الإسلام منهج حياة - الندوة : 01 - علاقة الإنسان بمن حوله 1

2009-08-23

مقدمة :

 السلام عليكم ورحمة الله ، أيها الأخوة والأخوات أرحب بكم أجمل ترحيب في برنامجنا الجديد : "الإسلام منهج حياة".
 نستضيف في هذا البرنامج فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ـ حفظه الله ـ الداعية الإسلامي ، أهلاً وسهلاً بكم فضيلة الدكتور .
الدكتور راتب :
 بكم أستاذ جميل جزاكم الله خيراً .
الأستاذ جميل :
 بداية البرنامج نسج حول الإنسان ، الذي تميز عن كل المخلوقات بالتكريم والاختيار ، ونود منكم فضيلة الدكتور إلقاء الضوء على هذا الكائن المتميز ، ودائرة سعادته ، ما هي الأساسيات التي يطلبها الإنسان العاقل ؟.

الأساسيات التي يطلبها الإنسان العاقل :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، وعلى آل بيته الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين .
 أستاذ جميل ، الإنسان هو المخلوق الأول ، والمخلوق المكرم ، والمخلوق المكلف، هو في حقيقته عقل يدرك ، وقلب يحب ، وجسم يتحرك ، وغذاء العقل العلم ، وغذاء القلب الحب ، وغذاء الجسم الطعام والشراب ، والإنسان جُبل أو فُطر على حبّ وجوده ، وعلى حبّ سلامة وجوده ، وعلى حبّ كمال وجوده ، وعلى حبّ استمرار وجوده ، أي إنسان كائن من كان من آدم إلى يوم القيامة ، جُبل على حبّ وجوده ، صرح بهذا أو لم يصرح ، وعلى حبّ سلامة وجوده ، وعلى حبّ كمال وجوده ، وعلى حبّ استمرار وجوده.

الاستقامة على منهج الله تحقق للإنسان سلامة وجوده :

 النقطة الدقيقة أن الاستقامة على منهج الله تحقق له سلامة وجوده ، و النقطة الثانية أن الاستقامة لا تعني السعادة ، ولكنها تعني السلامة ، لأن الإنسان أعقد آلة في الكون، ولهذه الآلة بالغة التعقيد تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز ، لهذه الآلة صانع حكيم ، ولهذا الصانع الحكيم تعليمات التشغيل والصيانة ، فالجهة الوحيدة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها هي الجهة الصانعة ، والإنسان ولو بدافع من حبه لذاته ، أو حبه لسلامته ، ينبغي أن يطيع الله عز وجل، لأن العلاقة بين الطاعة وبين النتائج علاقة علمية أي علاقة سبب بنتيجة ، ولأن العلاقة بين المنهيات والنتائج علاقة علمية أيضاً ، فالإسلام منهج موضوعي ، لو أن الطرف الآخر ، أو لو أن إنساناً لا يؤمن بالدين أصلاً أخذ بهذا المنهج لقطف كل ثماره في الدنيا ، بينما المؤمن يقطف ثماره في الدنيا والآخرة ، فقد جُبل الإنسان على حبّ وجوده ، وعلى سلامة وجوده ، أما كمال وجوده يحتاج إلى عمل صالح ، قال تعالى :

﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾

( سورة الكهف الآية : 110 )

 حينما يبذل الإنسان من ماله ، من وقته ، من علمه ، من خبرته ، من جاهه ، حينما يعيش للآخرين ، حينما يحمل همّ أمته ، حينما يسهم في حلّ مشكلاتها ، حينما يسهم في إسعادها ، حينما يقدم لربه الغالي والرخيص ، والنفس والنفيس ، عندئذٍ يسعد يسلم باستقامته على أمر الله ، ويسعد بالعمل الصالح ، قال تعالى :

﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾

 أما استمرار وجوده ، الإنسان له عمر ، ويموت ، لكن حينما يربي أولاداً ليكونوا خلفاء من بعده ، يكون قد حقق استمرار وجوده ، فالله عز وجل يُطمئن هذا المؤمن ويقول له :

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ﴾

( سورة الطور )

 أية سعادة تتحقق لهذا الإنسان حينما يضمن سلامة وجوده لاستقامته على أمر الله؟ وحينما يضمن سعادته الكبرى بالعمل الصالح ، وحينما يضمن استمراره بعد موته من خلال أولاده ، هذه جبلة الله عز وجل ، والفطرة التي فُطر الناس عليها كائناً من كان ، في كل زمان وفي كل مكان .

 

الجهل أعدى أعداء الإنسان والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به :

 لذلك الإنسان حينما يجهلُ يجهل أسباب سلامته ، وسعادته ، قد يسأل سائل سؤالاً دقيقاً : ما دام الإنسان قد جُبل على حبّ وجوده ، وحبّ سلامة وجوده ، وعلى حبّ كمال وجوده ، وعلى حبّ استمرار وجوده ، لماذا يكون الشقاء في الأرض ؟ الشقاء سببه الجهل ، والجهل أعدى أعداء الإنسان ، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به .
 لذلك إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل .
الأستاذ جميل :
 دكتور أين هي السعادة في التكاليف ؟ افعل ولا تفعل ، ألا يعكر صفو السعادة الأمر والنهي ، الترغيب والترهيب ؟.

الدين جاء لإسعاد البشر وحلّ مشاكلهم :

الدكتور راتب :
 والله الذي أراه أن الدين إنما جاء لإسعاد الناس ، وأنا أقول لك الآن بكل صراحة : أنا يعنيني من الدين أن تحل مشكلتي مع أسرتي ، ومع أولادي ، من خلال تطبيق منهج الله ، يعنيني من الدين أن أسعد مع ربي ، أن أعرفه ، أن أستقيم على أمره ، أن أُقبل عليه ، يعنيني من الدين أن تكون علاقتي مع الخلق علاقة رائعة ، علاقة تفاهم وتعاون وعلاقات إيجابية ، يعنيني من الدين أن أنجح في عملي ، يعنيني من الدين أن أنجح مع صحتي ، فحينما يكون هذا الدين داعماً لهذه الكليات الكبيرة في حياة الإنسان ، الكلية الأولى: علاقته بربه ، والكلية الثانية : علاقته بأهله وأهله ، والكلية الثالثة : علاقته بمحيطه ، بمن حوله ، من جيران ، من أصدقاء ، من زملاء ، من أقرباء ، أو من عامة البشر ، أو من أعداء ، هناك علاقات نموذجية ، ويعنيني من الدين أن أنجح بعملي ، شرف الإنسان عمله منه يرتزق ، ويعنيني من الدين أن أعيش حياةً أتمتع بها بصحة طيبة .
 لذلك عنوان هذا البرنامج "الإسلام منهج حياة" ، فهذا الإسلام تعليمات الصانع ، بنجاحك مع ربك ، ومع أسرتك ، ومع أقاربك ، ومن حولك ، ومع عملك ، ومع صحتك فهذا الدين الذي يسعد الإنسان ، هناك قضايا في الدين لا تعد ولا تحصى ، لا تعنيني لا من قريب ، ولا من بعيد ، أية قضية لا يبني عليها حكم شرعي لا قيمة لها في البحث والدرس ، نريد ديناً هو دين الحياة ، نريد ديناً هو دين السلامة ، دين السعادة ، دين التألق في العمل ، دين التألق في الصحة ، لعل الله سبحانه وتعالى يوفقنا في هذه الحلقات القادمة ببيان وجهة نظر الدين في هذه الكليات الخمس ، العلاقة مع الله ، والعلاقة مع الأهل والأولاد ، والعلاقة مع الأقارب وبقية الناس ، والعلاقة في العمل ، والعلاقة مع الصحة .
الأستاذ جميل :
 دكتور ، ينظر الفقير إلى الغني نظرة يظنه أسعد الناس ، وكذلك ينظر الضعيف إلى القوي فيحسبه الأوفر حظاً ، والسؤال هنا أين مكان السعادة والحظوة ؟ وكيف السبيل إليها ؟.

سعادة الإنسان تأتي من استقامته على أمر الله عز وجل :

الدكتور راتب :
 قيل : إن الله يعطي الصحة ، والذكاء ، والمال ، والجمال ، للكثيرين من خلقه ولكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين ، في النفس فراغ لا يملأه إلا الإيمان بالله ، في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة ، في النفس حاجة إلى معرفة الله ، حاجة إلى أن يرى منظومة فكرية تقدم له تفسيراً صحيحاً ، واقعياً ، عملياً ، عميقاً ، متناسقاً ، للكون ، والحياة ، والإنسان ، تقدم له تفسير ظواهر كبرى للحياة ، ظاهرة المرض ، ظاهرة الفقر ، هذه ظواهر نعيشها جميعاً ما تفسيرها ؟ ما تعديلها ؟ ما حكمتها ؟ الدين قدم للإنسان أروع تفسير شمولي ، عميق ، دقيق ، متناسق لكليات الكون ، والحياة ، والإنسان .
 فلذلك الإنسان أعقد آلة في الكون ، فحينما يكون الإنسان على منهج ربه فيسلم ويسعد ، وهذا هو الهدف من هذا البرنامج إن شاء الله ، أن نقدم للأخوة المشاهدين ما في الدين من توجيهات رائعة تحقق للإنسان نجاحاته كلها .
ذلك لأن الإنسان لا يسمى ناجحاً في الحياة إلا إذا نجح نجاحاً شمولياً ، فالذي ينجح في تحصيل مالٍ وفير ، ويهمل أهله وأولاده ، لا يعد ناجحاً ، والذي ينجح في بيته ولا ينجح في عمله لا يعد ناجحاً ، والذي ينجح في كليهما ولا ينجح في صحته لا يعد ناجحاً .
 فأنا أنطلق في هذا البرنامج إن شاء الله من أن النجاح لا يعد نجاحاً إلا إذا كان شمولياً .

خاتمة و توديع :

الأستاذ جميل :
 إذاً النجاح نجاح شمولي وليس جزئياً ، جزاكم الله خيراً دكتور وأحسن إليك ، مشاهدينا الأعزاء شكراً على متابعتكم ، نلقاكم في حلقات أخرى ، أستودعكم الله .

 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .