تربية الأولاد إصدار 1994 - الدرس : 09 - التربية العقلية -2

1994-06-19

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيّها الأخوة الكرام، مع الدرس التاسع من دروس تربية الأولاد في الإسلام.

الأبوة مسؤولية:

 لقد بدأنا في الدرس الماضي بموضوعٍ حول مسؤوليّة الآباء عن تربية أولادهم التربية العقليّة، وقد كانت الموضوعات قبل هذا الموضوع مسؤوليّة الآباء عن تربية أولادهم التربية الإيمانيّة، والتربية الخلقيّة، والتربية الجسميّة، والتربية العقليّة.
 أيّها الأخوة الأبوّة مسؤوليّة، يتوهم بعض السذّج أنّ الإنسان إذا عقد قرانه على فتاةٍ، وقضى حاجته، وأنجب أولاداً انتهى كلُّ شيء، والحقيقة لم ينتهِ شيء، بل بدأ كلُّ شيء، بدأت المسؤوليّة، أي أنّ الإنسان لا بدّ من أن يموت، لكن إذا أنجب ذريّةً صالحة هذه الذريّة الصالحة استمرارٌ له.
لا يدري أحدنا أنّ من ذريّته من سيكون إنساناً عظيماً، مؤمناً كبيراً، قائداً فذّاً، مصلحاً اجتماعيّاً، فأنت إذا أردّت ألا تموت فاحرص على أن تكون ذريّتك صالحة، وهذا الصلاح يحتاج إلى جهدٍ كبير، لذلك يجب أن تقتطع شئت أم أبيت من وقتك الثمين وقتاً لتعتني بأولادك.
 أيُّها الأخوة، قد تعجبون من إصراري على هذا الموضوع، لأنّه عند فساد الزمان لا بدّ من أن نقوّي العلاقات الأُسريّة، إذا كانت الأُسرة متماسكةً فربما استطعنا أن نتغلّب على الفساد العام، الشارع فاسد، المجتمع العام فاسد، الأماكن العامّة فاسدة، ما الذي يحصّننا من الفساد العام ؟
 الطفل أو الشاب إن وجد في البيت مشكلات وخصومات وإهمالاً، لا بدّ من أن يلتجئ إلى أصدقائه، إلى أماكن أُخرى غير البيت، لكن إذا توافر للشّاب بيتٌ ولا أقول أو أريد بيتاً فخماً، ولا بيتاً أنيقاً، ولا أقول بيتاً فيه كلّ الأجهزة، لا بل أقول وأحب بيتاً فيه حب، فيه وئام، فيه مودّة، فيه مرح، فيه تعاطف، فيه مؤاثرة، هذا البيت يشدُّ الأولاد، هناك من لا يأكل إلا مع أولاده على مائدة واحدة، هناك من يدير حديثاً ممتعاً مع أولاده، هناك من يخلق جواً فيه ألفة ومودّة مع أهله.

 

العلم الشرعيّ فرض عين على كلّ إنسان كائناً من كان:

 

 

 فيا أيّها الأخوة، هذا كلام مدفوع ثمنه، خبرات، حينما تجعل من البيت جنّةً صغيرةً تشدُّ أبناءك إلى البيت، يألفون البيت يقبعون فيه، يطالعون، ويدرسون، تزداد ثقافتهم.
 فلذلك حينما اخترت هذا الموضوع موضوع تربية الأولاد لأنّ الفساد العام والانحراف الخلقيّ وانحلال الإنسان وإقباله على شهواته المنحطّة هذا يدمّر الإنسان، يدمّر الأسر، لذلك قبل أن نمضي في متابعة هذا الموضوع، أضع بين أيديكم الحقيقة التالية:
 يوجد مصطلحٌ في كتب الدين: ما ينبغي أن يعلم بالضرورة. وكذلك يوجد بحثٌ في كتاب الإحياء عن العلم، أي أنّه توجد نقطةً دقيقة جداً: هي أنّ الناس يهتمون في أنت ماذا تعمل ؟ طبيب، خيراً إن شاء الله، وأنت ؟ قال له: أنا محامٍ، وأنت ؟ رجل دين.
 من قال لكم: إنّ الدين اختصاص ؟!! كلُّ إنسانٍ ينبغي أن يكون ديّناً، لأنّ العلم الدينيّ فرض عينٍ، تقول لي: أنا طبيب، تقول لي: أنا ضابط، أو معي دكتوراه مثلاً بالحاسوب، أو حقوقي، قاضٍ، هذا لا يعفيك من طلب العلم الشرعيّ لأنّ العلم الشرعيّ فرض عين، فرض عين على كلّ إنسان كائناً من كان، وفي أيّ حقلٍ كان.
 ولا تستغربوا أن أقول لكم: إنّ الإنسان قد يحمل أعلى شهادةٍ في العالم وهو أُمّيٌ في الدين لا يفهم، ركب الطائرة من جدّة إلى عاصمة عربية رجل يحتلّ في بلده منصباً رفيعاً جدّاً، تساءل مع صديقه الذي إلى جانبه أنّه لمَ لا يكون الحجُّ على مدار العام دفعاً للازدحام ؟! لو نقترح على أُولي الأمر في المملكة أن يجعلوا الحجّ على مدار العام، والسائل يحتل منصباً رفيعاً في بلده ! هذا أُمّي في الدين، أحياناً الإنسان من كلمة يتكلّمها تكشف جهله، بأنه جهل فاضح.

هناك في الدين حقائق يجب أن تعلم بالضرورة لأن علم الدنيا لا يغني عن علم الآخرة:

 فيا أيُّها الأخوة، لا تقل أنا لست مختصّاً في الدين، طلب العلم الشرعيّ فرض عينٍ، وكنت أضرب مثلاً من قبل تعرفونه: كل إنسان جلس خلف مقعد القيادة في السيّارة، فهل يا ترى هو سائق أم حاجب، متعلم أو غير متعلّم، أحياناً يكون قائد السيّارة ملكاً، فبعض الملوك يقودون السيّارة بأنفسهم، أي بدءاً من حاجب وانتهاءً بملك، إذا جلس وراء مقعد القيادة فهناك معلومات أساسيّة لا بدّ من أن يعرفها، فإن لم يعرفها أودى بنفسه إلى الهاوية، المعلومات الأساسيّة التي تعينك على تحريك السيّارة وإيقافها، وعطفها نحو اليمين، وعطفها نحو اليسار، وسلامتها، هذه المعلومات الأساسيّة هي فرض عينٍ على كل سائق من حاجب إلى ملك فرض عين.
 لكن يا ترى كيف تصنع المكابح ومن أيّة مادّة تصنع ؟ ليس شرطاً أن تعرفها. أمّا إذا أردت أن تؤسس مصنعاً للسيّارات فلا بدّ من المعرفة للمادّة الأساسيّة أو طريقة صنع المكابح، كيف هذا الجسم يضغط بشكلٍ منحنٍ ؟ هذا اختصاص معامل السيّارات، أنت كسائق سيّارة هذه المعلومات لا تعنيك، لكن يعنيك أن تحرّكها، أن توقفها، يعنيك بالانعطافات أن تكون خبيراً، يعنيك في الطرق المزدحمة أن لا تقع في مشكلة.
 ففي قيادة السيّارة هناك معلومات يجب أن تعلم بالضرورة، هناك في الدين حقائق يجب أن تعلم بالضرورة، بدءاً من إنسان أُميّ لا يقرأ ولا يكتب وانتهاءً بأعلى مثقّف في العالم، علم الدنيا لا يغني عن علم الآخرة، والدليل أنك تجد أُناساً ذوي ثقافةٍ عاليةٍ جداً ومع ذلك يرتكبون من الحماقات والمخالفات والكبائر وهم لا يشعرون، وهذه الكبائر تجرُّ عليهم الويلات والمصائب والحرب والدمار وهم لا يشعرون، إذاً هم أميّون في الدين.

ما ينبغي أن يعلم بالضرورة أركان الإسلام وأركان الإيمان:

 لذلك الإنسان لا يجب أن يقول اليوم ليس لديّ شيء، حضرنا درس علم، لا القضيّة أعمق من ذلك، طلب العلم فريضة على كلّ مسلم، فريضةٌ كما أنّ الهواء فرضٌ لاستمرار حياتك، تنفُّس الهواء فرض، وتناول الطعام فرض، ومعرفة الأمر والنهيّ والحكم التكليفيّ، ومعرفة ربّك، ومعرفة كتابه، ومعرفة رسوله، ومعرفة منهجه، ومعرفة حقيقة الحياة الدنيا، ومعرفة حقيقة الكون، ومعرفة حقيقة الإنسان، ومعرفة ما بعد الموت، هذه معلوماتٌ يجب أن تعلم بالضرورة، فإذا كان يجب أن تعلمها أنت بالضرورة، فما القول في ابنك الصغير الذي لا يعلم شيئاً ؟ يجب أن تعلّمه إياها بالضرورة.
 أرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفّقني أن أُوضّح لكم حقيقة العلم الضروري، أن تعرف لماذا خلقت، أن تعرف من خلقك، أحياناً إنسان ـ لا سمح الله ولا قدر ـ يسبّ الدين فقد كنت اليوم بمحل تجاري، اختلف صاحب المحل مع صانع فسبّ الدين فوراً، لا يعرف عن الله شيئاً إطلاقاً، فأحياناً يدمّر ويسوق الله عزَّ وجلَّ عليه من الشدائد، جهله سبب له هذه الشدائد.
 إذاً ما ينبغي أن يعلم بالضرورة: أركان الإسلام ؛ الصوم والصلاة والحجُّ والزكاة، وما ينبغي أن يعلم بالضرورة: أركان الإيمان ؛ الإيمان بالله الموجود الواحد، الكامل، الخالق، المربّي، المسيّر، صاحب الأسماء الحسنى والصفات العظمى، هذا أكبر موضوع في الدين، فكلّما زدت معرفةً بالله زدت قرباً منه.

الجهل أعدى أعداء الإنسان:

 

 يجب أن تؤمن بكتبه، لماذا الكتاب ؟ لماذا النبيّ ؟ لماذا الإيمان بالملائكة لماذا ؟ تقول: السلام عليكم ورحمة الله، لماذا ؟ لماذا الإيمان باليوم الآخر ؟ لماذا الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشرّه من الله تعالى ؟ هذا ينبغي أن يعلم بالضرورة ؛ أركان الإسلام، وأركان الإيمان، والأحكام الشرعيّة، وأحكام البيع، وأحكام الزواج، أحكام عقد النكاح، أحكام الطلاق، تجده على أتفه وأبسط سبب يرمي عليها يمين الطلاق بالثلاثة، وإن حلها لك شيخ يحرّمها عليك عشرة، وهو ابن البارحة، و متزوّج حديثاً ولم ينجب من الولد بعد، يدمّر نفسه لسبب بسيط وهو الجهل.
 أخواننا الكرام الجاهل يفعل في نفسه مالا يستطيع أن يفعله عدوّه به، أنت تقول: أعداء الإنسان، يقول لك: من هم ؟ المرض لا، الفقر لا، القهر لا، العدو الخارجي لا، أعدى أعداء الإنسان هو الجهل.
 لا توجد صفة في الإنسان أبشع ولا أحقر من أن يكون جاهلاً، لكن الإنسان لم يولد عالماً، أقول دائماً كلمة: ليس العار أن تكون جاهلاً، ولكنّ العار أن تبقى جاهلاً، ليس العار أن تخطئ ولكنّ العار أن تبقى مخطئاً.
 فلذلك أوّل نقطة في الدرس يجب أن تنزع من ذهنك أنه لي اختصاص بالحياة، أنا أستاذ فيزياء فما أريد من الدين ؟ بدءاً من حاجب وانتهاءً بملك إذا جلس خلف المقود لا بدّ من مجموعة معلومات يتقنها وإلا وقع في الهاوية، كذلك في الدين ما ينبغي أن يعلم بالضرورة: أركان الإيمان، وأركان الإسلام، والأحكام الشرعيّة التكليفيّة.

الأمل دائماً يعوَّل على الصغار إذا ربيتهم تربيةً عالية:

 

 إذا كان الأب مكلّفاً أن يعلم هذه الحقائق بالضرورة، فالابن من باب أولى أن يعلّمه إيّاها.
 أنا ما أرى في الحياة شيئاً أعظم ولا أثمن من أن ينجب أخٌ مؤمنٌ ولداً يعلِّمه الأحكام الشرعيّة ويعرّفه بربّه، فإذا هذا الولد استمرارٌ له وذخرٌ له.
 والله أحياناً أيها الأخوة تصدر منّي كلمات إن وجدتُ شاباً مؤمناً، منضبطاً، حييّاً، أخلاقياً، أقول لأبيه: والله هذا الابن أثمن من أن تملك ثروة الدنيا، لأن الثروة الكبرى إذا توقّف القلب فليست لها قيمة وانتهت، وليست لك كلّها، البعض شاهد ابناً قد تُوُفّي والده من أسبوع وسُئل: إلى أين ؟ فتفوّه بكلمةٍ قبيحةً جداً، أنّه سيسهر سهرةً ماجنة، حمراء، على روح والده، بالطبع لأنّ أباه لم يربّه، ترك له مالاً عريضاً ولكنّه لم يربّه، أمّا عندما يقوم الأب بتربية ابنه لو لم يخلِّف له شيئاً، فقد أعطاه كلَّ شيء، لو أعطاه العلم، بالعلم يرقى الإنسان، بالعلم يغتني أحياناً.
فلذلك المال ليس له قيمةٌ أبداً، فأنا والله أعلم علم اليقين أنّ هناك أُناساً تركوا لأولادهم ثروات طائلة، هذه لم تنفعهم إطلاقاً، أمّا إذا ترك الإنسان ولداً صالحاً فهذا الذي ينفعه، وهذا الكلام موجّه لكل أب.
  مرة ثانية أقول لكم: إنني أحب كثيراً من الأخ أن يعتني بابنه، فإن جاء به إلى المسجد فهو ضيف المسجد، فنحن ليس لدينا تفرقة أبداً، فغلاوة الابن من غلاوة أبيه، و إن شاء الله قد أحدثنا هذا المعهد لتحفيظ القرآن والهدف البعيد منه أن ينجذب الطفل وينشدّ للمسجد ليتعلّم كتاب الله والفقه وأحكام الصلاة وسير الصحابة، مع وجود أنشطة إسلاميّة تشدُّ الطلاب إلى هذا المعهد يقولون: الكبار خشّبوا فلنعوّل على الصغار، كثير من المجتمعات إذا بلغ الشخص لما بعد الخمسين سنة أو الستين فقد انتهى، لأنّ من شبّ على شيءٍ شاب عليه، فالأمل على من يعقد ؟ على الصغار إذا ربيتهم تربيةً عالية.

الفروض نوعان فرض عين وفرض كفاية:

 

 إذاً تعلُّم الدين فرض عين، لكن سؤال: الطب فرض كفاية، فإذا قام به البعض سقط عن الكل، أي اختصاص علمي يعود بالنفع على الأمّة في شأن الدنيا فرض كفاية.
 فالفروض نوعان: فرض عين وفرض كفاية، فرض العين لا يعفى منه إنسان كائناً من كان، أمّا فرض الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل، لكن لو فرضنا قرية، أو بلدة، أو مجتمعاً، أو أمّة، أو دولة تفتقر إلى اختصاص أساسي في الحياة، كلُّ أهل البلدة يأثمون، أمّا إذا تعلمه واحد زال الإثم عن الجميع.
 فكلُّ اختصاصٍ علمي، أدبي، تكنولوجي، زراعي، صناعي، تجاري، أيّ اختصاصٍ حكمه في الشرع فرض كفايةٍ، إذا قام به البعض سقط عن الكل.
 أخواننا، الحديث الشريف الذي رواه الطبراني عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

(( أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حبٍّ نبيّكم، وحبٍّ آلِ بيته، وتلاوة القرآن فإنّ حملة القرآن في ظلّ عرش الله يوم لا ظلّ إلا ظلّه.))

[رواه الطبراني عن علي]

 الإنسان يقرأ الحديث قراءة عابرة لا ينتبه إلى أعماقه، النبيُّ عليه الصلاة والسلام كما يقول بعضهم: سيّد المربّين وإمام المعلمين، وإذا أردّتم أن تتعمّقوا أكثر لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى.

 

هدفنا الأساسي أن يكون النبي الكريم قدوة أولادنا:

 

 

 هذا الطفل الصغير ماذا ينفعه ؟ ينفعه القدوة الحسنة، لذلك في كلّ أنحاء العالم الأطفال يتعلّقون بالبطولات، لكن مع الأسف الشديد أحياناً نُري الأطفال بطولات مزيّفة، عمليّات الضرب وعمليات الاقتحام وعمليات الاحتيال، هذه ليست بطولات، الطفل الذي تُزمع أن تربّيه يجب أن تعلّمه أن تنشّئه على ثلاث خصال: حبِّ النبي اللهم صلِّ عليه، هل تظنون إذا قال أحدهم لابنه: أحب رسول الله أهكذا كلّفنا النبيّ ؟ ليس هكذا، من السذاجة أن تظنّ أنّ النبيّ عليه الصلاة والسلام يأمرك أن تلقّن أولادك حبّه تلقيناً، لا، الحب لا يلقّن، لكن أنت مكلّف أن تعرض على أولادك طرفاً من سيرة النبيّ رحمته، تواضعه، عدالته، شجاعته، محبّته لأصحابه، إنصافه، عدله، الحقيقة فالأمر بالنتيجة يتضمّن مقدّمات، والمقدّمات أن تنشئ أولادك على حبِّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أي أن يعرف الابن سيرة رسول الله، هذا أمرٌ نبويٌّ، لذلك البيت المسلم أكثر ما يدور فيه من أحاديث حول النبيّ عليه الصلاة والسلام وسيرته.
 فما يمنع الأب أن يجلس مع أولاده في الأسبوع مرة يقرأ معهم كتاباً في السيرة ؟ كتاباً يكون ممتعاً ومنتقى انتقاء جيّداً، يجلس معهم ولو ساعة ويحدّثهم عن رسول الله حديثاً ممتعاً شائقاً، أحياناً ليس في الإمكان أن يتكلّم فتوجد أشرطة عن رسول الله وعن الصحابة، فيجب أن تجلس مع أولادك جلسة أسبوعية تعلّمهم أخلاق النبيّ من أجل أن يحبّوا النبيّ، إذاً قال النبيّ:

(( أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حبٍّ نبيّكم، وحبٍّ آلِ بيته.))

[رواه الطبراني عن علي]

  آل بيته هم الصحابة الكرام، توجد كتبٌ كثيرةٌ عن سير الصحابة رائعةٌ جداً يجب أن تكون في كلّ بيت.
  ابنك بمن يقتدي ؟ هل بلاعب الكرة اليهودي والمصاب بالشذوذ ومع مرض نقص المناعة المكتسبة الإيدز هذا الذي يحدث، فمن قدوة الشباب ؟ بطل عالمي بالكرة أو بالمصارعة أو أي شيء، قد يكون يهودياً، قد يكون مصاباً بمرض الإيدز أو شاذاً، هذا هو القدوة تملأ صوره كل مكان، نحن نريد أن يكون القدوة رسول الله اللهمّ صلِّ عليه.

 

التغذية السيّئة تفعل فعل السمّ في الأبناء:

 يجب عليك الانتباه، أولادك مَن قدوتهم ؟ أحياناً يكون قدوتهم الفنانون والمغنون أو لاعبو الكرة وليس الصحابة الكرام، فيجب أن تعرف فأنت المسؤول، فإن كان بالبيت تغذية سيّئة، توجد تغذية ثقافيّة غير صحيحة، أو تغذية ثقافيّة عن طريق أجهزة اللهو وهي غير صحيحة فهذه التغذية تربّي عندهم مثلاً هابطاً، مثلاً أدنى، والإنسان دائماً يقلّد المثل الأعلى.
 فدائما عند كلّ إنسان شخصيّة عظيمة بنظره وهي قد تكون تافهةً جداً، لا يوجد إنسان ليس عنده شخصيّة يتمنى أن يكونها، وشخصيّة يكره أن يكونها، فإذا كانت التغذية فاسدة، التغذية الفاسدة الثقافيّة تصوّر الإنسان المؤمن إنساناً تافهاً والإنسان الفاسق الفاجر إنساناً عظيماً، فهذه تغذية سيّئة جداً على مستوى الشباب والفتيات، فيكفي أن تتغذّى الفتاة تغذية عن طريق أنّ المرأة المؤمنة المحجّبة إنسانة مهملة لأولادها وسخيفة وثرثارة، والمرأة المتفلّتة من الدين وغير المنضبطة أمٌّ مثاليّة، هذه هي التغذية السيّئة، يكفي في تصوير القصّة أن البطل الإيجابي في بيته مكان لشرب الخمر بار، وأن المعروف في الحارة بالصلاح والتقوى إنسانٌ فقيرٌ ومحرومٌ وسخيف وذو أفق ضيّق، هذه هي التغذية السيّئة وهي تفعل فعل السمّ في الأبناء.
 طفل يشاهد رجل الدين إنساناً محدوداً متعالياً على الآخرين وكلامه غير منطقي، ويشاهد البطل الذي يلقي عليه الكاتب كل صفات البطولة يشرب الخمر، قد يأتي صديق الزوج إلى البيت يطرق الباب فتفتح له الزوجة وتخبره بأنّ زوجها ليس بالبيت وتأذن له بالدخول، فيتعلّم الطفل بأن هذا العمل ليس حراماً، أن يدخل صديق الأسرة إلى بيت صديقه في غيابه، ليس فيها مباشرة، فنحن نريد التغذية، إذا كانت التغذية السيّئة الثقافيّة موجودة فما بنيته أنت بشهر يهدم بساعة، أنا أقول كلاماً دقيقاً جداً.

نوع التغذية يحدد نوع السلوك والتفكير والتطوّرات والعقيدة:

 ابنك وعاء، الوعاء له فتحةٌ من الأعلى وصنبورٌ من الأسفل، فما يوضع في الأعلى تأخذه من الأسفل، نوع التغذية يحدد نوع السلوك والتفكير والتطوّرات والعقيدة، فمن يريد أن ينشأ أولاده نشأةً إسلاميّةً دينيّةً عليه أن يمنع عنهم التغذية الفاسدة الثقافيّة وإلا فلن يستفيد شيئاً.
تجد الأب بواد والأولاد بواد، والأولاد على طرف النقيض مع آبائهم، يكرهون كلّ ما يحبّه الآباء، يتعلّقون بكلّ النماذج الساقطة المعاصرة، ويكرهون كلّ النماذج الخيّرة، والإنسان في النهاية يشكّل كيفما تريد.
 هذا الحديث أيّها الأخوة منهجٌ في تربية الأولاد، النبيّ عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى، كلام النبيّ من عند الله، حتّى أنّ علماء التوحيد سمّوا كلام النبيّ وحياً غير متلو ؛ أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حبِّ نبيّكم، أي يجب أن تعتني أكبر عنايةٍ بسيرة النبيّ، يجب أن تجلس مع أولادك كلّ أسبوع تحدّثهم عن رسول الله.
 اقرأ كتب السيرة وتحليلاتها لكي تعرف كيف تتكلّم، فمن كان مؤمناً إيماناً عالياً كلّما تحرّك النبي بذهنه، وكيف فعل، فإذا دخل إلى بيته ألقى السلام، وإن لم يجد طعاماً يقل: إنّي صائم. نحن إذا تأخر الطعام ولو ربع ساعة يقيم القيامة على أهله، ليس لعدم وجود طعام إطلاقاً ولكن على التأخير فقط.
 اللهمّ صلِّ عليه كان إذا دخل بيته لفَّ ثوبه، فتعلّم ماذا فعل النبي مع زوجته، مع أولاده، مع إخوانه، ومع أصحابه عندما كانوا في نزهة، أحياناً الشباب يذهبون إلى رحلة فتجد أحدهم لا يعمل شيئاً بل يأكل فقط، أين توجد المتاعب ينسحب من أمامها، وإن وضع الطعام يأتِ، هذه أخلاق تدعو للقرف، فعلّم ابنك كيف فعل النبي إن كانوا بمهمّة أو رحلة أو بسفر، اللهمّ صلِّ عليه كان مع أصحابه وأرادوا أن يأكلوا، فقال أحد أصحابه:

 

(( عليّ ذبحها (أي الشاة) وقال الثاني: عليّ سلخها، وقال الثالث: عليّ طبخها. فقال عليه الصلاة والسلام: وعليّ جمع الحطب. فقالوا: نكفيك ذلك. قال: أعلم أنّكم تكفونني، ولكنّ الله يكره أن يرى عبده متميّزاً على أقرانه.))

 

[ ورد في الأثر ]

  وهو أعلى إنسان ولكن لا، فأدّب ابنك هكذا، هذه القصّة تروى مئة مرّة وتُعلّق عليها، حتّى الطفل يتخلّق بها.

 

تلاوة القرآن تملأ فراغ ولدك لأن الفراغ هو أكبر مفسدة له:

 

 النبيّ عليه الصلاة والسلام يقول:

(( بركة الطعام الوُضُوء قبلَه، والوضوء بعدَه.))

[الترمذي وأبو داود عن سلمان الفارسي]

  وضوء الطعام: غسل اليدين والفم فقط، فأحياناً واحد يصافح إنساناً أو يمسك بحذائه أحياناً، أو يمسك آلة قذرة، ويأتي للغداء ويديه غير مغسولة، ويأكل ويضع الطعام في فمه، فتؤدّبه، وإذا جلس للأكل يسمّي وإذا انتهى يقول: الحمد لله.
 أيّها الأخوة اقرؤوا السيرة فيجب أن تقرأ كلمةً كلمةً، واقرؤوا أدعية النبيّ وأذكاره، فالبيت الذي ليس به شيء من السيرة مخالف للنص، أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حبِّ نبيّكم، فقد ذكر النتيجة، أمّا الأسباب، أن تعلّم أولادك أخلاق النبيّ، رحمة النبي، وعطف النبيّ، فقد كان النبيّ يملأ الإناء للهرّة إذا كانت عطشى، كان يرفو ثوبه، ويخصف نعله، ويعجن خبزه، ويحلب شاته، وكان في مهنة أهله، فاقرأ السيرة وانظر لأخلاقه وصفاته.
 وحبّ آل بيته، فأنا لا أعتقد عصراً من عصور التاريخ اجتمعت فيه بطولات كما اجتمع في عصر النبيّ، فقد كان كلّ صحابيٍ بطلاً، ولدينا قصص عن مئات من الصحابة، قصص دقيقةٌ جداً ورائعة وبأسلوبٍ أدبيٍ، فكتاب سير الصحابة يجب أن يكون في كلّ بيت، هكذا التوجيه النبوي:

 

(( أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حبٍّ نبيّكم، وحبٍّ آلِ بيته، وتلاوة القرآن))

 

[رواه الطبراني عن علي]

  لا شيء يمتصّ نشاط الطفل الصغير، يملأ فراغه، كتلاوة القرآن، كسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وسيرة أصحابه الكرام، أخطر شيء بالحياة فراغ الشباب، والفراغ أكبر مفسدة، والقاعدة معروفة عندكم: نفسك إن لم تشغلها بالخير، شغلتك بالشر.
 وابنك من باب أولى، فالأب العاقل يكافح الفراغ، ويحاول بقدر الإمكان أن يملأ وقت أولاده، حتّى لو أحضر لهم جهازاً يتعلّمون شيئاً به، أو مكتبة صغيرة، أو عدداً من المجلات الرصينة، مقالات علميّة مثلاً، مقالات اجتماعيّة، مجلة أو اثنتين من النوع الرّاقي، مكتبة صغيرة تحوي كتباً من السيرة، الحديث، الفقه، فلماذا أنت مسلمٌ، أي أنّك عالمٌ فما اتّخذ الله ولياً جاهلاً، لو اتخذه لعلّمه.
 لذلك كما قلت قبل قليل، وتلاوة القرآن، فلا يوجد نشاط يمتصّ وقت الأبناء والتنافس البريء بينهم والاعتزاز بحفظ كتاب الله، كتلاوة القرآن، أتمنّى على كلّ أب أن يحرص حرصاً لا حدود له على تحفيظ أولاده القرآن، وإن حفظوا جزءاً أعطاهم جائزة شجّعهم، أي اصطحبهم معه في بعض نزهاته، يعني الإنسان عبد الإحسان، كثيرٌ من الآباء من السلف الصالح عندما يحفظ الابن القرآن يصبح لديهم عيدٌ بكامله، فمن يُرِد عندما يكبر ابنه أن تقرّ عينه به عليه أن يعتني به وهو صغير.

 

حظُّ المرأة من العلم كحظِّ الذكر تمامً:

 

 

 الآن ننتقل إلى موضوعٍ متعلّقٍ بالموضوع الأوّل، وهو أنّ المرأة كما قلت في درس الجمعة حظُّها من هذه العلوم كحظِّ الذكور تماماً. أي أنّ طلب العلم فرضٌ على كلِّ مسلم، وكلمة مسلم تعني: على كلِّ إنسانٍ مسلم أي ذكراً كان أم أنثى، فأنا أعتقد أنّ الإنسان المؤمن لا يفرِّق أبداً بين الذكر والأنثى من حيث العلم، تتعلّم و تسبق أخاها أحياناً، تتعلّم وترقى بعلمها، أعظِمْ من امرأة مسلمة تعرف ربّها وتعرف دينها.
 هل تجد امرأةً تتمنى أن يكون لها ضرّةٌ على وجه الأرض ؟ فقد سمعت عن شابٍ أحبّ فتاةً ليست مسلمة ثمّ انصرف عنها، فلمّا انصرف عن هذه الفتاة غير المسلمة قالت له: والله إن تزوّجتني سأُعلن إسلامي وأتحجّب وأحفظ القرآن، ثمّ انصرف عنها، طبعاً أهله لم يرضوا وتزوَّج فتاةً كما يريد أهله، وهذه الفتاة مؤمنة، بعد حين من زواجه منها، أعلمها بقصّة الّتي وعدته أن تتحجّب وأن تحفظ القرآن وأن تسلم إن هو تزوّجها، فما كان من امرأته المؤمنة إلا أن قالت له: يجب أن تقترن بها إلى هذا البيت، وأنا أُعطيها هذه الغرفة!! هذا خلاف الطبيعة الإنسانيّة، هذا هو الإيمان !! أنّ إنسانة تعدك أنّك إذا تزوّجتها تسلم وتتحجّب وتحفظ القرآن وتنصرف عنها ؟ أنا أقبل أن تكون لي ضرّةً !! وتزوّجها وجاء بها إلى البيت، لا يوجد أعظم من فتاة مؤمنة.

المرأة كالرجل تماماً في التكاليف الشرعيّة:

 المرأة كالرجل تماماً في التكاليف الشرعيّة، في أنّها مكلّفة في أركان الإيمان وأركان الإسلام وأنّها مسؤولة عن زوجها وعن أولادها.
 سأُسمعكم نصّاً عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رواه عبد البِر في الاستيعاب ورواه مسلمٌ في صحيحه أنّ أسماء بنت يزيد الأنصارية رضي الله عنها أتت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم (هذه القصّة أيُّها الأخوة أُعوّل عليها أهمّيةً كبرى، يسمونها أحياناً قصّة مفصليّة) فقالت: إنّي رسول من ورائي جماعة من نساء المسلمين (مندوبة عن النساء) كُلُّهنّ يقلن بقولي وعلى مثل رأييْ، إنّ الله بعثك يا رسول الله إلى الرجال والنساء فآمنّا بك واتّبعناك ونحن معشر النساء مقصوراتٌ مخدّرات في البيوت قاعدين قواعد بيوت، وإنّ الرجال فضّلوا بالجمعة والجماعات وعيادة المرضى وشهود الجنائز والجهاد، وإذا خرجوا إلى  الجهاد حفظنا لهم أموالهم وربّينا أولادهم أفنشاركهم في الأجر يا رسول الله ؟ الجُمعة لهم شهود الجنائز لهم كذلك الجهاد، ونحن في البيوت قاعدات، وأنت الله بعثك لنا ولهم، فما وضعنا نحن ؟
فالتفت النبيّ عليه الصلاة والسلام بوجهه إلى أصحابه قال:

(( هل سمعتم مقالة امرأةٍ أحسن سؤالاً عن دينها من هذه ؟. فقالوا: بلى يا رسول الله. فقال عليه الصلاة والسلام: انصرفي يا أسماء وأعلمي من وراءك من النساء أنّ حسن تبعُّل إحداكُنّ لزوجها وطلبها لمرضاته واتباعها لموافقته يعدل كلّ ما ذكرت.))

[ ورد في الأثر ]

  فانصرفت أسماءُ وهي تهلل وتكبّر استبشاراً بما قاله لها عليه الصلاة والسلام.
 أي أنّ المرأة إذا أحسنت رعاية زوجها وأولادها وكانت زوجةً مثاليّةً، حفظت نفسها وحفظت مال زوجها، وقامت على شؤون بيتها وشؤون أولادها وربّت أولادها، النبيُّ عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى يقول: إنّ أجرها مثل أجر المجاهد في سبيل الله تماماً بتمام، فعند الله عدالة مطلقة، امرأةٌ في البيت لكنّها كالمجاهدة في سبيل الله.
 لذلك أيُّما امرأةٌ قعدت على بيت أولادها فهي مع النبي في الجنّة. دائماً أروي حديثاً عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

 

(( أول من يمسك بحلق الجنة أنا، فإذا بامرأة تنازعني تريد أن تدخل الجنة قبلي، قلت: من هذه يا جبريل ؟ قال: هي امرأة مات زوجها، وترك لها أولاداً فأبت الزواج من أجلها ))

 

[ ورد في الأثر]

  كثير من النساء وهنّ في ريعان الشباب، ثلاثٌ وعشرون سنة، ويتوفّى زوجها بحادث وعندها ثلاثة أولاد منه، تؤثر تربية أولادها على حظّها من الرجال، قال: هذه المرأة تريد أن تدخل الجنّة قبل رسول الله.

 

آيات من القرآن الكريم تؤكد على مساواة المرأة بالرجل:

 

 يبدو من خلال هذه الأحاديث أنّ تربية الأولاد أعظم عملٍ في الحياة الدنيا، فأنت تخرِّج أجيالاً، فإذا عرف ابنك الله عزَّ وجلَّ وكان ذا أخلاق عالية، الآن أقول لك: فلان، إذا كان الإنسان أخلاقياً ولا يؤذي أحداً يقولون عنه تربته المنزليّة عالية، أحياناً ليس عنده دين ولكن مربّى تربية عالية، تربيته المنزليّة عالية جداً. وطبعاً كلّكم تعرفون الآيات الّتي تؤكّد مساواة المرأة بالرجل، قال تعالى:

﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195) ﴾

( سورة آل عمران )

 آيةٌ أُخرى، قال تعالى:

 

﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) ﴾

( سورة النساء )

  وقال أيضاً:

 

﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35) ﴾

 

( سورة الأحزاب )

  بالطبع باللغة العربيّة أيُّ أمرٍ موجّهٍ للذكور موجّهٌ حكماً للنساء هذه الآيات تؤكّد ذلك، فمثلاً قال تعالى:

﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56) ﴾

( سورة النور )

تعليم الفتيات القرآن والسنة والفقه من أجلِّ الأعمال في الإسلام:

 هذا خطاب موجّه للمؤمنين، وأيُّ خطاب موجّهٍ للذكور موجّهٌ حكماً للنساء، فيمكن للمرأة أن تقول: هذا الأمر ليس لي، لكن الأوامر القرآنيّة الموجّهةَ للرجال موجّهةٌ للنساء حكماً. أمّا ربنا عزَّ وجلَّ في الآية الكريمة من سورة الأحزاب آية " 35 " ذكر النساء والرجال تكريماً للنساء، ولبيان أنّهُنّ كالرجال تماماً:

(( من كان له ثلاث بناتٍ أو ثلاث أخواتٍ أو بنتان أو أُختان فأدّبهنَّ وأحسن إليهنّ وزوّجهُن فله الجنّة.))

[رواه الترمذي وأبو داود عن أبي سعيد الخدري]

 فأنا أعرف شابّاً لم يتزوّج حتّى زوّج كلّ أخواته، واختار لهم أزواجاً مؤمنين وأمّنهم ثمّ تزوّج، أي أنّه يوجد كثير من الأعمال الصالحة ضمن نطاق الأُسرة تكفي لدخول الجنّة، وفي روايةٍ:

 

(( مَن كَانَتْ له جارية فَعَالَها وأحسنَ إِليهَا، ثُمَّ أعْتَقَها وتزوجها: كان له أجران. ))

 

[الترمذي عن أبي موسى الأشعري]

 وجاء في مقدّمة كتاب المعلّمين لابن سحنون أنّ القاضي الورع عيسى بن مسكين كان يقرئ بناته وحفيداته، قال عياض: فإذا كان بعد العصر دعا ابنتيه وبنات أخيه ليُعلّمهنّ القرآن والعلم، وكذلك كان يفعل قبله فاتح صِقلية أسد بن الفرات لابنته أسماء الّتي نالت من العلم درجةً كبيرة.
تعليم الفتيات القرآن الكريم والحديث الشريف وأحكام الفقه هذا من أجلِّ الأعمال في الإسلام.

 

آيات تؤكد تحريم التعليم المختلط وعدم إبداء الزينة:

 

 

 طبعاً الاختلاط محرّمٌ شرعاً، أي التّعليم المختلط وهذه هي الأدلّة، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا (53) ﴾

( سورة الأحزاب)


 قال:

 

﴿ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (53) ﴾

 

 

( سورة الأحزاب)

  وقال تعالى:

 

 

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) ﴾

( سورة النور )

  عدم إبداء الزينة، ولا يبدين زينتهنّ إلا ما ظهر منها أي طولها ولون ثوبها، وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب وقال تعالى:

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (59) ﴾

 

( سورة الأحزاب )

تحريم الاختلاط في السنة النبوية:

 في الأحاديث:

(( ما خلا رجل بامرأة إلا دخل الشيطان بينهما ))

[ رواه الطبراني عن أبي أمامة]

  و:

 

(( إِيِّاكُم والدخولَ على النساء، فقال رجل من الأنصارِ: أَفرأيتَ الحَمْوَ ؟ قال: الحَمْوُ الموتُ. ))

 

[متفق عليه عن عقبة بن عامر]

  هذه النصوص من آيات ومن أحاديث تؤكّد أنّ الاختلاط محرّم والمفاسد كلّها تتأتى عن طريق الاختلاط، فتعليم الفتاة لا يعني الاختلاط مع الرجال.
 فإذا تحدّثنا عن مفاسد الاختلاط في المجتمعات الغربيّة فهو شيء لا يصدّق أبداً، الإحصائيّات في العام الماضي والكتاب مؤلّف من عشر سنوات، أي في عام ألف و تسعمئة و ثلاثة و ثمانين، قال: مئة وعشرون ألف طفل أنجبتهم فتيات قاصرات بصورة غير شرعيّة لا تزيد أعمارهنّ عن العشرين وإنّ كثيراتٍ منهن لازلنا طالبات، هذا الاختلاط.
 أي توجد مخازٍ لا سبيل إلى ذكرها كلُّها من آثار الاختلاط، فنحن إذا دعونا إلى تعليم الفتاة فندعو أن يكون من دون اختلاط، من دون مفاسد، وأكبر تعليمٍ لها هو العلم الشرعيّ، فإذا تمكّن أبوها أن يعلّمها فهذا أفضل شيء، أو عن طريق أحد محارمها في البيت، فأخطر شيء على الفتاة الاختلاط ومع الاختلاط ينشأ الفساد.
 على كلٍّ لا نريد أن نتوسّع في هذا الموضوع إلا بالقدر الذي يعنينا نحن جميعاً، الذي يهمُّنا أنّ تعليم الأولاد التعليم الشرعيّ وتربيتهم التربية العقليّة المناسبة هي مسؤوليّة الآباء.

 

نحن كآباء وأبناء علينا أن ننتقل من طور القدوة إلى طور التعليم:

  توجد الآن حالات نادرة أو ليست نادرة، مثلاً: أب لم يتمكّن أن يتعلّم، فظروفه التي عاش بها لم تُعِنْه على طلب العلم، فماذا يفعل هذا الأب ؟ هذا الأب إذا علّم أولاده، النقص الذي كان يشعر به تلافاه في أولاده، ومن ينجب ولداً بدرجة عالية من العلم الشرعيّ هذا مما ينسيه تقصيره في هذا الحقل، وإذا كان الإنسان على مستوى عالٍ من العلم الشرعيّ يمكنه أن يجعل ابنه أو ابنته على شاكلته، أمّا إذا كان الأب مقصّراً سابقاً فالحل أن يحقق في ابنه ما فاته في شبابه.
 لا زلنا في موضوع التربية العقليّة ومسؤوليّة الآباء عن هذه التربية، بقي علينا كما قلنا في مطلع الدرس: أنّ هذا البيت إذا تمكّن كلّ أب من أن يجلس جلسةً مع أولاده وبناته وتكون محورها تلاوة القرآن وسيرة النبيّ وأصحابه وتوجيه النبيّ، فهذا واجب قام به الآباء.
محور الدرس اليوم هو الحديث الشريف:

 

 

(( أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حبٍّ نبيّكم، وحبٍّ آلِ بيته، وتلاوة القرآن..))

 

[رواه الطبراني عن علي]

  هذا الحديث منهج في التربية، فالموضوعات الثلاثة الأساسية: سيرة النبيّ، فهي قصّة والطفل يحبّ القصّة، وسير النبي و أصحابه، والقرآن قراءةً وتحفيظاً وتجويداً، فإذا تمكّنت أن تلقي على أولادك هذه الدروس فأنت قد رفعت عنك المسؤوليّة التي كان من الممكن أن تُسأل عنها إذا قصّرت في هذا الأداء.
 الحقيقة يجوز أن يمرّ معنا في المستقبل أنّه من أبلغ وسائل التربية القدوة، أن تكون أنت عارفاً بالسيرة، عارفاً بسير الصحابة، متقناً لقراءة القرآن، فالأب القدوة أكمل بكثير، فنحن كآباء وأبناء علينا أن ننتقل من طور القدوة إلى طور التعليم، والله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً.

 

على المؤمن أن يربي أولاده على الصلاة والذكر وحفظ القرآن:

 

 فأنا ذكرت لكم مرّةً هذه القصّة ولن أنساها ؛ إنسان كنت بحاجة إلى التعامل معه فقلت له: متى تكون في المكتب ؟ قال لي: باكراً، فانصرف ذهني للساعة التاسعة، قال: لا، الساعة السادسة صباحاً !! بعضهم لا يفتح إلا ظهراً، الساعة التاسعة أو العاشرة، فعندما استغربت قال لي: عندما كنت طفلاً صغيراً كنت أذهب مع والدي كلّ فجرٍ إلى المسجد، نشأت على صلاة الفجر في المسجد، وكنت قبل صلاة الفجر أُصلّي معه قيام الليل، وأنا حينما يؤذِّن الفجر أستيقظ، وهو الآن في الخامسة والخمسين، لا يستطيع بعد الفجر أن ينام فيبدأ عمله باكراً.
 قلت هذا الأب الذي ربّى ابنه على صلاة الفجر في المسجد أصبحت عنده عادة واستمرّ بها فالطفل الصغير كيفما تنشّئه ينشأ، كيفما تعلّمه يتعلّم، والعلم في الصغر كالنقش في الحجر، فربِّه على الصلاة والذكر وحفظ القرآن، وربِّه على أن يقرأ عن رسول الله وأصحابه، وربِّه على أن يتكلّم كلاماً مهذّباً ويتحرّك حركةً مهذّبة.
 ذات مرّة النبيّ اللهمّ صلِّ عليه رأى شاباً يمشي أمام شيخ، فقال له: من هذا ؟ قال: هو أبي. قال له: أبوك لا تمشِ أمامه، ولا تجلس قبله، ولا تناده باسمه، ولا تستسبّ له.
أربع آداب علمها لنا الرسول الكريم، تستسبّ له: أي تسبب له السباب.
 ذات مرّة دخلت لأرى بيتاً لأحد أخواننا، لنرى غرفه، فدخلنا أحدها فوجدنا شاباً عمره تقريباً اثنتا عشرة سنة وهو مضطجع على ظهره وواضعٌ رجلاً فوق أخرى ويتابع فيلماً، دخل أبوه وأربعة أو خمسة أشخاص مع أبيه ولم يتحرّك ولا وقف قائماً، فما هذه التربية ؟!
لا توجد نسبةٌ ما بين الولد المربّى وغير المربّى، لذلك الله عزَّ وجلَّ يلهمنا أن نطبّق هذه الأحاديث، فيكفي أن نحفظ حديثاً واحداً في هذا الدرس:

(( أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حبٍّ نبيّكم، وحبٍّ آلِ بيته، وتلاوة القرآن..))

[رواه الطبراني عن علي]

  هذا منهج يكفينا كي نربّي أولادنا.