English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم : 18/04/2008  ـ لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

 

Text Box: مقدمة :

 

الأستاذ عيسى :

بسم الله الرحمن الرحيم ، أهلاً بكم في هذا الموعد المتجدد من حصتكم ، و أتشرف  باسمكم جميعاً باستضافة فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين بدمشق ، فضيلة الدكتور النابلسي نسعد بلقائك .

الدكتور راتب :

بارك الله بكم ونفع بكم و جزاكم الله كل خير .

 

Text Box: هل يمكن أن أحقق الاتباع إذا لم أعرف النبي صلى الله عليه وسلم حق المعرفة ؟

 

الأستاذ عيسى :

كلنا يقرأ قوله تعالى :

 ( سورة الأحزاب)

 ( سورة آل عمران الآية : 31 ) .

هل يمكن أن نحقق الاتباع حق الاتباع ونحن لا نعرف النبي صلى الله عليه وسلم  ؟ ولم نعرف صفاته ؟ ولم نعرف حتى وجوب معرفته صلى الله عليه وسلم ؟ والكثير يتعامل مع الأمر على أنه ثانوي أو مندوب أو فضيلة ، محنة النبي صلى الله عليه وسلم كيف كانت ؟ الإعجاز في كلامه صلى الله عليه وسلم إحدى دلائل نبوته ، هل يمكن دكتور أنا كمسلم مأمور بالاتباع أن أحقق الاتباع إذا لم أعرف النبي صلى الله عليه وسلم حق المعرفة ؟

 

Text Box: شمائل النبي عليه الصلاة والسلام لا تنتهي لأن الكمال البشري مجموع فيه :

 

الدكتور راتب :

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين أمناء دعوته وقادة ألويته ، و ارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين .

الحقيقة لفت نظري العنوان الذي اقترحتموه لهذا اللقاء الطيب نحن في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإذا كنا في حضرته لا بأس من أن نبدأ بالتوجه إليه ، نقول يا سيدي يا رسول الله ، يا من بلغت الرسالة ، وأديت الأمانة ، ونصحت الأمة ، وكشفت الغمة ، وجاهدت في الله حق الجهاد  ، وهديت العباد إلى سبيل الرشاد .

يا سيدي يا رسول الله ، يا من جئت الحياة فأعطيت و لم تأخذ ، يا من قدست الوجود كله ، ورعيت قضية الإنسان ، يا من زكيت سيادة العقل ، و نهنهت غريزة القطيع ، يا من هيأك تفوقك لتكون واحداً فوق الجميع فعشت واحداً بين الجميع ، يا من كانت الرحمة مهجتك ، والعدل شريعتك ، والحب فطرتك ، والسمو حرفتك ، ومشكلات الناس عبادتك .

أنت الإنسان الأول الذي بلغ سدرة المنتهى ، أنت الإنسان الوحيد الذي أقسم الله بعمره الثمين ، أنت النبي الوحيد الذي ما خاطبه الله باسمه بل بلقبه النبوي والرسالي فقال  عز وجل :

 ( سورة الأحزاب )

 ( سورة المائدة )

أنت الذي ملأت الدنيا فضلاً ، أنت الذي نقلت الهدى إلى أصقاع الأرض كلها ، أنت الذي كنت متواضعاً ، يا سيدي يا رسول الله يوم كنت طفلاً دعاك أترابك إلى اللعب معهم فقلت لهم أنا لم أخلق لهذا ، وحينما جاءتك رسالة الهدى ، وحملت أمانة التبليغ ، دعتك زوجتك لأخذ قسط من الراحة فقلت انقضى عهد النوم يا خديجة ، ولما دانت لك الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها وقفت في الناس خطيباً وقلت : من كنت أخذت له مالاً هذا مالي فليأخذ منه ، ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليقتد منه ، ومن كنت أسأت له فليطلب ما يريد .

يا سيدي يا رسول الله كنت قمة في الكمال الله عز وجل  حينما وصفك فقال :

( سورة القلم )

 

Text Box: مادامت سنة النبي الكريم مطبقة في حياتنا فنحن في مأمن من عذاب الله تعالى :

 

الحقيقة أن الحديث عن شمائل النبي صلى الله عليه وسلم شيء لا ينتهي ، لأن الكمال البشري مجموع فيه ، أنا لا أقول كما قال بعض من شطح : خُلق الكون من أجل محمد ، أقول خلق البشر ليكونوا على شاكلة محمد ، فلذلك أنا حينما أرى سنته ، أرى معاملته ، أشعر أنني أمام جبل من جبال الكمال ، وما لم نتبع سنته فنحن في خطر كبير ، الحقيقة أن الله عز وجل  حينما يقول :

 ( سورة الأنفال)

ما دامت سنتك مطبقة في بيوتهم ، وفي أعمالهم ، وفي كسب أموالهم ، وفي إنفاق أموالهم ، وفي حلهم وترحالهم ، وفي أفراحهم وأتراحهم ، مادامت سنتك مطبقة فيهم فأمتك في مأمن من عذاب الله .

 

Text Box: الله عز وجل يجعل أمته في مأمن من أي عذاب إذا هم طبقوا منهجه :

 

النقطة الدقيقة جداً جداً أن الله عز وجل  أيعقل أن ينشأ لك حقاً عليه ؟

 (( يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ ، قُلْتُ : لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ ، وَسَعْدَيْكَ ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُعَاذُ ، قُلْتُ : لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُعَاذُ ، قُلْتُ : لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ ، وَسَعْدَيْكَ ، قَالَ : هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ ؟ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا )) .

 [ متفق عليه عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

لكن الشيء الذي يهز أعماقنا أنه سأله ثانية :

(( ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ ، قُلْتُ : لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ ، وَسَعْدَيْكَ ، فَقَالَ : هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوهُ ؟ قُلْتُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ )) .

[ متفق عليه عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

بأسلوب الحوار الرائع بينه وبين أصحابه ، بل إن الله يجعل أمته في مأمن من أي عذاب إذا هم طبقوا منهجه :

( سورة الأنفال)

الآية في حياة النبي صلى الله عليه وسلم  لها معنى بسيط ، لكن بعد انتقال النبي إلى الرفيق الأعلى لها معنى عميق جداً ، ما دامت سنته مطبقة في حياتهم ، هم في مأمن من عذاب الله .

 

Text Box: حلاوة الإيمان و حقائق الإيمان :

 

لذلك أنا أفرق دائماً بين حلاوة الإيمان وبين حقائق الإيمان ، البون بينهما شاسع جداً ، حقائق الإيمان معلومات حقائق نصوص أفكار ، أي إنسان ذكي يستوعبها ، ويحفظها وقد يعطى دكتوراه في السوربون في الشريعة الإسلامية وهو ليس مسلماً ، أي إنسان آتاه الله ذاكرة قوية وذكاءً لماعاً بإمكانه أن يحفظ هذه الحقائق ، ولكن حلاوة الإيمان شيء آخر ، شيء ما بين الأرض والسماء ، مثلاً يمكن أن تنطق بلسانك ألف مليون دولار كلمة ، المسافة أن تنطق بها وبين أن تملكها مسافة كبيرة جداً ، أنا أرى أن هذه المسافة نفسها بين حقائق الإيمان وبين حلاوة الإيمان ، حلاوة الإيمان من أين تأتي ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم :

(( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ ... )) .

 [ متفق عليه عن أنس بن مالك ]

أول بند :

(( أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ))

[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]

أنا أؤكد لكم أنك لو سألت مليار وخمسمئة مليون مسلم أليس الله ورسوله أحب إليك مما سواهما ؟ يقول نعم ، ليس هذا هو المعنى ، المعنى أن يكون الله في قرآنه ، في أمره ، في نهيه ، ورسوله في سنته ، الأمر والنهي أحبّ إليك من مصالحك المادية المتوهمة عند التعارض ، حينما تتعارض مصالحك مع النص الشرعي مع كلام خالق الأكوان مع ما صحّ من سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، ويقف على جانب السنة النبوية خضوعاً لله وتعبداً  عندئذ دفع ثمن حلاوة الإيمان ، حلاوة الإيمان  تجعلك بطلاً ، حلاوة الإيمان  تجعلك شاباً حتى التسعين ، حلاوة الإيمان تجعل همك عالياً :

(( إن الله جل جلاله جواد يحب الجود ، ويحب معالي الأخلاق و يكره سفاسفها )) .

[ أخرجه البيهقي عن ابن عباس ]

حلاوة الإيمان  إن لم تقل أنا أسعد الناس قاطبة ففي الإيمان خلل ، حلاوة الإيمان  تبتعد عن النفاق ، عن الكذب ، عن الانحراف ، عن اليأس ، عن الإحباط ، هذه الأمراض الوبيلة التي أصابت أمة النبي صلى الله عليه وسلم لما تركت سنته ، إحباط ، يأس أحياناً ، سوداوية ، تشاؤم ، يعزون القوة إلى جهة أرضية وينسون الله عز وجل ، تيه .

 

Text Box: عدم ارتقاء الأمة الإسلامية بمدح النبي فقط بل باتباعه و تطبيق أوامره :

 

لذلك البطولة لا أن نمدح النبي في عيد المولد ، مدحه رائع لكن لا يقدم ولا يؤخر ، البطولة أن نتبعه .

مرة كنت في العمرة تمنيت أن أصلي في مصلى النبي صلى الله عليه وسلم وانتظرت ساعة حتى أتيح لي ، وقفت في المكان الذي وقفت فيه وركعت ركعتين والله بكيت بهما كثيراً ، لكن جاءني خاطر بعد ذلك لو أن عالماً كبيراً يحمل ثلاث دكتورات ، وله مئتا مؤلَّف ، وله مكتب فخم ، وعنده مستخدم لا يقرأ ولا يكتب ، في أثناء غيبته قفز ، وجلس على كرسي سيده وراء مكتبه هل يرقى مقامه عند الناس ؟ ولا شعرة ، متى يرقى ؟ لو تعلم القراءة والكتابة ، سار في طريق سيده لو درس الابتدائية ، ثم درس التعليم الأساسي ، بعد ذلك درس البكالوريا يكون قد مشى على طريق سيده ، فأنا أرى أن أمته لا ترقى بمديحه فقط حينما تكتفي بمديحه لا ترقى ، نمدحه ليلاً نهاراً ونحن نعد المليار وخمسمئة مليون ، ليست كلمتنا هي العليا ، وليس أمرنا بيدنا ، وللطرف الآخر علينا ألف سبيل وسبيل ، فنحن نريد أن نتبعه ، إذا كان من خطوة ملية ، من خطوة نوعية من قفزة رائعة في عيد مولده أن نعاهد أنفسنا على طاعته ، وعلى اتباع منهجه لأن الله عز وجل أعطانا بحبوحة ، أعطانا وعداً من ألا يعذبنا إذا أطعناه .

الأستاذ عيسى :

الذي يحفظ ألف اسم للسيف لا يجعل منه بطلاً .

 

Text Box: منهج النبي منهج موضوعي من طبقه ربح الدنيا و الآخرة :

 

الدكتور راتب :

هذا الذي أتمنى أن يكون واضحاً لدى الأخوة المشاهدين ، نحن في عيد المولد ونحن في حضرة رسول الله ، الاتباع ، بالمناسبة في موضوع دقيق جداً يجب أن نعلم علم اليقين أن العلاقة بين منهجه وبين نتائج منهجه علاقة علمية ، يعني علاقة سبب بنتيجة كيف ؟ عندما يقترب طفل من مدفأة مشتعلة يضع يده عليها فتحترق ، نقول العلاقة بين وضع اليد على المدفأة المشتعلة يضع يده عليها فتحترق ، نقول العلاقة بين وضع اليد على المدفأة المشتعلة واحتراقها علاقة علمية علاقة سبب بنتيجة ، أما إذا أمر الأب ابنه أن يخرج من هذا الباب (يوجد للبيت بابان) خرج من الثاني هكذا فعاقبه ، ما في علاقة علمية بين العقاب وبين الفعل ، لكن هذه علاقة وضعية الأب أعطى أمراً ، أنا أفرق دائماً بين العلاقة العلمية والعلاقة الوضعية ، العلاقة بين منهج النبي صلى الله عليه وسلم ونتائجه علاقة علمية ، بمعنى أن منهج النبي منهج موضوعي ، بمعنى أن الملحد على إلحاده لو طبقه لقطف ثماره في الدنيا إلا أن المؤمن يطبق منهج النبي فيربح الدنيا والآخرة .

 

Text Box: علينا تطبيق منهج النبي الكريم مع إيمان بعظمة هذا النبي و أحقيته :

 

بالمناسبة أستاذ في دراسة لو جئنا بإنسان يحمل إدارة أعمال بأعلى درجة ، سلمناه معملاً ، مستشفى ، مؤسسة ، وراقبناه شهراً ، تصرفاته ، قراراته ، حركاته ، عقوباته ، مكافآته ، معاملاته ، ابتساماته لمن حوله ، وجئنا بإنسان إيمانه قوي جداً وسلمناه منصباً مشابهاً ، وراقبناه شهراً سوف نفاجأ أن تصرف الاثنين متشابه ، الأول لأنه درس الأمور دراسة علمية ووصل بذكائه ودراسته إلى أن التواضع يعطيه شعبية أكبر ، الإنصاف يعطيه محبة كل من حوله إلى آخره ، لكن إذا تشابها في النتائج العمل العبادي والعمل العلمي إن تشابها في النتائج طبعاً يختلفان في البواعث ، فنحن إذا طبقنا منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم نقطف ثماره في الدنيا قبل الآخرة ، فإذا كان التطبيق عن إيمان بعظمة هذا النبي وبأحقية هذا النبي وبصواب هذا المنهج نكسب الدنيا والآخرة ، فنحن بحاجة إلى تطبيق ، أمة تعد المليار وخمسمئة مليون وضعها مؤلم جداً ، محزن جداً ، كيف كان الصحابة ؟ الواحد منهم بألف ، وكيف أصبحت أمته من بعده بعد أن تركت سنته ؟ الألف منهم بأف ، سيدنا خالد طلب خمسين ألف جندي مدداً ليواجه عدواً من ثلاثمئة ألف ، معه ثلاثون ألفاً ، طلب من سيدنا الصديق خمسين ألفاً مدداً ، الصديق رضي الله عنه أرسل له رجلاً واحداً ، اسمه القعقاع بن عمرو ، فلما وصل إليه قال أين المدد ؟ قال له : أنا المدد ، قال له : أنت ؟ قال له : أنا ، معه كتاب ، قرأ الكتاب ، يقول سيدنا أبو بكر : فو الذي بعث محمداً بالحق ، إن جيشاً فيه القعقاع لا يهزم .

 

Text Box: من الخطأ الكبير أننا نفتخر بالماضي وحاضرنا لا نرقى به إلى المستوى المطلوب :

 

لما طبقت أمته سنته انتصرت بالرعب مسيرة شهر ، وأنا أقول كتعليق : ولما تركت أمته سنته هزمت بالرعب مسيرة عام ، فرق كبير ، أريد أن أركز في هذا اللقاء الطيب جزاك الله خيراً العبرة لا أن نكتفي بمديحه .

ابن لا يقرأ ولا يكتب (مثل تركيبي) ، هذا الابن أمضى حياته في مديح أبيه يبقى الابن جاهلاً ويبقى الأب عالماً ، العبرة في التطبيق ، هذا منهج ، الإنسان أعقد آلة في الكون تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز ، ولهذه الآلة صانع حكيم هو الله عز وجل ، ولهذا الصانع العظيم تعليمات التشغيل والصيانة ، فحفاظاً على سلامة هذه الآلة ، وعلى حسن مردودها ينبغي أن نتبع تعليمات الصانع ، انطلاقاً من حبنا لذواتنا .

الأستاذ عيسى :

حينما نكتفي بالمديح وكأن ينطبق علينا قول الشاعر :

لئن افتخرت بآباء ذوي حسب      لقد صدقت ولكن بئس ما ...

***

الدكتور راتب :

لهذا أنا أقول بتواضع : الأغبياء يتغنون بالماضي ، والأقل غباءً يعيشون الحاضر ، و الأذكياء يعيشون المستقبل ، أنا ممكن أن أفتخر بالماضي لي ماض مجيد ، أما أن يكون حاضري متخلفاً جداً ، يكون الحاضر سيئاً جداً ، غير مقبول مني ، فلذلك لعله من الخطأ الكبير أننا نفتخر بالماضي وحاضرنا لا نرقى به إلى المستوى المطلوب هذا خطأ كبير .

الأستاذ عيسى :

هذا الاقتداء أنتم تصرون يمر عبر معرفة هذا النبي صلى الله عليه وسلم ؟

 

Text Box: منهج النبي الكريم منهج كامل :

 

الدكتور راتب :

هذا السؤال دقيق ، أنا لماذا أصلي كمسلم ؟ لأنني أؤمن إيماناً قطعياً أن الصلاة فرض ، الآن إذا أردت أن أثبت إلى إخوتي المشاهدين أن معرفة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم  القولية فرض عين على كل مسلم ، الدليل ، هناك قاعدة في علم الأصول ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض ، أرأيت إلى الوضوء هل تتم الصلاة إلا به ؟ هو فرض لا تتم الصلاة إلا به ، إذا قال الله عز وجل :

 ( سورة الحشر )

هذا أمر .

وعندنا قاعدة أصولية ثانية : كل أمر في القرآن الكريم  يقتضي الوجوب ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك ، والمسلمون في زمن تخلفهم توهموا أن الإسلام صوم وصلاة وحج وزكاة ، والحقيقة والله لا أبالغ أن الإسلام خمسمئة ألف بند ، تبدأ من فراش الزوجية وتنتهي بالعلاقات الدولية ، منهج كامل منها العبادات الشعائرية صوم وصلاة وحج وزكاة ، منهج كامل ، فأنا حينما يعطيني النبي منهجاً كاملاً في معاملة الزوجة ، في تربية الأولاد ، في معاملة الجيران ، في كسب الأموال ، في إنفاق المال ، في وضع ما ينبغي أن أفعله في الأفراح ، في الأتراح ، منهج كامل مفصل فيه عشرات آلاف الأحاديث والتوجيهات ، هذا المنهج قال الله لي :

 ( سورة الحشر )

 

Text Box: كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك :

 

كل أمر في القرآن الكريم  يقتضي الوجوب ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك ، كأمر التهديد :

( سورة الكهف)

كأمر الإباحة :

 (سورة الأعراف)

أمر الندب :

 ( سورة النور)

لكن ما في قرائن ، كل أمر في القرآن الكريم  يقتضي الوجوب ، كيف أأتمر بما أمر ، وأنا لا أعرف ما الذي أمر ؟ كالوضوء في الصلاة تماماً من لوازم أن آخذ عن النبي صلى الله عليه وسلم أمره ونهيه ينبغي أن أعرف أمره ونهيه ، أنا متى أعالج نفسي من الضغط المرتفع ؟ بحالة واحدة إذا علمت أن ضغطي مرتفعاً لا بد من قياس الضغط ، حتى أعالج نفسي من ضغط مرتفع لا بد من قياس الضغط المرتفع .

 

Text Box: معرفة سنة النبي صلى الله عليه وسلم  فرض عين على كل مسلم :

 

 أنا أقول ما دام الله عز وجل  يأمرنا بأمر قطعي الدلالة واجب الوجوب أن نأخذ ما أمرنا ، فمعرفة ما أمرنا من لوازم تنفيذ هذا الأمر ، يعني فرض ، ما دام الأمر فرض عين ومعرفة سنة النبي القولية فرض عين ، أخوانا المشاهدين لا بد من كتاب حديث في البيت وليكن رياض الصالحين صحيح مبوب مرتب ، لا بد من أن يجلس الأب مع أولاده قال النبي هكذا ، أنا أرى أن أول شيء من لزوم تطبيق سنة النبي صلى الله عليه وسلم  معرفة سنة النبي هذه واحدة ، لذلك حضور درس علم لا يعدّ استهلاكاً للوقت يعدّ استثماراً له ، لأن الإنسان في حركة في الحياة ، هذه الطاولة لو تركتها مئات السنين هكذا تبقى هكذا .

الإنسان الله عز وجل أودع فيه الشهوات ، يوجد عنده محرك ، يعني الإنسان كمركبة الشهوة محرك قوة اندفاع كبيرة جداً ، الشرع طريق ، العقل مقود ، فالمقود مهمته أن يبقي المركبة على الطريق ، الطريق هو الشرع ، في قوة محركة ما لم تكن هذه القوة مستنيرة ، ما لم تكن على طريق معبد الدمار حتمي .

معرفة سنة النبي صلى الله عليه وسلم  فرض عين على كل مسلم ، الآن الله عز وجل  يقول :

 ( سورة الأحزاب)

أنتم تفضلتم وافتتحتم هذا اللقاء بهذه الآية .

 

Text Box: علينا معرفة سيرة النبي عليه الصلاة والسلام  ليكون أسوة لنا مثلاً :

 

1 ـ علمنا النبي صلى الله عليه وسلم إكرام الزوجة :

هنا سؤال ثان كيف يكون هذا النبي صلى الله عليه وسلم  أسوة لنا إن لم أعرف سيرته ؟ كيف عامل زوجته ؟ السيدة عائشة سألت عليه الصلاة والسلام عن حبه لها فقال كعقدة الحبل ، تسأله من حين لآخر : كيف العقدة ؟ يقول : على حالها .

كان يقول :

(( الحمد لله الذي رزقني حب عائشة )) .

[ ورد في الأثر ] .

 كان يقول :

(( أكرموا النساء ، فو الله ما أكرمهن إلا كريم ، ولا أهانهن إلا لئيم ، يغلبن كل كريم ، ويغلبهن لئيم ، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً من أن أكون لئيماً غالباً )) .

[ ورد في الأثر ] .

هكذا علمنا النبي صلى الله عليه وسلم ، حينما فتح النبي صلى الله عليه وسلم  مكة المكرمة ؛ دعته بيوتاتها ليبيت عندهم ، فقال لهم : انصبوا لي خيمة عند بيت خديجة ، ليعلم العالم كله أن هذه المرأة التي في القبر هي شريكته في النصر .

أرأيت إلى هذا التعظيم ، هذا الاعتراف بجميل السيدة خديجة .

2 ـ علمنا أن المرأة التي تربي أولادها تنازع رسول الله دخول الجنة :

هناك حديث أنا أقرأه يقشعر بدني :

(( أول من يمسك بحلق الجنة أنا ، فإذا بامرأة تنازعني تريد أن تدخل الجنة قبلي ، قلت من هذه يا جبريل ؟ قال : هي امرأة مات زوجها ، وترك لها أولاداً فأبت الزواج من أجلها )) .

[ ورد في الأثر]

المرأة التي تربي أولادها تنازع رسول الله دخول الجنة ، بل إن النبي والله في لقطة أنا الحقيقة أكاد لا أصدقها ، أن امرأة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم  خطبها النبي فاعتذرت ، امرأة تًُخطب لسيد الخلق وحبيب الحق ، امرأة رشحت لتكون السيدة الأولى في المصطلح المعاصر واعتذرت فقال لما ؟ قالت يا رسول الله لي خمسة أولاد أخاف إن قمت بحقك قصرت بحقهن ، وأخاف إن قمت بحقهن أن أقصر في حقك .

هذا التوحيد رأت لو أنها زوجة رسول الله لا ينجيها من الله أن تهمل أولادها ، كان قدوة علمنا كيف نعامل النساء .

3 ـ كان النبي الكريم قدوة لنا في الفقر :

الآن كان قدوة لنا في الفقر ، دخل إلى بيته قال :

(( هل عندكم شيء ؟ قالوا : لا ، قال : فإني صائم )) .

[ مسلم عن عائشة ]

4 ـ معاملته الناس في الغنى :

أذاقه الله الغنى مرة سأله أحد زعماء القبائل : لمن هذا الوادي من الغنم ؟ قال : هو لك ، قال : أتهزأ بي ؟ قال : لا والله ، هو لك ، قال : أشهد أنك رسول الله تعطي عطاء من لا يخشى الفقر .

5 ـ عدم تخليه عن قومه بل دعا لهم بالهداية :

أذاقه القهر في الطائف ، كذبوه ، وسخروا منه ، وأغروا صبيانهم ليضربوه ، قال :

(( اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، يا رب المستضعفين ، إلى من تكلني ؟ إلى صديق يتجهمني ، أم إلى عدو ملكته أمري ، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ، ولك العتبى حتى ترضى ، لكن عافيتك أوسع لي )) .

[ الطبراني عن عبد الله بن جعفر ، وفي سنده ضعف ]

هذا الدعاء يحتاجه المسلمون اليوم لكن النقطة الدقيقة جداً أن الله أراد أن يُمَكّنه أرسل له ملك الجبال :

(( إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا )) .

 [ متفق عليه عن عائشة]

قال قومي ، ما تخلى عنهم ، دعا لهم بالهداية ، اعتذر عنهم ، إنهم لا يعلمون ، تمنى على الله أن يرزقهم أولاداً صالحين ، هذا مقام النبوة .

الأستاذ عيسى :

هذا لا يمكن أن يكون إلا نبياً .

 

Text Box: أنواع المصائب :

 

1 ـ مصائب المؤمنين مصائب دفع و رفع :

 

الدكتور راتب :

لذلك أنا أقول إن هناك مصائب على أنواع عديدة ، أول نوع مصائب المؤمنين مصائب دفع ورفع .

 

2 ـ مصائب غير المؤمنين قصم و ردع :

ومصائب غير المؤمنين مصائب قصم وردع .

3 ـ مصائب الأنبياء مصائب كشف :

أما مصائب الأنبياء مصائب كشف ، في عنده كمال لا يظهر إلا بحالات نادرة جداً ، أن يضرب ، أن يستهزأ به ، أن يكذب ، ثم يقول اللهم اهدِ قومي إنهم لا يعلمون .

 

Text Box: النبي الكريم أذاقه الله كل شيء ليكون قدوة لنا :

 

الآن أذاقه الله الفقر فصبر ، والغنى فأعطى ، والقهر فامتثل ، والنصر ، لما فتح النبي عليه الصلاة والسلام مكة المكرمة ، وكان منتصراً دخلها مطأطئ الرأس ، كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعاً لله عز وجل ، انتصر لا يوجد قائد دخل مدينة إلا استباحها ، يتغطرس ، يتكلم كلاماً لا يحتمل ، لذلك مرة شخص يطوف حول الكعبة ويقول ربِ اغفر لي ذنبي ولا أظنك تفعل ، وراءه رجل صالح قال له يا هذا ما أشد يأسك من رحمة الله ؟ قال لي ذنب عظيم ، قال ما ذنبك ؟ قال كنت جندياً في قمع فتنة في مدينة ، فلما قمعت أبيحت لنا المدينة ، دخلت أحد البيوت رأيت فيه رجلاً وامرأة وولدين ، فقتلت الرجل وقلت لامرأته أعطني ما عندك أعطتني كل ما عندها ، فقتلت ولدها الأول ، فلما رأتني جاداً في قتل الثاني أعطتني درعاً مذهبة أعجبتني غالية جداً تأملتها فإذا عليها بيتان من الشعر قرأتهما فوقعت مغشياً على الأرض :

إذا جارَ الأمير وحاجبـــاه          وقاضي الأرض أسرف في القضــاء

فـويـلٌ ثُمَّ ويـلٌ ثُـمَّ ويـلٌ          لقاضي الأرض مـن قاضي السمـاء

***

النبي صلى الله عليه وسلم  قهر فصبر ، انتصر فتواضع ، افتقر فصبر ، اغتنى فأعطى ، أذاقه موت الولد : إن العين لتدمع ، وإن القلب ليحزن ، ولا نقول إلا ما يرضي الرب ، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون ، وذاق تطليق ابنتيه ، تطليق البنت صعب جداً ، وذاق أن تتهم زوجته العفيفة الطاهرة ؛ أن تتهم بأثمن ما تملكه امرأة فصبر لتكون هذه المرأة العظيمة مواساة لكل فتاة بريئة طاهرة اتهمت في عرضها ، شيء لا يصدق .

 

Text Box: على كل مسلم معرفة سنة رسول الله القولية وسنته العملية :

 

أنا أقول النبي صلى الله عليه وسلم  له منهج قولي وله منهج كامل سلوكي ، بل برأيي الخاص إن دلالة سلوك النبي على فهم القرآن الكريم أوضح وأبلغ من دلالة قوله ، القول يحتمل التأويل ، الأفعال حدية لا تحتمل التأويل ، لماذا ينبغي أن نعرف سنة النبي صلى الله عليه وسلم  ؟ لأن الله أمرنا أن نأخذ ما أعطانا ، وأمرنا أن نقتدي به ، إذاً لا بد من معرفة سنة رسول الله القولية وسنته العملية .

الأستاذ عيسى :

فهمنا الآن بأننا في كل موقف وفي كل مقام في حياة الرسول موضع أسوة في المحنة في المنحة ، هكذا أراده الله عز وجل ، لكن حينما يدرك المسلم هذه العظمة ويجد في المقابل من يتطاول على مقامه الشريف ويرسم ، هناك من يريد أن يحط من قدره ، كيف يقف منها المسلم ليدرك هذه العظمة ؟

 

Text Box: لا يمكن لهذه الأمة أن تنتصر إلا إذا طبقت منهج رسول الله :

 

الدكتور راتب :

والله الذي لا إله إلا هو ما رأيت مثلاً يعبر عن واقع هذه الرسوم كما يلي : إنسان الشمس في قبة السماء وضع وجهه موازياً لقبة السماء ، وأراد أن يبصق بصقة لتطفئ الشمس فبكل عزمه أطلق هذه البصقة ، ارتفعت ثلاثين سنتمتراً وارتدت إلى وجهه والشمس بقيت في عليائها ، والله لا أصدق أن تستطيع جهة في الأرض أن تنال من النبي صلى الله عليه وسلم  إلا بهذه الطريقة ، بصقة خرجت من إنسان جاهل بعيد وارتدت على وجهه ، لذلك قالوا : ما ضرّ السحاب نبح الكلاب ، وما ضرّ البحر أن ألقى فيه غلام بحجر ، ولو تحول الناس إلى كناسين ليثيروا الغبار على هذا الدين ما أثاروه إلا على أنفسهم ، لكن الذي يؤلمني أشد الألم أن هذا الرسام عاتبوه فقال كلمة تجرح الفؤاد قال : كنت أظنه كأتباعه ، أقسم لك بالله لو أن الجاليات الإسلامية في العالم الغربي طبقت منهج رسول الله لكان موقف العالم الغربي من الإسلام غير هذا الموقف .

أقسم لك أيضاً لو أن الصحابة فهموا الإسلام كما نفهمه نحن الآن والله ما خرج الإسلام من مكة المكرمة ، وصل إلى الصين ؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسل عبد الله بن رواحة ليقيّم تمر خيبر أغروه اليهود بحلي نسائهم كرشوة ، فقال : والله جئتكم من عند أحبّ الخلق إلي ، ولأنتم أبغض إلي من القردة والخنازير ، ومع ذلك لن أحيف عليكم ، فقال اليهود بهذا قامت السماوات والأرض ، وبهذا غلبتمونا . ولا يمكن لهذه الأمة أن تنتصر إلا إذا طبقت منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم .

الأستاذ عيسى :