English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  ندوات منهج التائبين : المحاضرة "04 / 30"  : المعصية " وسائل التوبة ـ درجة المغفرة "، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

دار الفتوى إذاعة القرآن الكريم من لبنان  .

منهج التائبين ، حوار يومي حول التوبة ومعانيها مع فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ، مع تحيات زياد دندن .

بسم الله الرحمن الرحيم

الأستاذ زياد :

     بسم الله الرحمن الرحيم ، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

     أيها الإخوة المستمعون ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، نجدد التحية في مستهل حلقة جديدة من برنامجنا هذا ، مرحباً بفضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أحد أبرز علماء دمشق ودعاتها ، أهلاً ومرحبا بكم فضيلة الشيخ معنا ـ وبكم يا سيدي ـ نتابع حواراتنا .

     من أي العصاة أنت ؟ هذا سؤال يسأل ، ما هي المعاصي التي يمكن أن نصف المؤمن العاصي بها ، ووسيلة التوبة منها ، ودرجة المغفرة والقبول عند الله سبحانه وتعالى ؟

     في إطار حديثنا عن الذنوب تحدثنا عن الذنب الذي لا يغفر ، والذنب الذي لا يترك ، والذنب الذي يغفر .

الأستاذ راتب :

بسم الله الرحمن الرحيم

     الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

     بادئ ذي بدء هناك معانٍ دقيقة ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام تتعلق بإنسان لم يرتكب ذنباً ، ولكن أخاه ارتكب الذنب ، فقال عليه الصلاة والسلام : (( الذنب شؤم على غير فاعله ، إن عيّره ابتلي به ، وإن اغتابه أثم ، وإن رضي به شاركه )) .

[ أخرجه الديلمي في مسند الفردوس عن أنس ] .

     وأنت لم تفعل الذنب ، لكن أخاك الذي فعل الذنب ، لو أنك قلت : فلان فعل كذا ! أيجوز أن يفعل ! إذا شهرت به ، وطعنت في استقامته ، وجعلته مضغة في الأفواه ، فأنت قد اغتبته بهذه الطريقة ، فجاءك من ذنبه شؤم ، أما إذا قلت : والله فعل ما ينبغي أن يفعل فقد رضيت له الذنب ، وقد قال العلماء : لو غبت عن معصية فرضيتها كنت كمن شهدها ، فلم تنكرها ، لو أن معصية وقعت في أمريكا أو في الصين أو في اليابان ، وقلت : نِعمَ ما فعل فأنت رضيت بها ، وكأنك شهدتها ، ولم تنكرها ، فمن غاب عن الذنب ورضيه كان كمن شهده ، ومن شهد ذنباً فأنكره كان كمن غاب عنه ، فحينما ترضى بالذنب تكون قد شاركت صاحبه في الإثم ، إذاً ما لك من الشؤم ، وحينما تعيره تبتلى به ، أين عقله ؟ كيف فعل هذا ؟ اشكر الله عز وجل أنه نجاك من هذا الذنب ، القصة أنك ينبغي أن توحد ، من أدق ما قرأت في بعض الأحاديث : (( ألا أخبرك بتفسير لا حول ولا قوة إلا بالله ؟ لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ، ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله )) .

[ أخرجه ابن النجار عن ابن مسعود ] .

     ألا نقول نحن في الفاتحة كل يوم في أثناء صلواتنا : } إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ { ، ألم يقل سيدنا يوسف عليه السلام :

( سورة يوسف الآية : 33 ) .

     إذاً لا حول عن معصيته إلا به ، ولا قوة على طاعته إلا به ، فأنت حينما ترى أخاك قد أذنب ينبغي ألا تفضحه ، ينبغي أن تستره ، ينبغي أن تتخلق بكمال الله ، الله من اسمه الستِّير ، ينبغي أن تنصحه بينك وبينه ، لا على ملإ من الناس ، وحينما يرتكب أخوك ذنباً فينبغي ألا ترضى به ، إن رضيت به شاركته في الإثم ، لو أنه كسب مالاً حرامًا فلا ينبغي أن تقول : نِعمَ ما فعل ، هذا كلام في تضيع للحق ، أن تستنكره ، لا أن ترضى بعمله ، ولو أنه ارتكب ذنباً فعيّرته ، واحتقرته ، كيف تفعل هذا ؟ أنت معصوم ؟ أسال الله عز وجل أن يحفظك من هذا ، لذلك : (( الذنب شؤم على غير فاعله ، إن عيره ابتلي به ، وإن اغتابه أثم ، وإن رضي به شاركه )) ، فكيف بصاحب الذنب الذي وقع في الذنب إذا كان للذنب مضاعفات لمن لم يرتكب الذنب ، فكيف بالذي ارتكبه ؟ الظلم ظلمات يوم القيامة ، هذه حقيقة ، فنحن حينما نرى أخاً لنا قد أذنب أول شيء ينبغي أفعله أن أتوجه إليه على انفراد ناصحاً له بكل معاني الرقة واللطف .

     سيدنا عمر بلغه أن أحد أصحابه شرب الخمر وسافر إلى الشام ، أرسل له كتابًا فيه : "  أما بعد ؛ فإني أحمد الله إليك ، غافر الذنب ، قابل التوب ، شديد العقاب ، فقرأ صاحبه الكتاب ، وصار يبكي ، حتى حمله هذا الكتاب على التوبة ، فقال رضي الله عنه : هكذا اصنعوا بأخيكم إذا ضل ، لا تكونوا عوناً للشيطان عليه ، ولكن كونوا عوناً له على الشيطان " ، فأنا أول مهمة لي إن رأيت أخي قد أذنب أنصحه فيما بيني وبينه ، والنصيحة شيء ، والفضيحة شيء آخر  ، هذا الموقف الأول ، مقابل من ذكره فقد اغتابه ، الموقف الكامل الثاني أنا لا أقره على ذنبه ، أنا أرى أن هذا خطأ كبير ، هؤلاء الذين رأوا قارون بماله وملكه قالوا :

( سورة القصص الآية : 79 ـ 80 ) .

     إذاً أنا لا ينبغي أن أقره على ذنبه ، ينبغي أن أنصحه ، وهنا يحضرني تعريف دقيق للعاطفة العميقة والسطحية ، أنت إذا دخلت إلى بيت ، وكان دخْلُ صاحب هذا البيت من مال حرام ، عنده ملهى ، أو عنده تجارة مخدرات ـ لا سمح الله ولا قدر ـ هل تحترمه على بيته الفخم ، وعلى أثاثه الرائع ؟ لا ، العاطفة السطحية أن أحترمه لفخامة بيته ، والعاطفة العميقة أن أحتقره ، لأن كسبه حرام ، وهذا مبني على شقاء الآخرين ،  فأنا حينما أرى إنسانًا يرتكب ذنبًا ، وهو في مكانة علية فلا ينبغي أن أوقره على هذه المكانة ، لأن الذنب سوف يجعله عند الله من الساقطين .

     الموقف الثالث : فمن عيّره ابتلي به ، لا ينبغي أن أعيره ، ينبغي أن أتوجه إلى الله أن يحفظني من هذا الذنب ، فهناك أذكى مني يرتكب أكبر الذنوب ، وهناك إنسان له ثقافة دينة يرتكب الذنب ، فأنا حينما أرى إنسانًا ارتكب الذنب أتوجه إلى الله عز وجل أن يحفظني من هذا الذنب ، إذاً أنا أنصحه فيما بيني وبينه ، ولا أقره عليه ، ولا أوقره على ما كان من دنياه ، ثم في النهاية ينبغي ألاّ أعيّره ، بل أسال الله جل جلاله أن يحفظني من الوقوع في هذا الذنب .

الأستاذ زياد :

     تعليقاً وشرحاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( الذنب شؤم على غير فاعله )) ، الآن ماذا عن أثر الذنب في صاحبه .

الأستاذ راتب :

     لا بد من أن تعرف نفسك ـ لا سمح الله ولا قدر ـ من أي العصاة أنت ؟ هناك من يعصي الله ويندم ، هناك من يعصي الله ويبكي ، هناك من يعصى الله ، ويتمنى ألا يعصي الله ، هذا اسمه عند علماء القلوب  المغلوب ، غلبته نفسه ، هناك من يعصي الله ويصر ، هناك من يعصي الله ويتباهى ، هناك من يعصي الله ويذكر هذا للناس ، هناك من يعصي الله وهو في قمة نشوته ، هناك من يعصي الله ، ويتمنى أن يعصيه كل يوم ، يجب أن تحدد من أنت ؟ من أي العصاة أنت ؟ سيدنا آدم عصى ربه ، لكن :

( سورة طه الآية : 115 ) .

على المعصية ، فغفر الله له ، أما إبليس فعصى :

( سورة الحجر الآية : 33 ) .

     فمعصية الشيطان معصية كبر واستعلاء ، واعتداد بالمعصية ، ومعصية آدم معصية غلبة وضعف ، لذلك قال تعالى : } فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا { .

     أنا أبشر ، أيّ أخ كانت معصيته لله ـ لا سمح الله ولا قدر ـ عن غلبة أن التوبة قريبة منه جداً ، والعوام يقولون : الصلحة بلمحة ، بشرط أن تكون المعصية معصية غلبة وضعف ، لا أن تكون معصية استكبار واستنكاف عن طاعة الله عز وجل ، دائماً وأبداً الذي يعصي الله استكباراً لا يندم على ذنبه ، بل يفتخر به ، بل هو في قمة نشوته حينما يعصي الله ، بل هو ينوي أن يعاوده هذه المعصية ـ والعياذ بالله ـ لا توبة لها ، وصاحب هذا الذنب لا يغفر له ، وهذه الحلقات لا تعنيه إطلاقا .

الأستاذ زياد :

     إلا إذا رجع وتاب .

الأستاذ راتب :

أما الذي يعنينا فهو من يعصي الله مغلوباً ، من غلبته نفسه ، في ساعة غفلة غلبته نفسه فاقترف معصية ، فهو يبكي ويندم ، وأنا أقول : أنا أبشر ، أي نادم على ذنب بالمغفرة ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول : (( النَّدَمُ تَوْبَةٌ )) .

[الترمذي وأحمد عن ابن مسعود]

     فأول شيء من أي عصاة هؤلاء العصاة ، من الذين عصوا استكباراً واعتدادًا وكبراً واستنكافاً عن طاعة الله ، أما الذين عصوا غلبة وضعف فلهم شأن آخر .

الأستاذ زياد :

     على المرء أن يعرف نفسه ويحاسبها ، أن يعرف ما إذا كان يعصي الله كبراً وتجبراً أو غلبة .

الأستاذ راتب :

     هؤلاء ذكرهم الله عز وجل في آية صريحة واضحة رائعة :

( سورة آل عمران الآية : 135 ) .

الأستاذ زياد :

     هؤلاء العصاة عصاة غلبة ـ غلبة ـ نعم .

الأستاذ راتب :

     لعالم جليل هو ابن القيم كلمة رائعة في هذا المعنى ، قال : " والله تعالى إنما يغفر للعبد إذا كان وقوع الذنب منه على وجه غلبة الشهوة وقوة الطبيعة ؛ يعني قوة الشهوة فيه ، فيواقع الذنب مع كراهيته له من غير إصرار في نفسه ، فهذا ترجى له مغفرة الله ، وصفحه ، وعفوه ، لعلمه تعالى بضعفه وغلبة شهوته له ، وأن يرى كل وقت ما لا صبر عليه ، فهو إذا واقع الذنب واقعه مواقعة ذليل خاضع لربه ، خائف مختلج في صدره ، شهوة النفس المذنبة ، والإيمان يكره له ذلك ، فهو يجيب داعي النفس تارة ، وداعي الإيمان تارة ، فأما من بنى أمره على ألاّ يقف عن ذنب ، ولا يقدم خوفاً ، ولا يدع لله شهوة ، وهو فرح مسرور ، يضحك ظهراً لبطن إذا ظفر للذنب فهذا الذي يخاف عليه أن يحال بينه وبين التوبة ، ولا يوفق إليها " .

     هذا العالم الجليل يتابع حديثه فيقول : " الفرح بمعصية الله عز وجل دليل على شدة الرغبة فيها ، والجهل لقدر من عصاه ، والجهل لسوء عاقبتها ، وعظم خطرها ، ففرحه بها غطى علي ذلك كله ، وفرحه بها أشد ضرراً عليه من مواقعتها ، الفرح بالذنب أخطر من وقوع الذنب نفسه ، والمؤمن لا تكون له لذة بمعصية أبداً ، ولا يكبر بها فرحه ، بل لا يباشرها إلا والحزن مخالط لقلبه ، ومن خلي قلبه من هذا الحزن ، واشتدت غبطته وسروره به فليتَّهم إيمانه ، وليبكِ على موت قلبه ، فإنه لو كان حياً لأحزنه ارتكاب الذنب ، وغاظه ، وصعب عليه ، ولا يحس القلب بذلك ، فحيث لم يحس به :

فما للجرح بميت إيلام

     هذا كلام دقيق ، أين العصاة ، هذا المذنب ؟ هل يعصي الله غلبة ، أو ضعفاً ، أما يعصي الله كبراً وفرحاً ، شهوة المؤمن بالذنب لا تتم ، لأنه يخشى الله عز وجل ، أنا أبشر هؤلاء الذين ضعفت نفوسهم ، وفي ساعة غفلة عن الله عز وجل وقعوا في معصية ، وهم نادمون ، يبكون ، يتمنون لو لم يواقعوا هذا الذنب ، أبشرهم بأن مغفرة الله لهم قريبة .

     وقد روى البيهقي في شعب الإيمان عن ابن سماك قال : أصبحت الخليقة على ثلاثة أصناف : صنف من الذنب تائب ، موطن لنفسه على هجران ذنبه ، لا يريد أن يرجع إلى شيء من سيئته ، هذا المبرز ، وصنف يذنب ثم يندم ، ويذنب ويحزن ، ويذنب ويبكي ، هذا يرجى له ، ويخاف عليه ، وصنف يذنب ، ولا يندم ، ولا يحزن ، ويذنب ولا يبكي ، فهذا الكائن الحائد عن طريق الجنة إلى النار .

     إنسان ارتكب الذنب مرة واحدة ، وتاب توبة نصوحًا ، هذا الآمن ، وإنسان ارتكب الذنب ، ثم عاد إليه ، هذا يخاف عليه ، لكن الله يقبله ، وإنسان يرتكب الذنب ، ولا يتأثر ، ولا يندم ، ولا يتوب إلى الله فهذا انتقل من الجنة إلى النار .

الأستاذ زياد :

      فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ، من أي العصاة أنت ؟ كان هذا التساؤل ودائماً نقول : إن المعاصي هي على درجات ، إذا صح التعبير ، لكن العبرة من تعصي ، إنك تعصي الله سبحانه وتعالى ، والعياذ بالله ، التائب من المعصية دائماً هو في حال الندم والحزن على تلك المعصية ، أما غير ذلك فهو شارد عن منهج الله ، لا يرجى له التوبة ، ولا يرجى له مغفرة إلا إذا تاب توبة نصوحًا .

     إذاً نتابع غداً بإذن الله تعالى الحديث عن الذنوب وعن التوبة ، بداية أود أن أتعرف على مقدمات هذه التوبة ، كيف تكون ؟ وما يصاحبها من شروط ؟ ما هي شروطها ؟

 لكن لا بد من أن أنهي هذه الحلقة بهذا القول : الابتهاج بالذنب أشد من ركوبه .

 أيها الإخوة المستمعون ، نشكر لكم حسن إصغائكم حتى الملتقى في الغد ، لكم التحية ، وهذه تحية موجهة إلى فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي معنا في هذا البرنامج أشكركم .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

Copyright © 2007 Nabulsi