قوانين القرآن الكريم - الدرس : 30 - قانون النجاة

2008-09-30

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

الله عز وجل دعانا إلى النجاة بكل معانيها الواسعة :

 أعزائي المشاهدين ، أخوتي المؤمنين ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، ولازلنا في قوانين القرآن الكريم ، والقانون اليوم : قانون النجاة ، والنجاة بأوسع معانيها ، الله عز وجل خلقنا ليرحمنا :

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ (119)﴾

( سورة هود)

 أعطانا حرية الاختيار ، وأمرنا أن نطيع منهجه من أجل سلامتنا وسعادتنا ، لذلك دعانا إلى النجاة بكل معانيها الواسعة فقال تعالى :

 

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(10)تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(11)يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(12)وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ(13)﴾

 

( سورة الصف )

التجارة الرابحة مع الله عز وجل هي الإيمان به و التوكل عليه :

 أيها الأخوة ، الله سبحانه وتعالى أرادنا أن ننجو من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فدعانا إليه :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾

( سورة الأنفال : من آية " 24 " )

 يدعونا إلى الحياة ، إلى حياة القلب ، إلى حياة الكمال ، إلى حياة تفضي بنا على جنة عرضها السماوات والأرض ، دعانا إلى النجاة ، وعرض علينا أن نتاجر معه لنربح عليه ، وهذه التجارة لها رأسمال في مقدور أي إنسان ، هذا رأس المال لا يزيد عن إيمان بالله وهذا الكون كله يدل عليه ، هذا الكون كله تجسيد لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى ، هذا الكون كله يدل على إله عظيم ، رحمن رحيم ، بيده ملكوت السماوات والأرض ، إليه يرجع الأمر كله فينبغي أن نعبده وأن نتوكل عليه ، هذه التجارة سلامة وسعادة في الدنيا والآخرة .

 

الإنسان مهما تصور أن المصيبة التي أصابته كبيرة فليعلم أن الأمر بيد الله وحده :

 ولكن السؤال الذي يُطرح من هذا الذي يستحق هذه النتائج الباهرة من تجارته ؟ الله عز وجل يقول :

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ (87)﴾

( سورة الأنبياء)

 من ؟ سيدنا يونس عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ، هذا النبي الكريم الذي وجد نفسه فجأة في بطن حوت ، النجاة صفر ، الأمل بالنجاة صفر لكن الله عز وجل أراد أن يعلمنا درساً بليغاً ، هذا الدرس يعني أنه مهما تصورت أيها المؤمن أن المصيبة كبيرة، وأن المصيبة ماحقة ، وأن الأمل في النجاة معدوم ، الله عز وجل بيده كل شيء ، نبي كريم وجد نفسه في بطن حوت :

 

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ (87)﴾

( سورة الأنبياء)

 أيها الأخوة ، العلماء يرون أن الثناء دعاء كيف دعا ربه ؟ قال :

﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ (87)﴾

 أين ؟ في بطن حوت والأمل في تصور البشر معدوم ، فقال الله عز وجل :

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ (87)فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ (88)﴾

( سورة الأنبياء)

 دقة بالغة في الآية ، أن الله عز وجل حدثنا عن قصة وقعت ، ولئلا نتوهم أنها وقعت ولن تقع ، قال الله عز وجل في تعقيب رائع على هذه القصة الرائعة فجعلها قانوناً يستحقه كل مؤمن .

 

النجاة من حق أي مؤمن استقام على أمر الله عز وجل وخطب وده وعمل صالحاً :


 إذاً : النجاة من حق أي مؤمن استقام على أمر الله عز وجل ، وخطب وده، وعمل صالحاً :

 

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ(87)فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ(88)﴾

( سورة الأنبياء)

 هذه الآية تشير إلى ملمح دقيق هو أن الله عز وجل حينما يقص علينا قصة ليس الهدف أخذ العلم بحادثة وقعت ، ولكن الهدف الكبير أن تكون هذه القصة قانوناً و منهجاً لنا .

 

الله عز وجل حينما يغفل شيئاً ينبغي نحن ألا نسأل عنه لئلا نفسد على الله هدايته لخلقه :

 لذلك تأتي في بعض القصص اغفالات كثيرة ، وجزئيات كثيرة يغفلها الله عز وجل ، وهناك من يتوجه إلى معرفة هذه التفاصيل ، والحقيقة الدقيقة أن الله عز وجل حينما يغفل شيئاً ينبغي نحن ألا نسأل عنه لحكمة بالغة بالغة ، لئلا نفسد على الله هدايته لخلقه ، الله عز وجل يريد أن تكون هذه القصص نماذج متكررة و ليست قصة وقعت ولن تقع ، إذاً قصة سيدنا يونس دقيقة جداً :

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ(87)فَاسْتَجَبْنَا لَهُ (88)﴾

( سورة الأنبياء)

 وهو في أعماق البحر هو في ظلمات ثلاث ، في ظلمة البحر ، وفي ظلمة الليل ، وفي ظلمة بطن الحوت ، ومع ذلك نجاه الله عز وجل ، ولكن أروع ما في القصة التي تتحدث عن نجاة نبي كريم أن الله قلبها إلى قانون فقال تعالى :

 

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾

( سورة الأنبياء)

أهمية الدعاء الكبيرة في الإسلام :

 أيها الأخوة الكرام ، الله عز وجل ينتظر منا أن ندعوه بالنجاة لذلك قال تعالى :

﴿ وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ(75)وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنْ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ(76)﴾

( سورة الصافات )

 مواقف الأنبياء قدوة لنا ، فنحن إذا رأينا نبياً كريماً ينادي ربه ويسأله النجاة لذلك ينبغي نحن أن نسأل الله النجاة من كل همّ ، من كل ضيق ، من كل مشكلة ، من هنا كان الدعاء يحتل مكانة في الإسلام كبيرة لقوله تعالى :

 

﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (77)﴾

( سورة الفرقان )

 إذاً الإنسان حينما يدعو الله عز وجل هو مؤمن بوجوده ، ومؤمن بأنه يسمعه ، ومؤمن بأنه قادر على تلبية طلبه ، ومؤمن بأنه يحبه .

 

كل مسلم يجب أن يشعر أنه سفير المسلمين في أي مكان فلا يقصر في طاعة ربه :

 أيها الأخوة ، الأمر الذي دعا النبي عليه الصلاة والسلام إلى أن يقول :

(( الدعاء هو العبادة ))

 بل الدعاء :

(( الدعاء مخ العبادة ))

[ أخرجه الترمذي عن أنس ]

 امرأة فرعون قالت :

 

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(11)﴾

( سورة التحريم )

 أيضاً آية دقيقة جداً يقول الله عز وجل في أدعية القرآن الكريم :

 

﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾

( سورة الممتحنة الآية : 5 )

 كيف ؟ أيها الأخوة ، المسلم حينما يقصر ، ولا يطبق منهج الله عز وجل ، ويتخلف ، فإذا رآه غير المسلم متخلفاً أي مفتقراً إلى مقومات نجاحه في الحياة ، يظن أن هذا من أثر الدين ، فيفتن بدينه ، ويرفض هذا الدين العظيم ، فأي مسلم يعد على ثغرة من ثغر الإسلام فينبغي ألا يؤتى هذا الدين من قبله ، فالإنسان حينما يستقيم على أمر الله ، ويكون متماسكاً ، يكون مثلاً أعلى ، أما حينما يقصر في طاعة ربه ، وفي تطبيق منهج ربه ، ويعاني ما يعاني من مشكلات ، يكون فتنة لغير المؤمن :

 

﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾

( سورة الممتحنة الآية : 5 )

 الكفار حينما يرون مجتمعاً إسلامياً متخلفاً مقصراً ، يعاني ما يعاني من مشكلات متنوعة ، يربطون هذا التخلف بهذا الدين العظيم ، فيفتنون بما هم عليه من بعد عن الله عز وجل ، بما هم عليه من تقصير ، ويتهمون هذا الدين بأنه سبب التخلف ، هذا دعاء دقيق جداً يحتاجه المؤمن ولاسيما في هذه الأوقات .

 

بطولة المؤمن أنه مع الله عز وجل في الرخاء والشدة و في إقبال الدنيا وإدبارها :


 أيها الأخوة الكرام ، الإنسان ينبغي أن يطلب النجاة وهو معافى ، لكن أي إنسان كائناً من كان حينما تأتيه المصائب يلتجئ إلى الله عز وجل ، لكن البطولة أن تعرفه وأنت في الرخاء ، إن عرفته وأنت في الرخاء كان موقفك رائعاً من الله عز وجل ، لذلك ما من إنسان تصيبه شدة إلا ويتجه إلى الله عز وجل ، وحينما يكون إيمانه ضعيفاً ، فإذا رفعت عنه هذه الشدة عاد إلى ما كان عليه ، هذا شيء يفعله كل إنسان ولكن بطولة المؤمن أنه مع الله عز وجل في الرخاء والشدة ، في إقبال الدنيا وإدبارها ، في عافيته وفي غير عافيته ، من هنا قال بعض الصحابة الكرام : " عاهدنا رسول الله على السمع والطاعة في المنشط والمكره ، في إقبال الدنيا وفي إدبارها ، في الرخاء وفي الشدة " .
 هذا من شأن المؤمن أن يسأل الله النجاة وهو في بحبوحة ، أما عند الشدة أي إنسان يسأل الله النجاة ولكن ربما عاد إلى ما كان عليه بعد هذا السؤال .
 أيها الأخوة الأحباب ، في ختام هذا البرنامج نقول : إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظنّ أنه قد علم فقد جهل .
 اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وإلى برنامج آخر إن شاء الله تعالى .
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .