برنامج نوافذ - الندوة : 1 - لقاء خاص - علوم القرآن وأهمية الإعجاز .

2016-01-08

مقدمة :

المذيع:
 أهلاً ومرحباً مشاهدينا الكرام إلى نوافذ، دكتور أنا سألتك عن تعريفك فعرفت لي الإنسان، وعدت تتحدث عن الإنسان وليس عن الدكتور محمد راتب النابلسي، و قد عرفت عنكم أنك متعلق بالقرآن، وتفسير القرآن، وحتى في تعريفك ربطت الإنسان بالقرآن، والكون بالقرآن الكريم. حضرتك دارس للغة العربية وخريج دار المعلمين، لماذا القرآن وتفسير القرآن دون غيره من العلوم الشرعية واللغة العربية وغيرها؟

القرآن منهج تفصيلي فيه سعادة و استمرار و سلامة الإنسان :

الدكتور راتب:
 أنا لعلي انطلقت دون أن أشعر إلى أن القرآن الكريم ثابت، وقطعي الثبوت، وهناك أشياء ظنية الثبوت، فإن شرحتها وكان الحديث ضعيفاً تقوم عليك الدنيا، فالقرآن نص قطعي الثبوت، ومعظم آياته قطعية الدلالة، وهو كما قيل: الكون قرآن صامت، والكون قرآن صامت، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي.
 فهذه الإسقاطات التي تفضل الله بها عليّ وقد وفقت في إسقاطات الآيات على واقعنا، ماذا يعنيني من كتاب الله؟ أنا يعنيني حياتي اليومية، يعنيني أسرتي، يعنيني أولادي، يعنيني إتقان عملي، فأنا حين أُسقط الآيات القرآنية على واقعنا، وعلى مشكلاتنا، وعلى طموحتنا، وعلى دقائق حياتنا، هذا القرآن منهج تفصيلي. قال الله تعالى:

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾

[سورة الأنفال:33]

 هذا القرآن منهج الله عز وجل، فأنا أشبه نفسي بآلة بالغة التعقيد وهو الإنسان، وهو أعقد آلة في الكون، وهذا التعقيد تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز، ولهذه الآلة بالغة التعقيد صانع عظيم، ولهذا الصانع العظيم تعليمات التشغيل والصيانة، فانطلاقاً من حرصي وحرص أي مخلوق في الأرض أو أي إنسان على سلامته وسعادته، يجب أن يتقيد بتعليمات الصانع، أنت حينما تشتري أي آلة بالغة التعقيد، عظيمة النفع، غالية الثمن، أنت دون أن تشعر بعقلك الباطن أول شيء تقرؤه تعليمات الصانع، لأن الجهة الصانعة هي الجهة الوحيدة التي يجب أن تتبع تعليماتها، وأنا حينما رأيت أن في الدين ملايين الكتب، أما هذا الكتاب كتاب الله وفضل كلام الله على كلام خلقة كفضل الله على خلقه، فلأنه كلام الله، لأن هذا القرآن منهج ثابت، أنا كإنسان أعقد آلة في الكون تعقيد إعجاز، ولهذه الآلة بالغة التعقيد صانع عظيم، ولهذا الصانع العظيم تعليمات التشغيل والصيانة، فانطلاقاً دقق هناك سبعة مليارات ومئتا مليون في الأرض لا يوجد منهم واحد إلا حريص على سلامته - من يحب المرض؟ من يحب القهر؟ من يحب الفقر؟ -وعلى سعادته- من لا يحب أن تكون له زوجة صالحة وأولاد أبرار وبيت واسع وحرفة راقية؟- حريص على سلامته وعلى سعادته وعلى استمراره، من لا يحب ألا يعيش مئة سنة؟ - يحب السلامة والسعادة والاستمرار. القرآن الكريم بمنهجه التفصيلي يحقق للإنسان أهدافه الدنيوية بأكملها بأعلى درجة، يحقق له سلامته لأنه آلة معقدة، والله الصانع، فأنت حينما تطبق تعليمات الصانع يحقق لك سعادتك، لأن الله عز وجل ذات كاملة، أي الذات الكاملة ذات رحيمة، ذات عليمة، ذات حكيمة، فأنت حين تتصل بالذات الكاملة تشتق من كمالها كمالاً، فلا يمكن للمؤمن أن يكذب ولا أن يحتال ولا أن يغش، هذا شيء يتناقض مع هويته، فاذا قلت: مؤمن أي مستقيم، أي متبع لتعليمات الصانع، أي يبحث عن عمل صالح، كيف أن الإنسان يستيقظ يبحث عن عمل ليقتات منه، المؤمن قوته الحقيقي العمل الصالح، والدليل:

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾

[سورة الأحقاف:19]

المذيع:
 ما شاء الله! دكتور بعض كتاباتك أنت متأثر بغيرك أيضاً، من بغيرك من المفسرين؟ أحد هذه الكتابات كلمات مضيئة، ولقاءات مثمرة مع فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي، و هذا الكتاب توقفت فيه عند أشياء تكلم فيها الشيخ الشعراوي رحمه الله.

 

توفيق الشيخ الشعراوي في التفسير :

الدكتور راتب:
 أنا التقيت معه مرتين وهذا اللقاء مسجل، أفرغت هذا التسجيل ونقحته فكان هذا الكتاب.
المذيع:
 الشيخ الشعراوي كرجل كان مفسراً من علماء التفسير إذا أردنا أن نسألك كيف رأيت الشعراوي؟
الدكتور راتب:
 والله أنا رأيت الشعراوي وفّق توفيقاً كبيراً في التفسير، لأنه أول شيء بسط التفسير، والبساطة ليست سهلة، البساطة تحتاج إلى قدرات عالية جداً، وعقلنه أي ما جعل التفسير يناقض العقل.

ضرورة التطابق التام والحتمي بين وحي السماء وكلام الله :

 أنا عندي وحي، وعندي عقل، مصدر الوحي هو الله، ومن صانع العقل؟ هو الله، أي اذا كان هناك شيئان يساويان شيئاً واحداً فهما متساويان، هذا في الرياضيات، فما دام الإله مصدر هذا القرآن، ومصدر هذه القوانين، فلا بد من التطابق التام والحتمي بين وحي السماء وكلام الله، بل كما قيل قبل قليل: القرآن كون ناطق، والكون قرآن صامت، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي، وما لم ير المسلمون اليوم إسلاماً يمشي على قدمين، يرون طهره، يرون عفته، يرون أمانته، يرون إتقان عمله ، ما لم ير الناس إسلاماً يمشي لأن الكتب شيء، والقدوة الحسنة شيء آخر، مادام النبي قدوة لنا، الآن النبي ارتحل إلى ربه، لابد في العصر من إسلام يمشي أمامك، إن حدثك فهو صادق، إن عاملك فهو أمين، إن استثيرت شهوته فهو عفيف، لما سأل النجاشي سيدنا جعفر عن هذا الدين قال: "أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، و ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الرحم، ونسيء الجوار، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرفه ونعرف أمانته وصدقه وعفافه ونسبه، أي إن حدثك فهو صادق، إن عاملك فهو أمين، إن استثيرت شهوته فهو عفيف" ويأتي النسب تاج يتوج هذه الثلاثة، فهذا هو المنهج، وأنا أقول دائماً: لو فهم الصحابة الكرام الدين كما نفهمه نحن والله ما خرج من مكة، أما أن يصل إلى الصين، إلى جنوب باريس، فمعنى هذا أن هناك تطبيقاً.
المذيع:
 إذا أسأنا نحن الفهم، دكتور لو انتقلت إلى نافذة أخرى وهي لديك كتاب "الرد على البابا" وهو كتاب قد يثير جدلاً واسعاً، وتناقضاً صارخاً في بعض الأوقات، وخاصة أنك كنت دائم الحديث عن أسماء الله الحسنى وعن القرآن و وعن التفسير وومضات الإسلام وغيرها من الكتب، والتأليف، وإلقاء الدروس والمحاضرات، لماذا كان الرد على البابا؟؟

ضرورة الرد على من يتهم الإسلام و النبي الكريم :

الدكتور راتب:
 لأن البابا الذي رددت عليه اتهم الإسلام والنبي الكريم في حديث مطول، لابد أن أرد عليه مستحيل أن أبقى ساكتاً.
المذيع:
 على مر العصور الباباوات والحاخامات يتهمون الإسلام.
الدكتور راتب:
 اتهام صارخ واتهام جعل من هذا الدين العظيم دين مزاجي، ودين كيفي، ودين بلا منهج.
المذيع:
 سأنتقل دكتور إلى مسألة أخرى وهي تخص الواقع الذي تعيشه الأمة وتنزيله على القرآن الكريم، حضرتك قلت: لو فهم الناس أيام كان النبي الكريم موجوداً الدين كما هو الآن لما خرج من مكة إذاً ما هو وقعنا؟

تطبيق منهج الله و ليس الاعتزاز به فقط :

الدكتور راتب:
 واقعنا سيئ جداً، هذا الدين نعتز به، أنا أسميه المدح السلبي، أعتز به ولا أطبقه، نقول: نحن أمة الوحيين، نحن أمة سيد الأنبياء، نحن نحن نحن، لكن دقق:

﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾

[ سورة المائدة: 18]

 كما نقول نحن جاء الرد الإلهي قل:

﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

[سورة المائدة : 18 ]

 سيدنا سعد بن أبي وقاص كان خال النبي الكريم إذا دخل عليه يقول النبي الكريم:

(( هذا خالي ، فَلْيُرِنِي امرُؤٌ خالَه ))

[الحاكم في المستدرك عن جابر]

 ما سدد النبي الكريم في حياته كلها صحابياً كما سدد سيدنا سعد قال:

(( يا سعد ارم فداك أبي وأمي ))

[ ابن ماجه وأحمد عن علي ]

 أي كان هذا الصحابي في أعلى درجة، وتوفي النبي الكريم - استمع إلى ما قاله له سيدنا عمر- قال له: يا سعد لا يغرنك أنه قد قيل خال رسول الله، فالخلق كلهم عند الله سواسية ليس بينهم قرابة إلا طاعتهم له، هذا النص دقيق جداً، لا علاقة للأصل ولا للنسب ولا للمكانات العامة، هناك منهج إن طبقته فأنت على العين والرأس.
المذيع:
 الخيرية إذاً لهذه الأمة بعملها؛ كنتم خير أمة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله.

 

خيرية هذه الأمة بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر :

الدكتور راتب:
 أما هذا النص فهو رائع جداً:

(( كيف بكم إذا لم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر؟- الصحابة صعقوا- قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله؟ قال: وأشد منه سيكون ، قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟ -صعقوا صعقة أشد- قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله؟ قال: وأشد منه سيكون ، قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف بكم إذا أصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً ؟))

[ ابن أبي الدنيا وأبو يعلى الموصلي في مسنده عن أبي أمامة]

 هذا عصر تبدل القيم، شاعر يدخل السجن بعهد سيدنا عمر لهذا البيت الذي عدّ أهجى بيت قالته العرب:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها  واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
***

 هذا شعار كل مسلم اليوم، هذا البيت الذي دخل الشاعر فيه إلى السجن الآن شعار كل إنسان، مادام بيتك ملكك، دخلك جيد، زوجتك تروق لك، عندك أولاد، لا تهتم بشيء آخر.
المذيع:
 دعني أقف عند جزئية تفسير القرآن الكريم المبسطة، المدرسة التي قلت إنك تتبناها وتؤيدها مدرسة الشيخ الشعراوي رحمه الله، ولكن هذه المدرسة هذه المرة في الشام، والشام لها باع طويل في تفسير القرآن الكريم من علماء منذ زمن طويل. ما الجديد لدى علماء القرآن وتفسير القرآن في هذا العصر؟ هل القرآن كما يقول البعض لا يزال متجدداً في تفسيراته؟ أي إذا كنا نتحدث عن ألف وأربعمئة عام مضت علماء تعاقبوا على هذه الحقبة ما الذي سيضيفه المفسرون الجدد؟؟

 

الجديد في تفسير القرآن في هذا العصر :

الدكتور راتب:
 بسم الله الرحمن الرحيم، صياغة القرآن صياغة إعجازية حينما يقول الله عز وجل:

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾

[سورة الطارق:11]

 يوجد معنى مألوف سهل بسيط أن بخار الماء يصعد إلى السماء يرجع مطراً، هذا المعنى يتناسب مع مرحلة زمنية معينة، فلما اكتشفت الموجة الكهرطيسية التي تبث في الأرض وهناك طبقة في السماء اسمها الأثير تردها إلى الأرض، ولولا هذه الطبقة ما كان هناك بث تلفزيوني او إعلامي إطلاقاً، لأن الإذاعة والتلفزيون موجات كهرطيسية تبث من الأرض فلو لم تكن هناك طبقة اسمها الأثير تردها إلى الأرض لما كان هناك بث إذاعي إطلاقاً. إذاً هناك معنى آخر للسماء ذات الرجع، الموجات الكهرطيسية يردها الأثير إلى الأرض. ثم مع تقدم علم الفلك تبين أن كل كوكب يدور حول كوكب آخر، ويرجع إلى مكان انطلاقه النسبي، الصفة الشاملة الجامعة للكون أن الكون كواكب، وهذه الكواكب تتحرك حول كواكب أخرى، وترجع إلى مكان انطلاقها الأساسي، فكيف أن هذه الآية بكلمات عدة غطت تطور العلم كله من رجوع بخار الماء مطراً إلى رجوع الموجة الكهرطيسية إلى الأرض إلى رجوع كل كوكب يدور حول كوكب آخر إلى مكان انطلاقه الأساسي، فالقرآن معجز.
 رواد الفضاء عندما صعدوا إلى الفضاء، أول رحلة فضائية قبل عشرين عاماً أبولو ثمانية، صاح رائد الفضاء بأعلى صوته: لقد أصبحنا عمياً لا نرى شيئاً بعد مرحلة من انطلاق المركبة، وكان أحد كبار علماء الفلك المصريين فاروق الباز في القاعدة في فلوريدا، ماذا تعني هذه الكلمة؟ الحقيقة لما تجاوز رواد الفضاء طبقة الهواء دخلوا في الفضاء الخارجي، لا يوجد هواء، ولأنه لا يوجد هواء لا يوجد انكسار ضوء، فأشعة الشمس تسلط على ذرات الهواء هذه الذرات تعكسها إلى مكان آخر، هذا اسمه: تناثر الضوء، فلما تجاوز رواد الفضاء طبقة الهواء كلها انعدم تناثر الضوء. ممكن أن نفتح القرآن قبل ألف وأربعمئة عام:

﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾

[سورة الحجر:14-15]

 آية قرآنية قبل ألف وأربعمئة عام، والشيء الذي لا يصدق، والشيء المحير أن هذا النبي العظيم في أي موضوع ولا أبالغ له مئتا حديث تقريباً، أو أربعمئة حديث، إلا في الآيات الكونية، في القرآن ألف وثلاثمئة آية ولا يوجد حديث واحد، لماذا؟ لعلي أجتهد في التفسير، لو أن النبي الكريم شرح هذه الآيات الكونية بشرح مبسط يفهمه من حوله لأنكرنا عليه نحن هذا التفسير، ولو شرحها شرحاً موسعاً كما هي عليه الآن وهو آتاه الله العلم لكفر به من حوله، وكأن الله بطريقة أو بأخرى إما بتوجيه إلهي أو باجتهاد من النبي لم يشرح هذه الآيات إطلاقاً، كل آية تركت لزمنها، بعد مثلاً مرور مئة عام على علم الأجنة يتبين أن الذي يحدد جنس المولود ليس البويضة أبداً الحوين فقط، تفتح القرآن:

﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾

[سورة النجم:45-46]

 آية واضحة. بعد اكتشاف أشعة الليزر قيست بها المسافات بدقة بالغة، ترسل الأشعة تصطدم بشيء صلب وترجع تقسيم اثنين المسافة، فقيس بعد الأرض عن القمر بدقة بالغة جداً، وقيس غور فلسطين الذي وقعت فيه معركة الفرس والروم فوجد أنه أخفض نقطة على الإطلاق بعد اكتشاف أشعة الليزر، الآية تقول:

﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾

[سورة الروم2-3]

 إذاً المكان البعيد في الأرض:

﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾

[سورة الحج:27]

 المعنى بعيد لكن الآية عميق، لأن الأرض كرة فحينما يمتد الخط على الكرة يصبح دائرة صار عميقاً، ما هذه اللقطة؟! عميق ما قال بعيد. أي هناك الكثير من الأشياء الدقيقة جداً.
المذيع:
 إذاً دكتور أنتقل معك إلى جزئية الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، البعض يقول: الكلام في القرآن بالعقل وبالنظريات العلمية شيء يتجدد، اليوم اخرج وانتصر لهذه النظرية العلمية بالآيات ثم يأتي العلم فيكذب هذه النظرية وكأنه يكذب القرآن فلماذا ندخل القرآن ونقحمه...؟

الإعجاز العلمي قد يكون معولاً لتهديم الدين :

الدكتور راتب:
 الرد على ذلك، أن الإعجاز العلمي قد يكون معولاً لتهديم الدين حينما تأتي بمقولة علمية وتربطها بآية قرآنية، الطرف الآخر يراها فرصة ذهبية أن ينقض لك هذه المقولة العلمية وبالتالي نقضت الآية، لذلك أنا لي كتاب في الإعجاز العلمي وضحت فيه في مقدمة طويلة جداً منهج الإعجاز، الإعجاز العلمي أي أن تكون المقولة العلمية قانوناً لا يختلف عليه اثنان في الأرض، كأن تقول مثلاً: المعادن تتمدد بالحرارة، فإذا بلغت المقولة العلمية مستوى القانون القطعي الذي لا يختلف عليه اثنان في الأرض، و كانت الآية الكريمة قطعية الدلالة، كان التطابق عفوياً وتاماً، فهذا هو الإعجاز، لأن كل نبي عندما أرسله الله عز وجل لابد أن يشهد الله له أنه نبيه، كيف تكون هذه الشهادة؟ عن طريق خرق نواميس الكون، سيدنا موسى ضرب البحر فأصبح طريقاً يبساً، سيدنا عيسى أحيا الميت ، سيدنا إبراهيم ألقي في النار فلم يحترق ، هذه معجزات حسية، هذه المعجزات الحسية جاء بها الأنبياء السابقون إلا أنها كتألق عود الثقاب تتألق وتنطفئ وتصبح خبراً، يصدقه من يصدقه، ويكذبه من يكذبه ، هذا شأن المعجزات الحسية للأنبياء السابقين، لكن كل نبي سيأتي بعده آخر ولكل قوم هاد ، أما لأن النبي خاتم الأنبياء والمرسلين، ولأن بعثته خاتمة البعثات، ولأن رسالته خاتمة الرسالات، ولأن كتابه خاتمة الكتب، فلابد من أن تكون المعجزة مستمرة، ولا تكون مستمرة إلا إذا كانت علمية، فعندنا ألف وثلاثمئة أية في القرآن بالضبط تتحدث عن الكون والإنسان، هذه الآيات هي شهادة الله لهذا النبي أنه نبيه، حقيقة الآن كشفت، إذاً القرآن من ألف وأربعمئة عام، معنى ذلك أن من خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن.
المذيع:
 دكتور إذا كنت ممن يرون أن الإعجاز العلمي مستمر، أو هو جزء من إعجاز القرآن الذي سيستمر إلى قيام الساعة لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء والمرسلين، ولكن البعض يقول: إنه يساء استخدام هذا الإعجاز العلمي بإدخال أرقام وحسابات وكل نظرية وكل مقولة، والبعض يتم نقضه بالفعل علمياً، وبالتالي يشكك بالقرآن أنه غير مطابق للعلم، وأنه نص قرآني، ويخرج بعض العلمانيين يقول لك: هذا مختص بزمان محمد وببادية محمد وليس بالعصر الحديث ولا بالعلوم ولا بالتكنولوجيا.

الأدلة التي تؤكد وجود الله ووحدانيته وكماله لا تعد ولا تحصى :

الدكتور راتب:
 أولا: الإيمان قرار إن اتخذه الإنسان أقسم لك ولا أبالغ أن مليار موضوع يدله على الله، إذا اتخذ قراراً بأن يؤمن، أما إذا اتخذ قراراً بأعماق نفسه بألا يؤمن مهما قدمت له من أدلة الطريق مسدود، فأنت حين تتخذ قراراً أن تؤمن والله مليار موضوع يدلك على الله ، لذلك النبي الكريم نظر إلى الهلال قال: "هلال خير و رشد" بمعنى أن أي شيء خلقه الله له مهمة نفعية ومهمة إرشادية، ولعل الغرب استفادوا من المهمة الأولى انتفعوا من الخلق إلى أعلى درجة، أما الناحية الإرشادية فأهملوها، ونحن نهتم بالاثنتين معاً إن شاء الله، فنحن الأدلة التي تؤكد وجود الله ووحدانيته وكماله لا تعد ولا تحصى، الله قال:

﴿وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾

[سورة الذاريات:20]

 لمن أراد اليقين، الآن أي شيء يدلك على الله حتى " البعرة تدل على البعير، والأقدام تدل على المسير، أفسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج ألا تدلان على الحكيم الخبير؟". سيدي الآية دقيقة:

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾

[سورة البروج :1]

 الأرض في دورتها حول الشمس تمر باثني عشر برجاً، أحد هذه الأبراج برج العقرب، أنا كنت في أمريكا ودخلت إلى مظلة سماوية مصطنعة فيها خمسمئة آلة تصوير تقريباً للسماء، هذه النجوم مرسومة على شاشة، الآن الصورة حقيقية، الأبراج بين النجوم خطوط لما وصلنا خطوطاً بين نجوم البرج الواحد ظهر عقرب، فعلاً شيء لطيف جداً، برج العقرب فيه نجم صغير أحمر اللون متألق اسمه قلب العقرب، الآن الشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة، والأرض بعدها عن الشمس مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر، أي هي تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة، أي مليون وثلاثمئة ألف أرض تدخل في جوف الشمس وبينهما مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر، وفي برج العقرب نجم صغير متألق يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما، هذه معلومات من أوسع موسوعة علمية أميركية ( لايف) موسوعة ضخمة جداً أنا اقتنيت ترجمتها العربية من دار الأهرام في القاهرة، وكل معلوماتي العلمية منها أي أعلى موسوعة علمية في الأرض.
 الآن الشيء الدقيق جداً أن هذا النجم يتسع للشمس والارض مع المسافة بينهما، هذا الإله العظيم يعصى!؟ ألا يخطب وده؟ ألا ترجى جنته؟ ألا تخشى ناره؟ قال الله تعالى:

﴿وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾

[سورة الذاريات:20]

﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾

[سورة يونس:101]

 أخي الكريم؛ الأرض تدور حول الشمس دورة كل سنة، الآن هو المسار إهليلجي بيضوي ما معنى بيضوي؟ أي له قطران؛ قطر أطول وقطر أقصر، الأرض بالأطول تتجه نحو القطر الأصغر بحسب قانون الجاذبية المتعلق بالكتلة والمسافة، فلما قلت المسافة تزداد الجاذبية إذاً هناك يقين أن الأرض عندما تصل القطر الاصغر يجب أن تنجذب إليه، وإذا انجذبت الأرض إلى الشمس تبخرت الأرض في ثانية واحدة، ما الذي يمنع الانجذاب؟ قال: ترفع سرعتها لينشأ من رفع السرعة قوة نابذة تكافئ القوة الجاذبة فتبقى على مسارها:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾

[سورة فاطر:41]

 هنا الزوال الانحراف، لو أن الأرض انحرفت نحو الشمس لانجذبت إليها فتبخرت في ثانية واحدة، وتنتهي الحياة، تتابع الأرض سيرها فتصل إلى القطر الأطول مع طول المسافة تضعف الجاذبية، إذاً هناك احتمال يقيني أن تتفلت الأرض من جاذبية الشمس، وإذا تفلتت أصبحت الحرارة مئتين وستين تحت الصفر، تنتهي الحياة مرتين؛ مرة إذا انجذبت إليها، ومرة إذا تفلتت من جاذبيتها، يد من ترفع سرعتها هنا وتخفض سرعتها هنا!؟ دليل قطعي.
 أقرب نجم ملتهب بعده عنا أربع سنوات ضوئية، الضوء يقطع في الثانية ثلاثمئة ألف كيلو متر، بالدقيقة ضرب ستين، بالساعة ضرب ستين، باليوم ضرب أربع وعشرون، بالسنة ضرب ثلاثمئة وخمسة وستين، أربع سنوات ضرب أربع، ابنك الصغير بدقيقة مع آلة حاسبة يحسب لك هذه المسافة، لو ركبنا مركبة أرضية وتوجهنا إلى هذا النجم الذي هو أقرب نجم ملتهب إلى الأرض لاحتجنا إلى خمسين مليون عام كي نصل إلى أقرب نجم ملتهب، متى نصل إلى نجم القطب؟ أربعة آلاف سنة ضوئية، كنا بأربع سنوات الآن أربعة آلاف، متى نصل إلى مجرة المرأة المسلسلة التي تبعد عنا مليونا سنة ضوئية؟ متى نصل إلى أحدث مجرة اكتشفت تبعد عنا ثلاثة عشر ألف مليون سنة ضوئية؟ افتح القرآن، قال تعالى:

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾

[سورة الواقعة:75-76]

 أي بالمسافات بين النجوم، هذا القرآن، حقائق يقينية كالشمس الساطعة.
المذيع:
 لكن مسألة الأرقام دكتور وإدخال الأرقام وإذا ما قرأنا القرآن عدد آياته كذا وقسمناها على كذا ستجد الآية رقم كذا التي تدل على كذا، أهذا إعجاز علمي!؟

 

الإعجاز العلمي حقيقة غير قابلة للنقض :

الدكتور راتب:
 لا هذا اسمه إحكام عددي، و ليس إعجازاً، يقدر أحدهم أن يكتب نصاً تكون كلمات الدنيا مثل الآخرة ليست صعبة، هذا اسمه إحكام عددي أنا ما أدخلته في الإعجاز إطلاقاً، الإعجاز حقيقة اكتشفت الآن بعد ألف وأربعمئة عام وغير قابلة للنقض والقرآن أشار إليها:

﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾

[سورة النجم:45-46]

 البويضة ليس لها علاقة بتحديد جنس الجنين إطلاقاً، هذه الآن اكتشفناها.
المذيع:
 أي الذين يتحدثون عن بعض النظريات المشكك فيها ويشككون بالقرآن.
الدكتور راتب:
 أنا أطمئنهم دعك من كلمة نظريات، أنا أتعامل مع الحقائق اليقينية التي لا يختلف عليها اثنان مع القوانين، القانون أعلى درجة بالعلم، أي علاقة ثابتة بين متغيرين تطابق الواقع وعليها دليل هذا العلم.
 أنا أقول: الحقائق العلمية الموثقة التي لا يمكن أن تتبدل، والآية القرآنية قطعية الدلالة، والتطابق عفوي وتام، هذا هو الإعجاز وإن قلت آياته.

 

خاتمة و توديع :

المذيع:
 أشكرك شكراً جزيلاً دكتور والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.