مختلفة - سوريا - الدرس : 23 - النابلسي - حفل تكريم لطلاب معهد النابلسي تحت عنوان نهضة أبناءنا نصرةٌ لأمتنا.

2002-09-20

 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
أيها الإخوة الكرام، يقول الله عز وجل:

﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء]

 كلما تقدم العلم كشف عن جانب عظيم من جوانب خلق الله، فكان محور هذا الاحتفال الطيب المبارك عن آية عظمى من آيات الله عز وجل هي هينة على الخلق ولكن في دقة تكوينها وروعة أجهزتها عظيمة في نظر العلماء.
 لكنني اطلعت قبل هذا اللقاء على بحث علمي عن البعوضة فوجدت العجب العجاب إن لها مئة عين، وفي فمها 48 سناً، وعندها مستقبلات حرارية حساسيتها واحد من الألف من الدرجة المؤوية.
 ترى الأشياء بألوان تتناسب مع حرارتها، كما تكلم الطالب الكريم عن أنها تستخدم الأشعة تحت الحمراء، إذاً في رأسها مئة عين، وفي فمها 48 سناً، ولها مستقبلات حرارية كأعلى اختراع وصل البشر إليه، تتحسس الأشياء بحرارتها، وترتسم على شبكية أعينها بلون يتناسب مع حرارتها، وحساسية هذه المستقبلات واحد بالألف من الدرجة المؤوية.
 أما خرطومها الذي فيه العجب العجاب فيه ستة سكاكين، أربع سكاكين تحدث مربعاً في جلد الملدوغ، وسكينان يتلاحمان فيكونان خرطوماً تمتص به الدم، في خرطومها ستة سكاكين أربع أربعة لإحداث الجرح، واثنان ليكونان أنبوبناً تمتص به دم الملدوغ، ومع ذلك فلابد من أن يكتشف العلم في المستقبل حقائق عن البعوضة العقل لا يصدقها.
 أخلص من هذا إلى أن علة ما يعاني منه المسلمون عدم طاعتهم لله، ذلك لأنهم عرفوا الأمر ولم يعرفوا الآمر، ذلك لأنهم اعتنوا بالمرحلة المدنية، ولم يعنوا بالمرحلة المكية، فأنت إذا عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر، إما إن عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في التفلت من الأمر.
أيها الإخوة الأحباب، أقول لكم هذه الحقيقة: ونحن عرباً ومسلمين في محنة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً:

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾

[ سورة مريم]

 وقد لقينا ذلك الغي، نراه كل يوم، وكل ساعة.
أيها الإخوة، الحقيقة أنه في هذه المحنة العظيمة لم يبقَ لنا من ورقة رابحة في أيدينا إلا أبناؤنا، أبناؤنا هم المستقبل، فلا يبقى أمامنا حجة من دون أن نعتني بهم عناية فائقة.
 أيها الإخوة الأحباب، لا يمكن أن يسعد أب أو أم، ولا أن تقر عينه إلا إذا كان ابنه صالحاً، والعقبات أمام صلاح الأولاد لا تعد ولا تحصى، والصوارف إلى الانحطاط لا تعد ولا تحصى، فإذا كان الأب فيما مضى يكفيه توجيهات قليلة فاليوم لا يمكن أن ينجو ابنه إلا بجهد بالغ الخطورة، إن أردت أن تقر عينك أيها الأب، إن أردت أن تنام قرير العين، إن أردت أن تسعد في حياتك فلابد من أن يكون ابنك صالحاً.
 أعجبتني هذه اللفتة الكريمة من هيئة الإدارة في تكريم الأم التي وصل إلى علمنا أنها تعتني بأولادها، أنها تحرص عليهم، أنها تتصل بالإدارة من أجلهم، أنها تراقب تقدمهم، أنها تأتي بهم إلى المعهد، وهناك أم تنتظر ابنها ثلاث ساعات كي تعيده إلى حي بعيد، هذه الأم موضع التقدير، هذا الأب الذي يأتي إلينا ويسأل عن أحوال ابنه موضع تقدير.
أيها الإخوة، لو بلغت أعلى منصب في الأرض، وجمعت أكبر ثروة في الأرض وكنت في أعلى مكانة في الأرض لن تسعد إلا إذا كان ابنك صالحاً، ألم يقل الله عز وجل:

 

﴿ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ﴾

 

[ سورة طه]

.  بحسب اللغة قواعد اللغة فتشقيا، لكن القرآن فيه إيجاز رائع، شقاء الأب شقاء حكمي للأم، وشقاء الأولاد قياساً على ذلك شقاء حكمي للوالدين.
أيها الإخوة الكرام، أيها الأولياء آباء وأمهات، لن نسعد جميعاً إلا إذا كان أولادنا كما نتمنى لمعرفة بالله، واستقامة على أمره، وتفوق في الدنيا.
 رأيتم أيها الإخوة، كيف أن حفظت كتاب الله هم الأوائل في الشهادات العامة جمعوا علامات تقترب من النهاية العظمى معنى ذلك أن الطالب حينما يعرف الله وحينما يستقيم على أمره كأنه عدسة تجمع الشعاع وتركزه في المحرق فيتفوق، ألا ترون في اللوحات العامة هؤلاء الذين تفوقوا أكثر البنات محجبات، ما معنى ذلك؟ أن الدين عامل تفوق، وعامل تقدم وعامل تميز وعامل توفيق.
 أيها الإخوة الكرام، أنا أتمنى على أولياء الأمور آباء وأمهات، أن يتعاونوا مع إدارة المعهد، أن يجيبوا عن الاستمارات، أن يتصلوا بالمعهد، أن يسألوا عن أبنائهم، عن تقدمهم العلمي والأخلاقي، والديني، والروحي، لأن هذا الابن أمانة في عنق الأب.

((إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم يُنْتَفَعُ به، أو ولد صالح يدعو له))

[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبو هريرة]

 والله الذي لا إله إلا هو وأنا أعني ما أقول، لو أن أحد الآباء يملك ألف مليون دولار ولم يكن ابنه كما يتمنى فهو أشقى الناس، وأن الأب الذي له ولد صالح يراه يصلي، يغض بصره صادقاً، أميناً، عفيفاً، هذا الأب يملك أكبر ثروة يملكها إنسان في الدنيا، لأن هذا الابن سيكون سبب سعادة الأب إلى أبد الآبدين.
 أيها الإخوة الكرام، أرجو من الله سبحانه وتعالى أن يكون التعاون وثيقاً، يعني الشيء الذي يلفت النظر في هذا المعهد، والفضل والله للإدارة والمدرسين وأنا واحد منهم الحقيقة أنا أحب أن عطي كل إنسان حقهن الفضل الكبير الكبير لهيئة الإدارة وللإخوة المدرسين، والله بالتعبير الحديث هم جنود مجهولون، يأتون من مكان بعيد، يدرسون لوجه الله تعالى، يبتغون عند الله الرفعة، الإداريون يسهرون إلى الساعة الثانية ليلاً في إعداد المناهج، وإعداد الأسئلة والتخطيط لهذا المعهد، هناك إدارة، وهناك مدرسون، وهناك إداريون، وهناك مساعدو مدرسين هؤلاء جميعاً فريق عمل واحد، والذي ينقصنا نحن في العالم الإسلامي هذه الروح الجماعية في العمل، هذا الانتماء إلى الجماعة، فريق العمل.
 لفت نظري مرة إعلان في صحيفة، في جريدة تصدر في هولندا، أنهم يبحثون عن موظف الشروط كذا وكذا كالعادة إلا أن شرطاً وحداً يلفت النظر أن يصلح للعمل مع فريق المؤمن الصادق المخلص يصلح للعمل ضمن فريق، أما البعيد عن الله عز وجل يحطم من حوله ويبقى وحده.
 فيا أيها الإخوة، أنا أشكر من أعماق قلبي الهيئة الإدارية، والهيئة التدريسية ومساعدي المدرسين، والإداريين، وأخص بالشكر الذين تفضلوا وتبرعوا بما يغطي هدايا الاحتفال هذا والاحتفال الذي يليه، فلهم من الله جل جلاله الأجر والثواب.
أيها الإخوة، أذكركم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:

 

((لا حَسَدَ إلا على اثْنَتيْنِ: رجلٌ آتَاهُ اللَّهُ القرآنَ فقام به آناء اللَّيل وَآنَاءَ النَّهارِ ورجلٌ أعْطاهُ اللَّهُ مالا، فَهوَ يُنْفِقِهُ آنَاءَ اللَّيلِ وآناءَ النَّهارِ ))

 

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن عبد الله بن عمر]

فهؤلاء المحسنون الذين غطوا كل نفقات، وكل هدايا الاحتفالين الحالي والذي يليه لهم من الله عظيم الأجر ولهم منا جزيل الشكر، ولولا أنني أعلم يقيناً أنه لا يرضيهم أن أذكر أسمائهم لذكرتها.
 أيها الإخوة الأحباب، نحن فريق عمل ترون معي كيف أن العدو يريد إفقارنا بوسائل لا تعد ولا تحصى، فكسب المال الحلال، وحل مشكلات المسلمين أول عبادة، والعدو تجهيلنا وإضلالنا، معرفة أصول الدين، معرفة الأحكام الشرعية، معرفة كتاب الله، سنة رسول الله ونشرها بين الناس، ومعرفة القرآن، ونشر معانيه، ونشر أحكامه، أول عبادة.

((خيرُكمْ من تعلّمَ القُرآنَ وعَلَّمَهُ))

[أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي عن عثمان بن عفان]

 هاتان عبادتان، والعدو يريد إفسادنا، فأن نجتمع في مكان طاهر، وأن نذهب إلى مكان طاهر نلبي به حاجة الجسد، فالذين أنفقوا على هذه الأمكنة وجعلوها تستقطب أطفالنا وأبنائنا وطلابنا، لهم من الله عظيم الأجر ولهم منا جزيل الشكر.
والعدو فضلاً عن أنه يريد إفقارنا، وإضلالنا، وإفسادنا، يريد إذلالنا، فهؤلاء الذين يضحون بأنفسهم في فلسطين لهز كيان العدو الصهيوني هم عند الله بمكان:

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾

[ سورة آل عمران]

 أيها الإخوة الكرام، الذي لفت نظري كنت في حفل كهذا الحفل في اللاذقية عند شيخ جليل سوف يحضر معنا في الحفل القادم، وعنده ألف وخمس مئة طالب، وعنده مئة حافظ، ألقيت كلمة فجاء طفل والله لا يزيد عن ستة سنوات، قال لي: يا سيدي ماذا نفعل نحن؟ هذا الذي نراه لا نحتمله في الأخبار، ماذا أفعل؟ أرأيتم إلى هذا الطفل الصغير! الذي لا يحتمل ما يعانيه المسلمون قلت له: يا بني إن أعدائنا تفوقوا في العلم، وتفوقوا في الصناعة، وتفوقوا في الفضائيات، وتفوقوا في الإلكترونيات، فأحكموا السيطرة على أطراف الدنيا، ولا سبيل إلى أن نغلبهم إلا بالعلم، تفوق في دراستك فإن تفوق فأرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون على يد أمثالك نهضة هذه الأمة.
 طلابنا في سنوات عدة كانوا في الصف الرابع، الآن في الصف الرابع في الجامعة أكثرهم في الطب، والهندسة، والمعلوماتية، وأنا والله أفتخر بهم، وأكثرهم أصبحوا مساعدي مدرسين عندنا، هذه الرسالة رسالة هذا المعهد هي رسالة الإيمان، رسالة الإسلام، لا أريد أكثر من أن أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجزي كل من ساهم في هذا المعهد إداريين، ومدرسين ومساعدين، وناشطين، ومحسنين، أن يجعل لهم قصراً في الجنة.
وأشكر أيضاً أشكر آباء هؤلاء الصغار الحريصين على أبنائهم، وأشكر أمهاتهم الحريصات على مستقبل أبنائهن، والله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
الذي ذكره الأستاذ بلال جزاه الله خيراً أننا سنقدم هدايا للأمهات اللاتي أنه وصل إلى علمنا أنهن متفوقات في رعاية أبنائهن، أما التي هي متفوقة ولا نعلمها، أذكركم بما قاله عمر حينما جاءه رسول من نهوند، قال له الرسول:
يا أمير المؤمنين مات خلق كثير، قال له: من هم؟ قال له: أنت لا تعرفهم، فبكى عمر وقال: وما ضرهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم.
ولكن أيها الإخوة، والله عقل الأب، وعقل الأم، وتوفيق الأب، وتوفيق الأم، وفلاح الأب وفلاح الأم يقتضي أن يعتنيا بأولادهما، لأنهم سبب سعادتهما.
أسأل الله لي ولكم التوفيق والنجاح.