English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

كلمات مضيئة . العمل الصالح ـ لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Text Box: مقدمة :

 

الدكتور عمر :

أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين وأن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه ، يا سيدي يا رسول الله ، صلاة وسلاماً متلازمين إلى يوم الدين .

أما بعد : أحبتي في الله أحييكم جميعاً أينما كنتم في الأرض بتحية الإسلام والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ، تحدثنا في الحلقة السابقة عن الاستقامة ورأينا أن هذا الأمر يحتاج منا إلى عمل وليس بأمانيكم ، والإيمان ليس بالتمني ولكن الاستقامة تحتاج إلى جهد كبير يبنى على أسس مستمدة من كتاب ربنا وكلام نبينا صلى الله عليه وسلم .

 

Text Box: الربط بين التوحيد و العقيدة و بين الاستقامة على أمر الله عز وجل :

 

أريد في مقدمتي هذه أن أربط بين التوحيد والعقيدة وبين الاستقامة ، وأن الاستقامة لا تقوم إلا على توحيد خالص ، ولما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم  في بداية الدعوة كان ممكن لبعض المفكرين أو الذين يُعملون عقولهم أن يبدأ النبي صلى الله عليه وسلم  بالمشكلة الداخلية لتوحيد القبائل ويصير زعيماً ، يوحد القبائل وبعد ذلك يبدأ بقضية الرسالة ، أو يبدأ بالقضية القومية وهي إخراج الفرس والروم من أرض العرب ، وكان ممكن أن يجد له أتباعاً من باب العنصرية أو من باب القومية أو الغيرة العربية لإخراج المستخرب أو الأجنبي عن أرض العرب ، أو يحل المشكلة الاجتماعية ؛ قضية الطبقية والعبيد والأسياد والأثرياء والفقراء والطبقية الموجودة في المجتمع وسوف يجد من الفقراء الكثر في مجتمع مكة ومجتمع قريش من يؤيده في هذه المسألة ، لكن ظل ثلاثة عشر عاماً يدعو إلى لا إله إلا الله ، فلما دخلت قضية التوحيد هذه وأمرهم رب العباد كفوا أيديكم ، الأمر هنا جاء استقام الصحابة على هذا المنهج منهج لا إله إلا الله ، وظهرت الاستقامة في ألسنتهم ونظرتهم وعقولهم وأفكارهم وتصرفاتهم وسلوكياتهم ، وتحملوا هذا ، فأقاموا قضية الاستقامة مقام الكيان العملي الموجود في الحياة وليس كلاماً نظرياً تجريدياً ، بعد هذه الأعوام الثلاثة عشر وتمكن التوحيد في قلوب الصحابة ، رأينا مجتمعاً واقعياً مثالياً ارتقى بالإنسان إلى أرقى ، بحيث النبي صلى الله عليه وسلم  لم يكتب المصحف على ورق وإنما كتب بمداد من نور على سطور قلوب الصحابة عقيدة لا إله إلا الله فاستقامت أعمالهم عملاً خلاقاً أضاؤوا به العالم كله وكانوا خير أمة أخرجت للناس .

 

Text Box: ترحيب حارٌ من الدكتور عمر بالأستاذين الكريمين :
 

 

قد تكون هذه المقدمة أطلت بها لكن أردت أن أمهد بين يدي الضيفين الكريمين والعالمين الجليلين اللذان أسعد أنا بهما وتسعدون أنتم بهما وأنا أدرك هذا تصلني مئات وآلاف الآراء والأفكار تثمن هذا البرنامج ، وهذا من فضل الله علينا أن يكون معي في الاستديو الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي مرحباً بك دكتور راتب بارك الله بك .

الدكتور راتب :

بكم أيها العالم الجليل أنت أستاذنا .

الدكتور عمر :

وأرحب أيضاً بأخي  الدكتور عربي الكشاط ، مرحباً بك في هذا المجلس لأنني أعتبره مجلس علم تحيط به الملائكة وتتواصل الملائكة ، من هذا الأستوديو إلى كل المشاهدين بأرض الله مرحباً بك دكتور عربي في مجلسك .

الدكتور عربي :

شكراً لك دكتور عمر ولك أجر ثمار مثل هذه المجالس .

الدكتور عمر :

الدكتور راتب نبدأ إن شاء الله ونكمل ما أوقفنا أنفسنا عنده في الحلقة السابقة ونتحدث عن خصائص الاستقامة ونحن نريد أن نعطي منهجاً مبسطاً للمستمعين ولي أنا شخصياً ، كي ندرك منهجاً عملياً نستقيم به على طريق الله عز وجل ، حتى في علم الرياضيات أقصر الطرق المستقيم بين نقطتين :

﴿ وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ

( سورة الأنعام : 153 )

 

Text Box: معالجة الأنبياء أعراض الإعراض عن منهج الله عز وجل :

 

الدكتور راتب :

لابد لي من التعليق على هذه المقدمة الرائعة ، الحقيقة إذا طفل صغير ارتفعت حرارته وأخذه أبوه إلى طبيب أعطاه خافض حرارة ليس هذا طبيباً ، يجب أن يرى أن هذا الارتفاع عرض لمرض آخر ، لذلك الأنبياء الكرام العظماء ما عالجوا أعراض الإعراض عالجوا الإعراض نفسه ، كما تفضلت هناك مشكلات كثيرة جداً ما بدأ بها النبي صلى الله عليه وسلم  بدأ بأصل العلة ، أصل العلة الإعراض عن الله عز وجل .

الدكتور عمر :

لم يحجمها في قضية اجتماعية قضية قومية .

الدكتور راتب :

فكلما تعاني الأمة الإسلامية الآن أنا أراها أعراضاً للإعراض عن الله ولو استقمنا على أمر الله لحلت مشكلاتنا جميعاً بل عن الله عز وجل  يقول :

﴿ وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾ .

( سورة آل عمران الآية : 120 ) .

هذا الكيد المخيف .

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)

( سورة إبراهيم )

إله عظيم يصف مكر هؤلاء بأنه يزيل الجبال ومع ذلك وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ .

 

Text Box: بطولة الإنسان أن يعرف علة وجوده في الدنيا :

 

أنا أقول إذاً المعصية مع الصبر طريق إلى القبر ، أما الطاعة مع الصبر طريق إلى النصر ، فالأنبياء العظام وعلى رأسهم النبي صلى الله عليه وسلم  وضع يده على أصل المرض ، بدأ بمعالجته وما لم نهتدِ بهذا الهدى لن نفلح ، أنا أقول النبي صلى الله عليه وسلم  له سنتان سنة افعل ولا تفعل ، أما هو كيف دعا إلى الله ما الموضوعات التي بدأ بها ؟ هذا اسمه السنة الدعوية ، والدعاة إلى الله ما لم يقلدوا النبي في سنته الدعوية فلن يفلحوا ، أما حسب ما طلبت مني جزاك الله خيراً في موضوع خصائص الاستقامة أنا أرى أن أمتن علاقة بين علة وجود الإنسان ، إنسان ذهب إلى باريس بلد أخينا الكريم  الدكتور عربي لينال الدكتوراه فقط فيها مجامع علمية فيها مسارح فيها ملاهٍ فيها دور سينما فيها حدائق فيها متاحف فيها جامعات فيها مصانع مدينة عملاقة ، له في هذه المدينة هدف واحد أن ينال الدكتوراه نسمي نيل الدكتوراه علة وجوده ، البطولة أن أعرف أنا ما علة وجودي في الأرض ، من أجل أن تأتي الاستقامة مرتبطة ترابطاً تفاعلياً مع فهم العلة ، أولاً الله عز وجل  قال :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) ﴾ .

( سورة الذاريات ) .

 

Text Box: لا تصح حركة الإنسان إلا إذا عرف سرّ وجوده :

 

مثل آخر ذهب إلى باريس قال إلى أين أذهب ؟ نقول له لماذا جئت إلى هنا ؟ إن كنت جئت طالب علم فاذهب إلى المعاهد والجامعات ، وإن جئت تاجراً فاذهب إلى المعامل والمؤسسات ، وإن جئت سائحاً فاذهب إلى المقاصف والمتنزهات .

ما م نعرف علة وجودنا في الدنيا لا يصح عملنا ، إن عرفنا علة وجودنا صحّ عملنا ، الآن طالب في عنده امتحان مصيري يبنى على نجاحه في هذا الامتحان مصيره ، لو أن أصدقاء أخذوه إلى مكان جميل قبل الامتحان بيومين واستمتع بأجمل المناظر وأطعموه أطيب الطعام لماذا يشعر بالكآبة ؟ لأن هذه العمل لا يتناسب مع الهدف الذي أمامه ، فلو قبع في غرفة قميئة ، وقرأ الكتاب المقرر ، يشعر براحة ، إذاً تصح حركتنا إذا عرفنا سر وجودنا ، ونسعد إذا جاءت حركتنا مطابقة لهدفنا .

الدكتور عمر :

السلف الصالح لما استهانوا بالدنيا واعتبروها معبراً وليست مقراً ونظروا إلى الهدف الأسمى هانت الشدائد عليهم ، ولكن فضيلتك أشرت إلى قضية خطيرة وهي أنك تريد أن تقول لنا أننا في حالة من الإعراض عن الله وهو المرض المستشري .

 

Text Box: الطاعة القسرية ليست عبادة لأن العبادة طاعة طوعية تفضي إلى سعادة أبدية :

 

الدكتور راتب :

ومشكلاتنا أعراض الإعراض عن الله عز وجل .

الدكتور عمر :

نريد أن نصف الدواء .

الدكتور راتب :

إذا كان الداعية طبيباً يجب أن يعالج أصل هذه الأعراض ، الآن القرآن الكريم  كلام الله عز وجل ، بآية صريحة قطعية الدلالة يقول :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) ﴾ .

( سورة الذاريات )

والعبادة تفهم فهماً ساذجاً وضيقاً جداً أنها العبادة الشعائرية أما العبادة في أدق تعريفاتها طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية ، هي طاعة ، الطاعة القسرية ليست عبادة ، الأقوياء يطاعون قسراً .

طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، لأن الله أراد علاقتنا به علاقة محبوبية فما عبد الله من أطاعه ولم يحبه وما عبد الله من أحبه ولم يطعه ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية ، في التعريف صار جانب معرفي وجانب سلوكي وجانب جمالي ، الجانب السلوكي هو الأصل :

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا (72)

( سورة الأنفال)

يعني ما تحرك ، السلوكي هو الأصل ، المعرفي هو السبب ، الجمالي هو الثمرة ، في أصل وفي سبب وفي ثمرة .

 

Text Box: أول خطوة إلى الله عز وجل أن نستقيم على أمره :

 

 الآن كما قلت في لقاء سابق إذا اختفت الاستقامة لا يبنى عليها شيء أضيف هذا المثل ، الاستقامة واحد مع العمل الصالح صفر صار عشرة ، مع رعاية الأولاد صفر ثان ، مع خدمة المجتمع صفر ثالث ، مع إنفاق المال صفر رابع ، فإذا ألغيت الواحد الباقي أصفار .

(( استقيموا ، ولن تحصوا )) .

[ ابن ماجه عن ثوبان ]

علاقة الاستقامة بعلة وجودنا أن أول خطوة إلى الله أن نستقيم على أمره وبعدها يبدأ الحساب .

الدكتور عمر :

الخاصية الأولى التي فهمتها أنا الآن وفهمها المشاهدون أن العبد يجب أن يدرك لماذا هو موجود ، ومعنى العبودية العامة المختصة بالشرع وليست العبودية الساذجة المحصورة في طقوس معينة يذهب إلى العمرة أو يعمل مناسك معينة .

 

Text Box: علة وجود الإنسان في الأرض هي طاعة الله عز وجل :

 

الدكتور راتب :

هناك دليل قوي جداً لما سأله النجاشي سيدنا جعفر عن الإسلام قال :

(( أَيُّهَا الْمَلِكُ ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا ، نَعْرِفُ نَسَبَهُ ، وَصِدْقَهُ ، وَأَمَانَتَهُ ، وَعَفَافَهُ... )) .

[ أحمد عن أم سلمة ]

إذا تكلم فهو صادق وإذا عاملك فهو أمين .

الدكتور عمر :

نحن نعرفه من قبل أن يبدأ بالحديث عما جاء به (شخصية الداعية) .

الدكتور راتب :

الآن أنا أستمع وأصغي إلى شرح الإسلام من صحابي كبير :

((  فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ  وَنَعْبُدَهُ ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ ، وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاء.. )) .

[ أحمد عن أم سلمة ]

هذا المضمون الأخلاقي لذلك الإيمان هو الخلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان .

الدكتور عمر :

الآن فهمت أنني موجود بعلة ، علة وجودي هي طاعتي لله عز وجل .

الدكتور راتب :

المبنية على علم ينتج عنها سعادة .

الدكتور عمر :

الأمر الثاني أن العبد كلما رأينا منه خلقاً قويماً هو أكثرنا استقامة ، أو أقرب إلى خط الاستقامة .

 

Text Box: كل إنسان مصمم لمعرفة الله عز وجل :

 

الدكتور راتب :

شيء ثالث الإنسان مصمم إن صحّ التعبير لمعرفة الله ، نفسه لا يقنعها هدف محدود ، فلمجرد أن يختار الإنسان هدفاً أرضياً محدوداً يبدأ شقاؤه بعد بلوغه ، لو رأى المال كل شيء بعد أن يملكه يشعر بالملل والسأم والضجر ، رأى المرأة كل شيء بعدما قضى حاجته منها يشعر بالملل والسأم والضجر ، أي شيء دون الله جعله هدفاً يشقى به لأنه أكبر من ذلك ، لذلك الإنسان حينما يعرف الله لا يشيخ أبداً شاب حتى الموت شاب في التسعين ، ما تعريف الشباب ؟ الشباب أن لك هدفاً كبيراً تسعى إليه إذاً أنت شاب ، ما دام الهدف أرضي مادي محدود استوعبته أحطت به يبدأ السأم ، وأنا أفسر انحراف العالم الغربي بسبب الملل وصلوا إلى كل أهدافهم المادية بدؤوا بالانحراف ، بالشذوذ ، كل ألوان الانحراف في العالم الغربي سببها أن أهدافهم مادية محدودة فلما أحاطوا بها شعروا بالفراغ أما المؤمن ، مرّ أحد علماء دمشق على مقهى قال يا سبحان الله لو أن الوقت يشترى من هؤلاء لاشتريناه منهم .

 

Text Box: الأمن و الحكمة من صفات المؤمن الحق :

 

والله أنا أرى أن المؤمن أمامه طموحات وأعمال لا يكفي له العمر كله هذا يجعله شاباً دائماً ، مرة في دمشق كرموا قراء القرآن الكريم كانوا سبعة فيما أذكر كلهم فوق التسعين وكان في عالم من علماء دمشق بلغ السادسة والتسعين وقامته منتصبة وبصره حاد وأسنانه في فمه وكان يقول يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر ، من عاش تقياً عاش قوياً .

وأنا أقول الداعية أحياناً حينما يستعين بحاجات الإنسان الأساسية ، الإنسان بحاجة إلى الأمن والأمن من صفات المؤمن :

﴿  فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴾ .

 ( سورة آل عمران ) .

لهم وحدهم ، يحتاج الإنسان الحكمة ، ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ، يحتاج إلى الرضا أن يرضى عن الله ، كان أحدهم يطوف حول الكعبة فقال : " يا رب ، هل أنت راضٍ عني ؟ كان وراءه الإمام الشافعي ، قال له : يا هذا ، هل أنت راضٍ عن الله حتى يرضى عنك ؟ قال له : سبحان الله ! كيف أرضى عن الله ، وأنا أتمنى رضاه ؟ قال له : إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله عز وجل .

 

Text Box: طمس حقيقة التوحيد أدت إلى تخبط المسلمين :

 

الدكتور عمر :

الدكتور راتب هذا مقياس صعب ، نحن في واقع الأمر إذا أصابتنا نتيجة قلة المناعة الإيمانية الموجودة ، أضعف فيروس من فيروسات الشك أو الابتلاء أو إلى آخره يؤثر على مناعتنا الضعيفة هذه ، على كل أنت فتحت لنا طريقاً واسعاً ، أريد أن ندخل إلى طريق الدكتور العربي وهو يكمل لنا هذا الأمر الجميل ، قلنا في مقدمة العرض أن النبي صلى الله عليه وسلم  كما أكّد معي الدكتور راتب جزاه الله خيراً ، أن النبي صلى الله عليه وسلم  أدرك حقيقة الأمر في أمر العقيدة ، ونحن تحدثنا مع فضيلتكم في الحلقة الماضية عن غياب هذه الحقيقة عن إخواننا في الإنسانية في الغرب ، لما طمسوا حقيقة التوحيد تخبطوا في الدنيا خبط عشواء وجعلوا يتلمسون المفاتيح هنا وهناك وأرادوا أن يعمقوا بعض التافهين ، أصحاب العقول الكبيرة أو غير ذلك ، وبعد كان لهم حصاد الهشيم وصل الأمر بهم إلى الانتحار والاكتئاب ودور المسنين والعجزة ، ولا ننكر كما قلنا حتى لا نغبط القوم حقوقهم ، لا ننكر تقدمهم التقني والعلمي لأنهم استخدموا العقول فيما أمر الله بها ، ولكن استخدموا الأهواء فيما نهى الله سبحانه عنه ، لماذا صادموا الاستقامة مع أن الرجل الجاهلي في الجاهلية السابقة قبل اقرأ كان عنده شيء من منظومة القيم أو شيء من بقايا فطرة إنسانية ، كيف أكسر على محمد بابه وتقول العرب هتك عمرو بن هشام حرمة بيت محمد ، أبو سفيان يقول أنا لولا أن يؤثر عني أني قد كذبت لكذبت ، حاتم الطائي وكرمه ، معن وحلمه ، الأحنف ، هؤلاء إذا قيس عظماء الجاهلية قبل الإسلام بالجاهلية الحديثة في القرن الماضي والذي قبله جرحت هذه المقارنة ما قبل اقرأ ، ما أدري هل فكرتي وضحت ؟

 

Text Box: الاستقامة ذات بعدين بعد عقدي وبعد وجودي :
 

 

الدكتور عربي :

فكرة جد عميقة ولكي نفهمها يجب أن نستفكر ما ذكرتنا به والذي يتمثل فيمايلي ، التوحيد وآثاره ، إذاً أنت ذكرتنا بأن الاستقامة ذات بعدين ، بعد عقدي بعد وجداني وبعد وجودي ، الإيمان يمثل البعد الوجداني الداخلي ، وتجسيد الاستقامة يمثل البعد الوجودي ، الوجود الخارجي وهذا ما يشير إليه قوله تعالى :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ﴾

( سورة فصلت الآية : 20 )

هذا البعد الأول ، قالوا ربنا الله ، القول يشمل الشعور القلبي واللفظ اللساني قالوا ربنا الله :

﴿ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾

( سورة فصلت الآية : 20 )

كلمة ثم هذه كلمة عجيبة ، تراخي رتبي وتراخي زمني ، كيف ؟ تراخي رتبي يعني أن القول يستسهله كلنا بسيط ، الغرب مثلاً قال بأنه ليس بحاجة إلى الله عز وجل  وليس بحاجة إلى ما يسميه المفارقة ، الذي يفارق السطح البشري البعد عن المحسوس .

 

Text Box: التوحيد شجرة طيبة و لكن علة المسلم في قلبه :

 

نحن عندنا أكثرنا يردد كلمة التوحيد لفظياً لكن أين مدلولها الاجتماعي واقعياً ؟ وهنا المشكلة ، فالتوحيد شجرة طيبة ، والشجرة الطيبة كما ذكر الله عز وجل تؤتي ثمارها :

﴿ كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24)

( سورة إبراهيم)

الحضارة الغربية اجتثت من تربتها هذه الشجرة من واقعها ما لها من قرار ، نحن الشجرة موجودة لكننا نفتقد ثمارها ، إذاً أين الخلل ؟ كما تفضلت قبل قليل ؟ الخلل في التربة ونعني بها القلب .

﴿ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا (58)

( سورة الأعراف)

 

Text Box: ارتباط الاستقامة بالتفاعل مع الآخر و عدم ارتباطها بالفرد فقط :

 

إذاً هنا أصحاب الدعوة الإسلامية أمتنا يجب أن تراجع منشأ أو البيئة التي تنمو فيها هذه الشجرة ، الشجرة لا نقاش في صلاحيتها و دواميتها والقدرة على الإثمار هنا البعدين الداخلي والخارجي ، ويقول السيد المسيح عليه الصلاة الشجرة تُعرف من ثمارها ، الثمار تتمثل فينا ، تتمثل في نوعية العلاقات ، لا نستطيع أن نتحدث عن الاستقامة مرتبطة بفرد منعزل ، متى تذكر الاستقامة ؟ تذكر الاستقامة في سياق العلاقات ، التفاعل مع الآخر والمؤمن يستقيم في علاقته مع الله عز وجل ، الله تبارك وتعالى يقول :

﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ (40)

( سورة البقرة)

الوفاء من طرف الإنسان وفاء بعهد العبودية ، والوفاء من طرف الله عز وجل  وفاء بعهد الربوبية ، فعهد الربوبية متفتح معطي دون انقطاع ، المشكلة هناك عطب في عهد العبودية ، الحب من الله عز وجل  متحقق والحب من طرف العبد لله موجود في خانة القوة ، يحتاج إلى أن يبرزه العبد ، أن يفعل ، أن يصبح حقيقة ملموسة .

 

Text Box: ركائز الاستقامة :

 

الملاحظة الثانية الاستقامة من جهة أخرى ذات ركائز ثلاثة ، استقامة فكر تنبته العقيدة ، واستقامة كلمة ، واستقامة جهد ، النبي صلى الله عليه وسلم  رأى مرة شخصاً قد حفر قبراً فلم يتقنه فقال له فيما معناه هلا جملته ؟ هلا أحسنت طريقة الحفر (أتقنت) ؟ الاستقامة ليس لفظة فارغة وإنما هي دستور لمضمون العلاقات الاجتماعية ، تتبعت موارد كلمة الاستقامة في القرآن الكريم  فوجدت التالي ، الاستقامة فيما تدل عليه على الشيء المستقيم ، ذكرتنا بالجملة التي نحفظها أقصر مسافة بين نقطتين هو الخط المستقيم ، تذكرت الكلمة العربية الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله قال : تعلمنا في المدرسة أن أقصر مسافة بين نقطتين إنما هو الخط المستقيم وعندما خرجنا إلى واقعنا وجدنا أن أقصر مسافة بين ما تريد هو التواء .

 إذاً في عالم اللفظ نردد الاستقامة ولكن في حياتنا الواقعية يعني الخط الملتوي هو الذي يوصل الإنسان ، إذاً هناك خلل في المفهوم الاجتماعي .

الدكتور عمر :

واقع التربة التي منغرسة فيها الشجرة .

 

Text Box: كل إنسان مسؤول عن شجرة الإسلام :

 

الدكتور عربي :

أنت سيد العلماء ، في علم النبات هناك علاقة بين نوعية البذرة والبيئة المحيطة بها ، هناك مثلاً أشجار لا تنبت إلا في بيئة معينة ، فشجرة الإسلام التي تمثل الطيبة لا بد لها من بيئة مناسبة ، والإنسان هو المسؤول عن ترقية هذه البيئة ، الله عز وجل  خلق الإنسان ذا استعدادين القدرة على الارتفاع والقدرة على الهبوط :

﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا (176)

( سورة الأعراف)

فالإنسان عندما يفقد ، عندما تضعف وتيرة التوتر ، مثلما يتوتر إلى الخير فيصبح ينتج القوة التي يتطلبها الجهد ، عندما ينخفض توتره ينزل ، السلف الصالح كان يأخذ الكتاب بقوة ، ما معنى بقوة ؟ كان يهتم أول ما يهتم بإعداد جهاز استقباله ، يصفيه يرقيه حتى يصبح ذا قدرة على الالتقاط والتأثر ، ثانياً كان يوجهه نحو مصدر النور ، قطعة من الأرض عندما يستدبر الشمس يظلم هل العيب عيب الشمس أم عيب هذا الجزء من الأرض الذي استدبر الأرض ؟ شمس الإسلام لا تغرب ، مرت على المسلمين عصوراً كانوا دائماً لا يتحركون إلا حيث مصدر النور وعندما بعامل من العوامل يستدبرون هذا النور تظلم .

 

Text Box: الاستقامة هي روح الأعمال الصالحة :

إذاً أنا أقول بأن حياتنا الإسلامية ونحن المسلمون بمثابة الأقمار ، القمر لا يستمد ضوءه من ذاته يستمد الضوء من الشمس ، والإسلام هو شمسنا إذا ما ظللنا أوفياء في علاقاتنا لهذه الشمس استنرنا وتمثلت استنارتنا في استقامتنا .

إذاً الاستقامة على مستوى القلب ويعجبني قول أحد الصالحين يقول : الاستقامة يجب أن تستقيم إسراراً (سراً) كما استقمت إقراراً .

وأضيف استقامة الإسرار واستقامة الإقرار لا أهمية لهما إلا إذا تشكلت استقامة استقرار ، ما معنى استقرار ؟ يستقر كلهم على أن الاستقامة هي روح أعمالنا ، هذه العملة مثل شخص يخرج عنده درهم يذهب إلى البنك يكشف أنه مزور ، أو كما تفضلت أمس لا رصيد لك لا أعطيك شيئاً ، فالاستقامة هي رصيد الأعمال الصالحة ، أنت تفضلت وقلت إن الاستقامة تساوي الأعمال الصالحة .

 

Text Box: الاستقامة على أمر الله واجب كل إنسان :

 

الدكتور عمر :

الدكتور عربي الآن أنت تنكأ جرحاً كبيراً وهو أن التربة مغروسة فيها الشجرة ، الشجرة لا غبار عليها لأن أصلها ثابت وفرعها في السماء ، الكتاب والسنة ، إذاً الخلل في التربة والتربة أن نقوم نحن بتنقيتها ، وبمناسبة الشجرة يعجبني بيتين من الشعر لسيدنا علي ابن أبي طالب يقول :

ثم نقى بعد جهد حجر وسقاها  إثـر        ما أودعها دمع العين بدمع فَجرها

وإذا ما رأى طيــــراً  مفسـداً          حائماً حــــول حماها زجره

نمت في ظل ظليل تحتها روح القلب        ومحا ضجره ثم بايعت إلهي تحتها

*     *      *

وهذه بيعة الرضوان ، نريد أن توجد هذه الشجرة وهذا الظل الوارف وهذا الحنان الإلهي الذي يتمثل في أن الشجرة لا غبار عليها ، ونحن بأيدينا أن نجيد أو نحسن سقيها ورعايتها وإزالة الحشائش الضارة من حولها ، و إلا كيف يستقيم قلب الإنسان ؟ يوجد حقد وحسد و كبر ، لو وجهنا دكتور عربي فيما أظن كل شخص منا وأنا أول الناس على تنقية قلوبنا مما علق منها من الارتكاس إلى الأرض ولكنه أخلد إلى الأرض هذا الإخلاد إذا نزعناه من قلوبنا استشرفت الروح وصعدت واستقامت على طريق الله .

 

Text Box: عدم تحقق إنسانية الإنسان إلا إذا ربط بين الأرض والسماء :

 

الدكتور عربي :

يعني ما تفضلتم به يذكرني بضرورة استشعار العلاقة بين استقامة الإنسان من الناحية البدنية واستقامته الفكرية ، نفس الجذر الذي اشتقت منه كلمة الاستقامة اشتق منه في أحسن تقويم ، استقامة وتقويم المادة الواحدة القاف ، الواو ، الميم ، في أحسن تقويم تحدث علماؤنا عليهم الرضوان وفصّلوا القول في معنى أحسن تقويم ، الواقع أن أحسن التقويم يشمل البعد المادي للإنسان ، والأهم يشمل البعد مضمون الإنسانية ، التقويم بمعناه المعنوي القدرات التي أكرم الله عز وجل  الإنسان من عقل وفكر وقدرة على التصور ، إذاً الإنسان خلق مهيئاً لأن يبدع إبداعاته بشكل مستقيم ، ولا حظ الملاحظون أن المخلوقات كلها ذات بعد مادي أفقي ، قالوا في استثناءات بعض الباحثين في بعض الكائنات البحرية ممكن تقف على فترة بشكل ، لكن الكائن الوحيد الذي ينتصب قائماً بين السماء والأرض هو الإنسان ، في آية تدع الحد الفاصل بين التصورات الغربية والتصورات الإسلامية :

﴿ وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22)

( سورة الذاريات)

هذه الآية تصور لنا الإنسان مستقيماً بين الأرض والسماء ولا تتحقق إنسانية الإنسان إلا إذا ربط بين الأرض والسماء حتى من الناحية المادية ، يعني الإنسان يستمد الطاقات من الأرض ويستمد الطاقات من السماء ، ومن الناحية المعنوية يستمد الإنسان طاقاته من الأرض بأن يبذل كل ما في وسعه ليتمكن وأريد أن أفتح قوس أنا ، كل البشر سبع مليارات الآن ولا واحد اختار المكان الذي ولد فيه هذا يسمى مكان لكن المكان عطا