English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

كلمات مضيئة . الكلمة الطيبة  ـ لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Text Box: مقدمة :

 

الدكتور عمر :

أشهد أن لا إله إلا اله ولي الصالحين وأن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه ، يا سيدي يا رسول الله ، صلاة وسلاماً متلازمين إلى يوم الدين .

أما بعد : أحبتي في الله أحييكم جميعاً أينما كنتم في الأرض بتحية الإسلام والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ، يسعدني أن أكون معكم في بداية هذا البرنامج الجديد " كلمات مضيئة " ومع كوكبة من علمائنا الفضلاء أهل العلم أهل الدعوة بارك الله لنا فيهم .

 

Text Box: ترحيب حارٌ من الدكتور عمر بالأساتذة الكرام :
 

 

أبدأ بتقديم لا أقول ضيوفي في البرنامج وإنما أنا الضيف عليهم كما يقول الحكيم العربي : يا ضيفنا لو زرتنا لرأيتنا نحن الضيوف وأنت رب المنزل .

مرحباً  بالأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي أستاذ الإعجاز في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين في دمشق .

الدكتور راتب :

بكم أيها العالم الجليل والداعية الكبير والأخ الحبيب .

الدكتور عمر :

وأرحب أيضاً بأخي  الدكتور سعد الدين الهلالي أستاذ الفقه المقارن في جامعة الأزهر ، أهلاً وسهلاً بكم في هذه الحلقة .

الدكتور سعد :

بارك الله فيكم وجزاكم الله خيراً .

الدكتور عمر :

أيضاً أرحب بأخي الدكتور عربي الكشاط  ومعه دكتوراه في علم الاجتماع من جامعة السوربون وعميد الدعوة في باريس نحييكم وأهلاً بكم جميعاً في هذه الحلقة بيننا وأنت تجاورني في الأستوديو وهذا شرف كبير لي .

الدكتور عربي :

أنا أتشرف بأن أكون إلى جوارك وشكراً على الدعوة الكريمة .

 

Text Box: أين ذهبت الكلمة الطيبة ؟
 

 

الدكتور عمر :

نريد في هذه الحلقة إذا أذنتم لنا أن نتكلم عن شيء قد تبخر من ألسنة الكثيرين ليس من جفاف في الحلوق وليس لقلة بضاعة اللغة ولكن يبدو أن الجفاف جفاف قلوب أقفرت القلوب عن وجود الخير فيها ، فقحطت الألسنة إذا صحّ التعبير كأنما هي أرض تنبت بالكلمات التي يجب أن تكون مضيئة دكتور محمد راتب النابلسي أين ذهبت الكلمة الطيبة ؟ هل نعرف المكان الذي توجهت إليه بعد أن تركت الكثيرين منا ؟

 

Text Box: أعلى الكلمات المضيئة الدعوة إلى الله :

 

الدكتور راتب :

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين وعلى صحابته الغر الميامين ، دكتور عمر جزاك الله خيراً على هذا اللقاء الطيب . أعلى الكلم الطيب ، أعلى الكلمات المضيئة الدعوة إلى الله ذلك لأن الله جل جلاله يقول :

 ( سورة فصلت )

أي لا تجد على وجه الأرض من آدم إلى يوم القيامة إنساناً أكرم عند الله ممن دعا إلى الله وعمل عملاً صالحاً وقال إنني من المسلمين ، ويمكن أن نذكر هذه الآية فنرى سيد الخلق وحبيب الحق هو الداعية إلى الله :

 ( سورة الأحزاب )

 

Text Box: هدف الدعوة إلى الله :

 

هدف الدعوة إلى الله تزكية النفس :

 ( سورة الشمس ) .  

هذه النفوس إذا زكت سعدت وأسعدت :

 ( سورة المائدة الآية : 32 ) .

النبي عليه الصلاة والسلام يقول : يا علي :

(( فَوَ اللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ  )) .

[ متفق عليه عن سهل بن سعد] .

و : (( خير له مما طلعت عليه الشمس )) .

[ أخرجه الطبراني عن أبي رافع ] .

و :  (( خير لك من الدنيا وما فيها )) .

[ تخريج أحاديث الإحياء للعراقي ] .

 

الدعوة إلى الله في أعلى الكلمات المضيئة ، بل إن هذه الدعوة إلى الله هي الدعوة التي ينبغي أن تكون على صواب وبأساليب صحيحة لأن الذي يدعى إلى الله بمضمون هزيل وبمضمون غير متماسك وبأسلوب غير علمي وغير تربوي لا يعدّ عند الله مكلفاً أو مبلغاً .

 

Text Box: خصائص الدعوة إلى الله الخالصة والدعوة إلى الذات :
 

 

دكتور عمر هناك ملمح لطيف جداً هو أن الدعوة إلى الله دعوتان ، دعوة إلى الله خالصة ودعوة إلى الذات مغلفة بدعوة إلى الله ، فالدعوة إلى الله الخالصة ، من خصائصها :    

الاتباع :

 ( سورة الأنعام)

التعاون :

الدعوة إلى الله الخالصة ، من خصائصها التعاون لا التنافس .

الاعتراف بالآخر :

الدعوة إلى الله الخالصة من خصائصها الاعتراف بالآخر لا إلغاؤه .

أما الدعوة إلى الذات من خصائصها :

الابتداع لا الاتباع .

من خصائصها :

التنافس لا التعاون .

من خصائصها :

الاعتراف بالآخر والاعتراف بفضله .

لن نرقى إلا إذا تعاونا ، الدعاة إلى الله إذا تعاونوا وتناصروا ارتفعوا جميعاً عند الله وعند الناس فإذا تنافسوا سقطوا جميعاً من عين الله ، إذاً الدعوة إلى الله دعوتان ، دعوة إلى الله خالصة ودعوة إلى الذات ولكن ما من شيء يتذبذب بين أن يكون أقدس عمل يرقى إلى صنعة الأنبياء كالدعوة إلى الله إنها صنعة الأنبياء .

الدكتور عمر :

هذه أرقى الكلمات الطيبة .

 

Text Box: بين العمل للدنيا والعمل للآخرة :
 

 

الدكتور راتب :

وقد تكون الدعوة إلى الله مع الأسف الشديد من أتفه الأعمال كيف ؟ أنت حينما تبذل من أجل الدعوة الغالي والرخيص والنفس والنفيس تكون في أعلى الدرجات عند الله ، أما حينما ترتزق بها تصبح دعوة لا تلفت النظر بل لا تستأهل إلا ابتسامة ساخرة ، للإمام الشافعي قول رائع : " لأن أرتزق بالرقص أفضل من أن أرتزق بالدين " . أذكر مرة في العقود الغابرة عالم كبير دعا إلى الله ودفع حياته ثمن دعوته فجاؤوا له بمن يلقنه الشهادة لئلا يموت كافراً في زعم من أمر بقتله ، فهذا الداعية الكبير قال لمن يلقنه الشهادة أنت ترتزق بلا إله إلا الله وأنا أموت من أجلها ‍! فرق كبير بين أن يقدم الداعية الغالي والرخيص والنفس والنفيس وبين أن يرتزق بالدعوة إلى الله ، الحقيقة الدقيقة أن الدعوة إلى الله هي ما يحتاجه العالم الإسلامي اليوم هناك خلل في الخطاب الديني لا بد لهذا الخطاب الديني من أن يكون واضح المعالم من أن يكون مقتبساً من منهج الله عز وجل ، الله عز وجل  في قرآنه الكريم بيّن أن الدعوة إلى الله تكون بالحسنى :

(( من أمر بالمعروف فليكن أمره بالمعروف ، ومن نهى عن المنكر فليكن نهيه بلا منكر )) .

[ورد في الأثر ]

فلذلك نحن حينما نتوسع في مفهوم الدعوة إلى الله نرى أن الإنسان إذا جعل من دعوته وفق منهج صحيح قطف ثمار هذه الدعوة يانعة . 

الدكتور عمر :

دكتور راتب أنت تريد أن تخبرنا أن الكهنة الذين يحاربون الدين أذكى وأعقل من الكهنة الذين يتأكلون بالدين ؟

الدكتور راتب :

طبعاً ...

الدكتور عمر :

هل تبيح لنا هذا المقترح .

الدكتور راتب :

الذين يحاربون الدين الناس لا يقلدونهم أما الذي يتأكلون بالدين يقلدون هنا المشكلة .

 

Text Box: من صفات الدعاة إلى الله أنهم لا يخشون أحداً إلا الله :

 

الدكتور عمر :

إذاً الكلمة الطيبة في أرقى شيء هي الدعوة إلى الله عز وجل .

الدكتور راتب :

هناك آية تحكم ذلك :

 

[ سورة الأحزاب ]

هؤلاء الدعاة إلى الله لهم صفات كثيرة لحكمة بالغة بالغة أغفلها الله ، أبقى صفة واحدة ، هذه الصفة يسميها علماء البلاغة صفة مترابطة مع الموصوف ترابط وجودي ، أنت تقول الطائرة كبيرة والباخرة كبيرة ، الطائرة غالية واليخت غالٍ ، أما إذا قلت الطائرة تطير فإذا ألغي طيران الطائرة ألغيت الطائرة .

 

[ سورة الأحزاب ]

ذكر الله عز وجل  صفة واحدة للدعاة إلى الله ولا يخشون أحداً إلا الله ، فإذا خافوا من غير الله فسكتوا عن الحق خوفاً ونطقوا بالباطل تقرباً انتهت دعوتهم ، لذلك الإنسان يمكن أن يستفيد من كل علم ، يستفيد من طبيب ، من مهندس ، محامي ، من عالم جيولوجيا ، ولا يأبه لسلوكه إلا رجل الدين لا يمكن أن يستفيد منه إلا إذا رأى المسافة معدومة بين أقواله وأفعاله .

 

Text Box: من عظمة الإسلام أنه ليس فيه رجل دين وإنما عالم بالدين :
 

 

الدكتور عمر :

دكتور راتب هل لنا أن نقول عظمة الإسلام أنه ليس فيه رجل دين وإنما عالم بالدين .

الدكتور راتب :

ليس هناك حرفة اسمها رجل دين .

الدكتور عمر :

لا يوجد في الإسلام رجل دين إنما عالم بالدين .

الدكتور راتب :

بارك الله بك ، سيدنا عمر رضي الله عنه جاءه جبلة بن الأيهم مسلماً فرحب به ملك الغساسنة ، في أثناء الطواف حول الكعبة بدوي من قبيلة فزارة داس طرف ردائه ، فانخلع رداؤه عن كتفه ، فالتفت إلى هذا الأعرابي من فزارة ، و ضربه ضربة هشمت أنفه ، هذا الأعرابي اشتكاه ، سيدنا عمر جاء بهذا الملِك جبلة ، جرى حواراً بينهما صاغه شاعر معاصر وقال له : أصحيح ما ادعى هذا الفزاري الجريح ؟

قال جبلة : لست ممن ينكر شياً ، أنا أدبت الفتى ، أدركت حقي بيدي .

قال عمر : أرضِ الفتى ، لابد من إرضائه ، مازال ظفرك عالقاً بدمائه أو يهشمن الآن أنفك ، و تنال ما فعلته كفك .

قال : كيف ذلك يا أمير ؟ هو سوقة ، وأنا عرش وتاج ؟ كيف ترضى أن يخر النجم أرضاً ؟

 قال عمر : نزوات الجاهلية ، ورياح العنجهية قد دفناها ، أقمنا فوقها صرحاً جديداً ، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً .

فقال جبلة : كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعز ، أنا مرتد إذا أكرهتني .

فقال عمر : عالم نبنيه ، كل صدع فيه يداوى ، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى .

هذا هو منهجنا .

 

Text Box: الكلمة الطيبة و خطورتها :

 

الدكتور عمر :

الله أكبر هذه كلمات طيبة ومضيئة ، الدكتور سعد الدين هلالي الكلمة الطيبة والناس يظنون أن الفقه يخص أو يختص بعبادات ومعاملات ، الفقه في حلال وحرام ، مع أن الكلمة هذه وخطورتها قد ينسى البعض أو يتناسى ، ولا نتهم أحداً هل نسينا قيمة الكلمة فبلغت ألسنتنا بعيداً عن منطق الكلمة الطيبة بهذا الهراء الذي نعرف بما لا نعرف صباحاً مساء وصار كل عربي فينا وعربية مكلمة تتحدث عن نفسها ؟ 

الدكتور سعد :

شكر الله لكم وجزاكم الله خيراً عن اختيار هذا العنوان الكريم والكلمة الطيبة الذي ضرب الله بها مثلاً :

 (سورة إبراهيم)

في مقابلها :

 (سورة إبراهيم)

 

Text Box: التعريف بالكلمة الطيبة :

 

الكلمة الطيبة في نظر الفقهاء يريدون في البداية التعريف لمعنى الكلمة الطيبة والفقهاء درجوا على تعريف المصطلح ذات الكلمتين أو الأكثر أي الجملة المضافة بتعريف المفردات ، ثم تعريف المصطلح المركب ، فالكلمة واحدة الكلام والكلمة ، والكلام هو اللفظ الذي يخرج الذي يعبر به الإنسان مع أخيه الإنسان ، فالكلمة هي أداة التعبير والطيبة صفة للكلمة أي كلمة موصوفة بالطيبة ، والطيب هو ضد الخبيث ، والطيب هو ما استقام ، وطاب مقامك أن استقام واستقر ، فالكلمة الطيبة بهذا المعنى من كلمة تفيد التعبير والطيبة تفيد الحلال وتبين معنى الحلال من لفظ الطيب في قوله تعالى :

 (سورة البقرة)

أي مما أحلّ الله وقال تعالى :

 (سورة المؤمنون)

أي كلوا من الحلال ، فالطيب أيضاً رديف الحلال ، فصارت الكلمة الطيبة أي الكلمة الحلال التي أحلها الله عز وجل هذا بالمعنى المفرد لكل لفظة ، إذا أردنا أن نطلق تعريفاً على هذا المركب الوصفي الكلمة الطيبة نقول إن المراد عند الفقهاء بالكلمة الطيبة التعبير المشروع الذي يجوز للمسلم أن يعبر به ، لأن الكلمة ليس المراد بها اللفظة فإن هناك من يتحدث بالإشارة كالذين حرموا من نعمة الكلام ، وهناك من يتحدث بالفعل كالذين يرغبون في ممارسة أشياء دون أي إشارة .

 

Text Box: المراد بالكلمة الطيبة مدلول العبارة أو ما يراد من الإشارة :

 

الشرائع الإسلامية جاءت لإحاطة كل هؤلاء فجعلت التعبير يكون باللفظ ويكون بالإشارة ويكون بالفعل بل ويكون بالصمت أيضاً ، هذه أدوات التعبير ولهذا أقول عن المراد بالكلمة الطيبة مدلول العبارة أو ما يراد من الإشارة .

 

الدكتور عمر :

يعني لسان الحال أحياناً .

الدكتور سعد :

نعم وليست اللفظة لأننا لن نجد في كتاب الله حرمت عليكم الميتة وحرمت عليكم كلمة كذا لا يوجد تحريم لكلمة بعينها لأن كل لفظة يجوز النطق بها إلا أن النطق بها في حال يجوز وفي حال آخر لا يجوز .

الدكتور عمر :

إذنها صمتها .

 

Text Box: اللفظ و الفعل و الإشارة و الصمت وسائل تعبيرية تدخل في الحلال و الحرام :

 

الدكتور سعد :

لهذا نقول عن التعبير هو المراد في الحكم بالكلمة الطيبة أو الكلمة غير الطيبة أي المراد مدلول اللفظ أو مدلول الإشارة أو مدلول الفعل أو مدلول الصمت ، ويدل على إن كل هذه الأساليب الأربعة من التعبيرات التي عدّها الفقهاء وتعتبرها الشريعة الإسلامية أساساً للمحاسبة والمراقبة في اللفظ مثلاً في قوله تعالى : أوفوا بالعهد وفي قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود .

فهذا نص على وجوب مراعاة اللفظ الذي يتعاقد به الإنسان مع أخيه الإنسان وفي الإشارة في قوله تعالى :

 (سورة الهمزة : الآية "1")

الذي يغمز ويلمز هذا أيضاً داخل ضمن التعبير ، إذاً الكلمة الطيبة تعبير باللفظ أو تعبير بالإشارة وفي بالفعل ، وفي الصمت والسكوت في قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ : ألا أدلك على زمام الأمر كله أمسك عليك هذا وأشار إلى لسانه فتعجب وقال معاذ بن جبل :

(( وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟ فَقَالَ : ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ، أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِم )) .

[ أخرجه الترمذي وصححه وابن ماجه والحاكم عن معاذ ]

دلّ على أن اللفظ وأن الفعل وأن الصمت حتى الصمت محسوب على الإنسان في تعامله وسكوته يكون عبادة ويكون بعداً عن الحرام وفعله وكلامه وإشارته تكون كذلك .

 

Text Box: الكلمة الطيبة هي الكلمة التي يحلّ التعبير بها ليس لذات الكلمة وإنما لمدلولها :

 

الكلمة الطيبة هي التعبير سواء كان التعبير باللفظ أو بالفعل أو بالإشارة أو بالصمت ، أي وسيلة تعبيرية كل هذه الوسائل التعبيرية تدخل في الحلال والحرام ، إن كانت حلالاً فهي طيبة وإن كانت حراماً فليست طيبة ، والمقصود بالحلال ليس عنوان أو ليس مادة الكلمة فإن الكلمة في ذاتها مشروعة في ذاتها ولكن في دلالتها هو الذي نتحدث عنه فمثلاً قد يقول قائل : إنه إن قال أنت رجل جيد وأنت رجل حسن وأنت رجل جميل ، هذا تعبير في ظاهره طيب إن قال هذه العبارة أو إن قالت المرأة الأجنبية هذه العبارة لرجل أجنبي كلمة خبيثة ، وإن كان في ظاهرها مزينة بالألفاظ الحسنة التي يظن الناس أنها حسنة إذاً الحسن ليس اللفظ في ذاته وإنما هو مدلوله والقبيح كذلك ، ربما كلمة لا إله إلا الله ، كلمة لا إله كلمة قبيحة في ذاتها ؟ لا وإنما في مدلولها ، فيجوز للمدرس وهو يدرس الطلاب أن يعرف الناس ما معنى لا إله ويقف عند لا إله ويشرح ما معنى لا إله ، هذا ا الشرح وإن كان مضمونه في ذاته لا نقره ولا نعتقده إلا أن في مناسبة شرح الأستاذ للطلاب مناسبة جيدة وكلمة طيبة .

الكلمة الطيبة هي الكلمة التي يحل التعبير بها ليس لذات الكلمة وإنما لمدلولها ، والكلمة المحرمة هي كذلك التي نهى الشارع عن التعبير بها دلالة ، فالدلالة هو المقصود لأن الخطاب وسيلة للدلالة ، نحن لا نتكلم من أجل الكلام وإنما نتكلم من أجل نقل المعاني من عندي إلى غيري ، وغيري ينقل المعاني عند نفسه إلي ، وسيلة التعبير والتخاطب كانت بالكلمة ، بالإشارة .

إذاً : الدلالة هي التي يحكم على كونها طيبة والدلالة التي يحكم على كونها خبيثة .

الدكتور عمر :

أكرمك الله دكتور سعد ، دكتور عربي القشاط جزاك الله خيراً ، يعني أنفق ما بين كفيك وأمسك ما بين فكيك ، أرجو أن تحدثنا بكلماتك الطيبة عن الكلمة الطيبة .

 

Text Box: الكلمة طاقة وهبها الله للإنسان يمكن أن تكون هدّامة و يمكن أن تكون بناءة :

 

الدكتور عربي :

شكراً دكتور عمر تقدمتك لهذه الندوة مضيئة ، ماذا أضأت لنا من خلال مقدمتك ؟ أضأت لنا الحقيقة التالية : أن الكلام ليس عملية فيزيولوجية فقط وإنما الكلام عملية مركبة ، مركبة من بعد غير مرئي وبعد مرئي ، عندما وصفت بكلماتك الطيبة إذا أقفرت القلوب قحطت الألسنة ، تعبير مضيء وحقيقة عميقة ، من خلال هذه الكلمات البسيطة الجميلة ندرك أن هناك علاقة وثيقة بين مكنونات الأذهان ومنطوقات الألسنة ، وهذا يدلنا إلى تسجيل الحقيقة التالية : الكثير منا يعتقدون أن الكلمة لا تأثير لها ، ينبغي أن نذكر أن الكلمة طاقة من الطاقات التي وهبها الله عز وجل  للإنسان ، وككل طاقة قد تكون هذه الطاقة الكلمة ذات تأثير هدّام سلبي ، وقد تكون ذات تأثير بناء إيجابي ، لكي تكون الكلمة التي ننطق بها ذات تأثير إيجابي وجب علينا أن نختار نوع المكيفات ، الإنسان كائن يتكيف معها ، الإنسان ليس مكيفاً ما يسمى عند علماء النفس الشروط التي تشرطن الإنسان ، فالإنسان يستطيع أن يتكيف ويتشكل انطلاقاً من موحيات علوية كما يستطيع أن يتسفل ويصير قيمة ، يخلد إلى الأرض ، يعني ينسلخ من الآيات التي أكرمه الله بها ليرتفع فهو الذي اختار الانسلاخ :

 (سورة الأعراف)

إذاً هو الذي انسلخ مثل المصباح إذا قطعنا الخيط عن المغذيات مصدر الكهرباء .

Text Box: المفاهيم الإسلامية تعشق الكلمة العربية لأنها تستوعب حكمة الله و مراده :

 

أنا دائماً أقول إن بين اللغة العربية والمفاهيم الإسلامية علاقة ود ومحبة ، فالمفاهيم الإسلامية لا تعشق إلا الكلمة العربية ، والكلمة العربية هي الوحيدة التي تستطيع أن تستوعب حكمة الله ومراده من خلقه ، مثلاً في اللغة العربية الكلمة مشتقة من جذر يعني التأثير بإحدى الحاستين ، إما حاسة البصر وإما حاسة الأذن (السمع) ، فمثلاً العرب يقولون : كَلّمْته ، أي جرحته ، الكلم ندركه بعيوننا والكلام ندركه بأسماعنا ، هذا شيء رهيب جداً ، العرب يقولون أيضاً الكُلام ما غلظ من الأرض وصلب ، ما الذي يحول بيننا وبين أن تكون كلماتنا غير جارحة ؟ ما الذي يحول بيننا وبين أن تكون كلماتنا غير صلبة غير غليظة ؟ هو التلقي عن الله عز وجل ، وتشرب قيم الإسلام ، ومحاولة إخراجها للناس في شكل مسالك ولحكمة ما يذكرنا القرآن الكريم  بأن وجودنا فيض وجود ، الوجود وجود الخلق فيض جود الله عز وجل ، وجود بمعناه الأشمل المادي والمعنوي .

 

Text Box: العلاقة الوثيقة بين القلب و اللسان :

 

أشرت في تعليقك على أحد الأستاذين الفاضلين إلى حقيقة عظيمة عبرت عنها بلسان الحال ، ثبت من خلال الدراسات العملية والملاحظات لعلاقات الإنسان أن أدوات التوصيل ، الإنسان كائن تواصلي لا يستطيع أن يعيش بمفرده يتواصل من خلال قنوات عدة من أهم هذه القنوات الكلمات ، لكن ثبت أن التواصل بالكلمات لا يشكل إلا خمسة في المئة ، التواصل اللفظي عندما أتكلم مع شخص وأتواصل معه بواسطة الألفاظ (ألفاظ أي لغة) فإنني لا أستخدم إلا خمسة في المئة من كلمات اللغة والباقي خمسة وتسعين بالمئة ما عبرت عنه بلسان الحال ، هذا ما يعبر عنه بالتواصل اللا لفظي ، وهذا الذي يلفت أنظارنا إلى قيمة القلب إلى قيمة الوجدان ، وصدق النبي صلى الله عليه وسلم  الذي يقول :

(( لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ ، وَلَا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ )) .

[ أحمد عن أنس بن مالك]

علاقة اللسان بالقلب علاقة الثمرة بالبذرة ، علاقة المنتوج بالمنتج ، علاقة الظل بما يحمل ، علاقة الأثر بالمؤثر .

لذلك الإسلام في توجيهاته لنا من الناحية القلبية ، لما قبل أن أتكلم أسأل ثلاثة أسئلة ، لما أتكلم ؟ إذا كان الداعي غير موجود الصمت أولى .

الدكتور عمر :

لو أن كل عربي سأل نفسه هذا السؤال .

 

Text Box: على كل إنسان أن يقصد في كلامه و ينطق بالمفيد فقط :

 

الدكتور عربي :

لما سمعنا صوتاً وكلمتك هذه تذكرني أو توحي إلي بأن أقول هذه الحقيقة عندما نزن أكثر كلامنا بميزان الإسلام فإننا نستنتج التالي ، نتكلم ولا نقول شيئاً ، كلام عبارة عن ضوضاء وضجيج ينطبق عليه المثل العربي الحكيم تسمع جعجعة ولا ترى طحناً ، فلو أن كل واحد منا سأل نفسه لما أتكلم ؟ السؤال الأول ، السؤال الثاني لأجل ماذا القصد من الكلمة ؟ الكلمة تحاط بقوتين حاميتين ، السؤال الأول الباعث ما الذي يبعث عن الكلام ؟ السؤال الثاني ما الهدف ؟ قد يكون الباعث جميلاً وقد يترتب عنه نتيجة سيئة ، دفع المضار أولى من جلب الموازنة ، يعني ما قيمة الضر الذي نتجنبه وما قيمة النفع الذي نريد أن نقدمه ، لذلك أكثر علماؤنا المربون أكثروا القول حتى لا تخرج الكلمة التي سكها الإسلام .

الدكتور عمر :

لما نتكلم ؟

الدكتور عربي :

هذا يجعلنا نقتصد في الكلام :

 (سورة الأعراف)

 ما معنى اغضض من صوتك ؟ المعنى تخفيض الصوت أيضاً وحذف كل الكلمات الهراء ، غض يعني صغر حجم الشيء .