مختلفة - سوريا - الدرس : 04 - جامع صلاح الدين - معرفة الآمر قبل الأمر.

1996-02-02

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
 كلكم يعلم أن هناك علماً بخلق الله، وأن هناك علم بأمر الله وأن هناك علم بالله.
 فالعلم بخلقه: يقتضي المدارسة، والقراءة، والبحث، والحفظ وأداء الامتحان، ونيل الشهادات.
والعلم بأمر الله: يقتضي كذلك المدارسة.
 لكن العلم بالله عز وجل: شيء آخر، يقتضي المجاهدة والتفكر في خلق السماوات والأرض.
أخوتنا الكرام:
إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر، تفننت في التفلت من أمر الله، وإذا عرفت الآمر ثم عرفت الأمر، تفانيت في طاعة الله.
 النبي عليه الصلاة والسلام علمنا من خلال أساليب دعوته، أنه معرفة الآمر قبل الأمر، لذلك بقيت الآيات في مكة المكرمة، تتنزل على قلبه الشريف مشيرة إلى آيات الكون، من أجل أن يرسخ الإيمان في قلب المؤمن، عندئذٍ يندفع إلى طاعته اندفاعاً عجيباً.
 أعيد هذه المقولة مرة ثانية، إذا عرفت الآمر قبل الأمر تفانيت في تطبيق الأمر، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت بالتفلت من الأمر.
أيها الأخوة الكرام:
 الإنسان كما تعلمون يحب ذاته، يحب وجوده، كمال وجوده سلامة وجوده، استمرار وجوده، هو إنسان آلة بالغة التعقيد، لن تسلم ولن تسعد إلا بتنفيذ تعليمات الصانع، إلا أن المشكلة أن تعليمات الصانع بين أيدينا هل في العالم الإسلامي كله مسلم لا يعلم أن الخمر حرام، وأن القتل حرام، وأن السرقة حرام، وأن الزنى فاحشة، هذا شيء بديهي، أما السؤال الآن كيف يقترف المسلم معصية وهو يعلم أنها معصية ؟ نقول يقترف المسلم معصية وهو يعلم أنها معصية لا لنقص في علمه بأمر الله، ولكن لنقص في علمه بالله.
 فالذلك القرآن الكريم حفل بآيات كثيرة جداً، تشير إلى عظمة الله فيما خلق تشير إلى دقائق صنعة الله عز وجل، عجائب قدرته.
قد يسأل سائل ؟ لماذا هذه الآيات في كتاب الله ؟ ما علاقتنا بها ما دورها في إيماننا؟ ما مُؤداها ؟ ماذا ينبغي أن نقف من أجلها ؟
أيها الأخوة الكرام:
 التفكر في خلق السموات والأرض، عبادة من أجل العبادات قد يسأل أحد مثلاً ؟ أنت لماذا تصلي ؟ أقول لك لأن الصلاة فرض تقول له وما الدليل ؟ يقول قوله تعالى:

﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾

( سورة النور: 56 )

 الفعل أمر، طيب، هل تعتقدوا أمر الله في كتابه الكريم قاصرة على أداء الفروض الخمسة، والحج، والزكاة، والصوم، بل إن كل أمر في كتاب الله يقتضي الوجوب، ما لم تكن قرينة على أنه أمر إباحة، أو أمر تهديد، أو أمر ندب، أما أي أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب.
فإذا قال الله عز وجل:

 

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5)﴾

 

( سورة الطارق: 5 )

 هذا أمر يقتضي الوجوب:

 

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24)﴾

 

( سورة عبس:24 )

 هذا أمر يقتضي الوجوب:

 

﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

 

( سورة يونس: 101 )

 هذا أمر وجوب، بل إن هذا الوجوب لا يؤدى مرة واحدة يؤدى بشكل مستمر.
قال تعالى:

 

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

 

( سورة آل عمران:190 ـ 191 )

 صيغة المضارع تقتضي الاستمرار:

 

﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾

 

( سورة آل عمران: 191 )

 عبادة التفكر في خلق السماوات والأرض إنها من أجل العبادات لماذا ؟ لأن الأمر الذي بين يديك، الأمر التشريعي:

 

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾

 

( سورة النور:30 )

 الأوامر التشريعية، هذه أوامر بين يديك، واضحة وضوح الشمس، ولكن لما نضعف عن تطبيقها، لأننا ما عرفنا الآمر حق معرفته، قال تعالى:

 

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾

 

( سورة الأنعام: 91 )

 المعنى المخالف لهذه الآية، أن نقدره حق قدره، لذلك أحد معاني ليلة القدر قال تعالى:

 

﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)﴾

 

( سورة القدر: 1 ـ 2 ـ 3 )

 يعني ألف شهر، أي ثمانون عاماً تعبد الله عبادة تامةً، كاملة إذا قدرت الله حق قدره، فعرفت لماذا خلقك، وعرفت لماذا خلق الكون، ولماذا سخره لك تسخير تعريف، وتكريم، وما حقيقة الحياة الدنيا، بهذا ترقى، لذلك فرق شاسع جداً بين العالم والعابد، فضل العالم على العابد كفضل على أدناكم، كفضل البدر على سائر النجوم والكواكب، إن الله عالم يحب كل عالم، يظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل.
يعني أنت لا تقبل على تطبيق الأمر، إلا إذا عرفت من هو الآمر، ومثل واضح بين أيديكم، لو تلقيت أمراً وأنت في الخدمة الإلزامية، من إنسان على كتفه سبعة، غير الثمانية، غير نجمة غير اثنتين، غير تاج، غير سيفين، غير قائد الجيش، كلما ارتفعت الرتبة بادرت إلى تنفيذ الأمر، فشرف الأمر من شرف الآمر، إذا عرفنا الآمر قبل الأمر تفانينت في طاعته.
 النقطة الدقيقة أن الله لا يعرف بالحواس، ولكن يعرف بالعقول، والله سبحانه وتعالى حينما جعل الإنسان المخلوق الأول وكرمه أعظم تكريم، وكلفه عبادته، العبادة كما تعلمون طاعة، لكن طاعة مع محبة، لو أطعته ولم تحبه ما عبدته، لو أحببته ولم تطعه ما عبدته.

 

تعصي الإله وأنت تظهر حبه  ذاك العمر في المقال شنيع
لو كان حبك صادقاً لأطعتـــه  إن المحب لمن يحب يطيـع

 فهذه العبادة التي هي علة وجودنا، أساسها طاعة، لكن الطاعة لم تكون إلا بمعرفة الله قبلها، العبادة طاعة طوعيه، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية.
أخونا الكرام:
 حينما تتفكر في خلق السماوات والأرض، تقف وجهاً لوجه مع عظمة الله، أكاد أقول إن باب التفكر في خلق السماوات والأرض أوسع باب تدخل منه على الله، وإن طريق التفكر في خلق السماوات والأرض، أقصر طريق إلى الله، إنك تقف أمام عظمة الله وجهاً لوجه.
 قبل ستة أشهر تقريباً، إحدى محطات الأخبار العالمية، أذاعت أن مركبة فضائية، بقيت تمضي في طريقها إلى المشتري ستة سنوات وصلوا قبل ستة أشهر، وعلى هذه المركبة مرصد عملاق، قطر عدسة ثمانية أمتار، وهذه المركبة صورت أكبر، وأبعد مجرة حتى الآن، كم تبعد هذه المجرة ؟ تبعد عنا ثلاثمائة ألف بليون سنة ضوئية هذا خبر نشر في محطات الأخبار العالمية قبل ستة أشهر، ثلاثمائة ألف بليون سنة ضوئية، الضوء يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمائة ألف كيلو متر، بالدقيقة، بالساعة، باليوم، بالسنة، ثلاثمائة ألف بليون سنة ضوئية، ما في آلة حاسبة في الأرض تحسب هذا الرقم.

 

 

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76)﴾

 

( سورة الواقعة: 75 )

كيف تقبل على تنفيذ أمر الله إن لم تعرف من الآمر، من الآمر ؟ من أمرك بهذا ؟
 ورد عن بعض الصحابة أنه قال: لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت، إنك إن عصيت الله تجترئ عليه وكأنك لا تقدره حق قدره.
أيها الأخوة:
 يعني نجم صغير من نجوم برج العقرب، أحمر متألق يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما، بيننا وبين الشمس 156 مليون كيلو متر، الشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمائة ألف مرة، نجم واحد من نجوم برج العقرب، يتسع للأرض و الشمس، مع المسافة بينهما.

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾

( سورة فاطر: 28 )

 دققوا في كلمة إنما، إنما أداة قصر، أي أن العلماء وحدهم ليس مقصود محترفوا نقل العلم، لا، لا، كل إنسان تعلم شيئاً فهو عالم.

 

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾

إذا دققت في صنعت الله، رأيت دقة الصنعة، رأيت عظمة الصانع، رأيت حكمته، رأيت رحمته، رأيت علمه.
 تحدثت قبل زمنٍ عن جهاز في الإنسان، اسمه جهاز المناعة وهو شغل العالم الشاغل، من يصدق أن هذا الجهاز مؤلف من خمس وعشرين مليون كريه بيضاء، تتضاعف عند الإستنفار، إلى خمسين مليون، تصبح مائتين مليون عند القتال، هذه الكريات البيضاء صدقوني ولا أبالغ، جيش، حديث، له قيادة حكيمة وله فرق متنوعة الاختصاصات، وهناك تنسيق بارع بين اختصاصاته، فما أن يدخل الجرثوم إلى جسم الإنسان حتى تنطلق مجموعة من الكريات البيضاء وظيفتها استكشافية، استطلاعية، اسمها الكريات المستطلعة، تذهب إلى الجرثوم لا تقاتله، لكنها تتقصى أخباره، تأخذ شفرته الكيماوية تركيبه، تأخذ هذه الشيفرة وتعود بها إلى مركز القيادة في عقد اللنف فتسلمها لمعامل تصنيع الأسلحة، فهذه العقد، العقد اللنفاوية، كريات بيضاء أخر، مهمتها تصنيع المصل المضاد لهذا الجرثوم، اسمها الكريات المصنعة، تفك الشفرة، تحلل الرموز، تأخذ هذه الشيفرة وتصنع في ضوئها مصلاً مضاداً لهذا الجرثوم، تنتهي مهمتها تأتي فرقة ثالثة من فرق هذا الجيش العرمرم، إن صح التعبير، هذه الفرقة فرقة مقاتلة، تحمل هذا السلاح، وتنطلق إلى الجرثوم فتقتله، أسم هذه الكريات المقاتلة، تنتهي المعركة، بقيت الجثث والدماء في أرض المعركة، تأتي كريات آخر أسمها الكريات الاقمة، تأتي فتلتقم بقاي العدو، وجثث القتلى من أرض المعركة، أريتم إلى جيش إلى هذا الجيش.

 

 

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)﴾

 

( سورة التين: 4 )

 فإذا حاد عن منهج الله، ولبى شهواته، بغير هوداً من الله خرج عن الأمر والنهي، ولبى شهواته بشكل عشوائي، قال تعالى:

 

﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5)﴾

 

( سورة التين: 5 )

 أخوانا الكرام:
 كلكم يعلم، وهذه من بديهيات العلم، أن الأرض تدور حول الشمس، وترى الجبال تحسبها جامدة، وهي تمر مر السحاب، صنع الله الذي أتقن كل شيء، الأرض تقطع بكل ثانية ثلاثين كيلو متر بكل ثانية، فإذا بدئنا قبل عشر دقائق، فماذا قطعنا ؟108000 كيلو متر شيء لا يصدق، الأرض تدور حول الشمس، هذا المدار، أو هذا المسار، أهليلجي الشكل، يعني بيضوي الشكل، البيضوي له قطران قطر أعظمي، وقطر أصغري، وكلكم يعلم أن بين الكواكب والنجوم تجاذب حركي، والتجاذب الحركي شيء لا يصدق، كل كتلة تنجذب إلى أختها، بحسب حجمها، ومربع المسافة بينهما هذا قانون التجاذب فالأرض في سيرها حول الشمس، حينما تصل إلى القطر الأصغر تقل المسافة بينها وبين الشمس، إذاً ينبغي أن تجذبها الشمس، وإذا جذبتها الشمس، انتهت الحياة من على سطح الأرض، لأن الأرض إذا ألقيت في الشمس، صدقوني تبخرت في ثانية واحدة، سطح الشمس 6000 درجة، أما باطن الشمس 20000000 درجة، فلو أن الأرض كلها ألقيت في الشمس، لتبخرت في ثانية واحدة، هي في سيرها حول الشمس، وصلت إلى القطب الأصغر، المسافة قلت إذاً هناك احتمال أن تجذبها الشمس، قال: الأرض وهي جماد، وهي صخر لا يعقل وليس حكيما، الأرض ترفع من سرعتها، تزيد من سرعتها، زيادةً متدرجةً، يعبر عنه في الرياضيات بالتسارع، التسارع بطيء.
هلق واحد أيام ينطلق بمركبته، من صفر لمائة، بقلك بثمانية عشر ثانية نقول تسارع سريع، أما من صفر لمائة، بدقيقتين تسارع بطيء.
 فالأرض تزيد من سرعتها، زيادةً، متدرجتاً، بطيئتاً، لينشأ من هذه الزيادة سرعة قوة نبذ نحو الخارج، معاكس قوة الجذب، من قوة النبذ الطارئة تتكافئ مع قوة الجذب الطارئة، تبقى في سيرها.
الآن دقق في قوله تعالى:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾

 

( سورة فاطر: 41 )

 ما معنى الزوال، الزوال، الانحراف، صلاة الظهر تكون عند زوال الشمس عن كبد السماء، عند زوال الشمس، أو عند انحرافها عن كبد السماء.

 

﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾

 

ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده، أي تبقى الأرض على خط سيرها، هذه معجزة، قد لا ننتبه إليها يأتي الصيف والشتاء، والربيع، والخريف، والليل، والنهار، وكأن شيئاً طبيعياً أما الأرض أن تبقى على مسارها حول الشمس هذه آية من أعظم الآيات:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾

 الآن تابعت سيرها الأرض، وصلت إلى القطب الأبعد الأطول، الآن قوة جذب الشمس لها تضعف، المسافة زادت، هناك احتمال أن تتفلت من الشمس وتمضي في أعماق الفراغ الكوني، عندئذٍ تنتهي الحياة من على سطح الأرض لأن البرودة تصبح 270 تحت الصفر، تنتهي الحياة كلياً، والأجسام إذا بلغت الصفر المطلق تلاشى وجودها.

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾

 أو أن تنحرف، وأن تفنى، معنيان في كلمة واحدة.

 

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾

 أو أن تنحرف، وأن تفنى، وأيضاً حينما تخفف الأرض من سرعتها، لتزداد قوة جذب الشمس لها التخفيف بطيء، لو أن الأرض رفعت من سرعتها فجأةً، أو قللت فجأةً لنهدم كل ما عليها، لأن الأجسام في أصلها يحكمها مبدأ العطالة، العطالة، الجسم يرفض الحركة إذا كان ساكناً، ويرفض السكون إذا كان متحركاً، لماذا يضعون أحزمة بالسيارات ؟ منطلقة السيارة بسرعة مائة، ومعها ركابها، فإذا وقفت فجأةً الراكب يرفض الوقوف، يدفع نحو الأمام فيموت، فلابد له من حزام يربطه مع السيارة.
فالأرض حينما ترفع سرعتها فجأةً ينهدم كل ما عليها، وحينما تخفض سرعتها فجأةً ينهدم كل ما عليها.
الآن سؤال ؟ لو فرضنا الأرض تفلتت من جاذبية الشمس وأردنا أن نعيدها إليها بالقوة، بأربطة، بحبال.
 قال: نحتاج إلى مليون، مليون، حبل فولاذي، قطر كل حبل خمسة أمتار، وكل حبل يتحمل من قوى الشد مليونين طن كل حبل يتحمل من قوى الشد مليونين طن، أنت الآن ائتي بسلسلة ولها كفه ضع كيلو متماسكة، كيلين، ثلاث، أربعة، تنقطع، نقول قوة تحمل هذه السلسة أربع كيلو، الكبل الفولاذي المضفور، وهو أمتن عنصر في الأرض، الكبل الفولاذي.
 هلق: التل فريك على حبال فولاذية، المصاعد على حبال فولاذية يعني أمتن عنصر في الأرض الحبل الفولاذي، قال هذه الحبال كل حبل قطره خمسة أمتار يتحمل من قوى الشد مليونين طن، نحن بحاجة إلى مليون مليون حبل فولاذي، وقدرة كل حبل تحمل من قوى الشد مليونين طن، معناها الأرض مشدودة للشمس بقوة خفية جاذبية هو مليونين، ضرب مليون، مليون طن، قال كل هذه الحبال من أجل أن تحرف الأرض نحو الشمس في كل ثانية ثلاثة ميلمترات، كل ثانية ثلاثة ميلمترات، يتشكل مسار الإهليلجي حول الشمس.
الله عز وجل قال:

 

 

﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾

 

( سورة الرعد: 2 )

هناك أعمدة، لكنكم لا ترونها.
 أما إنسان ليس في وسعته أن يبني مسجد بلا أعمدة، هل بإمكان أعظم مهندس أن يبني السقف من دون أي دعامة ؟

﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾

أرأيتم أيها الأخوة:
 أننا إذا دققنا في آيات الكون يقشعر جلدنا، إن التفكر في الكون أوسع باب تدخل منه على الله، وإذا كان طريقاً هو أقصر طريق يوصلك إلى الله عز وجل، هذه العبادة، عبادة التفكر هي من أجل العبادات، ورد في الأثر أن تفكر ساعة، خير من أن تعبد الله ثمانين عاماً، تفكر ساعة، لأنه التفكر ينقلك إلى معرفة الله، وكما تعلمون معرفة الله أصل الدين، وما تخلف المسلمون عما هم عليه، أو عما ينبغي أن يكونوا عليه إلا لأنهم قصروا في طاعة الله عز وجل قصروا في طاعته، لأنهم قصروا في معرفته.
أيها الأخوة الكرام:
لا يخفى عليكم أن المسلمين يعدون مليار ومائتين مليون، بينما النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لن تغلب أمتي من اثني عشر من قلة.
 هذه بعض آيات الله في السماء، يعني المسافات الكونية من الصعب أن نقدرها، يعني أقرب تقدير لها أنه بيننا وبين أقرب نجم ملتهب أربع سنوات ضوئية، أربعة، آخر مجرة ثلاثمائة ألف بليون سنة، ثلاثمائة ألف بليون سنة، أما أقرب نجم ملتهب على الإطلاق أربع سنوات ضوئية، لو أردنا أن نقطع هذه المسافة بمركبة أرضية سيارة يعني، نحتاج إلى خمسين مليون عام، يجب أن يكون عمر السائق خمسين مليون عام، ليصل بمركبته إلى أقرب نجم على الإطلاق أربع سنوات ضوئية، أما القطب أربع سنوات ضوئية المرأة المسلسلة مليون سنة ضوئية، في مجرة قبل المجرة هذه، أربع وعشرين ألف مليون سنة أحدث واحدة، ثلاثمائة ألف بليون سنة ضوئية:

﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

( سورة يونس: 101 )

 أيها الأخوة:
 لو وصلنا إلى الأرض، هذا الماء الذي بين أيدينا، هذا الماء من آيات الله الدالة على عظمته، هو عنصر كأي عنصر، يتمدد بالحرارة وينكمش بالتبريد، إلا أن هذا الماء ينفرد بخاصة لولاها لما كنا في هذا المسجد لما رأيت إنسان على وجه الأرض حياً يرزق، هذا الماء إذا بردته، ينكمش شأنه كشأن أي عنصر، إلا أن هذا التبريد إذا وصل إلى زائد أربعة تنعكس الآية يتمدد، الماء إن بردته من 15 إلى 10 ينكمش، من 10 إلى 5 ينكمش، من زائد أربعة فما دون يتمدد، هذا التمدد هو أحد أسباب تشكل التربة على وجه الأرض

 

﴿ وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (12)﴾

 

( سورة الطارق: 12 )

 الماء يتغلغل، حينما يبرد يتمدد، فيفتت التربة، وهذا التمدد هو أحد أسباب بقاء الحياة، إن البحار إذا تجمدت، لو أن الماء إذا تبرد، انكمش، البحار عند التجمد تنكمش كتلتها، تزداد كثافتها تغوص في الأعماق، بعد حين تصبح البحار كلها متجمدة، إن تجمد البحر انعدم التبخر، إذا انعدم التبخر، انعدم المطر، مات النبات مات الحيوان، مات الإنسان، لأن الماء ينفرد من بين بقيت العناصر أنه إذا بردته عند الدرجة زائد أربعة يتمدد، هذا التمدد هو سر بقائنا أحياء جميعاً، البحار إذا تجمدت قلت كثافتها فطفت، هلق الثلج يطفو على وجه الماء، بقيت البحار مياهها دافئة، والأسماك تعيش فيها أنظرتم إلى هذه الآية.
أيها الأخوة الكرام:
 من منا يصدق أن في مخه، مائة وأربعين مليار خلية لم تعرف وظيفتها بعد، في قشرة الدماغ أربعة عشر مليار خلية، فيها المحاكمة فيها التذكر، فيها التصور، مركز السمع، مركز الرؤية هذا شيء معجز.
هلق بقلك الاتصال الهاتفي سهل جداً بين المحافظات، السبب قال: في خط حديث ألف مكالمة بآن واحد.
 العصب البصري تسعمائة ألف عصب في عصب واحد تسعمائة ألف عصب في عصب واحد، العصب البصري، العين فيها مائة وثلاثين مليون عصيه ومخروط، هذا الجسم البلوري بالعين من أعظم الآيات الدالة على عظمة الله، هو عدسة لكنها مرنه، لو كان عدسة صلبة، تحتاج إلى مجاري لمحرقها، متحرك، وهذا مستحيل الشبكية ثابتة، والمسافة ثابتة، إذاً ما الحل ؟ أن تكون العدسة مرنة عضلات أسمها العضلات الهدبيه، تضغط عليه معشار الميكرون، يقع الخيال على الشبكية، هذه مطابقة، الإنسان يضع أيام نظارة، لأن مرونة هذا الجسم البلوري تضعف، تضطر إلى مطابقة، المطابقة وحده من آيات الله الدالة على عظمته.
إنسان رأى حية في بستان، أضطرب، ماذا حصل له ؟ شيء لا يصدق صورة الأفعى، انطبعت على الشبكية، إحساسا.
 أما الدماغ في مفاهيم، صواب مفهومات، عن الأفعى من خلال الدراسة من خلال القصص، من خلال المشاهدات، الدماغ يدرك أن هذه الأفعى قاتلة، الدماغ ملك الجهاز العصبي، يعطي أمر هرموني إلى الغدة النخامية، هي ملكة الغدد، وزنها نصف غرام تعطي أثنى عشر أمر هرموني، هذه الغدة النخامية الملكة، تتلقى أمراً من الملك، ملك لملكة، من مستوى واحد، نظيرها، نظيرته، تأخذ هذا الأمر، فتعيده أمراً إلى الكظر، الكظر غدة فوق الكلية، إذا كان هناك خطر، ولنضرب على هذا المثال أفعى.
 وجدتها في بستان فجأة، الكظر يعطي أمراً إلى القلب، فيزيد من نبضاته، لأن الإنسان بحاجة إلى دم من أجل الحركة، الدم البطيء لا يجدي، فلابد من مائة وثمانين ضربة حتى الدم يجري سريعاً فالكظر يعطي أمراً هرمونياً إلى القلب، فترتفع ضربات القلب.
 فالخائف يضطرب قلبه، أكثر من ذي قبل، القلب والرئة مترابطان، فلا بد من أمرا آخر إلى الرئة، كي يزداد وجيبها ويتناسب هذا الوجيب مع ضربات القلب المرتفعة، أمر آخر إلى الرئة.
الإنسان أبيض اللون، وردي اللون، أزهر، جميل، أما هو خائف، هو بحاجة إلى السلامة لا إلى الجمال، فيأتي أمراً ثالث إلى الأوعية المحيطة تضيق لمعتها، من أجل أن يصل الدم إلى العضلات ضيق لمعة الأوعية المحيطة، يسبب اصفرار الجلد، فالخائف وجه أصفر، بقلك أصفر اللون، هذا أمر ثالث، أمر رابع، يأتي إلى الكبد فيطرح كمية سكر إضافية، والإنسان الخائف لو فحصنا دمه لوجدت عيار السكر مرتفع جداً، لأن السكر وقود العضلات، والأمر الخامس إلى الكبد أيضاً، يطرح هرمون التجلط، دم الخائف لزج.
أيها الأخوة:
 يعني حديث يسوق إلى حديث، النكوتين في الدخان يصنع هذه الأعراض تماماً، المدخن تزداد ضربات قلبه، ويزداد وجيب رئتيه ويصفر لونه، ويزداد تجلط دمه، وتزداد السكريات في دمه، احتمال أن يصاب المدخن بالجلطة، عشر أمثال غير المدخن.
هذا التركيب المعقد في الإنسان، خلال ثانية، الصورة انطبعت إحساساً، انتقلت إلى الدماغ إدراك، الدماغ أعطى أمر للنخامية، النخامية أمرت الكظر، الكظر أربع أوامر، أمر للقلب للرئتين، للأوعية، للكبد أمرين، كل هذا في ثواني، أيعقل هذا ؟!

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5)﴾

أخوان الكرام:
 يعني إذا إنسان ماشي بطريق، وسمع بوق سيارة، ما الذي يحصل ؟ يحصل مالا يصدق، الله سبحانه وتعالى جعل لنا عينين عين وحدة، ترى طولاً وعرضاً، ما في بعد ثالث، أما بالعينين، لو إنسان أراد أن يضم إبرة إن صح التعبير، بعين واحدة، يأتي الخيط بعيداً عن الإبرة عشرة سانتي، أما بالعينين يطابق، بالعينين تقدر البعد الثالث، لو كان واحد له أذن واحدة، لا يعرف جهة الصوت فلو سمع بوق سيارة لنحرف نحوها فدهسته، أما بالأذنين، قال هناك جهاز بالدماغ، يحسب تفاضل وصول الصوتين إلى الأذنين التفاضل.
هذا التفاضل أيها الأخوة:
هو واحد على ألف وستمائة وعشرين جزء من الثانية، الدماغ يدرك البوق من جهة اليسار فيعطي أمراً لانحراف نحو اليمين، هي الحادثة البسيطة هي عظيمة جداً.
 لذلك معرفة الآمر قبل الأمر، إذا عرفت الآمر قبل الأمر تفانيت في طاعته، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر، تفننت في التفلت من أمره، تظهر الحيل الشرعية، بقدم الزكاة برغيف، يهبها للفقير، يقول:أتبيعني هذا الرغيف بخمسة ليرات، قله بيعك إياه، بس الرغيف في خمسة آلاف ليرة، طيب الذي أمرك بالزكاة ينطوي عليه هذه الحيلة ؟
الإنسان إذا عرف الأمر ولم يعرف الآمر، تفنن في التفلت من أمره لذلك:

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾

( سورة فاطر: 28 )

 طبعاً التفكر منهج من مناهج البحث، والله عز وجل حينما غابت عنا ذاته، لا تدركه الأبصار، لكن وجوده، ووحدانيته، وكماله مدرك بالعقل، والله سبحانه وتعالى جعل العقل أداة معرفته.
لكن أيها الأخوة:
 كما تعلمون، هناك دائرة الإخباريات، هذا لا يستطيع العقل أن يجول فيها، ليس لنا منها إلا التصديق، وهناك دائرة المعقولات وهناك دائرة المشاهدات، فالذي ظهرت عينه وآثاره بالحواسك تعرفه والذي ظهرت آثاره وغابت عينه بعقلك تعرفه، والذي غابت عنك عينه وآثاره بالخبر الصادق تعرفه.
إذاً:
عبادة التفكر في خلق السماوات والأرض هي عبادة من أجل العبادات، وهي العبادة التي بها نرقى إلى الله سريعاً.
 أحد أخوانا المدرسين في كلية الشريعة، ألف كتاب للصف الأول لفت نظري في هذا الكتاب، أنه يقول فيه، إن عبادة التفكر هي أفضل العبادات على الإطلاق، لأن بها تعرف الله، بها تستقيم على أمره، بها تحجم، الإنسان متى يتكبر ؟ إذا غابت عنه حقيقة الله عز وجل، يقول أنا، من أنت ؟ نقطة دم إذا تجمدت في أحد شرايين الدماغ، فقد الإنسان الحركة، أو فقد السمع، أو فقد البصر، ولو كان ملك، انتهى أمره، فكلمة أنا لا معنى لها، قول الله.

 

مالي سوى فقري إليك وسيلتي  فبالإفقار إليك فقري أدفــع
وما لي سوى قري ببابك حيلة  فإذا رددت فأي باب أقرع

أيها الأخوة:
لأنه ليس في الكون إلا حقيقة واحدة هي الله، معرفته والإقبال عليه، هي السعادة.
 لذلك لحكمة بالغة، بالغة، بالغة، أراد الله أن نكون ضعفاء دققوا الآن أنت ضعيف، ضيف بصحتك، هل تملك لهذه الخلايا ألا تنمو نموا عشوائياً ؟ هل تملك ؟ هل عرف الطب حتى الآن لماذا تنموا هذه الخلايا نمواً عشوائياً ؟ بقلك مرض خبيث معه، طيب ماله عامل شيء، مثله كمثل أي إنسان، هي الأمراض هذا الإنسان ضعيف أمامها، بقلك مرض عضال.
 مرة كنت عند طبيب، فجاءه اتصال هاتفي، يقول الطرف الآخر، لقد سمعت كلامه، يقول ندفع أي مبلغ ونذهب إلى أي بلد قال ما في أمل، المرض من الدرجة الخامسة، وليس هناك أمل من شفائه، هذا الإنسان ضعيف أمام المرض، ضعيف أمام كسب المال قد يكون فقيراً لا يملك ثمن رغيف خبز.
 لماذا شاءت حكمة الله أن نكون ضعفاء ؟ وخلق الإنسان ضعيف، قال خلق ضعيف، دققوا، ليفتقر في ضعفه، ويسعد بافتقاره ولو خلق قوياً، وستغنى عن الله بقوته، فشقي باستغنائه، أرادك أن تكون ضعيفاً من أجل أن تلتجئ إليه.
 لذلك التفكر في خلق السماوات والأرض، يعرفك به، فإذا عرفته أقبلت عليه، وفزت بحماه، وتوجهت إليه وأخلصت له وعندئذ كما قال الله عز وجل:

 

 

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)﴾

 

( سورة هود: 55 ـ 56 )

﴿ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)﴾

 ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، وإذا أردت أن توحد الله عز وجل، فهذا نهاية العلم، نهاية العلم التوحيد، ونهاية العمل التقوى والأنبياء جميعاً أكدوا أن فحوى دعوتهم، توحيد الله عقيدة، طاعته عبادة، توحيده عقيدة، وطاعته عبادة، فإذا وحدته وعبدته، فقد حققت الهدف من وجودك.
 أيها الأخوة الكرام: أعتذر عن التأخر وكنت في المسجد كما ذكر فضيلة أستاذنا الجليل، ولا أريد أن أطيل عليكم، إذا في سؤال أنا جاهز.