English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

ندوات منهج التائبين : المحاضرة "07 / 30"  : التحذير من محقرات الذنوب ، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المذيع :

     بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه .

     إخوة الإيمان والإسلام ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، نحييكم في مستهل حلقة جديدة من برنامجنا اليومي منهج التائبين ، أرحب بفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ، أهلاً ومرحباً بكم ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

الأستاذ :

     وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .

المذيع :

     فضيلة الشيخ ، أردتم من هذه السلسلة من الحوارات إجابة على تساؤلات العديد من الشباب والتائبين ، وغيرهم من الذين عادوا إلى منهج الله سبحانه وتعالى ، والذين هم في منهج الله ، ولكن تغلبهم الشهوات والمعاصي ، البعض يستصغر الذنوب ويحقرها ، يقول : هذا ذنب صغير يزول ، ويغفر الله سبحانه وتعالى هذا الذنب بالاستغفار ، ولمجرد أداء الصلاة ، ولمجرد إسباغ الوضوء على المكاره ، وهكذا ... كيف يمكن لنا أن نحذر من تحقير الذنوب ؟

الأستاذ :

     بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

     قالوا : الشيطان ذكي جداً ، فيوسوس للإنسان أن يكفر ، فإذا رآه على إيمان وسوس له أن يشرك ، فإذا رآه على توحيد وسوس له أن يبتدع ، فإذا رآه على سنة وسوس له أن يرتكب كبيرة ، فإذا رآه على طاعة وسوس له أن يرتكب صغيرة ، فإذا رآه على ورع وسوس له بالمباحات أن ينغمس فيها ، فإذا رآه على زهد بقيت ورقة رابحة في يده ، وسوس له أن يتحرش المؤمنين ، فبين كفر وشرك وابتداع ، وكبيرة وصغيرة ، والغرق في المباحات ، ثم التحريش بين المؤمنين ، لكن الحقيقة الثابتة أنك إذا سرت على طريق عريض ، وعن اليمين وادٍ سحيق ما هي الصغيرة ؟ أن تحرك المقود سنتيمترًا نحو اليمين ، فإذا ثبت هذا السنتيمتر كان المسير إلى الوادي ، مع أن التحريك طفيف ، لكن هذا التحريك الطفيف إذا ثبت قادني إلى الوادي ، ما هي الكبيرة ؟ تحريك تسعين درجة فجأة على الوادي ، السنتيمتر صغيرة ، لذلك من أدق الأحاديث الشريفة عَنْ رَجُلٍ مَنِ الْأَنْصَارِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : (( نَعَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِرْقِ النَّسَا أَنْ تُؤْخَذَ أَلْيَةُ كَبْشٍ عَرَبِيٍّ لَا عَظِيمَةٌ وَلَا صَغِيرَةٌ ، فَيُذِيبَهَا ، فَتُجَزَّأَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ ، فَيَشْرَبَ عَلَى رِيقِ النَّفَسِ كُلَّ يَوْمٍ جُزْءًا )) .

(مسند الإمام أحمد)

     الصغيرة إذا أصررت عليها انقلبت كبيرة ، أما الكبيرة تهلك فوراً ، أما الصغيرة تهلك بعد حين ، لذلك من صفات المؤمن أنه لا يصر على ذنب ، والدليل أن الله عز وجل قال :

 

(سورة آل عمران)

     لو أن الإنسان لم يرتكب جريمة ، ولم يشرب الخمر ، ولم يزنِ ، ولم يسرق ، لكن هناك من الذنوب مالا يعد ولا يحصى ، هذه إذا اجتمعت على الرجل تهلكه ، لذلك عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ ...)) .

(مسند الإمام أحمد)

     ولعلي وضعت يدي على مشكلة العالم الإسلامي ، في العم الأغلب هؤلاء المسلمون في شتى أقطارهم القتلة منهم قليلون جداً ، أن يقتل ، أن يزني ، أن يشرب الخمر ، أن يسرق ، لكن محقرات الذنوب كثيراً ما يفعلونها ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ ، كَقَوْمٍ نَزَلُوا فِي بَطْنِ وَادٍ ، فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ ، وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ ، حَتَّى أَنْضَجُوا خُبْزَتَهُمْ ، وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكْهُ )) .

     العود وحده لا ينضج طبخاً ، ولكن الأعواد إذا اجتمعت تكون ناراً عظيمة ، هذه مشكلة المسلمين ، الكبائر تركها على شيء من الخوف من الله ، لكن الصغائر فعلها وأصر عليها ، فكانت حجاباً بينه وبين الله .

     لو أن خط كهرباء انقطع ، ومربوط بهذا الخط آلات كثيرة ، ثلاجة ، ومكيف ، وسخان .... لو أنه انقطع مترًا أو ميليمترًا ! الأثر واحد ، فالإنسان سواء حجب عن الله بجريمة ارتكبها ، أو بسرقة سرقها ، أو بزنى اقترفه ، أو حجب عن الله بغيبة أو نميمة ، النهاية أنه حجب .

     لذلك أثر محقرات الذنوب كأثر كبائر الذنوب في النهاية ، هو محجوب ، لكن يوجد تعليق لطيف : الإنسان أيحجب عن الله ببضعة ذنوب صغيرة ؟ إذا كان محجوباً فيحجب بالكبائر ، وليس بالصغائر ، أيحجب بالصغائر ، وبإمكانه أن يتلافاها ؟ هناك من يصافح النساء ، ومن يملأ عينيه من الحرام ومن يسهر ومن يتكلم عن الناس كلاماً غير منضبط ، يقول لك : ماذا فعلت ؟ أنا لم أزنِ ، ولم أسرق ، ولم أرتكب فاحشة ، هذا الذي قلته في هذه السهرة مجموعة ذنوب كبيرة جداً .

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ )) .

 (صحيح البخاري)

المذيع :

     أيزول ذلك بالاستغفار ؟ ما هو علاج ذلك الحال ؟

الأستاذ :

     لابد من الاستغفار والإقلاع والعزم على ألا أعود إلى هذا الذنب ، لكن هذا الذي يقول : أنا كل ما جلست في جلسة ، وارتكبت أخطاء أستغفر وأستغفر ، هذا كالمستهزئ بربه !

المذيع :

     عندما يعزم على ذلك !

الأستاذ :

     حينما يعزم على أن يعاود الذنب ، ثم يستغفر فهذا يستهزئ بالله عز وجل ، أما حينما أقع في الذنب عن غير قصد مني أستغفر فيغفر الله لي ، أما حينما أعزم على أن أستغفر من الذنب كل حين فهذا نوع من الاستهزاء بالله عز وجل .

المذيع :

وهنا يقول الله تبارك وتعالى :

 

(سورة النساء)

الأستاذ :

     كلمة من قريب كلمة دقيقة جداً ، العلماء قالوا : لابد من أن تتوب من ذنبك ، فإذا أخرت التوبة ساعة فلابد من أن تتوب من شيء آخر ، هو تأخير التوبة .

المذيع :

     هل لمجرد أن يقول المؤمن : أستغفر الله العظيم وأتوب إليه يكون قد تاب من ذنبه ؟

الأستاذ :

     بقلب حاضر ! وله أن يقول ما شاء بلسانه ، ولكن لا يقبل الله توبته بلسانه إلا بقلب خاشع .

المذيع :

     لقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فَعَنْ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِي اللَّه عَنْه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : (( مَنْ أَتَمَّ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَالصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ )) .

(مسند الإمام أحمد)

الأستاذ :

     هذا شيء صحيح ، فهو كلام النبي e ، والنبي e لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى .

المذيع :

     كفارة لما بينهن ، هل تكفر الذنوب التي ترتكب ؟

الأستاذ :

     نعم بين الصلاتين ، وبين الجمعتين ، وبين الصيامين .

المذيع :

     ولكن المرء لا يقصد أن يتوب بين الصلاتين .

الأستاذ :

     لو لم يتب ، حينما يؤدي الصلاة التالية ، ويستغفر الله من ذنب وقع قبل الصلاة ، فالصلاة التالية كفارة لما بين الصلاتين ما لم ترتكب الكبائر ، وما لم يعزم على أن يعيد الذنب كل مرة ، ويستغفر منه ، قد يقع به مرة ثانية عن غير قصد ، أما حينما ينوي أن يعاود الذنب مع الاستغفار فالله عز وجل لا يقبل هذا الاستغفار ، إنه استهزاء بالله عز وجل .

المذيع :

     عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ )) .

[ابن ماجه]

 هي الذنوب الصغيرة .

الأستاذ :

     إذا تاب العبد توبة نصوحًا أنسى الله حافظيه والملائكة وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه ، والتائب حبيب الله ، التائب حقق الهدف الذي من أجله خلق الإنسان ، خلقه ليرحمه ، فإذا قبِل هذا الإنسان رحمة الله عز وجل فكأنه حقق الهدف من خلق الإنسان ، الله عز وجل خلقنا ليسعدنا ، وليرحمنا ، وليعطينا ، ولينعم علينا ، فالذي يقبل عطاء الله ورحمته وإنعامه وكرمه فقد حقق الهدف من خلقه ، لذلك :

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ أَحَدِكُمْ مِنْ أَحَدِكُمْ بِضَالَّتِهِ إِذَا وَجَدَهَا )) .

(سنن الترمذي)

يجب أن تعلم علم اليقين أنك إذا تبت إلى الله فرح الله بك .

أنت ترى قلب الأم ، ولدي ، حبيبي ، هل أصابك من ضرر ؟ هناك قصص إن شاء الله سأرويها في حلقات لاحقة كيف أن الأم هذا المخلوق الذي يعد قلبها آية من آيات الله الدالة على عظمة الله !

النبي عليه الصلاة والسلام مر بامرأة تخبز بالتنور ، وإلى جانب التنور ابنها الصغير ، كلما وضعت رغيفاً في التنور ضمته وقبلته وشمته ، هكذا تروي الكتب : مرّ سيدنا موسى قال : يا رب ما هذه الرحمة ؟ قال : يا موسى هذه رحمتي أودعتها في قلب الأم وسأنزعها منها ، فلما نزع الله الرحمة من قلب الأم وبكى ابنها ألقته في التنور ! عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّه عَنْه (( قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْيٌ ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ ، أَخَذَتْهُ ، فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا ، وَأَرْضَعَتْهُ فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ ؟ قُلْنَا : لَا ، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ ، فَقَالَ : لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا )) .

(صحيح البخاري)

     أنا حينما أعرف رحمة الله عز وجل ، وأنه يحبني إذا تبت إليه ، ويفرح بي ، فلابد من أبادر إلى التوبة ، أريد أن أقول : إن محقرات الذنوب تهلك صاحبها ، وهذه مشكلات المسلمين في العالم الإسلامي ، قلما يقع المسلم الذي على شيء من الالتزام بكبيرة ، لكن الصغائر كثيرة جداً في حياتنا ، ونتيجة الصغيرة كالكبيرة تحجب عن الله عز وجل .

     عَنْ جَابِرِ بْن عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : (( قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُسْلِمُونَ ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ )) .

(أحمد)

     لم يكن في العالم الإسلامي عبادة أوثان ، ولكن رضي فيما دون ذلك مما تحقرون من أعمالكم ، الشيطان يرضى أن تخضع للصغائر ، لأنها تحجبك عن الله عز وجل ، هذه حقيقة مسلّم بها في الطريق إلى الله ، الذنب يحجب ، أما حينما تمشي في طريق الإيمان أسعد شيء في حياتك هذا الإقبال على الله ، والاتصال به ، فحينما تحجب معنى ذلك هناك ذنب أصبته .

المذيع :

     نسأل الله عز وجل موجبات رحمته ، وعزائم مغفرته ، أشكركم فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ، نتابع غداً بإذن الله تعالى الحديث عن التوبة من الذنوب ، فقد حذرنا من محقرات الذنوب ، غداً ليتنا نتناول التحذير من المجاهرة بالذنب ، أشكركم ، وأشكر الإخوة المستمعين لحسن إصغائهم ، حتى الملتقى السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

Copyright © 2007 Nabulsi