍ مِنْ طَعَامٍ ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا ، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا ، فَقَالَ : يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ ، مَا هَذَا ؟ قَالَ : أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ ؟ ثُمَّ قَالَ : مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا )) .

[ أخرجه الترمذي] .

     وفي حديث آخر عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( ... وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا )) .

[مسلم]

لكن : (( مَنْ غَشَّ )) أوسع .

     وفي حديث آخر عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ )) .

[ متفق عليه ] .

     من أوسع معاني هذا الحديث حتى يحب لأخيه في الإنسانية ما يحب لنفسه ، فنحن مبدئياً العدوان أن تعتدي على حق إنسان ، كائناً من كان ، ولو كان هذا الإنسان غير مسلم ، بل إن الإنسان غير المسلم العدوان عليه أشد من عدوان على مسلم ، والدليل أن المسلم إذا اعتدى على مسلم يقال : فلان اعتدى علي ، أما إذا اعتدى مسلم على غير مسلم فيتهم الإسلام كله بهذا العدوان ، وأنت على ثغرة من ثغر الإسلام ، فلا يأتين من قِبلك ، المسلم سفير هذا الدين في تصرفاته ، وحركاته ، وسكناته ، ومواقفه ، وعقوده ، وبيعه ، وشرئه هذا كله تحت منظار مكبر .

الأستاذ زياد :

     هذا كله دليل على إسلامه .

الأستاذ راتب :

     لذلك :

( سورة المائدة الآية : 8 ) .

     من هو الخصم الأول للمؤمن ؟ الكافر ، ومع ذلك لا يحملنكم كراهيتكم لهذا الكافر أن تظلموه .

     بل إن الله سبحانه وتعالى يستجيب للمظلوم ولو كان كافر ، لا بأهلية الداعي ، بل بعدل الله عز وجل ، يستجيب الله للمظلوم ولو كان كافرًا ، ويستجيب للمضطر ولو كان غير مؤهل للدعاء ، المظلوم يستجيب له باسم العدل ، والمضطر يستجيب له باسم الرحمة ، فالعدوان على أي مخلوق هذا أثم لا يغفر .

     أما الإثم فكإنسان دخل غرفته ، وعصى الله فيما بينه وبين الله ، فحينما يقع الإنسان في الإثم فلا بد من أن يستغفر الله عز وجل ، الذنب المتعلق بحق الله ، الصلاة حق لله عز وجل ، الصيام حق لله ، الزكاة حق لله  الحج حق لله ، فهذه الذنوب إذا وقعت ، وعلم الله من العبد صدق توبته ، وإخلاصه في توبته ، وإصراره على توبته غفر الله هذه الذنوب مهما كانت كثيرة .

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : (( يَا ابْنَ آدَمَ ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي ، وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي ، يَا ابْنَ آدَمَ ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي ، يَا ابْنَ آدَمَ ، إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً )) .

[الترمذي]

     وهذا المعنى مأخوذ من قوله تعالى ، وهي أرجى آية في القرآن :

( سورة الزمر الآية : 53 ) .

ولكن ...

( سورة الزمر الآية : 54 ) .

هذه النقطة أنا متأثر بها كثيراً ، أن معظم المسلمين يأخذون شطر الآيات ، قسمها الأول ، مثلاً .

( سورة الحجر الآية : 49 ) .

طيب أكمل الآية :

طيب :

أتمم الآية :

( سورة الزمر الآية : 53 ـ 54 ) .

     كل معاني التوبة ، وكل وعود الله عز وجل بالمغفرة ، وكل رحمة الله منوطة برجوع العبد إلى الله ، أما ألا يرجع فمستحيل أن ينال شيئاً من هذه الرحمات ، رحمة الله متوقفة على على أن تعود إليه .

     هناك شاب له شيخ ، قال له : يا بني ، إن لكل سيئة عقابًا ، فهذا الشاب زلت قدمه في معصية فيما بينه وبين الله ، وقع في الحجاب ، بالمناسبة الإنسان الذي له صلة بالله عز وجل أكبر عقاب له أن يحجبه الله ، الابن المربى تربية عالية جداً أكبر عقاب له من أبيه أن يعرض عنه ، فالذي على مستوي راقٍ جداً عقابه دقيق جداً ، فهذا الشاب الذي عصى الله عز وجل فيما بينه وبين الله حجب عن الله ، شعر بضيق لا يحتمل ، وهذا مع الله شيء لا يحتمله مؤمن ، فمرة ناجى ربه فقال : يا رب ، لقد عصيتك فلم تعاقبني ، ما عاقبه عقابًا ماديًّا ، قال : عبدي قد عاقبتك ولم تدر ، وقع في قلبه كما يقول بعض علماء القلوب ، وقع في قلبه أن يا عبدي ، لقد عاقبتك ، ولم تدر ، ألم أحرمك لذة مناجاتي ؟ فيما بينك وبين الله هناك أنواع من العقابات يعرفها المؤمنون ، منها أنه يحجبك .

     لو فرضنا إنسانًا له دعوة ، وأخطأ فيما بينه وبين الله ، كيف يعاقَب ؟ الله حكيم ، لا يعاقبه عقاباً يفضحه به ، يعاقبه بالحجاب ، يحجبه ، لذلك قال الحسن البصري : " من صلى فلم يشعر بشيء ، ومن قرأ القرآن فلم يشعر بشيء ، من ذكر الله فلم يشعر بشيء ، فهو في حجاب مع الله " ، والحجاب أكبر عقاب للمؤمنين ، بل إنه العقاب الأكبر يوم القيامة .

( سورة المطففين الآية : 15 ) .

بالمقابل :

( سورة القيامة الآية : 22 ـ 23 ) .

     المؤمن حينما يسلك إلى الله عز وجل في الدنيا ، أكبر عقاب يعاقبه الله به أن يحجبه عنه ، هو أمام الناس سليم معافى ، محترم موقر ، لكن إذا أراد أن يصلي كان الطريق مسدودًا ، هذا عقاب المؤمنين الراقين ، يعاقَبون بالحجاب ، فحينما يكون الذنب بينك وبين الله ، الله عز وجل بحكمته الرائعة يختار لك طريقة للتأديب ، منها الحجاب ، منها أن تقاسي بها الهمّ ، منها الخوف ، هذا كله من عقاب الله لما كان ما بينك وبين الله .

     بالمناسبة : ورد في بعض الأحاديث : (( ما من عثرة ، ولا اختلاج عرق ، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم ، وما يعفو الله أكثر )) .

[البيهقي في شعب الإيمان]

     وكلما فهمت على الله ، وكلما ألمّ بالمؤمن شيء فسأل نفسه : بماذا جاء هذا الشيء ؟ ماذا فعلت حتى جاءني هذا الشيء ، يكون على الطريق الصحيح ، أنت حينما تتهم نفسك دائماً ، أنت على الطريق الصحيح .

الأستاذ زياد :

     إنها النفس اللوامة .

الأستاذ راتب :

     أبداً ، وهذه من أرقى النفوس ، طبعاً فوقها المطمئنة .

( سورة الفجر الآية : 27 ) .

وقد أقسم الله بها :

( سورة القيامة الآية : 1 ـ 2 ) .

     لذلك أنا أقول دائماً في نهاية كل خطبة : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، ومن حاسب نفسه في الدنيا حاسباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة حسابًا يسيراً ، ومن حاسب نفسه في الدنيا حاسباً يسيراً كان حاسبه يوم القيامة حاسباً عسيراً ، الذنب الذي يغفر ما كان بينك وبين الله ، ومن أبرز هذه الذنوب التقصير في العبادات ، لكن كل رحمة الله ، وكل مغفرة الله ، وكل قبول الله ، وكل ما عند الله من عطاء لا يناله المؤمن إلا إذا أناب إلى الله ، وعاد تائباً مستغفراً .

الأستاذ زياد :

     فضيلة الشيخ ، الدكتور محمد راتب النابلسي ، هل لنا أن نصنف الذنوب التي هي بين العبد وربه من صغيرة وكبيرة ، والإصرار على الصغيرة كيف يكون ، وما هي عواقبه ؟  وكل ما يتشعب عن أمر الذنوب بين العباد وبين الله سبحانه وتعالى ، ونسأل الله عز وجل أن يغفر الذنوب جميعاً .

الأستاذ راتب :

     الحقيقة النقطة الدقيقة الأولى : أن سيدنا بلالا رضي الله عنه له كلمة رائعة ، قال : " لا تنظر إلى صغر الذنب ، ولكن أنظر على من اجترأت " .

     الحقيقة أن الذنب لا يقاس بحجمه ، يقاس على من اجترأت به ، على خالق الأكوان ، فكلما ارتقى إيمان الإنسان بربه ، وكلما كان إيمانه كان متعلقًا بالإحساس أنه مع الله ، ألم يقل النبي الكريم e : (( الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك )) .

[مسلم عن عمر]

     } وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ { .

     فكلما شعرت أن الله معك تستحي منه ، وكلما شعرت أن الله عظيم ترى الذنب الصغير في حقه عظيمًا ، والقاعدة الأساسية التي قالها العلماء : كلما عظم الذنب عندك صغر عند الله  ، وكلما صغر الذنب عندك كبر عند الله ، بل إن المؤمن ذنبه كالجبل جاثمًا على صدره ، وإن المنافق ذنبه كذبابة دفعها ، فأنا أعرف المؤمن من المنافق من حجم الذنب عنده ، فقد يقول المؤمن كلمة لا ينام الليل ، الكافر قد يرتكب جريمة وينام ، لذلك عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ )) .

[الترمذي]

     وقد قيل : قذف محصنة يهدم عمل مئة سنة ، امرأة عفيفة طاهرة تتكلم في عرضها بلا دليل ، بلا سبب ، هكذا لمجرد أن تتسلى ، قذف محصنة يهدم عمل مئة سنة ، ومن عد كلامه من عمله نجا يوم القيامة ، الكلام عمل ، حينما تعد كلامك من عملك نجوت ، وحينما تظن الكلام لا علاقة له بالعمل والاستقامة هلكت ، إذاً لا تنظر إلى صغر الذنب ، ولكن انظر على من اجترأت ، إذاً كلما عظم الله عندك عظمة معصيته ، وكأنها علاقة طردية ، وكلما صغر مفهوم الألوهية عندك رأيت الذنب الكبير صغيراً ، إذاً الذنب كلما صغر في نفسك كبر عند الله ، وكلما كبر في نفسك صغر عند الله ، هذه علامة طيبة جداً ، المؤمن يرى ذنبه كالجبل جاثمًا على صدره ، يخاف أن يقع عليه ، أما المنافق فيرى ذنبه كالذبابة هذه الفكرة الأولى .

الأستاذ زياد :

     التساؤل الذي يرد عند كثير من الشباب يقول : ما هو ذنبي أمام ذنوب الآخرين ، وهاهم لا بأس عليهم ، والأمور تسير معهم بشكل طبيعي ؟ وهكذا يحدث نفسه ، أو أن الشيطان يوسوس له بهذا الحديث ، وبهذه التساؤلات ، يقول : إن ذنبي ما هو شيء أمام ذنوب الآخرين .

الأستاذ راتب :

     هذا له جواب دقيق ، أنت كطبيب ، لو جاءك مريض معه التهاب بالمعدة تعطيه قائمة صارمة من المطعومات التي ينبغي أن يأكلها ، فإذا أكل شيئاً نهيته عنه تقيم عليه النكير ، لأن التهاب المعدة قابل للشفاء ، أما حينما يأتي مريض معه ورم خبيث تقول له : كل ما شئت ، هؤلاء الذين شردوا عن الله عز وجل لا يحاسبون على ذنوبهم ، كأن تسوق إنسان إلى المشنقة وعليه مخالفة سير ، فبربك هل تحاسبه على هذه المخالفة ، لا يحاسب ، وهذا معنى قوله تعالى :

( سورة القصص الآية : 78 ) .

     فهذا الشارد الجاهل كأن الله عز وجل قال له : خذ الدنيا ، وأنت مطرود من رحمتي .

( سورة الأنعام الآية : 44 ) .

     الطالب في المدرسة حينما يشكو صعوبة المناهج ، وصعوبة الكتب ، والأستاذ الصعب ، والأسئلة الكثيرة ، والأطروحة التي لا بد من أن تقدم كل شهر ، يشكو همه لشاب ليس في مدرسة ، يقول له : أنا أنام إلى آذان الظهر ، أنا مرتاح ، هذا معدّ ليأخذ دكتوراه ، ويكون في منصب قيادي ، هذا معدّ ليكون من حثالة البشر ، فلا يوازن إنسان يرتكب المعاصي ، ولا يعاقب عليها ، مع إنسان يخاف أن يتكلم كلمة لا ترضي الله عز وجل  ، هذا في العناية المشددة ، وذك خارج العناية المشددة .

 

     هذا مصيره إلى النار ، المؤمن حينما يرى شابًا شاردًا يعصي ، ويرتكب الموبقات ، وهو يضحك ويلعب ، هذا الذي يسلك طريق الباطل الشيطان راض عنه ، يريحه ، ألم يقل الشيطان :

( سورة الأعراف الآية : 16 ) .

     لمجرد أن يسير المؤمن في طريق الحق يوسوس له ، فلا يوازن مؤمن ورع يخاف من ذنبه الصغير أن يغضب الله عليه ، لا يوازن مع إنسان جاهل .

     بالمناسبة ، مرة هكذا طالب قال لي : أنا لا أخاف من الله ، قلت له : أنت معك الحق ، قال : كيف ؟ عجب لهذا الجواب ، قلت : الفلاح حينما يأخذ ابنه إلى الحصيدة وعمره سنتان ، وقد يمشي إلى جانبه ثعبان ، لو رآه رجل لخرج من جلده خوفاً ، وهو يضع يده عليه ، لماذا لا يخاف منه ؟ لأنه لا يدرك ، الذي لا يدرك لا يخاف ، الذي يخاف هو الذي يدرك ، لو أن مهندساً رأى تصدعاً في جسر في البناء يقول : هذا البناء على وشك السقوط ، لو رآه إنسان يطلي البناء يضع له معجون ، ويتابع ، شتان بين من يرى هذا الشق الجسر دليلا لقرب انهدام البناء ، وبين من يرى هذا الشق يحتاج إلى أن يملأه بالمعجون ، مسافة كبيرة جداً بين العلم والجهل ، الطبيب حينما يغسل الفاكهة لماذا ؟  لعلمه بالمكروبات والعدوى ، وما إلى ذلك ، أمّا الجاهل فيقول لك : كلها وسم بالله ، هذا الذي نحن نحتاج إليه ، نحتاج إلى علم مع ورع  ، إذاً الذنب الذي يغفر ما كان بينك وبين الله عز وجل ، ولا تنظر إلى صغر الذنب ، لكن أنظر على من اجترأت .

الأستاذ زياد :

     والشرط دائماً بالتوبة والإنابة .

الأستاذ راتب :

     أبداً ، كل وعود الله بالتوبة والمغفرة ، لا ينالها إلا من عاد إلى الله تائباً منيباً ، مخلصاً راجياً .

الأستاذ زياد :

     أشكركم فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ، نتابع غداً بإذن الله تعالى هذه السلسلة من الحوارات عن معاني التوبة .

     أشكر الإخوة المستمعين لحسن إصغائهم ، حتى الملتقى إن شاء الله تعالى .

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

Copyright © 2007 Nabulsi