الخطب الإذاعية - الخطبة : 20 - غزوة بدر - قصة الأحنف بن قيس.

1991-03-22

استفتاح الخطبة:

الحمد لله رب العالمين، يا رب من لم يعتزَّ بطاعتك لم يزل ذليلاً، ومن لم يستشف بكتابك بات وأصبح عليلاً، ومن لم يستغنِ بالافتقار إليك كان الدهرَ كله فقيراً، ومن لم يتحقق بالعبودية لك كان في العبودية لمن دونك أسيراً، ومن لم يتترس بترس التوكل عليك، أصابه كل رامٍ، ومن لمن يحتم بحماك لم يحمه منك حامٍ.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعز كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومفزع كل ملهوف، فحاشا أن نفتقر في غناك، وأن نضل في هداك، وأن نذل في عزك، وأن نضام في سلطانك.
وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، غضب ذات مرة من غلام له، وكان صلى الله عليه وسلم بيده سواك، فقال لهذا الغلام، وقد غضب منه، والله لولا خشية القصاص لأوجعتك بهذا السواك.
ومن جهة أخرى، يقول الإمام علي كرم الله وجهه: << كنا إذا حمي البأس - في الحرب - واحمرت الحدق اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فما يكون أحد أقربَ إلى العدو منه >>.
اللهم صل، وسلم، وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارض عنا، وعنهم يا رب العالمين.
عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله، وأحثكم على طاعته، وأستفتح بالذي هو خير.

غزوة بدر: تاريخ ودروس وعبر:

1 ـ النبي يخاطب قتلى المشركين بعد الغزوة:

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ:
(( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ قَتْلَى بَدْرٍ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَتَاهُمْ، فَقَامَ عَلَيْهِمْ، فَنَادَاهُمْ، فَقَالَ: يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، يَا أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، يَا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، يَا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، أَلَيْسَ قَدْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ؟ فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا، فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَسْمَعُوا ؟ وَأَنَّى يُجِيبُوا ؟ وَقَدْ جَيَّفُوا ! - أي أصبحوا كالجيفة - قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يُجِيبُوا، ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَسُحِبُوا، فَأُلْقُوا فِي قَلِيبِ بَدْرٍ ))

[ راجع البخاري، ومسلم ]

يا لها من كلمات بليغات، تلك التي خاطب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم القتلى من كفار قريش، بعد أن أمر بطرحهم في قليب ( أي بئر ) لدفنهم، وذلك إثر انتصار المسلمين في أول مواجهة لهم مع أعدائهم، انتصروا وهم قلة قليلة مُستضعفة، على كثرة كثيرة من صناديد قريش، وهم أشداء مستكبرون.
وكان هذا النصر المؤزَّر الحاسم في السابع عشر من رمضان لسنتين خلتا من الهجرة، وكانت الموقعة، موقعة بدر الكبرى، قال تعالى:

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾

( سورة آل عمران )

2 ـ دعاء النبي وتضرعه لربه عشية المعركة:

لقد كان صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام حريصين حرصاً بالغاً على هذا النصر الذي قرر مصير هذا الدين الجديد، فإن هلكوا فلن يُعبد الله بعدها في الأرض.
ولقد كان من مناجاة الرسول الكريم لربه العظيم قُبيل التحام الفريقين، فقد قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ:

(( لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ، وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ، فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ، وَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ ))

[ مسلم ]

 

3 ـ لماذا كان النبي أكثر تضرعا ؟

وهنا قد يسأل سائل، أو يُعقل أن يكون ثقة الصدِّيق بالنصر أشدَّ من ثقة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم به ؟
قد يُجيب مجيب: أن لهفة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وضراعته بسبب خشيته من وجود تقصير في الإعداد للمعركة، وعندها لا يستحقُّ المؤمن النصر، ولا يناله، لأن أمر الله بالإعداد ثابت وواضح، حيث قال الله عز وجل:

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾

( سورة الأنفال )

لقد كان جيش المسلمين في بدر ضئيل العدد، قليل العُدد، فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين خرجوا معه لا يزيدون عن ثلاثمائة بل ينقصون، ولكن الواحد منهم كألف، والألف من أعدائهم كألف، فهم يحبون الموت كما يحب أعداؤهم الحياة.

4 ـ النبي يستعرض جيش المسلمين قبل المعركة:

لقد استعرض الرسول جيشه كما يفعل القادة قُبيل المعركة، لاستجلاء معنوياته فقال:

(( أشيروا عليِّ أيها الناس.. ويعني بذلك الأنصار -لأنهم كانوا أكثر عدداً - فقال له سعد بن معاذ: لكأنك تريدنا يا رسول الله ؟ قال: أجل، فقال: قد آمنا بك وصدَّقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة لك، فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلَّف منا رجل واحد.. وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، وإنا لصُبُر في الحق، صُدُق عند اللقاء، فصِل حبال من شئت، واقطع حبال من شت، وعاد من شئت، وسالم من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحبَّ إلينا مما تركت، فلعل الله يُريك منا ما تقرُّ به عينك، فسِر على بركة الله ))

[ ابن حبان عن أنس ]

هذا نموذج من مقاتلي جيش المسلمين عشية موقعة بدر، إنهم على أهبة الاستعداد للتضحية بالغالي والرخيص، والنفس والنفيس، دعماً للحق، ولدين الحق، ولرسول الحق.
وأما عن نوعية القيادة التي قادت جيش المسلمين عشية موقعة بدر إلى النصر فإليكم بعض ما روته كتب السيرة: لقد كان جيش المسلمين، فضلاً عن ضآلة العدد، قليل العُدد، فليس مع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وصحبه سوى سبعين بعيراً، والمسافة بين المدينة وبدر تربو على مائة وستين كيلو متراً، فأعطى الني الكريم صلى الله عليه وسلم توجيهاً، بأن يختص كل ثلاثة براحلة، وقال صلى الله عليه وسلم:

(( وأنا وعلي وأبو لبابة على راحلة ))

[ أحمد ]

5 ـ النبي القائد القدوة:

وقد روى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بأنه قال: كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير، أي يتعاقبونه، ويتناوبونه، وكان أبو لبابة وعلي بن أبي طالب زميلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت عقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم - أي دوره في السير - فقالا له: نحن نمشي عنك ـ ليظل راكباً ـ فقال:

(( لا.. ما أنتما بأقوى مني على السير، ولا أنا بأغنى منكما عن الأجر ))

، فمشى النبي صلى الله عليه وسلم وصاحباه راكبان، هذا الذي يمشي وصاحباه يركبان هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وقائد الجيش.
فهل تدهشنا بعد هذا شجاعة أصحابه، وتضحياتهم، وإقبالهم على الموت، بعد أن سوَّى نفسه بهم، في كل شيء، وهل يدهشنا تعلُّقهم به وذوبانهم في محبته، وقد كان لهم أباً رحيماً وأماً رؤوماً وأخاً ودوداً ونبياً رسولاً، لقد صدق الله العظيم إذ يقول:

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

( سورة القلم )

6 ـ النصر من عند الله:

فهذا النصر المؤزر العزيز الذي فرح به، ويفرح له المؤمنون في كل عصر ومصر ما سرُّه ؟ ومن يصنعه ؟ وما العامل الحاسم فيه ؟
إنه الله عز وجل، استناداً لقوله تعالى:

﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾

( سورة الأنفال: 10)

وقوله تعالى:

﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ﴾

( سورة آل عمران: 160 )

إذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان الله عليك فمن معك ؟
أليس لهذا النصر الذي هو من عند الله قواعد ؟ أليست له شروط ؟ أليس له ثمن ؟

7 ـ شروط النصر: الإيمان والإعداد:

إن هذه القواعد، وتلك الشروط، وهذا الثمن يتلخص كله بكلمتين:
الإيمان والإعداد.. قال تعالى:

﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الروم )

وقال تعالى:

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾

( سورة الأنفال: 60 )

فالإيمان وحده شرط لازم غير كاف، والإعداد وحده شرط لازم غير كاف، بل إن علاقة الإيمان بالنصر علاقة رياضية، أي ثابتة، توضحها الآية:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ(65)الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

( سورة الأنفال )

يتضح من خلال هذه الآية الكريمة أن معادلة النصر في حالة قوة الإيمان واحد إلى عشرة، وفي حالة ضعف الإيمان واحد إلى اثنين، وفي حالة انعدام الإيمان النصر للأقوى عدداً وعدَّةً، وما يتبع ذلك، ذلك أن الإيمان يبدل طبيعة النفس، ويغير قيمها، ومطامحها، ويُصعَّد ميولها ورغباتها، ويخفف من متاعبها وهمومها، ويُقوي رجاءها وأملها، ويقلب أحزانها أفراحاً، ومغارمها مغانم.
فهذه الخنساء مات أخوها صخر في جاهليتها، فبكت وأبكت حتى عميت، وحينما أسلمت استشهد أولادها الأربعة في بعض الغزوات فقالت: " الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو أن يجمعني بهم في مستقر رحمته ".

 

8 ـ أهمية عامل الإيمان في النصر:

تؤكد هذه الحقيقة وصية سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى سيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: << أما بعد ؛ فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله عز وجل، وعلى كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي، فإنها أحذر عليكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، فإنما يُنصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة، لأن عددنا ليس كعددهم ولا عُدتنا كعدتهم، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا بالقوة ".
فالإيمان يعني أن يعتقد الإنسان، اعتقاداً جازماً أن له أجلاً لا يتقدم ولا يتأخر، وهذا الإيمان وحده يغرس في النفس الشجاعة والإقدام وروح التضحية والإيثار، فهذا سيدنا خالد بن الوليد يقول: وهو على فراش الموت: << لقد خُضت سبعين معركة، أو زُهاءها، وما في جسمي موضع شبر إلا وفيه ضربة سيف، أو طعنة رمح، وها أنذا أموت على فراشي حتف أنفي، فلا نامت أعينُ الجبناء >>.
ومما يؤكد علاقة الإيمان بالنصر أن الظروف الصعبة التي يضعف أمامها الإنسان غير المؤمن وتذلُّه، وتحدد مصيره لا يمكن لها أن تؤثر في المؤمن الحق، ولا أن تقعده عن متابعة سيره، ولا أن تحدد مصيره الذي رسمه له أعداؤه، قال تعالى:

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾

( سورة آل عمران )

وهذا جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، وثب عن فرس شقراء كانت له في معركة مؤتة، وحمل الراية، وأوغل في صفوف الروم بسيفه حتى أصابته ضربة قطعت يمينه فأخذ الراية بشماله، فما لبث أن أصابته أخرى قطعت شماله، فأخذ الراية بصدره وعضديه، حتى سقط شهيداً، لقد صدق الله العظيم إذ يقول:

﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19)إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا(20)وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا(21)إِلَّا الْمُصَلِّينَ(22)الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ(23)وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ(24)لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ(25)وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ(26)وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ(27)إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ(28)وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ(29)إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾

( سورة المعارج )

9 ـ غزوة بدر التطبيق العملي لعلاقة النصر بالإيمان:

وهذا التطبيق العملي لعلاقة النصر بالإيمان، ففي معركة بدر كان المؤمنون قلة مستضعفين، وكان المشركون كثرة مستكبرين، وكان المؤمنون مفتقرين مقبلين، وكان المشركون مستغنين معرضين، فاستحق المؤمنون النصر بسبب إيمانهم، وافتقارهم، ودعائهم وإعدادهم جهد استطاعتهم.

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

( سورة آل عمران )

أي نَصَرَهُم وهم ضعافٌ مستضعفون.. لكنهم يوم حُنين استجمعوا كل أسباب النصر المادية، من وفرة العدد، وكثرة العُدد واستجمعوا أسباب النصر المعنوية، حيث دانت لهم الجزيرة العربية، ولكن زلت بهم القدم إلى الاعتماد على هذه الأسباب، الأمر الذي أضعف افتقارهم إلى الله، واعتمادهم عليه، فجاء التأديب الإلهي بقوله تعالى:

﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾

( سورة التوبة )

وأما الإعداد فهو وحده شرط لازم غير كاف أيضاً، وهو أمر إلهي قطعي الثبوت لقوله عز وجل:

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾

( سورة الأنفال )

10 ـ لابد من القوة المتاحة بجميع أنواعها:

فالمؤمنون بمجموعهم، مأمورون بإعداد العدة، ليواجهوا بها قوى البغي والكفر، فكلمة ما استطعتم تعني استنفاد الجهد، لا بذل بعض الجهد، والقوة التي ينبغي أن يعدها المؤمنون جاءت مُنكَّرة تنكير شمول، ليكون الإعداد شاملاً لكل القوى التي يحتاجها المؤمنون في مواجهة أعدائهم ؛ من قوة في العَدد، وقوة في العُدد، و التدريب والتخطيط، و الإمداد، و التموين، و الاتصالات، والمعلومات، و تحديد الأهداف، و دقة الرمي، و الإعلام، وبل إن كلمة " من " التي سبقت القوة جاءت لاستغراق أنواع القوة واحدة إثر واحدة، فلقد أفادت استقصاء أنواع القوى، لا اصطفاء بعضها، وكلمة " ومن رباط الخيل " جاءت عطفاً للخاص المألوف وقت نزول القرآن، على العام، الذي يستغرق كل الأزمان والبيئات، والتطورات والتحديات، وهذا الإعداد يحقق أهم أهدافه، ولو لم تقع المواجهة مع العدو، إنها رهبة القوي التي تقذف في قلوب أعدائه، لقوله تعالى:

﴿ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ﴾

( سورة الأنفال: 60 )

بل إن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى أن القوة كل القوة في إحكام الرمي، وإصابة الهدف، وهو مقياس خالد للقوة، وهو عنصر أساسي في كسب المعارك، مهما اختلفت أنواع الأسلحة، وتطورت مستوياتها الفنية، فَعَنْ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ:

(( ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾ أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ ))

[ رواه مسلم ]

هذه الحقائق المستنبطة من القرآن الكريم منهج الإنسان المؤمن، وتلك التوجيهات التفصيلية والتوضيحية، التي جاءت في سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه المواقف الأخلاقية الرائعة والحكيمة التي وقفها المصطفى صلى الله عليه وسلم أسوتنا وقدوتنا، وتلك البطولات الفذة التي ظهرت من أصحابه الكرام، أمناء دعوته، وقادة ألويته هذه كلها نضعها بين أيدي أبناء أمتنا العربية الإسلامية، وهي تخوض المعارك تلو المعارك مع أعدائها أعداء الحق والخير.
ومجمل القول: إن القرآن العظيم ضمَّن الجهاد معنى إنسانياً نبيلاً وفريداً، وحدد له مقاصده العليا منزهة عن الهوى، والأغراض المادية العاجلة، والمطامح الشخصية والعنصرية، وبيَّن مقوماته وشروطه وتطبيقاته.

 

الخطبة الثانية:

الأحنف بن قيس يبحث عن نفسه في آيات القرآن:

1 ـ فيه ذكركم:

نحن في رمضان شهر القرآن شهر تلاوته، شهر تدبره، شهر فهمه، فقد ذكر الحافظ محمد بن نصر المروزي في جزء قيام الليل عن الأحنف بن قيس أنه كان يوماً جالساً فقرأ هذه الآية، قال تعالى:

﴿ لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾

( سورة الأنبياء )

فانتبه الأحنف، فقال عليَّ بالصحف لألتمس ذكري اليوم حتى أعلم من أنا ومن أشبه، فإنه لما علم أن القرآن الكريم قد ذكر جميع صفات البشر، وبيّن طبقاتهم ومراتبهم، أراد أن يبحث عن نفسه في أي الطبقات، وفي أي المراتب هو، فنشر المصحف وقرأ، فمر بقوم:

﴿ كَانُوا قَلِيلًا مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ(17)وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(18)وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾

( سورة الذاريات )

ومر بقوم:

﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾

( سورة السجدة )

ومر بقوم يبيتون لربهم سجداً وقياماً:

﴿ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ﴾

( سورة الفرقان )

ومر بقوم ينفقون في السراء والضراء:

﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾

( سورة آل عمران )

ومر بقوم يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.

 

2 ـ اللهم لست أعرف نفسي هاهنا:

فوقف الأحنف ثم قال: اللهم لست أعرف نفسي هاهنا، أي لم يجد هذه الصفات في نفسه حتى يعد نفسه من هؤلاء، ولعله قال هذا تواضعاً وهذا شأن المؤمن.
ثم أخذ الأحنف سبيلاً آخر، فمر في المصحف بقوم يقال:

﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ(42)قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ(43)وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ(44)وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ(45)وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ(46)حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ(47)فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴾
فوقف الأحنف ثم قال: اللهم إني أبرأ إليك من هؤلاء، وما زال الأحنف يقلب ورق المصحف ويلتمس في أي الطبقات هو حتى وقع على هذه الآية:
﴿ وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

( سورة التوبة )

3 ـ أنا من هؤلاء، فلينظر كلٌّ أين هو:

فقال أنا من هؤلاء.
يا أيها الإخوة الأكارم، إذا قرأ أحدنا القرآن فلينظر موضع نفسه من كتاب الله، وهذا من التدبر.