صلاح الأمة - الدرس : 52 - التواضع

2006-10-25

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس صلاح الأمة في علو الهمة.
موضوع اليوم هو التواضع.

من امراض القلوب:

1 – الكِبْر والعُجب مِن أكبر الذنوب:

 أيها الإخوة، العجب والكبر داءان مُهلِكان، المتكبر والمعجب سقيمان مريضان، وهما عند الله ممقوتان بغيضان، حسبنا قول النبي عليه الصلاة والسلام :

 

(( لو لم تكونوا تذنبون لخفت عليكم ما هو أكبر ـ ما هو الذي أكبر من الذنب ـ ؟ العُجب العُجْب ))

 

[ الجامع الصغير عن أنس بسند صحيح ]

2 – المتكبِّر لا يدخل الجنة:

 عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

(( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ ))

 

[ مسلم

3 – الكِبر مفسِد للعبادة:

 قد يأتيك ضيوف كثر، وعندك كمية لبن قليلة جداً، بإمكانك أن تضيف خمسة أضعافها ماء، وتجعله شراباً سائغاً، لكن هذا اللبن الذي عندك لو أضفت له قطرة بترول واحدة تلقيه في المهملات، الكبر يتناقض مع العبادة، فأي كبر مهما دق يلغي العبادة.

 

(( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ ))

 

[ مسلم ]

الله هو الجبار المتكبر:

 الله عز وجل هو الجبار المتكبر العلي الذي لا يضعه عن مجده واضع، الجبار الذي كل جبار له ذليل خاضع، وكل متكبر في جناب عزه مسكين متواضع، هو القهار الذي لا يدفعه عن مراده دافع الغني، الذي ليس له شريك ولا منازع، القادر الذي بهر أبصار الخلائق جلاله وبهاءه، وقهر العرش المجيد استواءه واستعلاءه، وحصر ألسن الأنبياء وصفه وثناءه، وارتفع عن حد قدرتهم إحصاءه واستقصاءه، فاعترف بالعجز عن وصف كنهه ملائكته وأنبياءه، وكثر ظهور الأكاسرة عزه وعلاءه، وقهر أيدي القياصرة عظمته وكبرياءه، فالعظمة إزاره، والكبرياء رداءه، ومن نازعه فيهما قصمه بداء الموت، فأعجز دواءه.
سبحان من قهر عباده بالموت.

 

الأمر الإلهي للنبي بالتواضع:

 وقد أمر الله نبيه بالتواضع لمن آمن به من المؤمنين قال تعالى:

 

﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ

[ سورة الحجر

 وآية أخرى:

﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الشعراء]

 أحياناً يحترم الإنسان فقط أبناء جامعه، أما المؤمن فيحترم إخوانه في المسجد، وأي مؤمن آخر، قال تعالى:

 

﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الحجر ]

 الآية الأولى:

 

﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الشعراء]

معنى: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ

 قال بعض العلماء في شرح هذه الآية: " من اتبعك مؤمناً فتواضع له ".
وقال الإمام القرطبي: " أَلِنْ جانبك لمن آمن بك، وتواضع لهم ".

 

حقيقة المسكنة:

 عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

 

(( اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا، وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))

 

[ الترمذي ]

أراد بالمسكنة التواضع والإخبات، وألا يكون من الجبارين المتكبرين، قال ابن تيمية: " المسكين المحمود هو المتواضع لله، الخاشع له، ليس المراد بالمسكنة عدم المال، بل قد يكون الرجل فقيراً من المال وهو جبار، فالمسكنة خلق في النفس هو التواضع والخشوع واللين ضد الكبر "
قال عيسى ابن مريم عليه السلام:

﴿ وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً ﴾

[ سورة مريم: 32]

 أيها الإخوة الكرام، قد يكون الإنسان في أدنى مرتبة في المجتمع، يدخل إلى بيته وحشًا جباراً، لا يقبل لفت نظر، ولا نصيحة، ولسانه مقذع قاس سباب، المسكنة لا تعني قلة المال، قد تكون فقيراً، وأنت جبار، وقد تكون أغنى الأغنياء، وأنت متواضع، فالتواضع والجبروت لا علاقة لهما بالمال، ولا بالمنصب، ولا بأي شيء آخر.
وكان السبكي ـ رحمه الله عز وجل ـ يقول في قوله: (( اللهم أحييني مسكيناً )): " إن المراد استكانة القلب، فمن استكان قلبه لله عز وجل، وانكسر له، وتواضع لجلاله وكبريائه وعظمته وخشيته جبره الله عز وجل ".

 

من صفات عباد الرحمن:

 

 

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً ﴾

[ سورة الفرقان: 63]

 يمشي هوناً متواضعًا يألف ويؤلف.
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى ))

 

[ البخاري وابن ماجه، واللفظ له ]

 يقول ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ في هذه الآية: " يمشون على الأرض هوناً أي في سكينة ووقار، متواضعين، غير أشرين، ولا مرحين، ولا متكبرين، علماء حكماء، أصحاب وقار وعفة، لا يسفهون أحداً، ولو سفه عليهم حلموا.

 

تواضع العبد المسلم من علاقات حب الله:

 التواضع أيها الإخوة علامة حب الله عز وجل، الدليل:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾

[ سورة المائدة: 54]


 صدقوا أيها الإخوة الكرام، لو كنت مديرا عاما بمؤسسة، وأنت بأعلى منصب، وعندك حاجب، لكنه مؤمن، تتواضع له، وكأنه أخوك، وأدنى مرتبة في المؤسسة حاجب، وأعلى مرتبة المدير العام، هذا الحاجب إذا كان مؤمناً فأنت تتواضع له، وكأنه زميلك، وكأنه صنوٌ لك، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

(( اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ ))

 

[ متفق عليه عن ابن عباس ]

الجبروت يتناقض مع الإيمان:

 سبحان الله ! الجبابرة في الأرض، وقد يكون جباراً في بيته، وقد يكون جباراً على صف فيه ثلاثون طالباً، طفل أخطأ فضرب ضربا مبرحا، مع استعلاء وسباب، جبار مع أن من أدنى الوظائف دخلاً المعلم، لكنه جبار في الصف، من أدنى الأزواج يكون له حرفة في الدرجة السفلى في المجتمع، وهو في البيت جبار، الجبروت يتناقض مع الإيمان يتناقض فإذا كنت مؤمناً لا يمكن أن تكون جباراً وإن كنت جباراً فقد خرجت من دينك ومن إيمانك، الآية دقيقة جداً:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾

[ سورة المائدة: 54]

 قال ابن كثير هذه صفات المؤمنين الكمل، أن يكون أحدهم متواضعاً لأخيه ووليه متعززاً على خصمه وعدوه.
 الواقع الآن المؤمن ضعيف نحن في عصر القوة بيد غير المؤمنين، فالمؤمنون ضعاف دائماً ترى الإنسان المريض ينبطح أما القوي الكافر ينبطح يتذلل فإذا رأى مؤمناً ضعيفاً استعلى عليه وتفنن في إذلاله هذا واقع، طبعاً عنده حاسة سادسة هذا قوي ولو كان مجرماً ولو كان مخطئاً ولو كان منحرفاً ولو كان كافراً ينبطح له يتذلل له، بل قال بعضهم من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه، أما المؤمن يعلم أنه ضعيف يعني إذا وقع بخطأ يكبره ألف ضعف ويتفنن بفضحه يتفنن بالتشهير به، قال تعالى:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾

[ سورة المائدة: 54]

 قال بعض العلماء لما كان الذل منهم ما معنى أذلة ؟ لها معنى سياقي غير المعنى اللغوي، لما كان الذل منهم ذل رحمة وعطف وشفقة وإخبات عدّاه بأداة على أذلة على يعني أشفقت عليه تضميناً لمعاني هذه الأفعال فإنه لم يرد به ذل الهوان الذي صاحبه ذليل إنما هو ذل اللين والانقياد الذي صاحبه ذلول، فالمؤمن ذلول كما في الحديث المؤمن كالجمل الذلول والمنافق الفاسق ذليل.
وأربعة يعشقهم الذل أشد العشق الكذاب والنمام والبخيل والجبار. يعني هم أذلاء مع أنهم أقوياء الكذاب حينما تكشف كذبته يصبح ذليلاً والنمام حينما تكشف خطته يصبح ذليلاً والبخيل حينما يكشف بخله يكون ذليلاً والجبار أيضاً يعد ذليلاً حينما يأتي من هو أقوى منه فيسحقه.

 

معنى: أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ

أما معنى قوله تعالى: ﴿ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ ﴾ فهو من عز، وهي القوة والمنعة والغلبة للمؤمنين، كالولد لولده، وعلى الكافرين كالسبع على فريسته.

 

 

الدار الأخرة للمتواضعين:

 إنه قوي لا يخضع، لا يتضعضع، لا يستكين، لا يذل، لا يتطامن، والعلو كل العلو في الأرض، وفي الدارين للمتواضعين في الدنيا وفي الآخرة، قال تعالى:

 

﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

[ سورة القصص: 83]

أحاديث نبوية في التواضع:

 أيها الإخوة الكرام، أحاديث كثيرة وردت في التواضع:

 

الحديث الأول:

 عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

 

 

(( إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ ))

 

الحديث الثاني:

(( ما من آدمي إلا في رأسه حكمة ـ قطعة حديد يلجم بها الفرس توضع بحنكه ـ بيد ملك، فإن تواضع قيل للملك: ارفع حكمته ـ اجعله حراً المتواضع حر ـ وإذا تكبر قيل للملك: دع حكمته ))

[ الطبراني عن ابن عباس بسند حسن ]

الحديث الثالث:

 وقال عليه الصلاة والسلام:

 

(( ما استكبر من أكل مع خادمه ))

 

[ الجامع الصغير عن أبي هريرة بسند حسن]

 إنّ فئات من المجتمع المخملي يعدّون الأكل مع الخادم إهانة،

(( ما استكبر من أكل مع خادمه، وركب الحمار بالأسواق، واعتقل الشاة فحلبها ))

[ الجامع الصغير عن أبي هريرة بسند حسن]

الحديث الرابع:

 وقد قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( برئ من الكبر من حمل حاجته بيده ))

 

[ ورد في الأثر]

الحديث الخامس:

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

((مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ ))

 

[ مسلم ]

 يرفعه في الدنيا، ويثبت له بتواضعه في القلوب منزلة، ويرفعه الله عند الناس، ويجل مكانه.
والثاني أن المراد ثوابه في الآخرة، ورفعه فيها لتواضعه في الدنيا، قال تعالى:

﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

[ سورة القصص: 83]

 سيدنا الصديق يقول: << وجدنا الكرم في التقوى، والغنى في اليقين، والشرف في التواضع <<
وقال عروة بن الورد: " التواضع أحد مصائب الشرف، وكل ذي نعمة محسود عليها صاحبها إلا التواضع ".
إذا كان الشخص متواضعا لا يحسد على هذه النعمة.

 

أنواع التواضع:

 الآن هناك بحث مهم جداً:

 

 

التواضع الأول: التواضع للدين:

 

1 ـ عدم معارضته بالمعقولات:

 عندنا كبر اعتقادي، الدرجة الأولى للتواضع التواضع للدين، وهو ألا يعارض بمعقول منقولاً، ولا يتهم للدين دليلاً، ولا يرى للخلاف سبيلاً، كيف التواضع في الدين ؟
الآن دققوا، ألا يعارض شيئاً مما جاء بشيء من المعارضات الأربعة السارية في العالم، المسماة بالمعقول، والقياس، والذوق، والسياسة، الأول: المنحرفون، أهل الكبر من المتكلمين، أرباب العقول، يقول لك: مفكر، هؤلاء عارضوا نصوص الوحي بمعقولاتهم الفاسدة، يقول لك: غير معقول أن نضع المال في مؤسسة دون أن نأخذ ربحاً على بقائه في هذه المؤسسة، غير معقول، تقف الحياة، يقف الاقتصاد، واقعه المالي، النظام المالي الغربي أكبر عنده، وأكثر مصداقية، وأكثر صحة من آية في كتاب الله، هذا عارض المنقول الصحيح في الكتاب والسنة بمعقول فاسد.
 وهذا الذي يجعل عقله حكماً على النصوص هو من فئة المعتزلة، العقل يمكن أن تستخدمه في التأكد من صحة النص، كما أنه يمكن أن تستخدمه لفهم النص، أما أن يكون العقل حكماً على النص، يقول لك: هذا الحكم لا يعجبني، قطع اليد، معقول نحن في أي عصر نعيش ؟ معقولاته الحضارية تجعله يرفض نصاً قرآنياً، يرفض حكماً إلهياً، بينما إذا ألغي هذا الحد في كل ثلاثين ثانية ترتكب جريمة قتل، أو سرقة، أو اغتصاب، أما إذا طبق هذا الحد في العام بأكمله قد يضطرون لقطع يد واحدة، هذا صاحب العقل الراجح:

﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ *إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾

[ سورة المدثر]

 فهذا أحد أنواع الكبر، أن تعتز بعقلك، وأن تجعله حكماً على النقل الصحيح، على وحي السماء، على أحكام الله عز وجل، قال تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾

(سورة الأحزاب: 36]

هذه فئة.

2 ـ عدم معارضته بالقياس والرأي:

 لشيء الثاني للمتكبرين من المنتسبين إلى الفقه قالوا: إذا تعارض القياس والرأي والنصوص قدمنا القياس على النص، ولم نلتفت إليه.
إذا كان هناك نص بالتحريم وفي القياس غير محرم، يقدم القياس على التحريم، يقيس شيئا على شيء، والقياس له بحث طويل، وفيه مزلق قدم كبير.

 

3 ـ عدم معارضته بالأحوال والأذواق:

 المتكبرون والمنحرفون من المنتسبين إلى التصوف والزهد، إذا تعارض عندهم الذوق والأمر قدموا الذوق والحال، ولم يعبئوا بالأمر، طبعاً قلة منهم منحرفون جداً، هم تجاوزوا مرحلة التكليف، بلغوا اليقين، إذاً: لا تكليف عليهم، هؤلاء بكبرهم، وأذواقهم الفاسدة تجاوزوا النصوص مع أن المؤمن الصادق المحب.
أحبابنا اختاروا المحبة مذهباً وما خالفوا في مذهب الحب شرعنا

 

 

4 ـ عدم معارضته بالسياسة:

 أما الأقوياء هؤلاء يغلبون السياسة عندهم على الشريعة ولا يلتفتون إلى حكم الله عز وجل، فالإنسان قوي دينه سياسته، ولو أنها خالفت منهج الله عز وجل، والإنسان المنحرف في مواجيده وأذواقه، ولم يكن على صواب يقدم أذواقه على أحكام الشرع، ونصوص الوحيين، والذي تعمق في الفقه، واخترع موضوع القياس يغلب القياس على النص الواضح الشرعي، وأهل الكلام العقلاء هؤلاء عقولهم ربما كانت سبباً في إلغاء حكم شرعي جاء به الوحي القرآني والوحي النبوي.

 

 

تقديم شيء على الوحي نوع من الكبر:

 يها الإخوة الكرام، لمجرد أن تقدم بين يدي الله ورسوله شيئاً، ولا تعبأ بما جاء به الوحي، فهذا نوع من الكبر أخطر أنواع الكبر الاعتقادي، أخطر أنواع الكبر، الكبر في الدين، لذلك صاحب البدعة لا توبة له، لأنه يرى أنه وحده على صواب، وأن الناس كلهم في ضياع، لذلك أهون ألف مرة أن يكون الخطأ في السلوك من أن يكون في الاعتقاد، لأن الخطأ في الميزان لا يصحح، بينما الخطأ في الوزن لا يتكرر.