تربية الأولاد إصدار 1994 - الدرس : 08 - التربية العقلية -1

1994-06-12

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيّها الأخوة الكرام، مع الدرس الثامن من دروس تربية الأولاد في الإسلام.

مسؤوليّة الآباء في تربية أولادهم التربية العقليّة:

  لقد مرّ بنا من قبل مسؤوليّة الآباء في تربية أولادهم التربية الإيمانيّة، والتربية الخلقيّة، والتربية الجسميّة، هذا كلّه تحدّثنا عنه في دروس سابقة، واليوم ننتقل إلى مسؤوليّة الآباء في تربية أولادهم التربية العقليّة، ربيته تربيةً إيمانيّة، وربيته تربيةً خلقيّة، وربيته تربيةً جسميّة، وننتقل اليوم إلى التربية العقليّة.
 أيّها الأخوة الكرام، لحكمةٍ بالغةٍ أرادها الله عزَّ وجلَّ أنّ أوّل آيةٍ في القرآن الكريم هي قوله تعالى:

 

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) ﴾

 

( سورة العلق )

  الشيء الأساسي ـ وهذا قلته لكم سابقاً ـ الجماد شيء، التعليل الفيزيائي له حيّز أي له طول وعرض وارتفاع ووزن، هذا الجماد.
 لكنّ النبات أيضاً شيء مادي وهو يشغل حيّزاً في عالم المادة، له طول وعرض وارتفاع ووزن إلا أنّه ينمو، بماذا اختلف النبات عن الجماد ؟ بالنمو، الحيوان شيءٌ طبعاً مادة له طول وعرض وارتفاع ووزن وينمو كالنبات لكنّه يتحرّك، النبات ينمو.
 الجماد له حيّز يشغل حيّزاً له طول وعرض وارتفاع ووزن، والنبات ينفرد عن الجماد بالنمو، الحيوان يشغل حيّزاً وينمو وينفرد عن الجماد والنبات بالحركة، أمّا الإنسان جسم ماديّ له طول وعرض وارتفاع يشغل حيّزاً وينمو ويتحرّك ويفكّر.

 

أعظم شيء يتمتع به الإنسان هو العلم:

 

 التربية العقليّة إذا لم يستخدم الإنسان هذا الفكر أو تلك القوّة الإدراكيّة التي أودعها الله فيه فقد عطّل إنسانيّته، أي أنّ أعظم شيء يتمتّع به الإنسان هو العلم، بالعلم فضّلت على كثيرٍ ممن خلق الله تفضيلاً، قال تعالى:

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70) ﴾

( سورة الإسراء )

  توجد كلمةٌ أيها الأخوة لا أشبع ولا أملّ من تردادها ؛ رتبة العلم أعلى الرتب، من في الأرض الآن هو الأقوى ؟ الإنسان الذي بيده الأسلحة المدمّرة، وهو محاط بعدد كبير من العلماء يقدّمون له المشورة والخيارات، إذاً من هو الذي يحكم العالم كلّه ؟ العلماء.
  أريد خبرةً في هذا الموضوع، من يأتي بالخبرة ؟ العالِم، لذلك هذه الكلمة: رتبة العلم أعلى الرتب أي أنّك لن ترقى إلى أعلى الدرجات إلا بالعلم، لذلك الحظوظ التي يتمايز بها الناس في الدنيا (وهي كلمة دقيقة الحظوظ) المال حظ، يقولون: فلان حجمه المالي كذا، فلان يحكي بكذا، إلى ما هنالك من عبارات يستخدمها أرباب الأموال، فالمال حظ، القوّة حظ ؛ فلان مسيطر على قارة بأكملها، هذه الدولة تتحكم بمصير العالم مثلاً، القوة حظ، والصحة حظ، الوسامة حظ، لكن ما الحظُّ الذي اعتمده القرآن كقيمةٍ مرجحةٍ بين العباد ؟ العلم فقط قال تعالى:

 

﴿ أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9) ﴾

 

( سورة الزمر )

  رفض الله عزَّ وجلَّ في القرآن أن يكون المال مرجّحاً بين العباد كذلك قال النبيُّ الكريم:

 

(( سَبق دِرْهَم مائةَ ألف دِرْهم ))

 

[النسائي عن أبي هريرة]

  وقال:

 

(( رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ))

 

[ أخرجه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

  القرآن اعتمد قيمة واحدة فقط مرجّحة بين العباد هي العلم:

 

 قال تعالى:

﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) ﴾

( سورة آل عمران )

  القوّة لا شأن لها في القرآن، متاعٌ قليل، ولكنّ الله عزَّ وجلّ لم يعترف بقوَّة المال، ولا بقوّة السلطة، ولا بقوّة الصحّة، ولا بقوّة الوسامة، ولا بقوّة النسب، القرآن اعتمد قيمة واحدة فقط مرجّحة بين العباد هي العلم، لذلك كلمة الإمام الشافعي:
" إذا أردّت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردّت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردّتهما معاً فعليك بالعلم."
 أي أنّك حينما تأتي إلى بيتٍ من بيوت الله كي تطلب العلم ؛ العلم الشرعي، بالمناسبة دققوا في هذه الكلمات، أيُّ علمٍ، فإذا دخل الطالب الجامعة مثلاً ودرس الحقوق، أو الآداب، أو لغات أجنبيّة، فيزياء، كيمياء، رياضيّات، طبيعيّات، درس الطب، درس الهندسة، فالعلوم ممتعة بحد ذاتها، أي علم لكن بشرط التعمّق، فإذا درست العلوم سطحيّاً فالعلم عبء مزعج جداً، أيُّ علمٍ ممتع.

 

عند الموت ينتهي العلم الدنيوي لكنّ العلم بالله يستمرُّ مع الإنسان إلى أبد الآبدين:

 هناك علمٌ ممتعٌ ونافع مثلاً يدرس الإلياذة لهيموروس ؛ وهو شاعر إغريقي قد عاش قبل الميلاد، لكن لو درست هذه القصيدة لن تقبض على دراستها شيئاً، أمّا قد يكون الإنسان له اختصاص نادر والمجتمع بحاجة ماسّة له، فهو تعلّم هذا العلم واستمتع به لكنّه انتفع ماديّاً به إذاً كلُّ علمٍ ممتع، لكن هناك علمٌ ممتعٌ ونافعٌ.
 العلم الديني ممتع نافع ومسعد، يجوز أن تقرأ نعوة فلان الفلاني يكون له لقب علمي كبير، فإذا مات انتهى هذا اللقب وانتهت تلك المكانة وكل شيء قد انتهى، إلا أنّ العالم بالدين إذا مات، الآن قد بدأت سعادته، العلم الديني يستمر إلى الأبد، أمّا العلوم الدنيويّة تنتهي عند الموت.
 لو فرضنا أعلم إنسان في علوم الفضاء عند الموت ينتهي اختصاصه، و أعلم إنسان في علوم الطّب، أكبر جرّاح في العالم، أكبر أستاذ في الفيزياء مثلاً، أكبر عالم طبيعيات في العالم، عند الموت ينتهي علمه لكنّ العلم بالله يستمرُّ مع الإنسان إلى أبد الآبدين قال تعالى:

﴿ أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9) ﴾

( سورة الزمر )

  وقال أيضاً:

 

﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114) ﴾

 

( سورة طه )

الفرق كبير جداً بين المتعلم والجاهل:

 وقل ربي زدني مالاً قوةً جاهاً، وقل ربِّ زدني علماً هذا الشعار لجامعة دمشق، آية ثالثة قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11) ﴾

( سورة المجادلة)

  العالم شيخٌ ولو كان حدثاً، والجاهل حدثٌ ولو كان شيخاً، بالمناسبة أقول لكم هذا الكلام لأنّ الأب مسؤول أكبر مسؤوليّة عن تربية أولاده التربية العقليّة، يقولون لك: العلم لا يطعم الخبز، هذا كلام صحيح، و فعلاً لا يطعمك خبزاً الآن، ولكن العلم قيمةٌ في ذاته، فأتمنى من كل أب أن يحرص على تعليم أولاده، لأنه يوجد فارقٌ كبير جدّاً بين المتعلّم وبين الجاهل.
 مرّة شاهدت إنساناً أخرجه أهله من المدرسة منذ فترة، يقف أمام أسطوانة من الورق رول، فقلت له: ما طوله ؟ قال لي: من هنا لأمريكا. من هنا لأمريكا المسافة أكثر من ثمانية عشر ألف كيلومتر تقريباً، أما طول الرول، أكثر طول له خمسمئة متر، فلا يوجد عنده ميزان دقيق إطلاقاً.

 

الجاهل يفعل في نفسه مالا يستطيع أن يفعله عدوّه به:

 إذا اجتمعت بجاهل تجد منه كل خطأ أكبر من الثاني في تقديراته، أحكامه مضحكة، تعليقاته مضحكة، تحليلاته مضحكة، تعليلاته مضحكة، فتوجد فوارق كبيرة جداً بينه وبين المتعلّم، وأعظم ما في الإنسان العلم، وأبشع ما فيه الجهل، والجاهل عدوّ نفسه، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع أن يفعله عدوّه به.
 ابنك يجب أن تدفعه إلى العلم، العلم على إطلاقه، لأنّ أي علم يرفع الإنسان، أحياناً تشاهد إنساناً يعمل بعضلاته اثنتي عشرة ساعة، وآخر يعمل بعقله خمس دقائق فيجوز أن يربح أضعاف من يعمل بعضلاته لساعاتٍ طويلة، فكل شيء له ثمن، روى الإمام مسلم في الحديث الصحيح عن أبي هريرة أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول:

(( من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة ))

[ رواه الترمذي عن أبي هريرة ]

 هذا الحديث أذكره كثيراً، أي وأنت في طريقك إلى المسجد ـ والله لا أُبالغ ـ هذا الطريق يفضي إلى الجنّة، طلبت العلم، عرفت الأمر والنهي، عرفت الحقّ والباطل، عرفت ماذا يرضي الله وماذا لا يرضيه، سلكت الطريق الصحيح، دخلت الجنّة، فهذا العلم نهايته الجنّة.
 انظر إلى طلاب الجامعة مثلاً، يدخل أحدهم إلى كلّية الطب، الدوام فيها اثنتا عشرة ساعة، وكتب صعبة، وفحوص عويصة، وشدّة أحياناً، ودروس عمليّة ونظريّة، ولكن الدخول للجامعة والجلوس على مقاعد الدراسة هذا ينتهي بالطالب إلى أن يكون طبيباً، ربما ما تزال للطب مميزات جيّدة في المجتمعات كلها، لكن هذا الطالب وما يمر به من سنوات دراسيّة عديدة وما فيها من تعب ومشقّة، ثمّ سنوات الاختصاص حتى يحصل على درجة رفيعة ـ بورد ـ مثلاً، هو ينظر إلى المستقبل إلى هذا العمل المريح الذي له قيمة في المجتمع، لا ينظر إلى المتاعب.

فائدة طلب العلم في السنة الشريفة:

  وأنت كطالب علم شرعي لا تنظر لطول وقت الدرس وطول الطريق الذي تقطعه للحضور للمسجد، لا تنظر لمواسم البيع والشراء وتقول: السوق ( حامية )، لا بل السوق ( باردة ) الآن، انظر إلى أنّ هذا الطريق ينتهي بك إلى الجنّة.

 

(( من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة ))

 

[ رواه الترمذي عن أبي هريرة ]

  روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال:

 

(( الدنيا ملعونة، ملعونٌ ما فيها، إلا ذكر الله تعالى وما والاه. ))

 

[ رواه الترمذي عن أبي هريرة ]

  أحياناً يكون مع الإنسان مئات الملايين، ويصاب بمرض ليس له حلٌّ بالمال، وكان ناسياً لربّه ولم يعرفه سابقاً فيشعر بإحباط شديد:

 

(( الدنيا ملعونة، ملعونٌ ما فيها، إلا ذكر الله تعالى وما والاه. ))

 

[ رواه الترمذي عن أبي هريرة ]

  أي وما يتبع هذا الذكر من طاعة، من أعمال صالحة، وروى الترمذي عن أنسٍ رضي الله عنه أنّ النبيُّ عليه الصلاة والسلام يقول:

 

(( من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتّى يرجع. ))

 

[ رواه الترمذي عن أنسٍ رضي الله عنه ]

المؤمن وهو في طلب العلم في مهمّةٍ عند الله عزَّ وجلَّ:

  أنت الآن بمهمّة، أخواننا الموظفون يعرفون معنى المهمّة، فإذا حدث شيء لا سمح الله فيتقاضى الراتب كاملاً إلى أن تنتهي حياته، لأنّ هذا الحادث حدث أثناء مهمّة رسميّة، والمؤمن وهو في طلب العلم في مهمّةٍ عند الله عزَّ وجلَّ:

 

(( من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتّى يرجع. ))

 

[ رواه الترمذي عن أنسٍ رضي الله عنه ]

  توجد نقطة هامة جداً في هذا الموضوع:
 أنّه بعالم الدنيا وبعالم الناس إن لم تصل إلى النهاية لا تقطف الثمار، فلو بدأ شخص بتأثيث مشروعٍ تجاريٍ، فإذا لم ينجح المشروع لا يقطف ثماره، إلا عند الله إذا أنت وضعت قدمك في طريق العلم وجاءك الموت فجأةً تنال نهايات هذا الطريق، فعندما يبدأ الإنسان بالطريق المستقيم فإنّ الله سبحانه وتعالى يضمن له النتائج.

 

(( من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتّى يرجع. ))

 

[ رواه الترمذي عن أنسٍ رضي الله عنه ]

  وروى الترمذي عن أبي أُمامة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال:

 

(( فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم. ))

 

[ رواه الترمذي عن أبي أُمامة رضي الله عنه ]

  كلّكم تعرفون أنّ النبي الكريم عندما رأى شخصاً في المسجد فيما بين وقتي الصلاة قال له: ماذا تصنع ؟ قال له: أصلّي، قال النبيُّ الكريم: ومن يطعمك ؟ قال: أخي. فقال عليه الصلاة والسلام: أخوك أعبد منك.
أمّا الذي شكا شريكه لرسول الله أنّه لا يبذل الجهد الكافي، وكان شريكه طالباً للعلم، النبي لم يقل له إنّك أعبد منه ولكنّه قال له: لعلّك ترزق به.
 لأنّ طالب العلم يتعلّم لغيره، لكن العابد يتعبد لنفسه، فطالب العلم غيري، نفعه يعمّ، وأنا دائماً أتمنى على أخواننا الكرام، فأنت حضرت الخطبة ودرس الفجر، ودروس جامع الطاووسيّة ظهراً، ألا توجد آيةٌ لفتت نظرك أو حديث شريف، سجلها على ورقةٍ، ثمّ إذا جلست في جلسة أو دعيت إلى غداء أو في سهرة أو تكون في زيارة لأختك أو أحد أقاربك مثلاً أو لقاءً أسبوعياً مع أصدقائك، فمن منا من ليس له لقاءٌ دائمٌ مع أصدقائه وجيرانه ومعارفه وأقاربه ؟ حتّى في عملك، أو سافرت لمكان وجلس بجوارك شخص، يجب أن يكون لديك ذخيرة كبيرة من الآيات والأحاديث والقصص والحقائق الدقيقة الدالة على الله عزَّ وجلَّ، حتى يبقى هذا اللسان رطباً بذكر الله، فأينما حلّ المؤمن فهو يذكر ويدعو الله وأنت مؤمن، وكيفما تحرّك ينفع الناس.

 

كل ما يقربك من الله حقّ وكل ما يبعدك عن الله باطل:

 

 

 الله عزَّ وجلَّ قال في معرض الحديث عن الكفّار:

﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ (29) ﴾

(سورة الدخان )

  فهل هذا المعنى له معنى مخالف ؟ معاكس ؟ معنى ذلك أنّ المؤمن إذا ما توفّاه الله عزَّ وجلَّ بكت عليه السماوات والأرض، معنى ذلك أنّ المؤمن الأرض تتبارك بمشيه عليها، أينما حلّ يدعو إلى الله، أينما حلّ ينشر الحقّ، أينما حلّ يلقي العلم، الحقيقة لا يليق بالإنسان أن يتحدّث عن غير الله عزَّ وجلَّ، حتّى إنّ بعض المفسرين قال في تفسيره للآية الكريمة:

 

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) ﴾

 

( سورة المؤمنون )

  فما هو اللغو ؛ قال: كلُّ ما سوى الله لغو ألم يقل الشاعر لبيد الذي استشهد النبيّ بقوله صلى الله عليه وسلم لم يقل الشعر أبداً ولكنّه قال مرّة: أصدق كلمةً قالها لبيد: ألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله باطلُ، ولم يكمل النبيّ الشعر لأن فيه تتمة البيت: وكلُّ نعيمٍ لا محالةَ زائلُ، وهي كلمةٌ

غير صحيحة لأنّ نعيم أهل الجنّة لا يزول، النبيّ قد عوّدنا ألا ينطق لسانه إلا بالحق، وكلُّنا نقرأ هذه الأبيات أحياناً نستشهد بها ونقول:

ألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله باطل    وكلُّ نعيمٍ ما خلا الله لا محالةَ زائل

* * *

 هذا الكلام خطأ، والنبي لم يكمل البيت وقال: ألا كل ما خلا الله باطل، فقط، ومعنى ذلك أنّ كلَّ شيءٍ يقرّبك إلى الله فهو الحق، وأنّ كلَّ شيءٍ يبعدك عن الله فهو الباطل.

إنّ الله وملائكته و أهلَ السماوات والأرض يصلّون على معلمي الناس الخير:

  إذاً:

(( فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم. ))

 

[ رواه الترمذي عن أبي أُمامة رضي الله عنه ]

  إنّ الله وملائكته و أهلَ السماوات والأرض حتّى النملة في جحرها (بيتها) وحتى الحوت ليصلّون على معلمي الناس الخير.
 إنّ الله وملائكته وأهل السماوات والأرض معقول أن يصلّوا، لكن حتّى النملة في جحرها فما علاقة النملة بهذا المؤمن، قال: وحتى الحوت أي ـ السمك ـ ليصلّون على معلمي الناس الخير، فإذا أحد من الناس اشترى سمكاً قد صيد حديثاً، فإذا كان الشاري مؤمناً تجده لا يسمح للبائع  أن ينظّف جوفها قبل أن تموت تماماً، تجد كثيراً من المحلات تبيع الأسماك وهو يتحرّك حركةً مخيفة، وتجد البائع يفتح بطنها وينزع الأحشاء، فقد عذّبها مرتين، المؤمن لا يسمح لمثل هذا البائع أن يفعل هذا، لعدم جواز ذلك، إلى أن تسكن فقد قال تعالى:

 

 

﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36)﴾

 

( سورة الحج)

  فالسمكة إذا ما اشتراها المؤمن فلا يعذّبها، وإذا ذبح حيواناً فلا يعذّبه، فالنبي الكريم عندما رأى من يذبح شاةً أمام أختها غضب وقال: هلاّ حجبتها عن أختها، أتريد أن تميتها مرّتين ؟
 فمن السنّة أن تضع حاجزاً بين الغنم أو الحيوان عند الذبح، فلماذا النملة في جحرها والحوت في بحره يصلّي على معلّم الناس الخير، لأنّ المؤمن يعود خيره حتى على النمل، سألني أحد الأخوة أمس هل قتل النمل حرامٌ ؟ فأجبته بالآية الكريمة:

 

﴿ حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) ﴾

 

( سورة النمل )

 فاستنبط أنّ سليمان عليه السلام لا يمكن أن يحطم نملةً وهو يشعر أمّا إذا كان لا يشعر فليست هناك مشكلة.

 

الولد الصالح استمرار لأبيه لأنه ينفع الناس من بعده:

(( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له. ))

[ رواه مسلم عن أبي هريرة ]

  من عنده أولاد، فمن منّا لا يحبُّ الخلود ؟ هذه فطرة الإنسان، أخواننا الكرام إذا كان عندك ابن وربيته تربية إيمانيّة وخلقيّة وجسميّة وعقليّة معنى ذلك أنّك لا تموت أبداً، لا تموت لأنّ هذا الطفل إذا تعلّم وأصبح ولداً صالحاً ينفع الناس من بعدك، فهو استمرارٌ لوجودك.
 مرة ذكرت لكم أننا قد حضرنا تعزية أحد العلماء في الشام وكانت بالمسجد الأموي، فوجئنا بعد انتهاء العزاء أنّ ابن هذا العالم خطيبٌ من كبار الخطباء، فألقى كلمةً رائعةً شكر بها المعزّين، فما كان من وزير الأوقاف إلا أن عيّن هذا الابن مكان أبيه في الجلسة نفسها، فقلت إنّ هذا العالِم لم يمت، أي أن ابنه خلفه من بعده واستمرّ فلم يمت الأب.
   فأنا أتمنى لكل إنسان أن يكون ابنه استمراراً لوجوده، طبعاً هذا يقتضي جهداً كبيراً، والأرجح يقول لك: هذا الجيل ليس فيه خير، هذا كلام يلقى على عواهنه، أمّا هذا الطفل هو فطرةَ الله التي فطر الناس عليها، يحتاج إلى جهد كبير، إلى متابعة، إلى جلسات طويلة، إلى مراقبة دقيقة، يحتاج إلى تعليم، يحتاج إلى أساتذة، أياماً يقول لي أخ: أين أضع ابني ؟ أريد أن أدخله في الثانويّة الشرعيّة، فو الله يكبر في نظري، أي أنّه قلق على ابنه أشدّ القلق، أريد له علماً نافعاً، علماً شرعياً صحيحاً يعلمه له.

 

بعض الأقوال لعلماء أجانب ذكروا فضل المسلمين على العالم:

 

 

 أتقن المسلمون هذه العلوم وطلبوا العلم وتفوّقوا، كانوا في قمّة المجتمعات البشريّة، سأذكر لكم بعض الأقوال لعلماء أجانب ذكروا فضل المسلمين على العالم، يقول بعض العلماء: "ظلّت أوروبا نحو ألف سنة تنظر إلى الفن الإسلامي كأنّه أعجوبةٌ من الأعاجيب."
 يقول عالم آخر هولندي: " إن في الأندلس كلها لم يكن يوجد رجل أمّي، بينما لم يكن يعرف القراءة والكتابة في أوروبا معرفةً أوّليةً إلا الطبقة العليا من القسس." أي رجال الدين المسيحيون.
 يقول عالم آخر: " كانت أوروبا الأميّة تزخر بالجهل والحرمان، بينما كانت الأندلس تحمل إمامة العلم وراية الثقافة."
 يقول عالم آخر: " إنّ زوال الحضارة العربية كان شؤماً على أسبانيا وأوروبا، فالأندلس لم تعرف السعادة إلا في ظلّ العرب، وحالما ذهب العرب حلّ الدمار محلّ الثراء والجمال والخصب."
 أحياناً يقومون بعمل تحقيقات صحفيّة في المجلات، مجلّة عربية قامت بتحقيق عن إسبانيا، ففن العمارة هناك شيء لا يصدّق، كان العرب المسلمون في أوجهم، فلمّا التفتوا إلى اللهو وإلى ما لا يرضي الله عزَّ وجلَّ، انتُزِع هذا الملك من أيديهم.
 قال عالم آخر: " كان أشراف أوروبا لا يستطيعون توقيع أسمائهم، بينما كان أطفال المسلمين في قرطبة يذهبون إلى المدارس، وكان رهبان أوروبا يلحنون في تلاوة سفر الكنيسة، بينما كان معلمو قرطبة قد أسسوا مكتبةً تضارع في ضخامتها مكتبة الإسكندريّة العظيمة."
 والآن كما تعلمون أكبر مكتبة للمخطوطات الإسلاميّة على الإطلاق في العالم في أسبانيا في اسكوريال، حينما كان المسلمون هناك.

الإسلام حركة وبناء:

 توجد منطلقات نظريّة وتطبيقات عمليّة، وقد تحدّثت قبل قليل عن الآيات والأحاديث التي حثّت المسلم على طلب العلم، ونتيجة هذه النصوص ما الذي حدث ؟ الذي حدث أنّ المسلمين في أوج تفوّقهم كانوا أعلاماً، قد لا تصدّقون هذه المفارقة الحادّة، الآن أتصور دولة متخلّفةً جداً من العالم الثالث، لا مواصلات، ولا تقدّم علمي، ولا جماليات، وفقر مدقع، تصور بمقياس العصر المادّي ولا أقول بالمقياس الروحي والأخلاقي، ودولة متقدمةٌ جداً فيها من الجامعات والثقافة، فكم هي المسافة كبيرةٌ جداً بين البلدين ؟؟ المسافة نفسها كانت بين المسلمين في مشرقهم ومغربهم وبين أوروبا التي تعيش الظلام والجهل والقهر في العصور الوسطى، المسافة نفسها.
 يوجد كتاب ذو شهرةٍ كبيرة اسمه " شمس العرب تسطع على أوروبا " لمؤلّفة ألمانيّة، هذا الكتاب يؤكّد فضل المسلمين على العالم الغربي، وما كان منطلق الحضارة الغربية الحديثة إلا من تأثير الحضارة الإسلاميّة في العالم الغربي.
 الآن يوجد عندنا سرّ، ما هو السر الكامن الذي دفع المسلمين إلى هذه النقلة النوعيّة في طلب العلم وفي التفوّق ؟
 طبعا العلماء يحللون، يقال: إنّ أوّل أسرارِ هذا التفوّق العلمي أنّ الإسلام كما يقولون مادّةٌ وروح، دينٌ ودنيا، دنيا وآخرة. الإسلام ليس قوقعةً ولا انزواءً ولا انسحاباً ولا انعزالاً عن المجتمع ولا كسلاً ولا قعوداً، الإسلام حركة بناء، الإسلام رسالة تحقق السعادة وهذه الرسالة تحتاج إلى علم، أنتم لا تصدّقون أن دولة الأمويين بحركةٍ سريعةٍ جداً شكّلوا أساطيل في البحار وقاموا بغزو جزر، وهم شعب لا يعرف ما البحر، فصنعوا السفن الحربيّة وغزوا الجزر وتفوّقوا في البحر المتوسّط، معنى ذلك أنّ الإسلام حركة، الإسلام بناء قال تعالى:

﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10) ﴾

( سورة الجمعة )

 قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) ﴾

( سورة الحجرات )

  يعني أكرمكم أتقاكم، ومعنى أتقاكم أي أطوعكم لله عزَّ وجلَّ.

 

الشريعة الإسلامية هي التي تعطي العالم أرسخ الشرائع ثباتاً:

  قال تعالى:

 

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) ﴾

 

( سورة الحجرات )

  نحن في أوّل استقلالنا، اقتبسنا من القانون الفرنسي الأحكام المدنيّة، فهذا القانون المدني الفرنسي ذاته اقتبس على عهد نابليون من الفقه الإسلامي، لا توجد موسوعة فقهيّة في العالم أغنى من موسوعة الفقه الإسلامي، هذه حقيقة، أنّ معظم الأحكام التي اقتبسها نابليون في مصر أخذها من الفقه الإسلامي، ونحن أصبحنا نأخذ عن هذه القوانين المدنيّة في العالم الغربي !!
 يقول بعض العلماء: إنّ الشريعة الإسلامية تفوق في كثيرٍ من بحوثها الشرائع الأوربّية، بل هي التي تعطي العالم أرسخ الشرائع ثباتاً، يوجد كتاب ألّفه أحد رؤساء أمريكا السابقين في مذكّراته، تكلّم أشياء دقيقةً جدّاً بالطبع هو لا يتكلّم دفاعاً عنّا إطلاقاً، لكنّه يضع حقائق أمام العلماء يقول:
 نحن لا نخشى من المسلمين لا نخشاهم كقوّة، هم ضعاف ومتفرّقون، لكنّهم كحضارة لا تضاهيها حضارة. المجتمع المسلم عنده حضارة، حضارة دينيّة، فالمسلم متماسك، فهذه الأمراض التي تفتك في العالم الغربي من فضل الله عزَّ وجلَّ نسبها عندنا تكاد تكون معدومة أو قليلة جداً، بفضل هذه الحضارة وبفضل هذه القيم، بالمناسبة الآن يوجد مرض جديد اسمه آكل لحوم البشر، مرض أساسه انحراف جنسي، لكن الإنسان يموت خلال أربعٍ وعشرين ساعة، يتساقط لحمه !! وقد ظهر الآن في إنكلترا وينتشر، ومعدّل الوفاة أربعٌ وعشرون ساعة، يفقد الإنسان جزءاً من لحمه، وذلك بتضافر جرثومتين أو فيروسين على تحليل النسيج اللحمي في الإنسان، وقرأت عنه في جريدة دمشقيّة.

 

الإسلام دين واقعي:

 

 العلم الحمد لله في بلاد المسلمين، والحمد لله توجد نظافة واستقامة، ونظام الزواج لا يزال هو الأساس.
 يقول عالمٌ آخر: " إنّ البشريّة لتفتخر بانتساب رجلٍ كمحمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم إليها، إذ أنّه رغم أميّته استطاع قبل بضعة عشر قرناً أن يأتي بتشريعٍ سنكون نحن الأوروبيين أسعد ما نكون لو وصلنا إلى قمّته بعد ألفي عام."
أي إذا وصلوا إلى مستوى الشريعة الإسلاميّة سيكونون من أرقى الأمم، والذي يقول هذا الكلام عميد كلّية الحقوق في جامعة فيينّا.
 هذا العامل الأول أنّ الإسلام دين واقعي، الإسلام دين ودنيا، والإسلام دنيا وآخرة، الإسلام قيم وحاجات، الإسلام حركة، الإسلام بناء ـ هذا هو العامل الأول ـ سأذكر لكم نقطة هامة جداً: في اللحظة التي يستقر فيها الإيمان بالقلب يعبّر الإيمان عن ذاته بذاته بشكل عملٍ صالح.
لا يوجد مؤمن كسول، ولا مؤمن منزوٍ في زاوية ميّتة، أو يعيش لذاته، يقول النقّاد الأدبيون: أهجى بيتٍ قالته العرب على الإطلاق هذا البيت والذي قاله دخل السجن في عهد عمر، ماذا قال ؟

دع المكارم لا ترحل لبغيتها                   واقعد فإنّك أنت الطاعم الكاسي

 

* * *

 أليس هذا شعار كلّ إنسان الآن ؟ يقول لك: ماذا تريد من الناس فعندك دخلٌ كبيرٌ فاقعد وانبسط وكل واشرب أنت وأهلك وأولادك، هذا الذي دخل الشاعر السجن من أجله.

دع المكارم لا ترحل لبغيتها                   واقعد فإنّك أنت الطاعم الكاس

* * *

 العامل الأول هو أنّ طبيعة هذا الدين طبيعة حركيّة طبيعة قيميّة:
 إذا لم يبحث الإنسان عن الله عزَّ وجلَّ، ولم يسع إليه، ولم يرتق إليه لم يدع إلى الله، قرأت في مجلّة من قبل خمسة وثلاثين عاماً حكمةً من ثلاث كلمات ولكنّها قد سرت في قناعاتي بشكل عجيب: " إذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين."
 اخرج من ذاتك ما دام كل تفكيرك ذاتياً، كل همومك ذاتيّة، كل المزاريب للداخل فهذا إنسان يعيش لذاته، لكن إذا خرج من ذاته لخدمة الخلق فالله يقدّسه، لما الإنسان يعنيه أخوه المسلم ويعنيه شأنه يدعو إلى الله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، عندما يهمّه صلاح المجتمع، ورقي الناس وأن يسعدوا في بيوتهم، ويهمّه أن يكون الناس علماء حكماء، النبي اللهمّ صلِّ عليه قبل أن يتوفّاه الله أطلّ على أصحابه، ونظر إليهم وهم يصلّون، ماذا قال ؟
 قال: علماء حكماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء، وابتسم ابتسامةً لم يبتسم مثلها من قبل إطلاقاً، حتّى بدت نواجذه أي أنيابه.
 عندما تجد في المجتمع المسلم أُناساً صالحين خيرين يضحّون بالغالي والرخيص وبالنفس والنفيس، عندما تجد أخاً الكل يعاونوه ؛ فهذا والله شيءٌ جميل، فلا شيء أسعد من أن ترى مجتمعاً متماسكاً متعاوناً متحاباً، العامل الأول هو أنّ طبيعة هذا الدين طبيعة حركيّة طبيعة قيميّة.

العامل الثاني التعليم في الإسلام إلزامي ومجّاني:

 

 العامل الثاني: التعليم في الإسلام إلزامي ومجّاني، وهذه هي الأدلّة:

1 ـ التعليم إلزامي والأدلة على ذلك:

 أمّا إنّه إلزامي فقد روى ابن ماجة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال:

 

(( طلب العلم فريضةٌ على كلِّ مسلم.))

 

[ رواه ابن ماجه عن أنس بن مالك رضي الله عنه]

  الصلاة فريضة، والصوم فريضة، والحج فريضة، والزكاة فريضة، وطلب العلم فريضة هذا كلام النبي، وهو حديث صحيح.
 وروى الطبراني في الكبير عن علقمة عن أبيه عن جدّه قال خطب النبيّ صلى الله علي وسلّم ذات يومٍ فأثنى على طوائف من المسلمين خيراً ثمّ قال:

 

(( ما بال أقوامٍ لا يفقّهون جيرانهم، ولا يعلِّمونهم، ولا يعظونهم، ولا يأمرونهم، ولا ينهونهم !! وما بال أقوامٍ لا يتعلّمون من جيرانهم، ولا يتفقّهون، ولا يتّعظون !! والله ليعلّمنّ قومٌ جيرانهم، ويفقّهونهم، ويعظونهم، ويأمرونهم، وينهونهم.. وليتعلّمنّ قومٌ من جيرانهم، ويتفقّهون، ويتّعظون أو لأُعاجلنّهم بالعقوبة !! ))

 

[ رواه الطبراني في الكبير عن علقمة عن أبيه عن جدّه ]

  هذا الذي أدعو إليه، تعلّمت حديثاً علّمه لغيرك، تعلّمت آية علّمها الآخرين، تعلّمت حكماً فقهيّاً علّمه، لا تكن متلقّياً فقط، متى تتلقّى ؟!! لا بدّ من أن تلقي، لا يوجد أحد ليس حوله مجتمع، هل يوجد أحد ليس حوله أسرة، جيران، أقرباء، أصدقاء ؟!! فالتعليم إلزامي ليس فيه خيار.
ومن إلزاميّة التعليم في الإسلام، أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال:

 

(( مَنْ كَتَمَ عِلْماً مِمَّا يَنْفَعُ اللَّهُ بِهِ فِي أَمْرِ النَّاسِ أَمْرِ الدِّينِ أَلْجَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ النَّارِ. ))

 

[ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري]

  معنى ذلك: الساكت عن الحق شيطان أخرس، هذا إلزامي.

 

2 ـ التعليم مجاني والأدلة على ذلك:

  الصفة الثانية مجّاني قال تعالى:

 

 

﴿ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (57) ﴾

 

( سورة الفرقان )

  وقال:

 

﴿ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72) ﴾

( سورة يونس )  وقال أيضاً:

﴿ وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (104) ﴾

( سورة يوسف)

  أعظم شيء بالعلم أنّه يلقى مجّاناً، ليس في المسجد تذاكر للدخول فباب المسجد مفتوح، لا تستطيع الدخول لعند الطبيب إلا ومعك الأجر، المحامي لا يستمع لأي كلمة منك تسمّى استشارة قانونيّة إمّا بخمسمئة أو بألف ليرة، ولا بدّ أن تضع قيمة استشارته، إلا أنّ الله سبحانه وتعالى وعد الذين يدعون إلى الله بالخير الجزيل، لذلك هؤلاء لا يبتغون من الناس أجراً يبتغون عند الله الأجر.
 سيدنا النبي اللهمّ صلِّ عليه أرسل مصعب بن عمير إلى المدينة وأرسل معاذ بن جبل إلى اليمن، وأرسل جعفر بن أبي طالب إلى الحبشة، ليعلّموا الناس وما تقاضوا على هذا أجراً.
قال عبادة بن الصامت رضي الله عنه كما روى أبو داود عن أبي شيبة.. قال:
 " علّمت ناساً من أهل الصُّفة الكتابة والقرآن، فأهدى لي رجلٌ منهم قوساً، فقلت: ليس بمالٍ، وأرمي عليها في سبيل الله، لآتينّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلأسألنّه، فأتيته وقلت له: يا رسول الله رجلٌ أهدى لي قوساً ممن كنت أعلّمه الكتابة والقرآن وليست بمال، وأرمي عليها في سبيل الله. فقال عليه الصلاة والسلام: إذا كنت تحبُّ أن تكون طوقاً من النار فاقبلها ".

 

من دعا إلى الله ابتغى الأجر عنده:

 

 

  طبعاً البحث يحتاج إلى توضيح، أحياناً الدولة تقوم بتعيين أحد المدرسين ليعلّم الطلاب التربية الإسلاميّة، فليس له عملٌ آخر، وهو متفرّغ تفرُّغاً تاماً في تعليم الدين، هذا الوضع قد أجاز جميع العلماء أن يأخذ الأجر، فكيف يأكل أو يشرب وقد أخذنا وقته كلّه، ستّاً وثلاثين ساعة تدريس في تعليم الطلاب في المرحلة الإعداديّة والثانويّة ليعلم الطلاب القرآن والسنّة، هذا موضوع آخر، فإن كان للإنسان رزقاً وعملاً لكنّه يتقن القرآن الكريم وجلس مع إنسان علّمه التجويد علّمه القرآن ليس له أن يأخذ أجراً على ذلك، بل لوجه الله ويحتسبه في سبيل الله.
يقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى:
 " على المعلّم أن يقتدي بصاحب الشرع صلوات الله وسلامه عليه، فلا يطلب على إفادة العلم أجراً ولا يقصد به جزاءً ولا شكوراً، بل يعلّمه لوجه الله تعالى، وطلباً للتقرُّب إليه."
 قال سبحانه وتعالى على لسان أحد أنبيائه:

﴿ وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29) ﴾

( سورة هود )

  يحضرني مثل قلته لكم سابقاً: إذا قال لك شخص غني: علّم لي ابني والحساب عندي، وعلى كلّ درس خمسة آلاف ليرة. فقلت للابن: أعطني أجرتي ؟ فأعطاك على كل درس ليرتين، وعندما أخذت الليرتين خسرت الآلاف المتفق عليها، أليس هذا الحمق عينه ؟ فعندما يعدك ربنا عزَّ وجلَّ على عملك الصالح أجراً فمعنى ذلك: إيّاك أن تطلب الأجر من الخلق.

 

الإنسان دون علم يهبط إلى مستوى غير إنساني:

 

 الحقيقة حتّى لا أظلم أحداً الحكم الشرعي معروف: إذا كان المعلّم متفرّغاً للتعليم وليس عنده موردٌ آخر يتكسّب منه يجوز له أن يأخذ أجراً على تعليمه، أصبح التعليم حرفة له، ألا يوجد مدرّسون متخصّصون ؟ ليس عنده عملٌ آخر فهو يعلّم الطلاب اللغة العربية، الدين الإسلامي، العلوم الأخرى الضروريّة، فهذا الوضع ليس له علاقة بدرسنا، فالمعلّم المتفرّغ للتدريس هذا يتقاضى أجراً حلالاً لا شبهة فيه إطلاقاً.
 أمّا الحديث ينصرف على إنسان له دخل أو أعمالٌ كثيرة، وأتقن شيئاً من كتاب الله فإذا أراد أن يعلّم ينبغي ألا يأخذ عليه أجراً.
 هناك قصّة لها معنى لطيف، قيل من طريف ما يروى (كما جاء في كتاب علوم الأخبار لابن قتيبة) أنّ رجلاً من ثقيف دخل على الوليد بن عبد الملك، فسأله الوليد: أقرأت القرآن ؟ قال الأعرابي: لا يا أمير المؤمنين شغلتني عنه أمورٌ وهنات (مشغول)، فقال الوليد: أتعرف الفقه ؟ قال: لا. قال الوليد: أرويت من الشعر شيئاً ؟ قال: لا. فما كان من الوليد إلا أن تركه ولم يحدّثه والتفت لشخص آخر، وكأنّه غير موجود، كان يتكلّم معه وسأله عدة أسئلة ثمّ تركه نهائياً، وكان أحد الجالسين واسمه عبد الله بن معاوية فقال: يا أمير المؤمنين، الرجل (أي أكمل الحديث معه) فقال له الوليد: اسكت ما معنا أحد، من هذا ؟
 اعتبره غير موجودٍ نهائيّاً، مادام لا قرآن ولا فقه ولا شعر ولا علم، اعتبره خيالاً بالغرفة.
 قصّة بليغة فإذا لم يتعلّم الإنسان ولم يكن على شيء من العلم، فهو ككائن له فم ومعدة ولحم ودم ومثله كمثل أي كائن آخر من غير جنس البشر، أي أنّ إنساناً من دون علم هبط إلى مستوى غير إنساني.
 عتبة بن أبي سفيان أوصى مؤدّب ولده بأن يعلّمه كتاب الله، ويروّيه من الشعر أعفّه، ومن الحديث أشرفه.
 وقد أوصى سيّدنا عمر الولاة فقال: أمّا بعد، علّموا أولادكم السباحة والفروسيّة وروّوهم ما صار من المثل وحسن من الشعر.

أحكم قرار يتخذه الأب في حقِّ أولاده تعليمهم القرآن في الصغر:

  ذات مرّةٍ رأى المفضّل بن زيد ابن أعرابيّةٍ مسلمة فأُعجب بمنظره وسألها عنه فقالت: لما أتمّ خمس سنوات أسلمته إلى المؤدّب فحفّظه القرآن فتلاه، وعلّمه الشعر فرواه، ورغّب في مفاخر قومه، وطلب مآثر آبائه وأجداده، فلمّا بلغ الحلم حملته على أعناق الخيل فتمرّس وتفرّس، ولبس السلاح، ومشى بين بيوت الحيّ وأصغى إلى صوت الصارخ.
 نحن بفضل الله عزَّ وجلَّ لدينا معهد لتحفيظ القرآن، فيه دورات صباحيّة ومسائيّة للذكور والإناث في أيام الأسبوع، ونقوم بتعليمهم التجويد والقرآن الكريم وفقه الصلاة وسير الصحابة، والمناهج مناسبة لهم، ومن لديه ابن يريد إلحاقه بالمعهد فنحن نرحب بذلك، أصبح الدرس تطبيقاً عملياً.
 يقول الإمام الشافعي: " من تعلّم القرآن الكريم عظمت قيمته، ومن نظر في الفقه نبُل قدره، ومن كتب الحديث قويت حجّته، ومن نظر في اللغة رقّ طبعه، ومن نظر في الحساب جزُل رأيه."
 فإذا تعلّم ابنك القرآن في الصغر، هذا الحفظ ذهب معه إلى نهاية حياته، يعني التعليم بالكبر صعب، فكلما كانت السن أصغر كانت قوة الحفظ أكبر، فلذلك المغرب العربي كلُّه يتّبع نظريّة ابن خلدون في التربية، يعلّمون القرآن الكريم كلّه للطفل الصغير قبل أن يُعطى شيئاً آخر، بعدئذٍ يفهم معانيه، لكن التأسيس قوي جداً، ففي بعض مسابقات القرآن طفل عمره عشر سنوات يحفظ كتاب الله كلّه، لو أعطيته الآية لأعطاك رقمها هكذا كانت بدايته، فموضوع حفظ القرآن أكبر نشاط يمتصّ وقت الأولاد، يتنافسون، وشيء رائع جداً أن تشغل ابنك بالقرآن الكريم حفظاً، وعندما يكبر في العمر يفهم معانيه، ولكن عنده الركيزة الأساسيّة قد تعلّمها.
 فلذلك في المغرب العربي تحفيظ كتاب الله للصغار هذا شيء بديهي وطبيعي ونحن والحمد لله هنا في الشام أصبح لدينا معاهد تحفيظ كثيرة جداً وتزيد عن تسعين معهداً في دمشق وحدها، ومن كان عنده أولاد فيجب أن يدخل في خطته اليوميّة أن يحفّظهم كتاب الله عزَّ وجلَّ وهذا أحكم قرار يتخذه في حقِّ أولاده.

 

الإنسان قيمته في علمه ولغته:

  يقول بعض الشعراء كلاماً طيّباً قال:

 

 

أراني أنسى ما تعلّمت في الكبر           ولست بناسٍ ما تعلّمت في  الصغر
وما العلم إلا بالتعلّم في الصبـا           ومـا الحلم إلا بالتحلّم فـي الكبـر
ولو فُلق القلب المعلّم في  الصبا           لأصبح فيه العلم كالنقش في الحجر
وما العلم بعد الشيب إلا تعسـّفٌ           إذا كلَّ قلب المرء والسمع والبصر
وما المرءُ إلا اثنان عقلٌ ومنطقٌ           فمن فاتـه هذا وهذا فقــد دمر

* * *

 قد دمر: أي دمّرت حياته.
 آخر قصّة أرويها لكم، عندما دخل على عمر بن عبد العزيز وفد الحجازيين وفيهم طفلٌ صغير وأراد أن يتكلّم، فانزعج الخليفة وقال له: اجلس أيُّها الغلام، اجلس وليقم من هو أكبر منك سنّاً. قام هذا الغلام بهدوء وثقة بالنفس وقال: أصلح الله الأمير، المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فإذا وهب الله العبد لساناً لافظاً وقلباً حافظاً فقد استحقّ الكلام، ولو أنّ الأمر كما تقول لكان في الأمّة من هو أحق منك بهذا المجلس.
 الإنسان قيمته في علمه وفي منطقه العلم واللغة، وقديماً قالوا: جمال الرجل فصاحته.
 أخواننا الكرام إذا فاتك طلب العلم ممكن أن تحقق هذا الهدف في أولادك ـ وهذا ملاحظ دائماً ـ الذي افتقده الأب في حياته يحرص عليه عند أولاده، فمن فاته شيء في شبابه أو في كهولته يتلافى هذا الشيء في أولاده.
 لا زلنا في مسؤوليّة الآباء عن تربية أولادهم التربية العقليّة، وقد تحدّثنا عن التربية الإيمانيّة، وعن التربية الأخلاقيّة، وعن التربية الجسميّة، وها نحن ندخل في بابٍ جديد وهو مسؤولية الآباء في تربية أولادهم التربية العقليّة، وللبحث تتمة إن شاء الله تعالى.