الزواج - الدرس : 07 - أنواع الزواج - اختيار الزوجة.

1993-06-20

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

مقدمة تذكيرية:

أيها الإخوة الأكارم، في الدرس الماضي بدأنا موضوع الزواج، وكنت قبل أسابيع عدة عالجنا موضوع فقه المال، والذي أراه أن أخطر موضوعين يمسان كل إنسان من دون استثناء، كسب المال وموضوع الزواج، وإن تسعة أعشار المعاصي من كسب المال ومن علاقة الرجل بالنساء.
وقد تحدثنا ملياً عن طرق كسب المال، وعن الطريق المحرمة، وعن الطريق التي أراده الله عز وجل، وانتقلنا إلى موضوع الزواج.

حاجة الناس إلى موضوع الزواج:

قد يقول قائل: إن موضوع الفقه موضوع جاف، حقيقة موضوع الفقه موضوع جاف، وموضوع شائك، يكون جافاً إذا عالج موضوعات بعيدةً عن حياة الناس، مثلاً: موضوع العبيد والإيماء، الآن لا يوجد شيء من هذا، موضوع بعيد عن حياتنا، وعن واقعنا، وعما يحيط بنا، هناك موضوعات في الفقه كثيرة جداً، إذا عالجتها يشعر الناس أنهم ليسوا بحاجة إليك، لكن هناك موضوعات الناس جميعاً في أمسّ الحاجة إليها، لأنه لا يخلو إنسان إن كان شاباً هو في طريق الزواج، وإن كان متزوجاً بإمكانه أن يحسن علاقته الزوجية، يرفع من مستواها، بإمكانه أن يحل المشكلات القائمة بينه وبين زوجته، لأنه إذا رجع إلى الله عز وجل، ووقف عند حدوده صار زوجاً ناجحاً، وإذا عرفت زوجته ربها ووقفت عند حدوده أصبحت زوجةً ناجحة
والحقيقة انه لا يوجد قرار يتخذه الإنسان في حياته أخطر من قرار زواجه، لأن أي شيء آخر غير الزوجة يكون التبديل والتغيير فيه سهلاً، هذا البيت غير مناسب يباع، هذه المركبة غير مناسبة تباع، هذه الحرفة غير مناسبة تستبدل، لكن الزوجة شريكة الحياة، وأم الأولاد، وعلاقات وفي بناء، هذا الطفل هذه أمه، وهذا أبوه، فإذا افترقا مزِّق الطفل تماماً، فما قولك بإنسان ربطت يده ورجله في مركبة، ومركبة في مركبة، والمركبتان تباعدتا عن بعضهما البعض، صدقوني هذا المثل لا يبتعد كثيراً عن الطلاق، فالبناء يتمزق، هذا أبوهم، وهذه أمهم، وقد افترقا، لذلك الطلاق يهتز له عرش الرحمن، لأنه تهديم أسرة، وتشريد أولاد، وتقطيع أوصال، وما دام الطلاق بهذه الخطورة فينبغي أن يكون الزواج في تأنٍ كثير، بدراسة طويلة، ببحث عميق، بحث دقيق، بتريث، بسؤال، لذلك يعد موضوع الزواج، وموضوع كسب المال من أخطر الموضوعات التي يعالجها الفقه الإسلامي، لأن كل واحد من الحاضرين، وأنا معكم إن كان أعزب مقدم على زواج يحتاج إلى نور، كيف يختار الزوجة.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( إِنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ ))

الزوجة إما أن تكون مصدر سعادة لا حدود له لزوجها وأولادها، وإما أن تكون مصدر شقاء لا حدود له لزوجها وأولادها، إذاً أخطر ما في الزواج حسن اختيار الزوجة، الآن فلان تزوج، إذا كنت متزوجاً هذا الموضوع يفيدك في تزويج بناتك، وفي تزويج أولادك، وإذا كنت متزوجاً فهذا الموضوع يفيدك في رفع العلاقة الزوجية من علاقة رتيبةٍ لا معنى لها، من علاقة مصلحية إلى علاقةٍ مفعمةٍ بالود، كل هذا يرفع، لذلك هذا الموضوع من الموضوعات الخطيرة في حياة المسلمين.
وهناك عامل آخر، هو أن الذي يدعو إلى الله عز وجل شاء أم أبى تعرض عليه مشكلات إخوانه، أعجبه أم لم يعجبه، هذا قدره، فالأخ الذي له من يعلمه، وهذا مرجعه، يا سيدي، هكذا حصل معي البارحة، حصل بينهما خلاف، تفعل معي هكذا، وقد يأتي والد الزوجة يتحدث حديثاً مخيفاً عن الزوج، وعن فظاظته، وقسوته، وعن، وعن، هذه المشكلات ترجع في أغلب الأحيان إلى مخالفة الشرع في اختيار الزوجة، لذلك أيها الشباب هذا موضوع دقيق جداً.
مرة ثانية أقول لكم: أخطر قرار يأخذه الشباب من دون استثناء قرار الزواج، لأن الزوجة ليس من السهل أن تفارقها، لأنه بينكما أولاد وبناء، وفي الدرس الماضي تحدثنا عن الزواج وعن زواج الجاهلية.

حُكم الزواج:

واليوم درسنا عن حكم الزواج، هناك زواج واجب يرقى إلى مستوى الفرض، وهناك يوجد زواج مستحب، وزواج مباح، وزواج مكروه، وزواج محرم، وكل واحدٍ له وضع خاص، كل واحدٍ له حكم خاص في زواجه، فما الزواج الواجب ؟ ومتى يكون الزواج فرضاً ؟

1 – الزواج الواجب:

قال العلماء: يجب الزواج على من قدر عليه، صحته طيبة، له دخل، وله بيت، أول شرط يجب الزواج على من قدر عليه، وتاقت نفسه إليه، وخشي العنت، مقاومته هشة، ويخاف أن تزل قدمه، ولاسيما الذين يتعاملون في مهنهم مع النساء، فأن تزل قدم هؤلاء احتمال كبير، لذلك من قدر عليه، وتاقت نفسه إليه، وخشي العنت، هذا الإنسان الزواج فرض في حقه، لماذا ؟ لأن الشريعة لها خمسة مقاصد أساسية، والشريعة مصلحة كلها، رحمة كلها، عدل كلها، أول مقصد صيانة الدين هذا، أول مقصد في الحياة، ومن صيانة الدين الزواج، لأنه إذا زلت قدم الإنسان سقط من عين الله، ولأن يسقط من السماء إلى الأرض أهون من أن يسقط من عين الله، وإذا زلت قدم الإنسان، وشعر أن بينه وبين الله حجباً كثيفة يوشك أن يضل وتحبط معنوياته.

أنا أعلم أن بعض الشباب الذين زلت أقدامهم يتمنون أن يجلدوا في المسجد، لعل الله يغفر لهم، لا أحد يهون من مغبة الانحراف، إذا زلت قدم الإنسان شعر أن بينه وبين الله حجباً كثيرةٍ، وأن التوبة أصعب عليها من كل شيء، لذلك صيانة النفس من معصية الله، ومن زلة القدم هذا مقصد كبير يهون أمامه كل مقصد، لذلك الزواج الواجب، وهذا الكلام بحق الشباب، وبحق الآباء، أقول هذا الكلام مرات عديدة، لأنّ الآن نظراً لما يطفح به الطريق من فساد ومن فتن، ومن نساءٍ كاسيات عاريات، من نساءٍ يبرزن كل ما عندهن في الطريق لهؤلاء الشباب، الأب الذي بإمكانه أن يزوج ابنه، ولا يزوجه إمساكاً وحرصاً، إذا زلت قدم ابنه أقول لكم ولا أبالغ: والله الذي لا إله إلا هو إن زلة قدم ابنه في رقبته يوم القيامة، وربما قال الابن: يا رب، إن أبي كان قادراً على تزويجي، قادراً على أن يحصنني، يا رب لا أدخل النار قبل أن أدخل أبي قبلي، الذي عنده فتاة، وبإمكانه أن يساعد شاب بتأمين مأوى لهذا الشاب إذا تزوج هذه الفتاة فلم يفعل قوى، في نفس ابنته الانحراف، وهو لا يدري، وهو لا يريد، وهذا معنى قوله تعالى:

 

﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

( سورة النور )

يجب أن يكون في ذهن أي أب أن يزوج أبناءه وبناته، أن يقدم ما يستطيع، هذا أعظم عمل، والأبوة الكاملة تؤهل الإنسان لتدخله الجنة، الزواج فرض على من قدر عليه، وتاقت نفسه إليه، وخشي العنت، هذا الإنسان الزواج فرض في حقه، لماذا ؟ لأن إعفاف النفس، وتحصينها من المعصية مقصد أساسي من مقاصد الشريعة، ولا يتم إحصان النفس ولا يتم إعفافها، ولا يتم للرجل غض بصره إلا بالزواج، كما ورد في بعض الأحاديث مِن قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، لأنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَهَلْ يَتَزَوَّجُ مَنْ لا أَرَبَ لَهُ فِي النِّكَاحِ ))

[ مسلم]

لذلك الآباء والأمهات والشباب يجب أن يكون هذا ماثلاً أمامهم، أما إذا تاقت نفسه إلى الزواج، وعجز عنه، وخاف العنت ماذا يفعل ؟ هذا قدر الله سبحانه وتعالى، ينطبق عليه قوله تعالى:

 

﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

( سورة النور )

ما حكمُ من تاقت نفسه للزواج ولم يقدر عليه ؟

تاقت نفسه إلى الزواج، وعجز عنه، وخاف العنت، وهو مؤمن، يا رب إن لم تصرف عني كيدهن أصبُ إليهن، مثل هذا الإنسان عليه أن يصبر، وعليه أن يصوم، لقول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح عن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَابًا لا نَجِدُ شَيْئًا فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ، أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ ))

معنى هذا أن الشاب إلى أن يتزوج إذا ملأ وقته في الأعمال الطيبة، في حفظ القرآن الكريم، في العلم الشرعي، في طلب العلم الدنيوي، في تحصيل الشهادات، في إتقان الصنعات، يجب على الشاب المؤمن أن يملأ وقته بالعمل الدنيوي والأخروي، لأن إملاء هذا الوقت، وغض بصره، والابتعاد عن أماكن الشبهات، ومواطن الفتن، وعن رفقاء السوء، وعن قراءة الموضوعات التي تثير الغرائز، والابتعاد عن أجهزة اللهو، وعن المسلسلات، وعن الاختلاط هذا كله يجعله في حصن حصين، وفي حرز حريز، يجعله في طمأنينة ما بعدها طمأنينة، ومتفرغاً لبناء ذاته، هذا الحل الثاني، تاقت نفسه إليه، وخشي العنت، ولم يقدر عليه، فعليه بالصوم، فإن الصوم له وجاء، هذا الزواج الواجب.

2 – الزواج المستحب:

أما الزواج المستحب، فإن كان تائقاً له، وقادراً عليه، لكنه يأمن على نفسه من اقتراف ما حرم الله عليه، فإن الزواج مستحب له، تاقت نفسه إليه، وهو يقدر عليه، لكن بعيد عن أن تزل قدمه، ولا يخشى على نفسه العنت، مثل هذا الإنسان الزواج في حقه مستحب، لكن هو أولى من التفرغ للعبادة، لأنه سنة، هذه سنتي، فمن رغب عنها فليس من أمتي، هذه سنة الله في خلقه، هي أولى من الرهبانية التي ابتدعها النصارى.
نقطة مهمة جداً في آية دائماً أذكرها، وليس لها علاقة بالزواج، لكن سبحان الله ! كلما أقرأ هذه الآية أشعر أن معناها شامل، قال تعالى:

 

﴿ وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ﴾

( سورة النساء )


إنّ الزوج المؤمن الصادق له أهداف من الزواج نبيلة جداً، أحد أكبر أهدافه إنجاب الذرية الصالحة، أحد أكبر أهدافه أن يكون لك ولد ينفع الناس من بعدك، أن يكون لك ولد يعلم الناس الخير، أن يكون لك ولد يقرب الناس إلى الله عز وجل، لأنّ امتداد الذرية امتداد للآباء، لذلك من أقلّ أهداف الزواج الاستمتاع، لكن أعظم أهدافه الكبرى في نظر المؤمن هي العمل الصالح، الإنسان يتقرب إلى الله بالزوجة الصالحة، بالأخذ بيدها إلى الله عز وجل، بتوجيهها الوجهة الصحيحة، بتربيتها التربية الصحيحة.
روى الطبراني عن سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

 

(( إن الله أبدلنا بالرهبانية الحنفية السمحة ))

 

[ ورد في الأثر]

الرهبانية ليست تقرباً إلى الله عز وجل، الله عز وجل لا يتقرب إليه بالحرمان، ولكن يتقرب إليه بتنفيذ أمره ونهيه، الشقاء أو بذل الجهد، والحرمان ليس مطلوب لذاته، المطلوب لذاته أن تطبق منهج الله عز وجل.
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( النِّكَاحُ مِنْ سُنَّتِي، فَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِسُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي، وَتَزَوَّجُوا، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأمَمَ، وَمَنْ كَانَ ذَا طَوْلٍ فَلْيَنْكِحْ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَيْهِ بِالصِّيَامِ، فَإِنَّ الصَّوْمَ لَهُ وِجَاءٌ ))

عندنا زواج محرم، وزواج فرض لمن قدر عليه، وتاقت نفسه إليه، وخشي العنت، من تاقت نفسه إليه، وخشي العنت، ولم يقدر عليه فعليه بالصبر والصوم، ومن قدر عليه، وتاقت نفسه إليه، ولم يخش العنت فالزواج مستحب، لكنه أولى من التفرغ للعبادة، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

((... أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ))

[ البخاري]

3 – الزواج المحرَّم:

أما الزواج المحرم فيحرم الزواج على كل رجل يخل بحقوق الزوجة في المعاشرة والإنفاق، الزوجة لها مطلبان أساسيان، المطلب الأول: أن تعاشرها كزوجة، والثاني: أن تنفق عليها، فمن أخل بحقوق الزوجة في المعاشرة والإنفاق هذا حرم عليه الزواج، لأن يفضي إلى ظلم، امرأة تعيش بين أبويها عيشةً رغيدةً هادئةً، طيبةً، فلما أخذتها من بين أهلها، وظلمتها، وقسوت عليها، وحرمتها، وأهنتها، وضربتها، أنت ظلمت، والظلم ظلمات يوم القيامة، أخطر شيء في الحياة أن تكون سبباً لشقاء إنسان، الإنسان بنيان الله، وملعون من أهان بنيان الله، والله أنا أستمع من بعض الإخوة ممن زوجوا بناتهم لأشخاص ليسوا أكفاء، أستمع عن قسوتهم في المعاملة، وعن وحشيتهم في معاملة الزوجة، وعن ظلمهم لها الشيء الكثير.
هناك أشخاص وحوش، والإنسان من دون علم وحش، إذا تحرك وفق نزواته وشهواته أصبح كالوحش تماماً، قسوة ما بعدها قسوة، قلب كالصخر، كلام أقسى من الحجر، بخل لا يحتمل، بعد عن الله، فظاظة ما بعدها فظاظة، وقد قيل: الزواج رق، فلينظر أحدكم أين يضع كريمته.

النبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( فاطمة بضعة مني، من أكرمها فقد أكرمني، ومن بغضها فقد بغضني ))

[ الجامع الصغير عن المسور بن مخرمة ]

البنت غالية جداً، فإذا كان يسلم ابنته لزوج يضربها، لزوج يجيعها، لزوج بخيل كل الخزن مقفلة، الطعام مقفول عليه فقد أهانها، وما من صفة أشد في الرجل من البخل.
يحرم الزواج على كل رجل يخل بحقوق الزوجة في المعاشرة والإنفاق إذا علم أن الزوج أنه يعجز عن الإنفاق على الزوجة، أو يعجز عن أن يؤدي لها حقها، فالزواج في حقه محرم، وإذا علمت الزوجة أنها لا تستطيع أن تحصن زوجها، ولا أن تقوم بواجباته فقبولها بهذا الزواج فيه حرمة، يجب أن تنصح، وإذا أخفى الإنسان العيب، ثم كشف العيب فهذا تدليس، وهذا تغرير، وهذا كذب، وهذا يستوجب رد الزواج بدعوى التدليس أو إخفاء العيب.
أحيانا يكون مرض خطير في أحد الزوجين، أو مرض يمنع الزوج من أن يعاشر زوجته، لكن هناك أشياء بسيطة لا داعي أن تذكر، أما العيوب الخطيرة التي تسبب شقاءً زوجياً فهذه يجب أن تعلم، وإلا كان الزواج محرمًا.

4 – الزواج المكروه:

يكره الزواج في حق من يخل في حقوق الزوجة في المعاشرة والإنفاق، لكن لا يقع ضرراً كبيراً بالمرأة، امرأة غنية ليست بحاجة إلى الزوج، ونفسها لا تتوق إلى معاشرته، فتزوجت، وهو أخل بحقها في المعاشرة وبالإنفاق، لكن هذا الإخلال لطبيعتها ولغناها لن يؤثر فيها تأثيراً بليغاً، فهذا الزواج بحق هذا الزوج مكروه، وليس محرماً، أما إذا انتفت الدواعي والمحظورات فالزواج مباح.
فعندنا خمسة أحكام، الحكم الأول الزواج الواجب والمستحب، والمحرم والمكروه، والمباح، من دون دوافع، ومن دون محظورات مباح، بدافع شديد، وهناك قدرة، وهناك طوق، وهناك خوف العنت فهو واجب، هناك قدرة، وهناك توق، لكن لا يخشى العنت، هذا الزواج مستحب.
هناك فروق فردية أيها الإخوة، الإنسان توقه للنساء، وتوق النساء للرجال فيه درجات، هناك حد إن لم يروَ هذه الرغبة، ربما وقع في الزنا، أو وقعت في الزنا، وهذه درجات، كل إنسان له درجة معينة في هذا الموضوع، وهو أعلم بنفسه، لكن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن التبتل، والتبتل ترك الزواج، والانقطاع للعبادة.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ:

(( ائْذَنْ لِي أَنْ أَخْتَصِيَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خِصَاءُ أُمَّتِي الصِّيَامُ ))

[ الجامع الصغير ]

هذا تغيير لخلق الله عز وجل، الخالق العظيم خطط، وصمم، وقنن، احترامك لسننه، ولقوانينه، وللفطرة التي فطر الناس عليها، هذا من العبادة، أحد الصحابة أراد التبتل، فنزل قرآن في حقه، قال تعالى:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾

( سورة المائدة )

بالمناسبة، لو فرضنا أن إنسانًا تأخر زواجه، أو أن امرأة مؤمنةً كريمةً فاتها قطار الزواج، أو أنها زوجت وطلقت، لكن إذا كانت تعرف الله عز وجل فالله عز وجل يجعل لها من الأنس بقربه ما يغنيها عن الزواج، وليس بيدها، وهي عليها أن تسعى، فإذا سعت ولم تفلح بالزواج ماذا تفعل ؟ إذا كانت راضية بقضاء الله وقدره ربما كان هذا أنسب شيء لها، والله أعلم، ولو كشف الغطاء لاخترتم الواقع، وسيدنا علي يقول: << والله لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً >>، يعني لشدة إيمانه بالله عز وجل يقينه قبل كشف الغطاء كيقينه بعد كشف الغطاء، قال تعالى:

 

﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

( سورة البقرة )

أحيانا ربنا عز وجل يفرغ هذا الإنسان تفريغاً إجبارياً، وأحيانا يفرغ هذه المرأة تفريغاً إجبارياً، الزواج مشغلة، مجبنة، مبخلة، لا تعرف أين الخير، المؤمن راض بقضاء الله.

هم الأحبة إن جاروا وإن عدلوا فليس عنهم معدل وإن عـدلوا
والله وإن فتتوا فـي حبهم كبدي باق على حبهم راض بما فعلوا

أنا علي أن أسعى، فإن فاتني قطار الزواج ماذا أفعل ؟ أحتسب هذا عند الله، وأشتغل بالصلوات، وقيام الليل، والذكر، وطاعة الله، والدعوة إلى الله، ونشر العلم، فإذا كشف الغطاء كانت هذه المرأة التي فاتها قطار الزواج، واشتغلت بطاعة الله أكرمها الله بجنة عرضها السماوات والأرض، لا تعرف الله عز وجل إذا رحم إنساناً يرحمه، وهو أعزب، فيسعد سعادة تفوق المتزوجين، وإذا رحم امرأةً وهي عزباء، أو وهي عانس، ربما رحمها رحمةً تفوق كل ما رحمت به المتزوجات، فعلى الإنسان أن يرضى بقضاء الله وقدره.
عَنْ سَمُرَةَ

(( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ التَّبَتُّلِ ))

[ الترمذي، ابن ماجه، النسائي ]

قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾

( سورة المائدة )

هل يُقَدَّم الزواجُ على الحج ؟!

عندنا بحث صغير جداً، وهو هل يقدم الزواج على الحج، أم يقدم الحج على الزواج ؟ وإذا قلنا: الحج، نقصد به حج الفرض ؟ فإذا لم يتزوج الإنسان، ولا يخاف، ويتحمل المسؤولية، لا يعمل، يخاف من المال الحرام، هذا صار عضواً أشلَّ، صار إنساناً سلبياً، والجنة لا تدخلها إلا بالعمل، والعمل مجاله التعامل مع الناس، لذلك ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

(( المسلم إذا كان مخالطا الناس، ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم ))

[ الترمذي، ابن ماجه عن ابن عمر]

فالسؤال الآية الكريمة:

 

﴿ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾

( سورة النور )

ألا تجدون في المجتمع إنسانًا ملكًا، وعنده زوجة شريرة، أو العكس، امرأة طيبة طاهرة، مؤمنة طائعة لله عز وجل، وعندها زوج كالوحش، فما معنى هذه الآية ؟ وفي المجتمع أمثلة كثيرة ؟ قل: هذه الآية صيغت صياغةً خبرية، لكن المراد منها إنشائي، يعني ينبغي أن يكون الطيبون للطيبات، يا عبادي أنتم خلفائي في الأرض، أنتم مخيرون، دققوا، ينبغي أن يكون الطيبون للطيبات.
أحيانا يكون عند إنسان بنت طاهرة حافظة للقرآن الكريم، متعلمة العلم الشرعي، يخطبها إنسان جاهل، لكنه غني، فيوافق الأب على هذا الزواج، وافق وما علم أن هذا الزواج قطعة من الجحيم، هو يحتقر علمها، ويحتقر دينها، ويحتقر ورعها، ويعاملها بفظاظة، هذه تحتاج إلى إنسان ديّن يعرف قيمة حفظها لكتاب الله، وقيمة دينها، فالكفاءة في الزواج موضوع مهم جداً، لذلك يقدم الزواج على الحج إذا خشي الزوج العنت، وبعض العلماء قال: يقدم على حج الفرض، إذا خاف أن تزل قدمه، لأنه من تزوج ملك نصف دينه، فليتقِ الله في النصف الآخر.

الحقيقة كلما تعقدت الحياة تأخر سن الزواج، وأبناء الريف يتزوجون في العشرينات، أبناء المدن في الثلاثينات، وكلما تعقدت الحياة ارتفع سن الزواج، وكلما ارتفع سن الزواج كثر خطر الفسق والفجور، فلذلك ما من عمل أطيب من الدعوة إلى الزواج في وقت مبكر، وما من سبيل إلى ذلك الزواج المبكر إلا تذليل الصعاب.
مرة قلت لكم: هناك قرية من قرى دمشق أنا أكبرها، هذه القرية اجتمع كبراءها، وقرروا أن مهر البنت في هذه القرية خاتم وساعة فقط، ولا نريد سوى ذلك، وما من عمل أعظم من تسهيل الزواج، ابنتك خطبت لبسها الزوج سوارا رفيعًا فلا بأس، أو خاتمًا رخيصًا فلا بأس، لا تدقق إطلاقاً، الحياة جوهرها الوفاق الزوجي، هذا الذهب لا يقدم ولا يؤخر، أما إذا شرط ثلاثمئة ألف ذهبًا، وغرفة النوم نحن نختارها، فذهبوا، واختاروا غرفة بثلاثمئة وخمسين ألفًا، فهذه العقبات هي التي تدعو إلى إحلال السفاح محل الزواج، وكلما الطلبات كثرت، وتعقدت صار طريق الزواج مسدودًا، ولحم النساء رخيصًا، وكلما رخص لحم النساء غلا لحم الضأن، وكلما قل ماء الحياء قل ماء السماء، هذه قاعدة، أما إذا غلا لحم النساء رخص لحم الضأن، وإذا كثر ماء الحياء كثر ماء السماء، هذه قاعدة، فلذلك هذه دعوة صارخة إلى تخفيف أعباء الزواج، وهناك آية قرآنية تؤكد هذا المعنى، سيدنا موسى حينما تزوج بنت سيدنا شعيب قال تعالى:

 

﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾

(سورة القصص)

هذه الآية يجب أن تكون شعار كل والد فتاة اتجاه من يخطب ابنته، ( وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ )، كلما كبر عقل الأب والأم لا يدققون لا بغرف النوم، ولا في الذهب، ولا بموقع المنزل، وكلما صار التعلق بالمظاهر والبعدِ عن جوهر الحياة يصير التدقيق، وينتهي هذا الزواج إلى طلاق، ولا يزال في فترة الخطوبة.
قال أب لصهره: أنا سوف أطلب منك النقد بالتقسيط، فقال له: كيف هو هذا التقسيط ؟ قال له: كل يوم تكلم ابنتي كلمة طيبة، كلامك الطيب، ومعاملتك الطيبة، رحمتك بزوجتك هذا هو النقد الذي تملكه.
هناك أشخاص يضعون عقبات، يضع مهرًا كبيرًا، وهو ليس عقبةً، لأن الزوج الفاسق الفاجر يعاملها معاملة تطلب منه بعد حين أن تعفيه من المهر، ليفتح لها الخلاص، فالمهر ليس عقبةً، ابحث عن زوج مؤمن، إن أحب ابنتك أكرمها، وإن لم يحبها لم يظلمها، المؤمن وقاف عند كتاب الله، المؤمن يخاف الله، يخشى عقاب الله عز وجل.

أحاديث من السنة في اختيار الزوجة:

الآن بعض البنود التي وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في اختيار الزوجة، وهذا كما قلت قبل قليل يتخذه الشاب في حياته.

الحديث الأول:

الشيء الثاني: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لا تَزَوَّجُوا النِّسَاءَ لِحُسْنِهِنَّ فَعَسَى حُسْنُهُنَّ أَنْ يُرْدِيَهُنَّ، وَلا تَزَوَّجُو هُنَّ لأمْوَالِهِنَّ فَعَسَى أَمْوَالُهُنَّ أَنْ تُطْغِيَهُنَّ، وَلَكِنْ تَزَوَّجُوهُنَّ عَلَى الدِّينِ، وَلأمَةٌ خَرْمَاءُ سَوْدَاءُ ذَاتُ دِينٍ أَفْضَلُ ))

[ ابن ماجه]

الجمال مطلوب، لكن إذا تجاوز حداً معيناً يصبح هذا الجمال عبئاً على الزوج، هناك مشكلات، هناك تطلعات، نظرات، قلق، والمقصود لحسنهن فقط، الخرماء هي مشقوقة الأذن، أو مشقوقة الأنف.
هناك شيء سوف أقوله لكم، وهذا لا يعلمه إلا الله، سر المودة بين الزوجين بيد الله، فعندما يختار الإنسان الزوجة المؤمنة، ولو كان مستواها أقلّ من غير المؤمنة، الله عز وجل يخلق الود بينهما، وهذا ليس في يد أحد، وعندما يختار الإنسان الزوجة الأجمل، وأقلّ ديناً يختار هذا الذي يخلقه الله من الود لا يكون بين الزوجين، لذلك يألف جمالها، وتبقى فظاظتها وكبرها، وعنتها وانحرافها، المحصلة سعادة، وهي غير حاصلة.
كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( بارك الله لكم، و بارك عليكم، وجمع بينكما في خير ))

[ أبو داود، ابن ماجه عن أبي هريرة]

أحياناً يبارك الله عز وجل لكل من الزوجين في صاحبه، ما معنى يبارك ؟ أي ينشر الحب والود، وإنجاب أولاد بركة في البيت ومحبة، وأحيانا تكون مساحة البيت أربعمئة متر، فيه أثاث بخمسة ملايين، ثلاث مركبات على الباب، ولا سعادة فيه، بل هو جحيم، السعادة بيد الله عز وجل، تأتي بالطاعة، إن الله يعطي الصحة، والذكاء، والمال، والجمال للكثيرين من خَلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين، حتى الوفاق الزوجي والسعادة الزوجية تحتاج إلى طاعة لله عز وجل.
في كل عقد قران أقول: إذا بني الزواج على طاعة الله، ولو افتقر إلى معظم مقومات نجاحه، لا بيت، ولا الدخل كبير، ولا الجمال،، تولى الله في عليائه التوفيق بين الزوجين، وإذا بني الزواج على معصية الله، ولو توافرت له كل أسباب النجاح تولى الشيطان التفريق بينهما.
فمن يبحث عن السعادة الزوجية فليبحث عنها في طاعة الله، في البيت المسلم، ليبحث عنها في أن يقف كل من الزوجين عند الحدود التي أرادها الله عز وجل، أين الصحابية التي كانت تقول لزوجها: يا فلان، اتق الله فينا، نصبر على الجوع، ولا نصبر على الحرام، الآن الزوجة تظل تضغط على زوجها، وتضغط إلى أن يضطر إلى أن يكسب المال الحرام إرضاءً لها، فيفقد دينه وآخرته من أجل زوجته ز

الحديث الثاني:

حديث ثالث، وهذا الحديث رواه ابن حبان:

(( من تزوج امرأة لمالها لم يزده الله إلا فقراً ))

أحيانا يكون أب البنت غنيًّا، ويطمع الخاطب في مالها، ولا يناله شيء يذكر، تساهل في شروط كثيرة، وغض بصره عن هذا العيب، وعن هذا العيب، وعن قلة الدين، وعن الشكل، وطمع في المال، والمال لم يأتِ، وبقيت تلك العيوب، هذا معنى من تزوج امرأة لمالها لم يزده الله إلا فقراً، ومن تزوج امرأة لحسبها لم يزده الله إلا دناءة، هو ارتقى بالزواج بهذه المرأة فسيطرت عليه، من أبوك أنت ؟ وأين كان بيتكم ؟ كل يوم تقول له: أبي، فلا يتحمل الزوج.
ومن تزوج امرأة ليغض بها بصره، ويحصن فرجه، أو يصل بها رحمه بارك الله له فيها، وبارك لها به.
أروع شيء في الزواج النية الطيبة، أن تطلب من الله زوجة مؤمنة، لكن أعتقد أنه لا أحد فهم منكم أن الجمال غير مطلوب، والحسب غير مطلوب، لا، هما مطلوبان، لكن أول طلب أن يكون فيها دين، ومع الدين جمال، دين، ومع الدين حسب، أما أن تطلب الجمال وحده والحسب وحده والمال وحده ولا يكون في دين.

الحديث الثالث:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ ))

الحديث الرابع:

وفي حديث آخر عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:

(( مَا اسْتَفَادَ الْمُؤْمِنُ بَعْدَ تَقْوَى اللَّهِ خَيْرًا لَهُ مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ، إِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ، وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ ))

ليس أن تكون هي فائقة الجمال، ولكن تعنتي بشكلها، بهندامها، أما هذه التي تعتني بمظهرها للناس كلهم إلا زوجها فهذه امرأة ضعيفة الإيمان وزوجها تهمله.

((... إِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ، وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ ))

يغضب الزوج، ويحلف طلاق، لا يحلو لهذه الزوجة إلا أن تقع في هذا اليمين كي تحرجه، أما المرأة المؤمنة إذا أمرتها أطاعتك، هذه المرأة التي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم.
والنبي عليه الصلاة والسلام خطب امرأةً اسمها أم هانئ، فاعتذرت، وقالت: إنها صاحبة أولاد، فلعلها تخشى أن لا تقوم بحقه.

الحديث الخامس:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإبِلَ صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ، أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ ))

كثير من النساء عندما يكبر زوجها تهمله، سوف أذهب إلى ابني أزوره سبعة أيام، لا تخبرني بالهاتف، تفتعل الذهاب إلى بلد أجنبي، وتتركه، كلما زاد إيمان المرأة يزداد عطفها على زوجها إذا تقدمت سنه، أما المرأة الدنيوية إذا كان زوجها شاباً تحبه، فإذا تقدمت به السن أهملته.
ثمة رجل خطب امرأة ذات جمال، لكنها عقيم، فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام.

الحديث السادس:

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:

(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِالْبَاءَةِ، وَيَنْهَى عَنِ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا، وَيَقُولُ: تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، إِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))

النبي اختار الولود الودود يعني الذي فيها جمال وسط مع مودة، مع طيب، نظرة حانية، مع طاعة هذا يغلب كل الجمال، أما الجمال البارع، والكلمة القاسية، والنظرة المستعلية، والإهمال الشديد، عندئذ يعاف الزوج هذا كله، ويتمنى أقل منها، ولكنها أحناها عليه.

الحديث السابع:

عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ خَطَبَ امْرَأَةً فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( انْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا ))

حق الزوج أن ينظر إلى مخطوبته، والنبي عليه الصلاة والسلام حبذا البكر لماذا ؟ لأن البكر ليس لها تجربة، كل قلبها لزوجها، أما هذه الذي لها خبرة سابقة، تتكلم عن المرحوم في اليوم مئة مرة، تهلكه للزوج، فقال: له هلا بكراً.

الحديث الثامن:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ خَطَبَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا فَاطِمَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنَّهَا صَغِيرَةٌ، فَخَطَبَهَا عَلِيٌّ فَزَوَّجَهَا مِنْهُ ))

موافقة السن مهمة جداً، لا يوجد أعظم من سيدنا الصديق، والتقارب في الزواج شيء مهم جداً، كيف أن الرجل من حقه أن يختار، وللمرأة من حقها أن تختار، قال تعالى:

 

﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾

( سورة البقرة )


إذا خطبت المرأة من الشاب، فعلى الأب أن يخير ابنته، هل تريدينه ؟ وأن لا يضغط عليها، لأنه من حقها أن تقول: لا، هذا مأخوذ من قوله تعالى:

 

﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾

( سورة البقرة )

لذلك الآن لا يتم عقد الزواج إلا إذا سمع الموظف المأذون بأذنه موافقة الفتاة، تقول السيدة عائشة: << النكاح رق، فلينظر أحدكم أين يضع كريمته >>.
ويقول صلى الله عليه وسلم:

(( من زوج كريمته من فاسق فقد قطع رحمها ))

[ روي في الأثر ]

أحيانا يكون الزوج فاسقًا، أهلها ابتعدوا عنها، وسعادة المرأة أن يزورها أهلها، أحيانا يزورها أخوها، يزورها عمها، خالها، سعادة المرأة أن ترى أهلها في بيتها، أما إذا زوّج ابنته من فاسق، والأسرة كريمة كلها تبتعد عنه، والمقاطعة انتقلت إلى الزوجة.
يقول أحد العلماء: " من كان مصراً على الفسوق فلا ينبغي أن يزوج "، إذا كان مصراً على ترك الصلاة، مصر على ارتياد أماكن اللهو، هذا لا يمكن أن يزوج، يقول لك: آدمي، يعني يشبه بني آدم، هذا معنى كلمة ( آدمي ).
سأل رجل سيدنا الحسن بن علي: << إن لي بنتاً، فمن ترى أن أزوجها له ؟ قال: زوجها لمن يتقي الله، فإن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها >>.
يقول الإمام الغزالي: " من زوج ابنته ظالماً أو فاسقاً، أو مبتدعاً أو شارب خمر فقد جنى على دينه، وتعرض لسخط الله عز وجل، وقطع رحمه ".
آخر فكرة في الدرس أن النبي الكريم قال:

(( من جاءه بنتان، فزوجهما أو مات عنهما فأنا كفيله في الجنة ))

معنى زواجهما أن يختار لهما الزوج الصالح، أما إن لم يختر لهما الزوج الصالح فلا تنتهي مسؤوليته، يبقى مسؤولا عن كل معصية في بيت ابنته إلى أن يتوفاها الله، أما إذا اختار لها الزوج الصالح تنتهي عندئذ مسؤوليته.