الدرس : 15 - سورة الأحزاب - تفسير الآيات 59 - 63

1992-01-03

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الخامس عشر من سورة الأحزاب.

الآية التالية هي أول آيةٍ نزلت في الحجاب:

 وصلنا في الدرس الماضي في سورة الأحزاب إلى قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا(59)﴾

( سورة الأحزاب)

 أيها الأخوة الأكارم، هذه أول آيةٍ نزلت في الحجاب، الحجاب نزل على ثلاث مراحل ؛ المرحلة الأولى أمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين بسترِ العورات، والمرحلة الثانية أمر الله سبحانه وتعلى المؤمنات بالحجاب ـ وفي سورة النور جاءت الآيات تبيِّن كمال الحجاب ـ نحن الآن في سورة الأحزاب، فالله سبحانه وتعالى يخاطب النبي، وحينما يقول الله عزَّ وجل:

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ (59) ﴾

 لأنهن القدوة، وما لم تكن للمؤمنين قدوة فلن يفلحوا، أزواج النبي عليه الصلاة والسلام، وبنات النبي عليه الصلاة والسلام يجب أن يكن قدوةً لنساء المؤمنين، والنبي كما تعلمون له مهمتان ؛ مهمة التبليغ، ومهمة القدوة، فالتبليغ وحده لا يكفي إن لم تكن القدوة الحسنة، والسيرة الصالحة، والمثل الأعلى، والأسوة التي يتأسَّى بها المؤمنون.

 

الدعوة إلى الله تقوم على القدوة والبيان:

 قد يقول قائل: إن هذه الآيات نزلت في نساء النبي وبنات النبي فما بال بقية النساء ؟ فإذا كانت نساء النبي وهن المطهرات عن السفاح، والمحرَّمات على المؤمنين بالنكاح، وهن اللاتي وصفن بالقرآن الكريم بأنهن أمهات المؤمنين، إذا أمرن بالحجاب فنساء المؤمنين من باب أولى، وهذه قاعدة أصولية، ولكن الله سبحانه وتعالى دفعاً لهذا القيل والقال، ودفعاً لهذا الالتباس نصّ في هذه الآية على أن الأمر بالحجاب عامٌ مطلق، فقال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ (59) ﴾

 بقوله تعالى:

 

﴿ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ (59) ﴾

 أية شبهةٍ متعلقةٍ بأن هذه الآية نزلت في نساء النبي تُرَدُّ بهذا النص الدقيق، على كلٍ لو أن الآيات نزلت في حق نساء النبي وفي حق بنات النبي فقط، فلأن يَشْمَلْنَ عامة المؤمنات من باب أولى، هذه قاعدة، وقاعدة أخرى: أنه دائماً خصوص السبب لا يلغي عموم اللفظ.

 

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ (59) ﴾

 سيدنا عمر كما تعلمون كان إذا أمر الناس بأمرٍ جمع أهله وخاصته وقال: " إني قد أمرت الناس بكذا، ونهيتهم عن كذا، والناس كالطير إن رأوكم وقعتم وقعوا، وأيم الله لأوتين بواحدٍ وقع فيما نهيت الناس عنه، إلا ضاعفت له العقوبة لمكانه مني ".
 هذا أثر القدوة، وقد بينت لكم من قبل أن الله سبحانه وتعالى تولى بنفسه تطهير أهل بيت النبي، لِعِظَمِ خطورة أهل بيت النبي في حقل الدعوة، فالدعوة إلى الله تقوم على القدوة وعلى البيان، البيان تولاَّه النبي ؛ لكن القدوة يجب أن تكون في شخصه، وفي أهل بيته، وفي نسائه، وفي بناته.

 

الإدناء هو التقريب وفي هذه الآية مُضَمَّنٌ لمعنى الإرخاء والإسدال بـ (على):

 الحقيقة موضوع الدين لا يتعلق برأي زيدٍ أو عُبيد، الإنسان أحياناً يتمنى أن يكون الحكم هكذا، أو يتمنى أن يكون الحكم هكذا، الحقيقة نحن مع الدين ليس لنا رأيٌ شخصيٌ أبداً، وما قيمة الرأي الشخصي في منهج الله عزَّ وجل ؟! ما قيمة الرأي الشخصي في منهج الله ؟! فنحن نتقصى الحكم الشرعي في هذا الموضوع، وما أجمع عليه العلماء الأجلاَّء، وما ورد في كتب التفسير، وما جاء به الصحابة الكرام، على كلٍ نبدأ بتفسير هذه الآية كلمةً كلمة، قال الله عزَّ وجل:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ (59) ﴾

 الإدناء هو التقريب، فلان دنا من فلان، أي اقترب منه، أدناه قَرَّبَهُ، دنا لازم، أما أدنى مُتَعَدٍِّ، فالإدناء إذاً هو التقريب، لكن أدنيت هذا الشيء إلى هذا الشيء، فالإدناء يتعلَّق بكلمة (إلى)، أما إذا تعلق بكلمة (على) فهو في معنى الإرخاء والإسدال، الفكرة دقيقة إذا قصدنا الإدناء أي التقريب فالإدناء يتعلق بـ (إلى)، أدنيت هذا الكتاب إلى هذه الطاولة، أما إذا عَدَّيْتُ الإدناء بـ (على) فضُمِّنَ معنى الإرخاء والإسدال، لأن أرخيته على، وأسدلت على، فلذلك ما دام فعل الإدناء هنا متعدياً بـ (على) فهو يفيد الإرخاء ويفيد الإسدال، هذا أول استنباطٍ لغويٍ من هذه الآية، فالإدناء هو التقريب، والإدناء هنا في هذه الآية مُضَمَّنٌ لمعنى الإرخاء والإسدال بـ (على) لأنه تعدى بـ (على).
 ويقال: إذا زَلَّ الثوب عن وجه المرأة، إذا زل أي انزلق الثوب عن وجه المرأة يقال لها: أدنِ ثوبكِ على وجهكِ، ما دام أدنِ ثوبك على وجهكِ أي أرخِ ثوبكِ على وجهكِ، هذا كله مستفاد من كلمة على، لأن أدنى إلى وأسدل على، أي أرخيه وأسدليه.

المقصود بالجلباب أي رداءٌ فَضْفَاضٌ واسعٌ يستر بدن المرأة كله:

 إذاً:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ (59) ﴾

 الإدناء هنا بمعنى الإرخاء والإسدال، لماذا ؟ لأن نساء الجاهلية كُنَّ يضعن على رؤوسِهِنَّ الخُمُر، ويسدلنها ـ أي يرخينها ـ إلى وراء ظهورهن، الأمر بالعكس، جاء الأمر أن يدنين عليهن من جلابيبهن، المعنى الثاني:

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ (59) ﴾

 معنى الجلباب، الجلابيب جمع جلباب، والجلباب هو الثوب الذي تستتر به المرأة، أو تستر به المرأة بدنها كله من فوق ثيابها التي تستر عورتها، فهناك ثوبٌ يستر أعضاء المرأة، وهناك ثوبٌ يستر زينة المرأة، وأما الجلباب فهو الذي يستر بدن المرأة كله، الجلباب فيما أجمع عليه العلماء: الثوب الذي تضعه المرأة فوق ثيابها، إذا كانت ثيابها تستر أعضاءها وأماكن الزينة فيها، فإن الجلباب رداءٌ فَضْفَاضٌ واسعٌ يستر بدن المرأة كله، من فرقها إلى قدمها، هذا معنى قوله عزَّ وجل:

 

 

﴿ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ (59) ﴾

 الإمام الطبري في تفسيره، روى عن ابن سيرين أنه قال:سألت عبيدة السلماني عن هذه الآية، فرفع ملحفةً كانت عليه فتقنع بها، وغطى بها رأسه كله حتى بلغ الحاجبين، وغطى وجهه وأخرج عينه اليسرى من شِقِّ وجهه الأيسر. وروى مثل ذلك ابن عباسٍ رضي الله عنه.
 هذا تفسير العلماء لهذه الآية، مرةً ثانية أقول لكم: لا قيمة للرأي الشخصي في هذا الموضوع، هذا دين، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

 

(( إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم ))

 

[ مسلم عن ابن سيرين]

من أوجه التفسير لهذه الآية أن المرأة إذا بالغت في التحجُّب والتَصَوُّن قطعت كل طمعٍ فيها:

 أخرج عبد الرزاق وجماعةٍ عن أم سلمة قالت: لما نزلت هذه الآية:

﴿ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ (59) ﴾

 خرج نساءٌ من الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان، من أكسيةٍ سودٍ يلبسنها، أي فهم الناس في عهد النبي هذه الآية ستر الوجه والرأس معاً، أما قول الله عزَّ وجل

﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ (59) ﴾

 من أوجه التفاسير لهذه الآية ما نقله ابن حبان أن الله عزَّ وجل حينما قال:

 

﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ (59) ﴾

 أن يعرفن بالعفة والتَصَوُّن، فلا يتعرض لهن الفُسَّاقُ ولا الفُجَّار وهذه قاعدة وهي: أن المرأة إذا بالغت في التحجُّب والتَصَوُّن قطعت كل طمعٍ فيها، فإذا قال الله عزَّ وجل:

 

 

﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ (59) ﴾

 أي أن يعرفن بالعفة والتصون، ما دامت هذه المرأة لا يرى منها شيء، إذاً ؛ إنها تعلن للناس أنها عفيفةٌ، أنها حصانٌ، أنها مُعْرِضَةٌ عن كل رغبةٍ فيها إلا الذي أباحه الله لها.

 

هذه الآية من آيات الأحكام وهذه الآيات دقيقةٌ جداً:

 طبعاً هذه الآية من آيات الأحكام، وآيات الأحكام دقيقةٌ جداً، وتُدَرَّس هذه الآيات في كتبٍ مستقلة، ومن أرقى كتب آيات الأحكام جاءت هذه الحقائق في كتاب: تفسير آيات الأحكام.

﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ (59) ﴾

 متى تؤذى المرأة ؟ الجواب: إذا ظهرت مفاتنها، متى تؤذى المرأة ؟ إذا أبدت ما يجب أن تخفيه، حينما تبدي المرأة ما يجب أن تخفيه إنها تعلن بشكلٍ أو بآخر أنها ترغب في الرجال، أما إذا سَتَرَت ما أمر الله به أن يُستر، فهي تعلن أيضاً أنها عفيفةٌ حَصَان، فلذلك قول الله عزَّ وجل:

 

﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ (59) ﴾

 يعرفن أنَّهُنَّ عفيفاتٌ طاهرات، وأنهن لا يبغين إلا ما أمر الله عزَّ وجل:

 

 

﴿ فَلَا يُؤْذَيْنَ (59) ﴾

 الآن هناك آراءٌ لبعض العلماء في هذه الآية ؛ ابن عباسٍ رضي الله عنهما يقول: أمر الله نساء المؤمنين أن يُغَطِّيَن رؤوسهن ووجوهَهنَّ، بالنص الدقيق، أما معنى قول الله عزَّ وجل:

 

 

﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ (59) ﴾

 أي هذا هو الحد الأدنى، أي إذا تحجبت المرأة فهذا هو الحد الأدنى في إيمانها وليس الحد الأقصى، الحد الأقصى عِلمها، الحد الأقصى أعمالها الطيِّبة، الحد الأقصى خدمتها لزوجها، الحد الأقصى رعايتها لأولادها، أما ألا تؤذي عباد الله في الطريق فهذا هو الحد الأدنى، أي هذا أقل شيء يُعْرَفْنَ به صالحاتٍ عفيفاتٍ طاهرات، مع أن الصلاح والعفاف والطهر أكبر من الحجاب ؛ نفسٌ طيبةٌ، نفسٌ مطواعةٌ، نفسٌ متواضعة، نفسٌ منصفةٌ، تخدم زوجها ابتغاء مرضاة الله، هناك صفاتٌ تعلو بالمرأة عن الحجاب، ولكن الحجاب هو الحد الأدنى، هذه هويتها، ما دامت قد أخفت زينتها عن الأجانب فهي تعلن أنها مسلمة، أنها عبدةٌ من عباد الله، أنها تأتمر بما أمر الله وتنتهي عما نهى الله.

 

إذا ترك الحجاب إنكاراً لفرضيته فهذا كفرٌ وإذا ترك تقليداً للأجانب فهذا فسقٌ وفجور:

 الحقيقة قد يكون إيمان الرجل في قلبه، لكن المرأة إيمانها ظاهر وباطن معاً، إيمانها في حجابها، فإذا بَرَزَتْ للرجال من دون حرج، واختلطت مع الرجال فكأنها تتخلى عن هويتها، وكأنها تتخلى عن شخصيتها المسلمة، وكأنها تُعْلِن أنها لا تأتمر بأمر الله.
 القرآن الكريم أمر بستر العورات، ثم أمر بالحجاب، ثم أمر بغض البصر، وعدم إبداء الزينة إلا لرجالٍ جاء ذكرهن في سورة النور، الأمر بستر العورات أولاً، ثم الأمر بحجاب النساء المؤمنات ثانياً، ثم الأمر بغض البصر وعدم إبداء الزينة للأجانب ثالثاً، فكأن هذه الآية جاءت في الوسط، وكأن الله سبحانه وتعالى دَرَّجَ أحكام الحجاب بحسب الظروف وبحسب تطور الدعوة الإسلامية.
 الملاحظة الدقيقة أن المرأة التي تترك الحجاب إنكاراً له، إنكاراً لفرضيَّتِهِ فقد كفرت، وإذا تركته تقليداً للأجانب فقد فسقت وعصت، لكن المرأة المؤمنة تعتقد بوجوبه وتلتزمه، إذا ترك الحجاب إنكاراً لفرضيته فهذا كفرٌ، وإذا ترك الحجاب تقليداً للأجانب فهذا فسقٌ وفجور، أما حينما تطبق المرأة أمر الله عزَّ وجل وتحتجب فهذا هو الحد الأدنى في إيمانها، فلذلك هناك حالة من الحالات وأنا أقول عنها ـ هي حالة مرضية أحياناً ـ هي: أن المرأة إذا تخلت عن حجابها أرادت التعويض، أي بالغت بأشياء كثيرة، هذه المبالغة لإحساسها بالخلل، ولإحساسها بالنقص في شخصيتها، فإذا بالغت في أشياء شكلية من أمور الدين وهي قد خرجت سافرة، فهذه المبالغة نوعٌ من أنواع التعويض الذي يرمم الخلل الذي أحدثه ترك الحجاب في شخصيتها.
 الحقيقة كما قلت لكم سابقاً: إن المؤمنين يخاطبون دائماً بفروع الدين ؛ بينما الكفار وعامة الناس يخاطبون بأصول الدين، أنت أيها الإنسان، وأنتِ أيتها الإنسانة، ما دمتِ قد آمنتِ بالله خالقاً، ومربياً، ومسيراً، وما دمتِ قد أعلنتِ عن عبوديتكِ لله عزَّ وجل، فالحد الأدنى من عبوديتكِ لله عزَّ وجل أن تأتمري بأمر الله عز وجل، فلا تؤذَين ولا تؤذِين، فحينما تبرز المرأة مفاتنها للناس في الطريق، ماذا فعلت ؟ آذت عباد الله بكل أصنافهم، وحينما تؤذيهم يؤذونها، فهناك أذى متبادل، إنها تؤذي عباد الله بمفاتنها، ويؤذونها بتعليقاتهم، وبتصرُّفاتهم، وبالتحرشات التي يفعلونها معها.

السياسة الشرعية و التكليف الشرعي:

 إذاً:

﴿ فَلَا يُؤْذَيْنَ (59) ﴾

 لا تؤذي ولا تؤْذَى، لكن المرأة التي ليست مؤمنةً لو عاشت في مجتمع مؤمن إنها تؤمر بالحجاب، لا لأنها مكلفةٌ به ؛ بل لأن السياسة الشرعية تقتضي ذلك، ففي المجتمع المسلم لا نسمح لامرأةٍ كافرةٍ أن تبرز مفاتنها للناس، فنؤذي شباب المسلمين، إذاً حينما تؤمر المرأة المؤمنة بالحجاب هذا أمر تكليف، وحينما تؤمر الكافرة بالحجاب فهذا أمر من نوع السياسة الشرعية، أي أن أولي الأمر المؤمنين يرون أنه صوناً للمجتمع المسلم لا ينبغي لامرأةٍ كافرة أن تبرز مفاتنها للناس، وأي مجتمعٍ يطبق الإسلام تطبيقاً دقيقاً يفرض على كل الأجنبيَّات، وعلى كل النساء غير المسلمات اللاتي في البلد، أن يأخذن بالحجاب من باب السياسة الشرعية لا من باب التكليف الشرعي.
 فهناك تكليف، إذاً هناك أمر تكليفي، وهناك أمر سياسي، صوناً للمجتمع المسلم لا نسمح لامرأةٍ كافرةٍ في المجتمع المسلم أن تبرز، وأن تفتن، وأن تصرف الناس عما خلقوا له من معرفة الله عزَّ وجل وطاعته.
 شيءٌ آخر، لو أمرنا فتاةً في سن العاشرة بالحجاب في سنٍ مبكرةٍ، فهذا ليس أمراً تكليفياً بل اسمه أمرٌ تأديبي، كيف أن الطفل الصغير يؤمر بالصيام ؟ هل يعقل أن يدع الصيام إلى أن يبلغ، فإذا بلغ أمر به ؟! قد لا يطيقه، لا بدَّ من أن يؤمر به تأديباً، حتى إذا بلغ سن التكليف رأى نفسه مُرتاحاً في الصيام، كذلك الفتاة الصغيرة يجب أن تؤمر بالحجاب لا على أنها مكلفةٌ به ؛ بل على أن هذا أمرٌ تأديبيٌ يجب أن تألفَهُ الفتاة الصغيرة، حتى إذا أصبحت مشتهاةً كان الحجاب بالنسبة إليها شيئاً عادياً، هذا توجيهٌ للآباء، أي أن الطفلة الصغيرة إذا تعلمت قواعد الأدب، وإذا تعلَّمت أصول التعامل، وإذا تعلمت أن تستر ما ينبغي أن يستر، حينما تكبر وهي في سنٍ صغيرة فهذا من باب التأدب من آداب الإسلام.

أقوال العلماء في الحجاب:

أقوال العلماء في الحجاب

 أكثر العلماء في هذه الآية يتحدثون عن ما فهموه منها، فابن الجوزي يقول: يغطون رؤوسهن ووجوهَهُنَّ.
أبو حيان يقول: أمر الحجاب شاملٌ لجميع النساء، ولجميع بدن المرأة، وينبغي أن يُغَطَّي الحجاب وجهها.
أبو السعود يقول: يغطين بها وجوههن وأبدانهن إذا برزن لداعيةٍ من الدواعي. أي إذا خرجن في الطريق لأمرٍ مشروع.
 والسُدِّي يقول: تغطي المرأة إحدى عينيها.
 هذه بعض أقوال العلماء في شأن هذه الآية، لكن اتفق العلماء على أن للحجاب الشرعي ستة شروط:

1 ـ الشرط الأول أن يكون الحجاب ساتراً لجميع بدن المرأة:

 الشرط الأول: أن يكون الحجاب ساتراً لجميع بدن المرأة، أي أن تستر عضواً وأن تبرز عضواً أن تقول: هذا عورة، وهذا ليس بعورة، إتباعاً للهوى، أو إرضاءً للمجتمع، أو إرضاءً للزوج تستر شيئاً وتخفي شيئاً، تبرز شيئاً، هذا شيء ليس من صفات المرأة المسلمة، الحجاب يجب أن يكون ساتراً لجميع بدن المرأة.

 

2 ـ الشرط الثاني أن يكون الحجاب كثيفاً غير رقيق:

 الشيء الآخر: أن يكون الحجاب كثيفاً غير رقيق، فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما وصف النساء الكاسيات العاريات، فكيف نفهم هذا الحديث ؟ كيف أنها كاسيةٌ عارية ؟ أي هو عليها ثوب ولكنه يشفُّ عما تحته، الثياب الرقيقة ليست من الحجاب في شيء، فأحياناً تغطي المرأة وجهها بحجابٍ رقيقٍ جداً، هذا الحجاب الرقيق يخفي العيوب ويبرز المفاتن، فالشيء الشفَّاف الرقيق جداً هذا ليس حجاباً قولاً واحداً، أول شرط أن يكون ساتراً لجميع بدن المرأة، والشرط الثاني أن يكون الحجاب كثيفاً غير رقيق.

 

 

3 ـ الشرط الثالث ألا يكون الحجاب زينةً في نفسه:

 الشرط الثالث: ألا يكون الحجاب زينةً في نفسه، أي أن المِعْطَف الملوَّن، المزركش، المطرَّز، ألوان فاقعة، ألوان وهَّاجة، ألوان برَّاقة، هذا إذا كان الثوب الخارجي زينةً في نفسه فهذا مما نهى عنه العلماء، لأنه ماذا يحدث ؟ يلتفت الناس إلى ثوبها أولاً ثم إليها ثانياً، كأنها تلفت النظر إليها، فهناك نساءٌ يضعن على رؤوسهن شيء مطرَّز، وشيء محبوك، وفيه ألوان، فالألوان والتطريز الذي على الحجاب هذا يُلفت النظر إلى الحجاب أولاً، فإذا نظر الرجل إلى الحجاب تابع النظر إلى صاحبة الحجاب، فالثوب يجب أن يستر كل بدن المرأة أولاً، وأن يكون كثيفاً غير رقيقٍ ثانياً، وألا يكون زينةً في نفسه، والدليل قول الله عزَّ وجل:

 

 

﴿ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾

 

(سورة النور: من آية " 31 " )

 الزينة التي يمكن للمرأة أن تظهرها أو أن لا تظهرها يجب أن لا تظهرها، إذا كان شيء ضمن إمكان المرأة، أما الشيء الذي يبدو من دون إرادتها كأن تكون طويلة مثلاً فطولها ليس في إمكانها إخفاؤه، لذلك قال الله عزَّ وجل:

 

﴿ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾

 

(سورة النور: من آية " 31 " )

 أما الشيء الذي يمكن أن تخفيه المرأة يجب أن يُخْفَى، لو أن الله عزَّ وجل قال: إلا ما أظهرن منها، صار أظهرن شيئاً وأخفين شيئاً، أما:

 

﴿ إِلا مَا ظَهَرَ ﴾

 

(سورة النور: من آية " 31 " )

 ظهر تعني قوامها، تعني طولها، تعني امتلاؤها، أما الوجه بإمكانها أن تظهره وبإمكانها أن تخفيه، إذاً الآية الكريمة:

 

﴿ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾

 

(سورة النور: من آية " 31 " )

 ولم يقل الله عزَّ وجل: إلا ما أظهرن منها:

 

﴿ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾

 

(سورة النور: من آية " 31 " )

 الشرط الأول: أن يكون ساتراً لجميع بدن المرأة، والشرط الثاني أن يكون كثيفاً غير رقيق، فالثياب الرقيقة تشفُّ عما تحتها، وهذه ليست حجاباً ؛ بل هي فتنةً كما يقال.
 النبي عليه الصلاة والسلام حينما حدثنا عن آخر الزمان، عن نساءٍ كاسياتٍ عاريات، مائلاتٍ مميلات، على رؤوسهن كأسنمة البخت، فالعنوهن لأنهن ملعونات.

 

4 ـ الشرط الرابع أن يكون الحجاب فضفاضاً غير ضيِّق:

 الصفة الأولى في هذه المرأة أن ثيابها رقيقة، وألا يكون الثوب كما قلت: زينةً في نفسه، أن يكون فضفاضاً غير ضيِّق، لأن الثوب يشف عن العورة بحالتين ؛ إذا كان رقيقاً يشف عن لون العورة، وإذا كان ضيقاً يشف عن حجمها، فأي ثوبٍ يشف عن حجم العضو أو عن لونه فهذا ليس حجاباً وليس ثوباً شرعياً، ولا ينبغي للمرأة أن ترتديه في الطريق، فالثياب الضيقة في حد ذاتها ثياب محرمة، لأنها تصف خطوط جسم المرأة، أما الثياب الفضفاضة لماذا أمر الشارع بها ؟ لأنها تخفي ملامح الجسم، وتخفي خطوطه الخارجية، فأن يكون الحجاب غير رقيق، ألا يكون زينةً في نفسه، أن يكون فضفاضاً ليس ضيقاً.

 

 

5 ـ الشرط الخامس ألا يكون الثوب مُعَطَّرَاً:

 الشرط الخامس: ألا يكون الثوب مُعَطَّرَاً لقول النبي عليه الصلاة السلام:

 

 

(( أيما امرأة استعطرت، فمرت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية ))

 

[ سنن النسائي عن أبي موسى الأشعري]

 كل أنواع العطور النسائية التي تستعمل في الطريق، هذه تصف النساء بأنهن زانيات، لأنها بهذا العِطر تريد لفت النظر إليها، تريد أن ينقاد إليها الشباب، والرجال، وهذا درجة في المعصية كبيرة جداً.

 

6 ـ الشرط السادس ألا يكون الثوب فيه تشبُّهٌ بالرجال:

 الشرط السادس: ألا يكون الثوب ثوباً فيه تشبُّه بالرجال، ثوب المرأة إذا كان مشبهاً لثوب الرجل فأيضاً محرَّم، فإذا ارتدى الرجال السروال لا ينبغي للنساء أن يفعلن ذلك لأنه تشبهٌ بالرجال.

 

الحجاب الذي فرضه الله على المرأة ليس حرماناً لكنه تكريمٌ وتشريف:

 إذاً لا ثوباً ضيقاً، ولا ثوباً رقيقاً، ولا ثوباً مُنْحَسِرَاً، وليس زينةً في نفسه، وليس معطراً، ولا يشبه ثوب الرجال، ستة شروطٍ لثياب المرأة المسلمة، فثياب المرأة المسلمة متعلقة في دينها، لأنها قد جعلها الله سكناً لزوجها، فحينما تبرز مفاتنها لغير زوجها فقد تجاوزت حدود الله عزَّ وجل، وقد خرجت عن طاعته، وأفسدت وفسدت، وآذت وأوذيت.
 يجب أن تعلم المرأة علم اليقين أن الحجاب الذي فرضه الله عليها ليس تضييقاً ولا حرماناً ؛ ولكنه تكريمٌ وتشريف، هناك نقطة مهمة جداً ربنا عزَّ وجل قال:

﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ(24) ﴾

(سورة سبأ )

 في هذه الآية دقةٌ في النظم بالغة، هو أن الهدى جاء قبله على ـ على هدى ـ وأن الضلال جاء قبله ـ في ـ فما حكمة أن يأتي الهدى مسبوقاً بـ (على) في أكثر آيات القرآن:

 

﴿ أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾

 

(سورة البقرة: من آية " 5 " )

 هؤلاء في ضلالٍ مبين، ما حكمة أن يأتي الهدى مسبوقاً بـ (على)، وأن يأتي الضلال مسبوقاً بـ (في) ؟ الحقيقة توجد حكمة بالغة هي:
 أن الهدى يرفعك لأن على تفيد الاستعلاء، الهدى يرفعك المعنى الأول، وأنت أعظم من الهدى، المهتدي أعظم من الهدى، الهدى يرفعك يرفع شأنك، يرفع مقامك عند الناس وعند الله، يجعل خطَّك البياني صاعداً صعوداً مستمراً، هذا الهدى:

 

﴿ فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى(123)وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمى(124) ﴾

 

(سورة طه )

النفس المؤمنة طليقة بينما النفس الكافرة مقيدة وأسيرة:

 الهدى يرفعك، وأنت فوق الهدى، بمعنى أن الإنسان إذا اهتدى إلى الله فهو مُكَرَّمٌ عند الله تكريماً عظيماً، لقولهم فاعل الخير خيرٌ من الخير، وفاعل الشر شرٌ من الشر.
 أي أنك إذا عرفت الله واهتديت إليه، الهدى رفعك إلى مقامٍ عَلِيّ:

﴿ وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا( 57 ) ﴾

(سورة مريم)

 الهدى حررك من العبودية لغير الله عزَّ وجل، الهدى أشعرك بالطمأنينة، الهدى أشعرك بالتوازن، الهدى أشعرك بالثقة بالله عزَّ وجل، الهدى نفى عنك القلق، نفى عنك الخوف، نفى عنك الحزن، نفى عنك الضياع، نفى عنك اختلال التوازن، وهذه كلها أمراض، إذاً جاء الهدى مسبوقاً بـ (على).
 أما في، هذا الإنسان إذا عصى الله عزَّ وجل يبدو للناس أنه حرٌ طليق، ولكنه دخل في دوامة العقاب، فيرتكب خطأً فيصبح أسير خطئه:

 

﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) ﴾

 

(سورة المدثر )

 النفس المؤمنة طليقة ؛ بينما النفس الكافرة مقيدة، حبيسة، أسيرة، أسيرة ذنبها، وانحرافها، وخطئها، إذاً:

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ (59) ﴾

 معنى يدنين عليهن، أي يرخين عليهن:

 

 

﴿ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ (59) ﴾

 هذا الثوب الواسع الفضفاض الذي يستر المرأة كلها.

 

بعض المعاني المستفادة من آية الحجاب الأولى:

 قال تعالى:

﴿ ذَلِكَ أَدْنَى (59) ﴾

 هذا هو الحد الأدنى في المرأة المسلمة، هذه هويتها الظاهرة، لكن هويتها الباطنة ؛ علمها، وفقهها، وإخلاصها لزوجها، وحَدَبُهَا على أطفالها، ذلك أدنى أن يعرفن بالصلاح، وبالعِفَّة، وبالطهر:

 

﴿ فَلَا يُؤْذَيْنَ (59) ﴾

 من قبل الفُسَّاق، وكأن الله عزَّ وجل أشار بهذه الآية إلى أن أية امرأةٍ تبرز مفاتنها للناس كأنها تنتظر أن يوقع الأذى بها، كأنها تدعو الناس إلى أن يؤذوها، تدعو الشباب إلى أن يسمعوها الكلمات المقذعة، تدعو الرجال إلى أن يرمقوها بنظرةٍ شهوانية، يحرجونها، ما دامت قد سَفَرَت وأظهرت ما يجب أن تخفيه فكأنما تدعو الناس إلى إيذائها.

 

 

﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا (59) ﴾

 لما سلف:

 

 

﴿ رَحِيمًا (59) ﴾

 بكم في شأن هذه الآية، هذه بعض المعاني المستفادة من آية الحجاب الأولى.
 أعيد عليكم مرةً ثانية من باب التوضيح والترسيخ شروط الحجاب: ألا ينحسر الثوب عن بعض أعضاء المرأة، وأن يكون كثيفاً، وأن يكون فضفاضاً، وألا يكون زينةً في نفسه، وألا يكون معطراً، وألا يكون مشبهاً بثياب الرجال، ستة شروطٍ يجب أن تأخذ بها المرأة المسلمة.

 

كلما كانت المرأة مرموقة في عين زوجها كلما كانت أرضى لله عز وجل:

 أما إذا لبست ما يروق لها لزوجها فهذا شيءٌ لا علاقة له بالحجاب ؛ بالعكس إنما قد أمرت به في بيتها، لأن المرأة كلما كانت في عين زوجها مرموقةً أكثر، كانت أرضى لله عزَّ وجل، لأنها تسهم في إحصانه، وفي أن يكون أغَضَّ للبصر، طبعاً المؤمن لا بدَّ من أن يغض بصره، لكن إذا كانت له زوجةٌ على ما يريد فإن هذا أغض لبصره، إذاً تُسْهم في طاعة زوجها لله عزَّ وجل، فأن ترتدي ما تشتهي في البيت هذا بحث آخر، هذا ليس خاضعاً للدرس، الدرس متعلق إذا خرجت المرأة من بيتها لشأن شرعيٍ لا ينبغي أن تظهر بثيابٍ تؤذي بها المسلمين، فالآية تتحدث عن خروج المرأة من بيتها، إذا خرجت من بيتها فعليها أن تأتمر بأمر الله عزَّ وجل المتعلق بثيابها.

﴿ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (59) ﴾

 الشيء الدقيق في الدرس أن الإنسان يجب أن يأمر بناته الصغيرات اللواتي لم يبلغن بعد بالحجاب المُخَفَّف، لأن هذا الأمر أمر تأديبي وليس أمراً تشريعاً، كما لو أن الأب أمر أولاده الصغار بالصيام، هذا أمر تأديبي ليتأدَّبوا بآداب الإسلام وليس أمراً تكليفياً، والمرأة غير المسلمة لا يحق لها في المجتمع المسلم أن ترتدي ما تشاء، فتفسد شباب المسلمين، لذلك يأمرها أولو الأمر بالحجاب، لا على أنها مكلفةٌ به ؛ بل على أنه أمرٌ من أمر السياسية الشرعية التي أعطيت لأولي الأمر كي يصونوا بها مصالح المسلمين ويأخذوا بأيدي المسلمين إلى طريق سعادتهم.

المنافقون دائماً يريدون السوء بالمؤمنين:

 ثم يقول الله عزَّ وجل:

﴿ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا(60)﴾

 الحقيقة أن المنافقين دائماً يريدون السوء بالمؤمنين، فقد سألني أخ مرة سؤالاً: أيعقل:

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾

 

(سورة النور: من آية "19")

 لم يفعل شيئاً، لم يتكلم ولا كلمة، فكيف لهم عذابٌ أليمٌ في الدنيا والآخرة ؟

 

﴿ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ ﴾

 

(سورة النور: من آية "19")

 ماذا فعل ؟ ما ارتكب معصيةً، لكنه يحب أن تشيع الفاحشة ؟
 الجواب هو: إن الذي يحب أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا هو حتماً في موقع المنافقين، وحتماً ليس مؤمناً، وحتماً في موقع الكفار، فلو أنه مؤمنٌ لما تمنى ذلك، والنفاق الأكبر كما تعلمون أساسه أنه كافر لكن مصالحه متعلقةٌ بالمؤمنين، لذلك سايرهم في بعض أمورهم، وهذا ما يفهم من حديث رسول الله:

 

(( إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب. ))

 

[ رياض الصالحين: " متفق عليه " عن عبد الله بن مسعود]

 أي هو في الأصل ليس مؤمناً، هو في الأصل كافر، وفي الأصل منافق، لكن تعلقت مصالحه بالمسلمين، فسايرهم وداراهم، هذا الذي يصف الإنسان بأنه منافق.

لا يستقيم إيمانٍ عبدٍ حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه:

 إذاً:

﴿ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ (60) ﴾

 أي من يتتبع عورة أخيه المسلم فضحه الله في عقر داره، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن:

 

(( قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة. ))

 

[رواه الطبراني عن حذيفة]

 لا يستقيم إيمانٍ عبدٍ حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، أن يطلق لسانه فيما نهى الله عنه، أن يخوض في أعراض المسلمين من دون تحقق، من دون تثبُّت، من دون يقين، من دون دليل، أن يروِّج بعض الآراء، أن يروِّج بعض القصص، أن يشهِّر ببعض المؤمنين من أجل أن يلفت النظر إليه، أو أن يمتع الحاضرين بقصةٍ يعرفها قال: هذا عند الله أمر عظيم.

من صفات المؤمن أنه لا ينقل حديثاً إلا بعد التثبُّت والتأكد:

 قال تعالى:

﴿ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ (60) ﴾

 المرجفون الذين يشيعون الأخبار السيئة، فأنت كمؤمن ليس لك أن تشيع الأخبار السيئة، الخبر السيئ اجعله في نطاقٍ ضيق، نشر الخبر السيئ يضعف العزيمة، يوهن القوى، يسيء الظن بالمؤمنين، وقد يكون هذا الخبر السيئ عارياً عن الصحة، قد يكون إشاعةً، وقد يكون افتراءً، وقد يكون كذباً، فمن صفات المؤمن أنه لا ينقل حديثاً إلا بعد التثبُّت، لقول الله عزَّ وجل:

 

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(6) ﴾

 

(سورة الحجرات )

 طبعاً هذه الآية تهديد:

 

﴿ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا(61)﴾

 أي أينما وجدوا:

 

 

﴿ أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (61) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (62﴾

 الفتنة كما قلت لكم أشد من القتل، فأن تلقي فتنة، أن تلقي شبهة، أن تشوِّه سمعة إنسان، أن تشوه سمعة امرأة مؤمنة، أن تغري زوجها بتطليقها، أن تضعف الثقة بين الإنسان وأخيه، أن تفسد الناس على علمائهم، أن تقطع ما أمر الله به أن يوصل، هذا كله من صفات المنافقين والكفار، فالمؤمن لا ينبغي له أن يفعل هذا أبداً.

 

من عَدَّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت:

 قال تعالى:

﴿ يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (63) ﴾

 الحقيقة من عَدَّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت.

 

﴿ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (63) ﴾

 هناك ساعتان ؛ الساعة الأولى ساعة نهاية الإنسان، والإنسان أحياناً ينتهي أجله على أتفه سبب، وفي أسرع وقت، بينما هو قائم فارق الحياة، بينما هو نائم فارق الحياة، بينما هو يبني فارق الحياة، بينما هو مسافر فارق الحياة، فساعة كل إنسان لا يعلمها إلا الله سبحانه، والمؤمن العاقل يحتاط لهذا الأمر قبل وقوعه ويستعد لها، فإذا جاءت كان مستعداً لها.