الدرس : 10 - سورة الأعراف - تفسير الآيات 23 - 25

2007-03-02

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ

أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس العاشر من دروس سورة الأعراف ، ومع الآية الثالثة والعشرين ، وهي قوله تعالى :

 

﴿ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾

حقائق مهمة مستنبطة من الآية :

الحقيقة الأولى : العاصي لله ظالمٌ لنفسِه :

أيها الإخوة ، الحقيقة الأولى أن الإنسان حينما يعصي ربه هو في الحقيقة يظلم نفسه ، يحرمها من السعادة ، يحرمها من القرب ، يحرمها من التوفيق ، يحرمها من النجاح يحرمها من الأمن ، يحرمها من الحكمة ، يحرمها من الرضا ، يحرمها من تحقيق الهدف الذي خُلقت من أجله .

الحقيقة الثانية : العاصي لله خاسرٌ :

الذي يعصي الله خاسر ، ومستحيل ألف ألفِ ألْف مستحيل أن تعصيه وأن تربح ، ومستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر :

﴿ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا ﴾

أيْ يا عبادي :

(( أنا خلقت الخير والشر ، فطوبى لمن قدرت على يده الخير ، وويل لمن قدرت على يده الشر ))

[ أخرجه الطبراني في الكبير عن ابن عباس ]

الحقيقة الثالثة : الإنسان خَلَقه الله الخبير الحكيم :

الإنسان الذي خلَقه هو الخبير ، هو الصانع الحكيم ، هو الجهة الوحيدة التي تنبغي أن تتبع تعليماتها ، أنت حينما تقتني آلة غالية الثمن ، عظيمة النفع ، دقيقة الصنع ، ومعها تعليمات الصانع ، أنت انطلاقاً من حبك لذاتك ، من حرصك على سلامتك ، من حرصك على سعادتك تطيع تعليمات الصانع .

 

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ﴾

( سورة فصلت الآية : 46 )

الحقيقة الرابعة : الخطأ من طبيعة البشر :

﴿ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ ﴾

كأن الله سبحانه وتعالى حينما ركب الإنسان من عقل وشهوة طبيعي جداً أن يخطئ ، ولكن العار لا أن تخطئ العار أن تبقى مخطئاً ، ليس العار أن تكون جاهلاً ، ولكن العار أن تبقى جاهلاً .

الحقيقة الخامسة : التوبة النصوح تمحو الذنب :

إذاً : حينما أودع الله فينا الشهوات أودعها كي نسمو بها إلى رب الأرض والسماوات ، فلو زلت القدم فالصلح حاصل ، والتوبة ممكنة ، والعفو ممكن ، والمغفرة ممكنة ، والرجوع إلى الله ممكن .
عَنْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى :

(( يَا ابْنَ آدَمَ ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي ، يَا ابْنَ آدَمَ ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي ، يَا ابْنَ آدَمَ ، إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً ))

[ أخرجه الترمذي]

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾

( سورة الزمر الآية : 53 )

للتقريب : عند إنسان مركبة غالية جداً ، والمركبات بأربعين مليونًا ، أمسك مطرقة ، وكسر بلورها ، وثمنه مئة ألف ، مَن ضرّ ؟ مَن أغضب ؟ مَن استفز ؟ ضر نفسه ، وأغضب نفسه ، وخسر نفسه .

الحقيقة السادسة : أوامر الشرع ليست قيداً للحرية :

حينما تؤمن أن أوامر الشرع ليست قيداً لحريتك ، ولكنها ضمان لسلامتك ، العلاقة بين الأمر والنهي علاقة علمية ، أي علاقة سبب بنتيجة ، الأمر نفسه في نتائجه والنهي نفسه في نتائجه ، فإذا وضعت لك الحكومة لوحة أمام خط التوتر العالي ممنوع الاقتراب ـ دقق ـ من هو الأحمق ؟ الذي يريد أن يعصي التعليمات ، وهو يتأكد ليس هناك شرطي يراقبه ، التيار يعاقبك ، التيار يجعل المقترب منه فحمة سوداء بعد دقيقة ، وحينما تقول : هل أحد يراني ؟ تكون حمق ، لأن التيار نفسه يعاقب .
لو كنتَ تقود مركبة شاحنة تحمل مئة طن ، وصلت إلى جسر كُتب عليه : " الحمولة القسوة عشرة أطنان " ، الأحمق يتلفت ، هل هناك شرطة ؟ لا ، الموضوع أعمق من هذا ، الجسر سوف يخسف بك ، بعد قليل تكون في النهر .
حينما تؤمن أن العلاقة بين الأمر ونتائجه علاقة علمية ، أي علاقة سبب بنتيجة تأتمر انطلاقاً من مصلحتك ، تأتمر انطلاقاً من حبك لسلامتك ، تأتمر انطلاقاً من حبك لسعادتك ، من حبك لكمالك ، من حبك لطمأنينتك لذلك :

 

﴿ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾

( سورة البقرة )

هذا الفهم للدين ، فحينما ترى الأوامر والنواهي ليست قيداً لحريتك ، ولكنها ضمان لسلامتك تكون فقيهاً .

قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا

أيها الإخوة ،

﴿ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا ﴾

لكن لولا أن رحمة الله تمثلت في أنه تواب ، وفي أنه رحيم ، وفي أنه غفار الذنوب ، لكان وضع الناس صعب جداً ، لذلك قال العلماء : " ما أمرك أن تتوب إلا ليتوب عليك ، وما أمرك أن تستغفر إلا ليغفر لك ، وما أمرك أن تدعوه إلا ليجيبك " .

 

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾

( سورة النساء الآية : 27 )

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ﴾

( سورة البقرة الآية : 222 )

أيها الإخوة ،

﴿ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا ﴾

لمجرد أن تعترف لله ، يا رب لقد ظلمت نفسي ، يا رب اغفر لي ، يا رب سامحني ، يا رب اغفر زلتي ، يا رب ، استر عورتي ، يا رب ارحم ضعفي ، يا رب أقلّ عثرتي ، يا رب اغفر زلتي ، يقول العبد : يا رب لقد تبت إليك ، ويقول الله : عبدي ، لقد قبلت .

﴿ وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾

الله غفور ، ورحيم ، وتواب ، ورؤوف ، ويحبنا ، لذلك ورد في بعض الآثار القدسية :

((يا داود ، لو يعلم المعرضون انتظاري لهم ، وشوقي إلى ترك معاصيهم لتقطعت أوصالهم من حبي ، ولماتوا شوقاً إلي ، هذه إرادتي بالمعرضين فكيف بالمقبلين ))

[ ورد في الأثر]

قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ

﴿ قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾

1 – معنى الهبوط :

أيها الإخوة ،

﴿ اهْبِطُوا ﴾

هذه واو الجمع ، آدم وحواء وإبليس ،

﴿ اهْبِطُوا ﴾

هنا الهبوط انتقال من مرحلة عليا إلى مرحلة دنيا .

2 – طبيعة النفس في الجنة :

سيدنا آدم كان في الجنة يأكل ما يشتهي من دون أن يدخل الطعام إلى جوفه ، يستمتع بكل ما في الجنة من دون أن يتأذى بها ، أما في الأرض حينما أصبح جسمه محيطاً بنفسه فلا يستمتع بالشيء إلا إذا أدخله إلى جوفه ، وإذا أدخله إلى جوفه فهناك جهاز هضم ، وفضلات ، وبراز ، وإذا شرب فهناك بول ، لوجود دخول إلى الجسم ، وهناك نظام آخر ، نظام الجنة النفس محيطة بالجسم ، يمكن أن تأكل مليار تفاحة ، وأن تستمتع بطعمها دون أن تتأذى .
لذلك طبيعة الجنة من طبيعة خاصة ، وطبيعة الدنيا طبيعة خاصة .

﴿ اهْبِطُوا ﴾

كنت في حال :

 

﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ﴾

( سورة ق : الآية 35 )

في الجنة لمجرد أن تطلب شيئاً فهو أمامك ،

﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا ﴾

﴿ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾

( سورة الحاقة )

أما حينما عصى آدم ربه ، وأكل من التفاحة بدت لهما سوآتهما .
إذاً : الآية الكريمة :

﴿ قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾

3 – الإنسان مخلوق للعيش على الأرض :

﴿ اهْبِطُوا ﴾

من حالة ، لكن لئلا تتوهموا أن الإنسان مخلوق في الأصل للجنة ، ولولا معصيته لما كان في الدنيا ، هذا وهم غير صحيح ، قال تعالى :

 

﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾

( سورة البقرة الآية : 30 )

الإنسان مخلوق للدنيا ، ولكن حينما خلقه في الدنيا ، وكلفه حمل الأمانة ، أعطاه درساً بليغاً له ولذريته من بعده .

4 – طبيعة العيش على الأرض مقتضية للصراع :

حينما قال الله عز وجل قال :

﴿ قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾

دلّ على أن في الأرض صراعا ، وأنّ في الأرض حقًّا وباطلا ، وخيرا وشرًّا ، وجريمة ، وإحسانًا ، ورحمة وقسوة ، عدلا وجورا ، ومؤمنا وكافرا ، ومنافقا ، ومنتفعا بالدنيا ، ومؤمنا بالآخرة ، وإنسانا يتعلق بالقيم ، وإنسانا يتعلق بالمصلحة .
التصريحات دائماً : مصلحتنا فوق كل شيء ، في المصلحة غدر ، و نقض عهد ، وعدوان ، وحرب استباقية ، وجرائم تحت غطاء المصالحة ، أما المؤمن فهو إنسانُ مبدأٍ ، إنسان قيم ، إنسان أهداف نبيلة ، والكافر إنسان مصلحة ، إنسان حاجة ، إنسان ابتزاز .
إذاً : كلمة :

﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾

أي أنه لا بد من صراع في الأرض ، وكان من الممكن أن يعيش الطرف الآخر في كوكب آخر ، فلا حروب ، ولا صراعات ، ولا بدر ، ولا أحد ، ولا الخندق ، ولا فتح مكة ، كان من الممكن أن يعيش الكفار في كوكب آخر ، وكان من الممكن أن يعيشوا في قارة أخرى ، أو كان من الممكن أن يعيشوا في حقبة أخرى ، ولكن شاءت حكمة الله البالغة أنه أرادنا الله أن نعيش معاً على أرض واحدة ، مؤمن وكافر ، مستقيم ومنحرف ، رجل مبدأ ، رجل مصلحة ، صادق ، وكاذب ، هذا الاجتماع بين الطرف الأول والطرف الآخر من نتيجته الحتمية صراع مستمر .
إذاً : معركة الحق والباطل ـ دققوا ـ معركة أزلية أرادها الله ، لأن الحق لا ينمو إلا بالتحدي ، ولأن أهل الحق لا يستحقون الجنة إلا بالتضحية ، فقد أعطانا الله فرصة أن نضحي ، وأن نصارع ، وأن نتحمل العدوان ، والكفران ، والمعارضة ، والتآمر .

 

﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾

( سورة التوبة الآية : 71 )

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾

( سورة الأنفال الآية : 73 )

وطِّنوا أنفسكم أن معركة الحق والباطل معركة أزلية أبدية ، وأن هذه المعركة قدرنا ، والله عز وجل معنا ، ولن يترنا أعمالنا ، وهو يؤيدنا ، وينصرنا .

 

﴿ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ ﴾

( سورة محمد الآية : 4 )

كي نمتحن ، دخول هذا الصراع ثمن الجنة ، والذين وقفوا مع النبي عليه الصلاة والسلام ، والذين وقفوا ضده ، ما المصير ؟ النبي انتصر ، وأصحابه انتصروا ، وأصحابه في أعلى عليين ، والذين ناصبوه العداء في مزبلة التاريخ .
إذا ذكرنا أبا بكر نقول : رضي الله عنه ، إنه سيدنا ، إذا ذكرنا عمر : رضي الله عنه ، سيدنا ، وإذا ذكرنا عدو الله أبا جهل نقول : لعنه الله .

5 – إيَّاك أنْ تكون في خندق مُعادٍ للحق :

القضية واضحة جداً ، لذلك عد للمليار قبل أن تكون في خندق معادٍ للحق ، إن كنت في خندق معادٍ للحق فهل تعلم من الطرف الآخر ؟ الله عز وجل ، لذلك عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ قَالَ :

(( مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ ... ))

[ البخاري ]

إياك ، ثم إياك ، ثم إياك أن تكون في خندق مناهض للحق .
ما الدرس الذي تلقاه آدم ويجب أن تأخذه ذريته من بهده ؟ أن تجربة آدم عليه السلام في الجنة من أجل أن يعرف نتائج المعصية ، ومن أجل أن يعرف ما أعد الله له بعد الدنيا من جنة ، هذا نموذج ، والمعصية سبب الشقاء .
لذلك الدرس البليغ معنى الطاعة الجنة ، معنى المعصية الخروج منها ، معنى العداوة :

 

﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾

( سورة فاطر )

هذا الدرس لآدم عليه السلام ولأمته من بعده إلى يوم القيامة .

﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ﴾

وفي آية أخرى :

 

﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً ﴾

( سورة طه الآية : 123 )

فائدة : بين ( اهْبِطَا )و( اهْبِطُوا ) :

الآية

﴿ اهْبِطَا ﴾

موجهة لآدم عليه السلام ولأمنا حواء ، أما الآية :

﴿ اهْبِطُوا ﴾

موجهة إلى آدم عليه السلام وإلى أمنا حواء ، وإلى إبليس معاً ، لكن هذا الصراع ليس أبدياً ، الآن كم ملة في الأرض ؟ وكم دينا ، وكم طائفة ، وكم اتجاها ، وكم تيارا ، وكم عقيدة ، بالآلاف ، وكل فئة ، وكل طائفة ، وكل مذهب ، وكل دين يتوهم أنه على حق ، وأن الذين حوله على باطل ، من الذي يحكم بينهم في النهاية ؟ الله جل جلاله .

 

﴿ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

( سورة البقرة الآية : 113 )

﴿ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ﴾

﴿ قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ﴾

6 – كل شيء يُكشَف عند الموت :

الصراع ليس مستمراً ، الإنسان حينما يقترب من الموت تنكشف له الحقائق ، ينكشف له ما جاء به الأنبياء .

 

﴿ فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾

( سورة ق )

أؤكد لكم أن كل إنسان على وجه الأرض من أي دين ، من أي مذهب ، من أي اتجاه ، من أي طائفة ، حتى لو كان ملحداً ، حتى لو كان مجوسياً ، أي إنسان عند الموت تكشف له الحقائق ، أوضح دليل ، أكفر كفار الأرض الذي قال :

 

﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾

( سورة النازعات )

حينما أدركه الغرق قال :

 

﴿ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴾

( سور يونس الآية : 90 )

إذاً : خيارنا مع الإيمان خيار وقت فقط ، لا خيار قبول أو رفض ، إما أن نؤمن الآن ، ونحن في بحبوحة ، وأن ننتفع من إيماننا ، وإما أن نؤمن بعد فوات الأوان .

﴿ قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَر ﴾

وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَر

هناك أرض ، وعمر مديد ، وصيف وشتاء ، وربيع وخريف ، وطفولة وفتوة ، وشباب وكهولة ، وشيخوخة ، ثم الموت ، وهناك خير ، وشر ، وعمل صالح ، وعمل سيئ ، وحق وباطل ، وإخلاص وخيانة ، وعدوان وإحسان .

﴿ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَر ﴾

﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾

( سور الإسراء الآية : 84 )

اعملوا ما شئتم .

﴿ قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾

إذاً : الصراع مِن قدر الله ، وهذا قدرنا ، هذه مشيئة الله لنا ، أحياناً الصراع بين أخوين ، أو بين زوجين ، الزوجة تريد الدنيا ، والزوج يريد الآخرة ، بين شريكين ، بين صاحبين ، بين أسرتين ، بين عشريتين بين قبيلتين ، بين شعبين ، بين أمتين ، بين حضارتين ، هناك صراع .

﴿ قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ﴾

إلى حين الموت ، والموت يفصل بين الناس يوم القيامة ، والله عز وجل يفصل بين الناس يوم القيامة .

المعركة بين الحق والباطل بثمن باهظ :

أيها الإخوة ، هل هذه المعركة التي بين الحق والباطل معركة بثمن ، لا بلا ثمن ، بل بثمن فلكي ، بثمن باهظ ، حينما تأتي إلى الدنيا ، وتتجه نحو الحق ، وتتحمل عداوات الناس ، تتحول المكر ، والدهاء ، تتحول أحياناً الظلم ، لأنك مؤمن ، ماذا فعل أصحاب الأخدود ؟ ليس لهم ذنب إلا أنهم قالوا : ربنا الله ، فقط ، والآن المؤمنون في الأرض ما ذنبهم ؟ والله ولا نذب لهم إلا أنهم مؤمنون ، يقول لك : تطهير عرقي في البوسنة والهرسك ، تطهير عرقي ، مكافحة الإرهاب ، أيّ إرهاب هذا ؟ والله الإرهاب الذي نراه ممن يحاربون الإرهاب يفوق حد الخيال ، يمكن أن تكون نتائج حرب مليون قتيل ، وسلاح فسفوري ، وسلاح كيماوي وسلاح دمار شامل ، ولا شيء عليهم ، أما إذا دافع الإنسان عن نفسه تقوم الدنيا ولا تقعد ، عشرون ألف أسير ، ودُمر بلد بأكمله ، هذا الحق والباطل واضح جداً ، الآن الباطل قوي جداً ، المعركة أزلية أبدية ، هذه قدرنا .
لكن اسمعوا الجواب : هذه المعركة لها ثمن باهظ ، لها ثمن فلكي ، جنة عرضها السماوات والأرض ، إلى أبد الآبدين ، هذا هو الثمن ، لذلك :

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾

( سورة التوبة )

الله عز وجل يوضح قال فيها ، أي في الدنيا :

 

﴿ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾

( سورة الأعراف )

فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ

1 – الموت مصير كل حي :

الموت مصير كل حي ، هناك إنسان يولد فيفرح الأهل به فرحاً كبيراً ، الحمد لله انه سليم ، مرة قال لي أحدهم : إذا جاءك مولود سليم معه مليون ليرة ، قلت له : كيف ؟ قال لي : ابن ابنتي جاء الشريان محل الوريد في القلب ، العملية تكلف 400 ألف ليرة ، والمستشفى 300 ألف والنقل إلى بيروت 50 ألفا ، قال لي : دفعت 750 ألف خلال ساعة ، لكنه حين يأتي سليما ، الآن يربى ، ينظف ، ويفرح به الأهل ، وحين تخرجوا أسنانه يفرحون ، يدخل الحضانة ، كل ما جاء ضيف ينادون ليقرا الفاتحة ، دخل الابتدائي ، ثم الإعدادي ، ثم الثانوي ، أخذ شهادة ثانوية ، دخل الجامعة ، أخذ الجامعة ، نريد وظيفة ، الآن الهم الوظيفة ، أربع سنوات في الجامعة والمقرر صعب ، والأستاذ أسئلته غير متوقعة ، وهذا متآمر ... وإلخ ، يلقي تهم على الأساتذة جزافاً أنه هو مقصر ، يتخرج ليظهر موضوع العمل ، يجد عملا مناسبا ، يريد زوجة ، هذه طويلة ، وهذه قصيرة ، وهذه مدخل البيت غير مقدر ، وهذه الأم صعبة ، متاهة طويلة عريضة ، تزوج فما أنجب ، هل السبب منه أم منها ؟ الله يعلم ، ثم أنجب طفل الأنبوب ، الآن تبدأ أعراض في جسمه على أن يُعلَّق نعيُه .

 

﴿ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾

( سورة الانشقاق )

هذا طريق إجباري لكل الناس ، لذلك :

﴿ فِيهَا تَحْيَوْنَ ﴾

ما هو الموت ؟ بوابة خروج ، إذا كنت بالمطار في بوابة ـ كيت ـ من هنا تخرج من هذا البلد بوابة 23 ، الله عنده كثير بوابات ، بوابة السرطان ، بوابة حادث سير ، بوابة خثرة بالدماغ كلها بوابات ، هذا مرض الموت بوابة .

﴿ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ﴾

تصور رجلا في النعش ، أذن المؤذن ، فتح النعش وحُمل ، وُضع في حفرة ، والله مرة حضرت تشييع جنازة المتوفى ـ رحمه الله ـ أعرف عنه قصصا على نظافته ، وعلى أناقته ، على أناقة بيته ، وجمال بيته ، وأناقة أجهزته ، وفرشه ، شيء يفوق حد الخيال ، البلاطة التي يسد بها القبر أقلّ من الفتحة بعشرة سنتيمترات ، فوضعوا أحجارا بشكل عشوائي ، وأهالوا التراب ، وقد نزل فوقه كيلوين من التراب ، سبحان الله .
أعرف رجلاً ثانيا ما شاء الله له معامل ، ومؤسسات ، وأموال منقولة ، وغير منقولة ، وبيت بأرقى أحياء دمشق ثمنه 110 ملايين ، وبيت بالمصيف ، وبيت على البحر ، وكل سنة رحلة في العالم ، فتح القبر بأيام مطيرة ، خرج منه مياه سوداء ، فلتت مياه المجاري عليه ، ابنه مهندس ، سألوه ، فقال : ضعوه ، ماذا نفعل ؟ يقول لي مدير معمله : ما أكلت أسبوعا ، هنا وضعوا معلمي ؟ .

﴿ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ ﴾

2 – الحياة زمن مؤقت :

لذلك البطولة أن تعد للقبر ، هذا البيت مؤقت مهما اعتنيت به البيت موقت ، مهما اعتنيت به ، اسأل كم من إنسان كسا البيت لسنتين ، وما سكن فيه ، والبناء بأرقى أحياء دمشق في سبعة طوابق ، ولا سكن واحد بالبيت ، كلهم مات قبل استلام البيت ، البيوت كلها فارغة ، البيت الواحد بمئة مليون .

﴿ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ﴾

كل بطولتك أن تعد للقاء الله ، العمل الصالح ، الاستقامة ، الصلة بالله ، خدمة الناس ، الإخلاص ، إنفاق المال ، تربية الأولاد ، نشر الحق ، هذا كل بطولتك ، وأنت الغني الحقيقي .
إخواننا الكرام ، الغنى غنى العمل الصالح ، فقط ، هذا الغنى الحقيقي ، حجمك عند الله بحجم عملك الصالح .
والله كنت مرة بحلب فأطلعوني على أرقى أحياء حلب ، والحقيقة أن هناك أبنية يصعب وصفها ، مهندسون أجانب ، والقصة في السنوات 74 قديمة جداً ، رأينا بيتا كل الرخام فيه أونكس ، هذا أرقى أنواع الرخام ، القصة لما كانت الليرة السورية 3 ليرات تساوي دولارا ، فصاحب هذا البيت صاحب ذوق رفيع المستوى جداً ، فتوفي في الثانية والأربعين ، في وقت مبكر بمرض عضال ، ولحكمة أرادها الله كان طويل جداً ، والقبر كان أقصر من قامته ، فلما وضع في أرض القبر دفعه الحفار في صدره حتى صار مائلا ، لا إله إلا الله ، من قصرٍ الآن يساوي 700 مليون ، صاحب هذا القصر كان القبر أقصر من طول قامته ، فكان بوضع خاص .
الموت عبرة ، الموت أكبر عبرة لنا جميعاً ، فأنت كطالب علم ، لك أن تنال شهادة ، وأن تعمل ، وأن تتزوج ، لكن لا تنسى أن الله ينتظر عملك الصالح ، وأن البطولة أن تلقى الله ، وأنت مستقيم على أمره ، وأنت محسن إلى خلقه ، وأن مالك حلال .

﴿ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ﴾

لذلك :

(( أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَادِمِ اللّذّات ))

[ رواه مُحَمّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِــي سَلَمَةَ عَنْ أَبِــي هُرَيْرَة ]

مفرق الأحباب ، مشتت الجماعات .

(( عش ما شئت فإنك ميت ، وأحبب من شئت فإنك مفارقه ، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ))

[ أخرجه الشيرازي ، والحاكم ، والبيهقي ، عن علي ]

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ ، يَعْنِي الْمَوْتَ ))

[ أخرجه ابن ماجه]

ألا وإن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود والتزود بسكنى القبور ، والتأهب ليوم النشور .

3 – هل لك جواب عن سؤال الله ؟

قبل أن تتكلم قبل أن تغضب ، قبل أن ترضى ، قبل أن تبتسم ، قبل أن تتجهم قبل أن تعطي ، قبل أن تمنع ، قبل أن تصل ، قبل أن تقطع ، هل هذا العمل يرضي الله ، لو أن الله سألني لماذا طلقتاها ؟ معك جواب ؟ لماذا أعطيت ابن فلانة التي هي زوجتك بيتاً ، ولم تعطِ ابن الزوجة الثانية ؟
" إن الرجل ليعبد الله ستين سنة ثم يضر بالوصية فتجب له النار " .
قبل أن تخص الذكور بمالك وتحرم البنات ، هل معك لله جواب ؟ قبل أن تخرج شريكك من الشركة ، وله حق فيها مثلك ، لكن المحل باسمك ، أنت أقوى منه ، فأخرجته وضايقته ، وأهنته ، قال لك : نفك الشركة ، أعطيته ، والمحل بقي لك ، قبل أن تفعل هذا هل هيأت لله جوابا ؟ قبل أن تطلق هذه المسكينة التي قبلت بك فقيراً ، وعاشت معك على المر والحلو ، فلما تضخمت مكانتك ، وازداد مالك أهملتها ، وتزوجت غيرها ، ولم تعبأ بها ، هل هذا جزاء الإنسان ؟ هل عندك جواب عن كل شيء تفعله ؟ هذا المبلغ الذي أخذته هل يرضى الله عنه ، هل أخذته حلالاً .
إخواننا الكرام :

 

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

( سورة الحجر )

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( لَيَأْتِيَنَّ عَلَى الْقَاضِي الْعَدْلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَاعَةٌ يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي تَمْرَةٍ قَطُّ ))

[ أخرجه أحمد في مسنده]

هناك رجل في مصر غني جداً وتوفي ، سمع أولاده من بعض العلماء أن أول ليلة هي أصعب ليلة ، فرَجَوْا إنسانا فقيرا يموت من الجوع ، قالوا له : خذ عشر جنيهات ، ونمْ معه أول ليلة ، مبلغ كبير له ـ طبعاً القصة رمزية لا تصدقوها ـ جاء منكر ونكير فوجدوا اثنين ، سمع صوتا فحركوا رجله ، هذا حي ، وليس ميتا ، تعال نبدأ فيه ، أجلسوه ، مِن شدة فقره كان لابسا كيس خيش ، فتحه من فوق ليخرج رأسه منه ، ومن أطرافه نبقت يديه ، وربطه بحبل بدؤوا بالحبل : مِن أين أتيت به ؟ قال لهم : من بستان ، تركوا البستان ، كيف دخلت البستان ؟ ما عرف كيف يجيب ، الآن كيف دخل ، بعدها الحبل ، بعدها كيس الخيش ، هذا بعد التحقيق والقتل والضرب صباحاً خرج من القبر ، وقال : الله يعين أباكم .

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

الآية أوضح :

 

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ *وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾

( سورة الزلزلة )

هذه الآية تكفي ، جاء أعرابي إلى النبي الكريم فقال له : عظني ، ولا تطل ، فتلا عليه هذه الآية ، فقال كفيت ، فقال عليه الصلاة والسلام : فقه الرجل ، أصبح فقيهاً .
أعرابي راعي غنم بسيط ، ثقافته محدودة ، ما عنده كمبيوتر ، ولا عنده مكتبة ضخمة ، ولا حضر مؤتمرات إطلاقاً ، وثقافته محدودة ، قال له ابن سيدنا عمر : بعني هذه الشاة ، وخذ ثمنها ، قال : ليست لي ، قال له : قل لصاحبها : ماتت ، أمرٌ سهل جداً ، قال ليست لي ، قال له : خذ ثمنها ، قال : ليست لي ، قال له : خذ ثمنها ، قال له : والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها ، ولو قلت لصاحبها : ماتت ، أو أكلها الذئب ، فصدقني ، فإني عنده صادق أمين ، ولكن أين الله ؟ هذا الراعي وضع يده على جوهر الدين ، وهذا هو الفقيه .
إذا قلت : أين الله فأنت مؤمن وربِّ الكعبة ، لما تؤدي الحقوق ، تقوم بواجباتك ، تأخذ الذي لك فقط ، أنت مؤمن ورب الكعبة ، أما الآن فهناك مظاهر دينية صارخة ، وأكل مال حرام مخيف ، هذه المشكلة .
في درس قادم إن شاء الله نتابع قوله تعالى :

 

﴿ يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾