الإسلام منهج حياة - الندوة : 17 - علاقة الإنسان بالشأن العام 3 ، من هو الذي يحظى بنصر الله؟

2009-09-08

مقدمة :

  السلام عليكم ورحمة الله ، أيها الأخوة والأخوات أسعد أوقاتكم بكل خير ، وأهلاً بكم في لقاء جديد في برنامج : " الإسلام منهج حياة ".
 أرحب بضيفي فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي الداعية الإسلامي ، أهلاً بكم فضيلة الدكتور .
الدكتور راتب :
 بكم أستاذ جميل جزاك الله خيراً .
الأستاذ جميل :
 تقدم الحديث معنا فضيلة الدكتور في الحلقة الماضية عن الجهاد ، وما بعد الجهاد نصر أو هزيمة ، فما هو النصر ؟ وما هو مبدأ النصر ؟ من هو ذلك المحظوظ الذي يحظى بنصر الله عز وجل ؟.

 

النصر محبب للإنسان و هو من عند الله وحده  :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
 الحقيقة أن النصر محبب للإنسان .

﴿ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ ﴾

( سورة الروم )

 فالنصر مسعد ، والنصر نجاح ، والنصر في معركة متعلقة بالقيم والمبادئ فلاح، والفلاح أبلغ من النجاح ، النجاح نجاح في الدنيا ، والفلاح فلاح في الآخرة ، فالنصر شيء محبب ، لكن ما حقيقته ؟ الحقيقة الأولى والخطيرة أن النصر من عند الله وحده .

﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾

( سورة آل عمران الآية : 160 )

 فحينما نؤمن أن النصر بتحالف مع دولة قوية ، أو بتنازلات لدولة أخرى ، هذا لا يصنع نصراً ، النصر من عند الله وحده .
 فحينما ننطلق من التوحيد أن الناصر هو الله ، حينما ننطلق من التوحيد نكون قد مشينا في الطريق الصحيح .

 

النصر له أسباب ما لم نأخذ بها لن نحوزها إطلاقاً :

 بادئ ذي بدء : النصر من عند الله وحده ، هو الذي يهب النصر ، أو يمنع النصر عن الإنسان ، لكن الشيء الدقيق جداً أن أفعال الله لها قواعد ثابتة ، مهما دعونا إن لم ندفع ثمن النصر لا ننتصر ، لذلك أنا درجت على دعاء أقول : يا رب اللهم ارزقنا أسباب النصر حتى نستحق أن ننتصر ، فالنصر له أسباب .
 عفواً ، دولة محترمة رسمت لحرفة الطب طريقاً ، فالطريق يبدأ بعلامات معينة في الشهادة الثانوية ، ثم الدخول في كلية الطب ، أول سنة علوم عامة ، ثانية سنة تشريح ، الثالثة فيزيولوجيا ، الرابعة علم الأمراض ، الخامسة علم الأدوية ، فالإنسان إذا قرأ مجلات طبية لن يكون طبيباً ، و إذا صاحب أطباء لن يكون طبيباً ، إذا تمنى أن يكون طبيباً لن يكون طبيباً .
 فالنصر له أسباب ما لم نأخذ بها لن نحوزها إطلاقاً ، فأنا أرى النصر ، أولاً : الله عز وجل هو الناصر وحده ، لأن سيدنا عمر عزل سيدنا خالد ، قال له : لِمَ عزلتني يا أمير المؤمنين ؟ قال له : والله إني أحبك ، قال له : لِمَ عزلتني مرة ثانية ؟ قال له : والله إني أحبك ، قال : لِمَ عزلتني مرة ثالثة ؟ قال له : والله ما عزلتك يا بن الوليد إلا مخافة أن يفتتن الناس بك ، لكثرة ما أبليت في سبيل الله ، كأن هذا الإمام الكبير ، الخليفة الراشد ، أراد أن ينقذ التوحيد ، كاد الناس يتوهمون أن خالداً هو الناصر ، هو عبد الناصر وليس هو الناصر ، الناصر هو الله ،

﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾

﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾

( سورة آل عمران الآية : 126 )

من ينصر دين الله عز وجل يستحق أن ينصره الله :

 أول حقيقة : الله هو الناصر ، ثاني حقيقة : من ينصر ؟

﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ﴾

( سورة الحج الآية : 40 )

﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾

( سورة محمد الآية : 7 )

 أنت حينما تنصر دين الله تستحق نصر الله ، حينما تقيم شرع الله تستحق نصر الله ، حينما ننصر الضعاف نستحق النصر ، لقول النبي الكريم :

 

(( فإنما تُرزقُونَ وتُنصرون بضعفائكم ))

 

<[أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي الدرداء ]

 أي هذا الضعيف حينما تطعمه إن كان جائعاً ، تكسوه إن كان عارياً ، تعالجه إن كان مريضاً ، تعلمه إن كان جاهلاً ، تؤويه إن كان مشرداً ، تنصفه إن كان مظلوماً ، هذا الضعيف حقيقة الله سبحانه وتعالى يكافئنا على خدمته بأن ينصرنا على أعدائنا .

 

شروط النصر :

1 ـ الإيمان :

 إذاً الله عز وجل ينصر من ينصره ، لكن لو سألتني هل للنصر شروط دقيقة جداً ؟ الجواب : النصر له شرطان ، كل واحد منهم شرط لازم غير كافٍ ، أول شرط الإيمان ، لقول الله عز وجل :

﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِين ﴾

( سورة الروم )

 أي أنشأ الله حقاً عليه ، أن ينصرنا إن كنا مؤمنين ، لكن كلٌ يدعي وصلاً بليلى ، كلٌ يدعي الإيمان ، الحقيقة الإيمان الذي أراده الله بهذه الآية الإيمان الذي يحمل على طاعة الله ، فما دام الإيمان لا يحمل على طاعة الله أنا أسميه إيماناً إبليسياً ، لأن إبليس قال ربي :

﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾

( سورة ص الآية : 82 )

 إبليس قال :

﴿ خَلَقْتَنِي ﴾

( سورة الأعراف الآية : 12 )

 آمن به خالقاً ، قال :

﴿ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾

( سورة الأعراف )

 فالإيمان الذي لا يترجم إلى التزام وإلى سلوك لا قيمة له إطلاقاً ، فالإيمان شرط لازم غير كافٍ ، المشكلة الكبرى أن المسلمين يتوهمون بأنهم مؤمنون و ينبغي أن ينتصروا ، لا ، الإيمان شرط لازم غير كاف ، طبعاً للتوضيح :
رأس الغاز لا قيمة له من دون أسطوانة غاز ، وهذه الأسطوانة لا قيمة لها أيضاً من دون رأس ، هما متكاملان ، نقول : كل من الأسطوانة والرأس شرط لازم غير كافٍ .
 أول شرط الإيمان الذي يحمل على طاعة الله .

 

2 ـ الإعداد :

 الشرط الثاني : الإعداد ، قال تعالى :

 

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ﴾

( سورة الأنفال الآية : 70 )

 سمعت بعض قادة المقاومة في حرب غزة أنهم قالوا : يا رب أعددنا ما نستطيع ، هذه الكلمة تأثرت بها كثيراً ، أعددنا ما نستطيع .
 يجب أن تؤمن الإيمان الذي يحملك على طاعة الله ، ويجب أن تعد العدة المتاحة لك ، عندئذٍ تكون قد قدمت شرطي النصر ، هذه شروط النصر .

 

أنواع النصر :

1 ـ النصر الاستحقاقي :

 ولكن للنصر أنواع كثيرة ، من هذه الأنواع النصر الاستحقاقي ، أنت حينما تؤمن الإيمان الذي يحملك على طاعة الله ، وحينما تعد للعدو ما تستطيع ، عندئذٍ تنتصر استحقاقاً ، أنت مفتقر ، أنت موحد ، أنت أعددت العدة واستعنت بالله .
 أستاذ جميل الموقف الدقيق جداً ، والرائع ، والإيماني الصحيح أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء ، طبعاً سهل جداً أن تأخذ بالأسباب وأن تعتمد عليها ، وأن تؤلهها فتقع في وادي الشرك كما هم الغربيون ، والأسهل من ذلك ألا تأخذ بها أصلاً ، وتعتمد على توفيق الله الساذج ، تعتمد على التواكل لا التوكل ، ألا تأخذ بها، لكن البطولة أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء .
هذا النصر الأول استحقاقي ، قال تعالى :

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾

( سورة آل عمران الآية : 123 )

2 ـ النصر التفضلي :

 أما النصر الثاني هو النصر التفضلي ، أحياناً لحكمة بالغةٍ بالغة ينصر الله من لا يستحق النصر ، لكن الله عز وجل يكشف لنا بعد حين هذه الحكمة ، قال تعالى :

 

﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ﴾

( سورة الروم )

 والحقيقة الدقيقة أن هذه الآية فيها إعجاز إخباري مستقبلي ، فالله عز وجل أخبرنا أن الروم سينتصرون بعد أن انهزموا مع الفرس .

 

﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾

 

( سورة الروم )

 والملمح الدقيق بالآية أن الله أثبت لصحابته الكرام فرحهم بانتصار الروم ، لأن بينهم قواسم مشتركة ، القواسم المشتركة الإيمان بالله واليوم الآخر ، هناك فوارق لكن هناك قواسم مشتركة .
 فالمؤمن ينبغي أن يقف الموقف المناسب في هذه الآية ، هذا نصر تفضلي .

 

3 ـ النصر الكوني :

 وهناك نصر آخر هو النصر الكوني ، كلا الفريقين المتحاربين شارد عن الله الأقوى ينتصر ، الذي يملك سلاحاً إصابته أقوى ينتصر ، الذي يملك سلاحاً مداه المجدي أكبر ينتصر ، الذي يملك الأقمار الصناعية ينتصر ، الذي معه ثلاثين دولة حلفاء ينتصر ، الذي معه أموالاً طائلة ينتصر ، هذا نصر كوني ، الطرفان شردا عن الله عز وجل ، الأقوى ينتصر ، الأقوى عسكرياً ، والأقوى إعداداً ، والأقوى عدة ، وعتاداً ...إلخ .

 

 

4 ـ النصر المبدئي :

 لكنني أريد أن أبشر هؤلاء الذين ماتوا واستشهدوا في حرب ولم يحققوا النصر ، هؤلاء انتصروا نصراً مبدئياً ، لأن المنية وافتهم وهم موحدون ، مؤمنون ، مستقيمون ، هذا النصر يسمى النصر المبدئي ، وهو ثمين جداً ، والدليل :

 

﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ﴾

( سورة البروج )

 أصحاب الأخدود لم ينتصروا بل أحرقوا ، لكنهم ماتوا موحدين ، ماتوا مؤمنين ، وماتوا طائعين .

 

خاتمة و توديع :

الأستاذ جميل :
 ختاماً فضيلة الدكتور إن أردنا النصر فعلينا بطريقين ؛ الإيمان والإعداد ، جزاكم الله خيراً ، وأحسن إليكم ، ونشكر لكم ، شكراً لكم أيها الأخوة على حسن المتابعة ، نترككم في أمان الله وحفظه .
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته