الدرس : 08 - سورة الأعراف - تفسير الآيات 14 - 19 ، لماذا حقد إبليس على آدم ؟

2007-02-02

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الثامن من دروس سورة الأعراف ، ومع الآية الرابعة عشرة ، وهي قوله تعالى :

﴿ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾

( سورة الأعراف )

أمنيةُ الشيطانِ : التأخيرُ إلى يومِ القيامة :

1 – هذا ما يفعله الحقد :

حينما عصى إبليس ربه ، وأبى أن يسجد لآدم ، وكان عند الله من الصاغرين ، كفعل أي مشرك حقد على آدم حقداً شديداً .
لذلك تمنى على الله أن يؤخر أجله إلى يوم القيامة ، حتى ينتقم من آدم وذريته من بعده ، فعلة أنه طلب من الله عز وجل أي يؤخر أجله إلى يوم القيامة كي ينتقم من آدم ، ومن ذريته جميعاً .

2 – المؤمنُ لا يحقد :

وهذا الموضوع يوقفنا عند نقطة : أن المؤمن موحد يرى أن الله عز وجل هو الفعال ، لذلك لا يحقد على بني البشر ، ذلك أن الله عز وجل يقول :

 

﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾

( سورة لقمان )

الصبر يحتاج إلى إيمان ، وإلى إرادة ، لكن آية أخرى تلفت النظر :

 

﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾

( سورة الشورى )

فائدة جليلة :

اللام لام التوكيل ، وهناك لام المزحلقة ، وهما توكيدان ، فما الفرق بين الآيتين ؟ سأوضح لكم بمثل :
لو أن أباً عنده ابن يحبه حباً جماً ، وقع من الشرفة فنزل ميتاً ، ليس هناك في بني البشر من يحقد عليه ، هذا قضاء وقدر من الله مباشرة ، أما حينما ـ لا سمح الله ولا قدر ـ يدهس سائق ابنه فهناك إنسان يمكن أن يصب جام غضبه عليه ، يمكن أن يحقد عليه ، لذلك جاء الصبر .
إذا كان قضاء الله وقدره على يد إنسان يحتاج إلى صبر أشد ، وإلى إيمان أشد ، وإلى إرادة اشد ، لذلك قال :

﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ ﴾

يعني على قضاء الله وقدره ،

﴿ وَغَفَرَ ﴾

لمن أجري القضاء على يديه ،

﴿ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾

فإبليس حينما كان عند الله من الصاغرين ، وكان كما تروي بعض الكتب متفوقاً قبل أن يؤمر بالسجود ، فحينما طرده الله من رحمته حقد على آدم ، لذلك قال :

 

﴿ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾

( سورة الحجر )

والله عز وجل قال له :

 

﴿ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾

( سورة الأعراف )

3 – الغاية من طلب إبليس التأخير شفاءُ الغليل من ذرية آدم :

هو طلب الإمهال ليشفي غليله من بني آدم ، لأن آدم حينما توهم إبليس جاء له بالصغار والذلة .
لذلك دققوا الآن ، الفاسد يتمنى أن يكون جميع الناس فاسدين ، والمنحرف يتمنى أن يكون جميع الناس منحرفين ، والضال يتمنى أن يكون جميع الناس ضالين .
فلذلك قد ينتقل الإنسان من حالة الضلال إلى الإضلال ، من حالة الفساد إلى حالة الإفساد ، من حالة الانحراف إلى الدعوة إلى الانحراف ، من حالة التكذيب إلى الدعوة إلى التكذيب ، هذا شأن المنحرف ، المنحرف الذي خرج عن منهج الله ، وعصى الله اختل توازنه النفسي ، وضعه غير طبيعي ، وضعه النفسي غير سوي ، مريض ، المرض الأكبر أن توازنه اختل ، وأيّ إنسان يعصي الواحد الديان يختل توازنه ، لأن فطرة الإنسان مطبقة انطباقاً تاماً على منهج الرحمن ، الفطرة كالمنهج ، فالمجرد أن تعصي الله خرجت عن منهج الله ، أو خرجت عن فطرتك ، اختل التوازن ، وحينما يختل توازن الإنسان يحاول أن يستعيده ، فكيف يستعيده ؟ دعك من إبليس ، الله عز وجل قال :

 

﴿ شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾

( سورة الأنعام الآية : 112 )

هناك شيطان من الإنس ، فلما ينحرف الإنسان ، يقصر ، يترك الصلاة ، يكذب ، يحلف يميناً كاذباً ، يأكل مالاً حراماً ، يقبل دخلاً مشبوهاً ، يقصر في واجباته ، يقصر في عباداته ، يبني مجده على أنقاض الآخرين ، يبني حياته على موتهم ، يبني غناه على فقرهم يبني أمنه على خوفهم ، يبني عزه على ذلهم ، اختل توازنه ، كيف يستعيد هذا التوازن ؟

كيف يستعيد الإنسانُ توازنه بعد اختلاله بالانحراف ؟

هناك طريق واحدة سليمة وصحيحة ورائعة وبطولية ، أن يتوب إلى الله ، يستعيد توازنه فوراً ، أن يصطلح مع الله ، أن يقبل على الله ، أن يفتح مع الله صفحة جديدة ، هذا الطريق السليم ، الرجعة الرائعة ، لكن الذي خرج عن منهج الله ، وضل ضلالاً مبيناً ، وقصر في واجباته ، وأساء لخلقه ، وبنى مجده على أنقاض الآخرين ، هذا إنسان اختل توازنه ، وقد يحاول أن يستعيد هذا التوازن بمعاصٍ جديدة ، ماذا يفعل ؟ يطعن بالصالحين .
كل إنسان عاصٍ لا يصدق إنساناً نظيفاً ، يقول لك : له أهداف ، أنت تعرف الظاهر ، لأنه لما يتهم الناس جميعاً يرتاح ، يقول لك : قضية عامة ، لذلك العقل الباطل للإنسان حينما يرى إنساناً صالحاً ، منضبطاً ، سعيداً لا يصدقه ، له دخل آخر لا نعرف ، الله أعلم ، رأساً يتهمه ، بلا دليل ، بلا شيء مؤشر ، فالطعن بالصالحين من صفات الذين اختل توازنهم ، حتى الأنبياء المعصومون قيل لهم : تريد أن تتفضل علينا ، تريد أن تكون عالياً في الأرض تريد أن تستغلنا ، حتى الأنبياء ما نجو من اتهام المنحرفين .
لذلك تروي بعض القصص للعبرة فقط : أن سيدنا موسى قال في المناجاة : يا رب ، لا تبقِ لي عدواً ، قال : يا موسى هذه ليست لي ، هناك أعداء لله عز وجل .
فأنت اطمئن ، حينما تستقيم على أمر الله ، حينما تسعد بالله ، حينما تفتح مع الله صفحة جديدة ، حينما يكون باطنك كظاهرك ، وعلانيتك كسريرتك ، وخلوتك كجلوتك ، وحينما تقول : أنا أسعد الناس فهناك من يشكك فيما تقول ، هناك في من يطعن ، هناك في من يقلل أهميتك ، هذا شيء طبيعي ، حتى قيل : لا بد للمؤمن من كافر يقاتله ، ومنافق يبغضه ، ومؤمن يحسده ، ونفس ترديه ، وشيطان يغويه .
إذاً : الطريق غير الصحيح لاستعادة التوازن الطعن بالصالحين ، لذلك في أي جلسة ، المتكلمون ، المقصرون ، الذين لا يعبدون الله يَدعون كل الشرائح ، وكل الأطياف ، ويركزون على الدعاة إلى الله ، بلا سبب ، وبلا ذنب ، وبلا دليل ، لكنهم إذا طعنوا فيهم يرتاحون .
مرة سألت طالبا : أين وظيفتك ؟ فقال لي : لسنا كاتبين لها يا أستاذ ، قلت له : أنت كم طالبا ؟ .
أحياناً تكون امرأة مصابة بالإيدز فتغوي 37 شابا ، كي يتوسع هذا المرض .
المنحرف يريد أن يكون الناس جميعاً منحرفين ، والمقصر يتمنى أن يكون الناس جميعاً مقصرين ، والذي يغش المسلمين يقول : الكل يغش ، ولا أستثني أحداً ، لكن حكمة الله جل جلاله يجعل الله في كل مكان ، في كل دائرة ، في كل مؤسسة ، في كل مستشفى ، في كل معمل ، في كل جامعة ، في كل مدرسة ، في كل سلك إنسان مستقيم ، هذا المستقيم هو حجة على غير المستقيم .
والله خلال تجربة مديدة ما رأيت مكاناً ، ولا مؤسسة ، ولا عملاً ، ولا دائرة إلا وفيها إنسان مستقيم يعد شاهداً وحجة على غير المسلم .
إذاً : إما أن تستعيد هذا التوازن بالتوبة إلى الله ، والصلح معه ، وإما أن تستعيد هذا التوازن بأن تطعن بالصالحين ، وإما أن تستعيد هذا التوازن بإفساد الصالحين ، وأن تجر الناس إلى معصية الله ، تجرهم إلى الفساد ، تزين لهم الدنيا ، تزين لهم المعاصي والآثام ، أو أن تتعلق بعقيدة زائغة ، أن النبي الكريم يشفع لنا ، إذاً : افعلوا ما تشاءون ، يتعلق الإنسان بعقيدة زائغة غير صحيحة ، الشفاعة حق ، لكن لمن مات موحداً ، لا لمن ارتكب كل المعاصي والآثام .

(( يا فاطمة بنت محمد ، يا عباس عمر رسول الله ، أنقذا نفسيكما من النار أنا لا أغني عنكما من الله شيئا ، لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم ، من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه ))

[ ورد في الأثر]

﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾

( سورة الزمر )

أيها الإخوة الكرام ، إذاً : حينما يعصي الإنسان يختل توازنه ، فيبحث عن استعادة هذا التوازن إما أن يتوب إلى الله ، وهذا أسلم طريق ، أو أن يطعن بالصالحين ، أو أن يتعلق بعقيدة زائغة ، أو أن يفسد الصالحين .
ذهب إنسان إلى بيت الله الحرام ، وتاب هناك ، وكان يشرب الخمر قبل الحج ، له أصدقاء ، عاد من الحج تائباً ، يقول لي : مرة قال له صديق غني : كم كلفتك هذه الحجة ؟ قال له : مثلاً قصة قديمة كلفتني خمسين ألفا ، قال له : خذ هذه الخمسين واشرب الخمر ، ثم حج ثانية وتب ، لماذا ؟ الفاسد يحب أن يفسد ، العاصي يحب أن يدعو الناس إلى المعصية .
إذاً : إما أن تفسد ، وإما أن تطعن بالصالحين ، وإما أن تتعلق بعقيدة زائغة ، وإما أن تتوب إلى الله ، أما كل إنسان يعصي الله يختل توازنه .

مِن سننِ الله في خَلقه : الموت :

لكن إبليس حينما قال :

﴿ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾

نسي أن لله في خلقه سننا ومن أبرز هذه السنن :

 

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾

( سورة آل عمران الآية : 185 ـ الأنبياء : 35 )

إذاً طلبه الذي طلبه ، وتمنياته الذي حلم بها ، أن يبقى إلى يوم القيامة لم تحقق لكن الله عز وجل في سورة الحجر قال له :

 

﴿ قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾

يعني هذا الوقت لا تعلمه أنت ، نعلمه نحن ، وهناك حكمة بالغةٌ بالغة من أنّ أجلَ الإنسان لا يعرفه ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( أكثروا ذكر هادم اللذات ، مفرق الأحباب ، مشتت الجماعات ))

[ورواه الديلمي عن أنس ]

(( عش ما شئت فإنك ميت ، وأحبب من شئت فإنك مفارقه ، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ))

[ أخرجه الشيرازي والحاكم و البيهقي عن سهل بن سعد ]

(( من عد غدا من أجله فقد أساء صحبة الموت ))

[ أخرجه البيهقي ، عن أنس ]

الذي يقول مثلاً : أنا غداً أفعل كذا ، إذاً أنت أيها الإنسان لا تعرف ما الموت يأتي بغتة .
حدثني إنسان والله عن عشرين سنة قادمة ، خططه ، وسفره ، وعودته ، وإحالته على المعاش ، وإنشاء محل تجاري ، وقد كبر أبناءه ، ونوع البضاعة ، ولماذا اختار هذه البضاعة ، ثم رأيت نعيه في اليوم نفسه .
لذلك قال له :

﴿ فَإِنَّكَ مِنْ الْمُنْظَرِينَ ﴾

وفي سورة أخرى :

﴿ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ﴾

عندنا ، لا عندك إبليس .
أيها الإخوة ، كلكم يعلم أن هناك نفختين ، لذلك قال تعالى :

 

﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾

( سورة الزمر )

حينما يبعث الناس الذين هم في القبور ، لذلك قال الله عز وجل :

﴿ فَإِنَّكَ مِنْ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ﴾

قال :

 

﴿ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾

( سورة الأعراف )

الإنسان مخيَّرٌ :

أيها الإخوة ، الإغواء الإغراء بالمعصية ، لمن نسب إبليس معصيته ؟ إلى الله هؤلاء الجبريون الذين يتوهمون أن الله أجبرهم على المعصية ، ولو أن الله أجبر عباده على المعصية لبطل الثواب ، وبطل العقاب ، وانتهى الوعد والوعيد .
يا أمير المؤمنين ، أكان مسيرنا إلى الشام بقضاء من الله وقدر ؟ قال : << ويحك ، لو كان قضاءاً لازماً وقدراً حاتماً إذاً لبطل الوعد والوعيد ، ولانتفى الثواب والعقاب ، إن الله أمر عباده تخييراً ، ونهاهم تحذيراً ، وكلف يسيراً ، ولم يكلف عسيراً ، وأعطى على القليل كثيراً >> .

 

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾

( سورة الكهف الآية : 29 )

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾

( سورة الإنسان )

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾

( سورة البقرة الآية : 148 )

القرآن ينطق بأن الإنسان مخير ، بل :

 

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾

( سورة الأنعام )

هذه الآية أصل في أن الإنسان مخير ، ولا يقول إنسان : إنه مقهور على معصية الله إلا مشرك :

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾

ودائماً المنحرف والمقصر والعاصي يميل إلى أن يعزو خطأه ومعصيته إلى الله ، يقول : الله ما هداني ، الله كتب علي الشقاء ، ما بيدي ، من قال الأمر ليس بيدك ؟ النبي عليه الصلاة والسلام يبين أن الإنسان مخير ، والقرآن الكريم يبين ذلك .
لذلك سيدنا عمر جيء له بشارب خمر ، فقال : أقيموا عليه الحد ، قال : والله يا أمير المؤمنين إن الله قدر علي ذلك ، فقال : أقيموا عليه الحد مرتين ، مرة لأنه شرب الخمر ، ومرة لأنه افترى على الله ، قال : ويحك يا هذا ، إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار .
إبليس قال :

﴿ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي ﴾

وكل كلمة تسمعها أن الله أضل فلاناً يجب أن تقف عندها ، يعني إذا في بالقرآن آيات ـ دققوا ـ إذا في بالقرآن آيات يُعزى فيها الإضلال إلى الله :

 

﴿ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾

( سورة فاطر الآية : 8 ـ النحل : 93 )

الإضلال الجزائي والإضلال الحكمي والإضلال عن الشركاء :

يجب أن تقف عندها وقفة متأنية :

1 – الإضلال الجزائي :

إذا عُزي الإضلال إلى الله ـ دققوا ـ فهو الإضلال الجزائي المبني على ضلال اختياري ، يؤكد هذا المعنى قوله تعالى :

 

﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾

( سورة الصف الآية : 5 )

يؤكد هذا المعنى هذا المثل :
طالب في الجامعة لم يداوم ، ولم يقتنِ الكتب ، ولم يقدم الامتحان ، جاءه إنذار وثان ، وثالث ، ورابع ، وخامس ، لم يستجب ، صدر قرار بترقين قيده من الجامعة ، هل هذا القرار قهر له ؟ لا ، إنه تجسيد لرغبته .
إذا عُزي الإضلال إلى الله فهو الإضلال الجزائي المبني على ضلال اختياري.

2 – الإضلال الحكمي :

وقد يُعزى الإضلال إلى الله ، ونقصد به الإضلال الحكمي .
إنسان رفض الدين كلياً ، إذاً رفض معه كل توجيهات الخالق ، رفض معه كل أسباب سلامته ، كل أسباب سعادته ، كل أسباب رزقه ، كل أسباب نجاحه ، كل أسباب توفيقه .

 

﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾

( سورة الإسراء الآية : 9 )

أنت حينما ترفض منهج الله معنى ذلك أنك رفضت كل ما عند الله ، هذا اسمه الإضلال الحكمي .
إنسان في طريقه إلى حمص ، وليس هناك لوحة بيانية للطريق ، وهناك طريقان ، ما عرف أين طريق حمص ، رأى رجلا واقفا قال له : بالله عليك من أين حمص ؟ قال له : من هذا الطريق ، قال له : بارك الله بك ، لما قبِل هذه النصيحة قال له : بعد فترة في تحويلة انتبه لها ، وجسر ضيق ... حكى له عشرة تفصيلات دقيقة جداً ، لما قبلت هذا التوجيه استفدت من مئات التوصيات ، والنصائح ، والتعليمات .
لو سأل هذا الإنسانَ رجلٌ آخر : من أين حمص ؟ قال له : من هنا ، قال له : أنت كذاب ، هل يقدر هذا الإنسان أن يذكر له التفصيلات ، هذا المسافر ضل ، ما الذي جعله يضل ؟ أنه رفض مشورة هذا الإنسان ونصيحته .
حينما يرفض الإنسان الدين يخسر كل توجيهات الخالق ، يخسر كل تعليمات الصانع ، يخسر كل أسباب سلامته ، يخسر كل أسباب سعادته إذا رفض الدين ، هذا الإضلال إذا عُزي إلى الله يعني الإضلال الحكمي ، الأول الإضلال الجزائي .

3 – الإضلال عن الشركاء :

لكن هناك إضلال ثالث ، شيء رائع جداً ، الله عز وجل لأنه يحب عباده يضلهم عن شركائه ، واحد اعتمد على ماله ، من اعتمد على ماله قلّ ، اعتمد على ماله وقال : الدراهم مراهم ، والله وضعه بمأزق ، المال لا يفعل شيئاً ، أعطاه درسا في التوحيد ، أبعده عن الشرك ، أضله عن أن يتوهم أن المال تحل به كل المشكلات ، هذا الإضلال عن الشركاء .
إنسان اعتمد على عقله ، قال : من اعتمد على عقله ضل ، نسي المنهج ، نسي الوحي ، نسي الكتاب ، نسي السنة ، جمع طرح ، قال لك : الاختلاط ضرورة ، يهذب المشاعر ، إذا كان في المدرسة بنات وذكور تجد الذكور يتنعمون كثير ، مثلاً ، يحسنون صورتهم أمام الفتيات ، خرج بفكرة خلاف القرآن والسنة ، اعتمد على عقله فضل ، الأول اعتمد على ماله قل .
فهذا إضلال عن الشركاء ، فالصحابة الكرام هم قمم البشر ، كانوا في حنين اثني عشر ألفا ،

(( ولا يُغلَبُ اثنا عشَرَ ألفاً مِنْ قِلة ))

[ أخرجه البيهقي من رواية الربيع بن أنس ]

ومع ذلك لما قالوا في حنين :

 

﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾

( سورة التوبة )

إذاً : حينما ترى آية في القرآن تعزى فيها الضلالة إلى الله فهي من نوع الإضلال الجزائي ، أو الإضلال الحكمي ، أن من معنى الإضلال عن الشركاء ، لذلك قالوا : في القرآن آيات محكمة هن أم الكتاب ، وآيات متشابهة ، الآيات المتشابهات مهما كثرت تحمل على الآيات المحكمات مهما قلت .
مثلاً : أنا أقول : القمح مادة خطيرة في حياتنا ، خطيرة ؟ يعني قنبلة هو متفجرات ؟ وقد يكون مادة أساسية ، لكن كلمة

( خطيرة )

تحتمل أنه مادة متفجرة أو مادة أساسية ، بعد حين قلت : القمح مادة أساسية ، ما معنى خطيرة إذاً ؟ أساسية .
فالآيات المتشابهات مهما كثرت تحمل على الآيات المحكمات مهما قلَّت ، فأية آية فيها إضلال :

﴿ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾

معنى ذلك أنه إضلال جزائي ، أو إضلال حكمي .

فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ

قال :

﴿ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ ﴾

1 – بين الوقوف والقعود والاضطجاع :

الإنسان يقف ، وإذا كان واقفا حمل كل وزنه ، لأن الوقوف متعب ، أما إذا جلس فيحمل نصف وزنه ، ما دام ظهره قائما ، أما إذا اضطجع ارتاح من حمل وزنه ، الجاذبية تجذبه ، وهو مضطجع جميعاً ، وهذه أكثر الحالات راحة ، حالة أن يكون مضطجعاً ، وأصعب حالة أن يكون واقفاً ، أما حالة القعود فحالة وسط .
عندنا في الآلات استعداد ، أحيانا الآلة واقفة ، لكنها في حالة استعداد ، أو مغلقة تعمل ، فالوقوف يعمل الإنسان ، الاضطجاع مغلق ، أما القعود فهو استعداد ، لأن الوقوف من القعود سهل جداً ، أما الوقوف من الاضطجاع فصعب .
لذلك الشيطان إبليس اللعين قال له :

﴿ لَأَقْعُدَنَّ ﴾

قال الله :

 

﴿ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾

( سورة التوبة الآية : 5 )

لا تناموا ، إذا كان عدوك نملة فلا تنام له ، لا تنام له ، أي كن يقظاً ، هذا الشيطان قال :

﴿ لَأَقْعُدَنَّ ﴾

أنا مستعد ، أنا قاعد ، و في أية لحظة أكون واقفاً .

﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ ﴾

لذرية آدم .

﴿ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾

لما يختار إنسان الضلال يكون الشيطان بعيدا عنه ، لأنه حقق هدف الشيطان .
يروى من باب الطرفة أن رجلاً سأل الشيطان : ماذا أفعل ؟ عنده مشكلة ، قال له : افعل كذا ، قال له : فعلته ، افعل كذا قال : فعلته ، عرض عليه عشر حالات ، كلها فعلها ، قال له : لم يعد عندي ، بعد هذا قال له : ماذا تريد أن تفعل ؟ قال له : كذا وكذا ، قال له : اتقِ الله يا رجل .

الشيطان جاهز بكل الطرق والتلبيسات :

﴿ لَأَقْعُدَنَّ ﴾

الشيطان جاهز ، أولاً : يغريك بالكفر ، فإن لم يستطع أغراك بالشرك ، إن وجدك على توحيد أغراك بالكبائر ، إن وجدك على طاعة أغراك بالصغائر ، إن وجدك على ورع أغراك بالشبهات ، إن وجدك على يقين الآن يغريك بالتحرش بين المؤمنين ، فإن لم يستطع فآخر ورقة رابحة يغريك بالمباحات .

﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾

أما المنحرف ، العاصي ، الفاجر ، شارب الخمر ، المجرم ، الشيطان لا يحتاجه ، لأنه يحقق كل أهدافه من دون جهد ، يقول لك الفاسق : أنا مرتاح ، يقول لك المؤمن : بعدما تبت إلى الله عندي وساوس صعبة ، شيء طبيعي جداً .

﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾


الشيطان قاعد على الطريق المستقيم إلى الرحمن ، أما طريق الغواية ما في شياطين .
مرة سألني رجل أن هؤلاء الأجانب ما عندهم صحون ، الصحون فيها مضمون إباحي ، هم إباحيون ، حياتهم اليومية مضمون الصحون .

﴿ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾

﴿ ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾

( سورة الأعراف )

الجهات التي يأتي منها الشيطان :

1 ـ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ

﴿ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾

الآخرة ، الشيطان هدفه الأول أن يشكك بالآخرة ، التشكيك بالآخرة ، أو أن تأتي بمفهوم للشفاعة ساذج ، هذا اليوم يوم الدين يوم عصيب .

 

﴿ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾

( سورة المدثر )

الشيطان عنده أقوال ، يقول لك : من هنا إلى يوم الله يفرجها الله ، عنده أساليب كثيرة كي يشكك من هذا اليوم الخطير

﴿ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾

أو إذا كانت أنماط الحياة المعاصرة فيها اختلاط ، فيها فجور ، فيها غناء ، فيها مسلسلات ، فيها أفلام إباحية ، فيها نوادٍ ليلية هذه الحياة حياة راقية ، هذا مجتمع مخملي ، راق ، هو مجتمع الجنفيص وليس المخملي ، يزين لك الحياة الدنيا الفسق ، والفجور ، وأماكن اللهو ، السياحة ، السفر ، الانغماس في الملذات ، يقول لك روح رياضية ، والآن هناك كلمة مشهورة ( الأمر عادي) تجلس مع صديق زوجها على انفراد في البيت ،( عادي ) ، عادي ، يعني أنه حلال ؟! ما معنى كلمة عادي ؟ ما لها معنى ، ترتكب جميع المعاصي والوضع عادي ، طبيعي ، تظهر كل مفاتنها والطبيعي عادي ، كله عادي .
لذلك الشيطان يقول :

﴿ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾

بين أيديهم الآخرة ، يظن :

 

﴿ إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا ﴾

( سورة المؤمنين الآية : 37 )

والجنة هي في الدنيا ، الغني في جنة ، والفقير في جهنم ، أو الأشياء المستحدثة التي فيها فسق وفجور يرحب بها كثيراً ، مهرجانات الأعمال الفنية الساقطة يهتم بها كثيراً ، كل المعاصي والآثام المعاصرة يحفل بها ويعتني بها ، ويبين أنها حضارة ورقي ، ورقص الباليه شيء راق جداً مثلاً ، أو الفنون الجميلة حيث الصور عارية تماماً ، فن جميل ، يا أخي ، إن الله جميل يحب الجمال ، فكل شيء بين أيدي الحياة المعاصرة لو صادم الشريعة والحقيقة يحفل به .

﴿ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾

2 – وَمِنْ خَلْفِهِمْ

خلفه ذرية ، يرتكب المعاصي من أجل ذريته .
يا أهلي يا ولدي ، لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي ، جمعت المال مما حل وحرم ، فأنفقته في حله وفي غير حله ، فالهناء لكم والتبعة علي .
أندم الناس غني دخل ورثته بماله الجنة ، ودخل هو بماله النار ، ترك لهم مالاً يرثونه حلالاً ، هم أنفقوه في طاعة الله ، فدخل ورثته بمال أبيهم الجنة ، ودخل الأب بماله الغير مشروع النار .
لذلك مرة قرأت أربعة أدعية مؤثرة جداً :
اللهم إني أعوذ بك أي يكون أحد أسعد بما علمتني مني .
أنت تشرح حديثا شرحا دقيقا مع الأدلة ، مع التحليلات العميقة ، مع اللغة الناصعة ، لكنك لست مطبقاً له ، فيأتي إنسان بسيط أخذ المعنى ، وطبقه ، وسعد به ، اللهم إني أعوذ بك أي يكون أحد أسعد بما علمتني مني .
اللهم إني أعوذ بك أن أتزين للناس بشيء يشينني عندك .
يوم الجمعة ثياب بيضاء بالصيف ، أو بالشتاء ألوان مرتبة تمام ، ومعطر بالمسك ، هذا عطر العود غال ، وذاهب إلى الجامع ، لكن أين كان الخميس في الليل ؟ لا نعرف ، اللهم إني أعوذ بك أن أتزين للناس بشيء يشينني عندك .
اللهم إني أعوذ بك أن أقول قولاً فيه رضاك ألتمس به أحد سواك .
كلمة حق قيلت بالباطل ، كلمة حق أريد بها باطل .
وآخر دعاء :
اللهم إني أعوذ بك أن أكون عبرة لأحد من خلقك .
أي أكون قصة .
للتقريب : يمكن أن يكون في مسرحية ، خشبة مسرح ، فيها مقاعد للمشاهدين ، فالإنسان إذا كان له مقعد مع المشاهدين يرى ما على المسرح ، أما إن لم يكن مستقيماً سيجر إلى خشبة المسرح ، وسيعاقب أشد العقاب ، ثم يكون قصة للمشاهدين قال الله تعالى :

 

﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾

( سورة المؤمنون الآية : 44 )

إذاً :

﴿ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ ﴾

﴿ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾

الآخرة والمستجدات التي تتصادم مع الدين .

﴿ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾

الأولاد من أجل أولاده يكسب المال الحرام يطعمهم الطعام الحرام ، أو ما قبل الإسلام ، نعتني كثيراً بالفراعنة ، بالذين جاءوا قبل الإسلام بكثير نراهم هم التاريخ .

3 – وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ

﴿ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ ﴾

يأتيك من باب الطاعات ، فيقول لك : الصلاة غير صحيحة ، إذاً لا تصلي ، يقول لك : هذه ليست صلاة ، الصلاة بكاء ولا تبكي ، لا تصلي ، أنت لست مطبقا لكلام الشيخ ، فلا تذهب ، ناصحك ، كمثل مريض ، قال له : أنت مريض ، لا تستحي أن تذهب إلى الطبيب ، أنا أذهب إليه كي أشفى ، دائماً يمنعك عن مجلس علم ، ويقول لك : يأخذون اسمك ، مثلاً ، يمنعك عن مجلس علم ، يمنعك عن طاعة ، عن أداء عبادة ، عن عمل صالح عن دفع صدقة ، يخوفك دائماً ، هذه :

﴿ َعَنْ أَيْمَانِهِمْ ﴾

أو يدخلك بالوسواس ، الوضوء ما صح ، توضأ مرة ثانية ، مرة ثالثة ، مرة رابعة ، تشعر ببلل خفيف فالوضوء ما صح ، يدخلك بالوساوس المتسلطة ، هذه :

﴿ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ ﴾

4 – وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ

﴿ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ ﴾

المعاصي والآثام ، وأكبر شيء من صفات المنحرفين :

وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ

دائماً يتبرم ، دائماً يشكو ، دائماً يسخط ، كل شيء لا يعجبه ، يكون عنده بيت ، وعنده مركبة ، وعنده زوجة ، وعنده أولاد ، وله دخل ، السخط ، والتأفف والنقد من صفات التائهين عن الله عز وجل .
كان عليه الصلاة والسلام تعظم عنده النعمة مهما دقت ،

﴿ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾

أيها الإخوة ، النبي عليه الصلاة والسلام كانت تعظم عنده النعمة مهما دقت .
الآن الله عز وجل يقول :

 

﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾

( سورة إبراهيم الآية : 34 )

قال رجل لإنسان : خذ هذه الليرة وعدّها ، لا تُعَد ، المعنى أن النعمة الواحدة لو أمضيت كل حياتك في سبيل إحصاء بركاتها لا تستطيع ، ودائماً الإنسان عاجز عن شكر النعمة ، فلأن يكون عاجزاً عن شكرها من باب أولى .
بربك لو أنجبت مولوداً مباركاً ، وجاءتك مئة هدية ، إحصاء هذه الهدايا يتم في ربع ساعة ، أمّا تأدية ما يقابلها فتحتاج إلى وقت ، وإلى مال ، ونفقات كبيرة .
نحن عاجزون عن إحصاء النعمة الواحدة ، فلأن نكون عاجزين عن شكر النعم كلها من باب أولى .

﴿ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾

ثم إن الله سبحانه وتعالى يقول :

 

﴿ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾

( سورة الأعراف )

والتي بعدها :

 

﴿ وَيَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾

( سورة الأعراف )