موضوعات في التربية - الدرس : 083 - إحباط العمل .

1996-05-26

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا إتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الكرام: في خطبة الجمعة تحدثت عن النفاق والحقيقة أن سبب طرح هذا الموضوع هو أن النفاق كما تعلمون نوعان كبيران، نوع نعوذ بالله أن نكون منه كافر ابتداءً إلا أنه أظهر الإسلام والإيمان لمصالح يبتغيها، فهذا الكافر الذي أظهر الإيمان والإسلام فيما بين المؤمنين تحقيقاً لمصالحه هذا منافق أصلي وهذا أشد إثماً من الكفر، قال تعالى:

﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (145)﴾

 

( سورة النساء )

 ولكن الذي لفت نظري هو أن صحابة كرام من علية الصحابة كانوا يتهمون أنفسهم بالنفاق، وعقد الإمام البخاري في صحيحه باباً هو خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، يوجد أمراض خبيثة تتسرب إلى الإنسان وهو لا يشعر، أخطر شيء يصيب المؤمن هو أنه له مجلس علمه، وله أخوان الذين هم حوله، لكن شيئاً فشيئاً شيئاً فشيئاً يصاب بنفاق آخر غير النفاق الأصلي، هذا النفاق الآخر اسمه نفاق طارئ ضغط شديد، أو إغراء شديد، أو شبهة لم يجد لها حلاً، تخرجه داخلياً من الإيمان وتبقيه ظاهرياً مع المؤمنين، هذا النوع من النفاق يكثر بين المؤمنين.
 الأصل أنه مؤمن والأصل صادق، لكن ظرف طارئ أصابه، تغيرت عقيدته، أدى الصلوات أداء شكلي، سمح لنفسه أن ينظر، سمح لنفسه أن يأخذ ما ليس له، هذا وقع في النفاق وهو لا يدري، قلت لكم مرة ثانية إن السبب الذي دعاني إلى طرح هذه الموضوع إن في خطبة الجمعة وإن في درس الأحد هو أنني أعجب أشد العجب من أخوة كرام لهم سمت حسن والتزام رائع وغيرة شديدة، فإذا عاملتهم في الدرهم والدينار، أو إذا خلوا مع أنفسهم في بيوتهم وقعوا في سلوك لا يمكن أن يتناسب مع الإيمان، هذا نوع من النفاق، لذلك قال العلماء: هناك نفاق كفر، ونفاق معصية، نفاق الكفر ما كان صاحبه كافراً ابتداءً، ولمصالح مادية انضم إلى المؤمنون، الحقيقة الله جل جلاله في سورة البقرة وصف الصنفين، الأول قال تعالى:

 

﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17)﴾

 

 

( سورة البقرة )

 هذا المنافق منافق الكفر، الكافر ابتداءً الذي ما أظهر الإسلام والإيمان إلا لمصلحة يريدها، هؤلاء يسعون في الدنيا فإذا أضاءت لهم وهو في أوج نجاحه، وهو في أوج غناه ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لا يرجعون، أرجو الله تعالى أن لا يكون واحد منا من هؤلاء، هؤلاء في الدرك الأسفل من النار.
 إلا أن الذي يمكن أن نصاب به لحظة ضعف، سيدنا حاطب بن بلتعة، توهم أنه إذا أخبر قريشاً بغزو النبي لهم لعلهم يحمون أهله وماله فكتب هذا نفاق طارئ، سيدنا عمر قال لسيدنا رسول الله: دعني أضرب عنق هذا المنافق الذي أرسل لقريش إن محمداً سيغزوكم، فقال عليه الصلاة والسلام: لا يا عمر إنه شهد بدراً، هذا ابتدأ مؤمناً لكنها لحظة ضعف طارئة ألمت به.
 كل واحد من المؤمنين ممكن بلحظة ضعف طارئة، إغراء شديد أو ضغط شديد، أو شبهة انقدحت في ذهنه، الشبهة تعالج بالسؤال، والضغط يعالج بالتوحيد، والإغراء يعالج بالهم لا عيش إلا عيش الآخرة، على كل أما النوع الثاني نفاق المعصية، نفاق الكفر شيء ونفاق المعصية شيء آخر، نفاق الكفر أصلي ونفاق المعصية طارئ، نفاق المعصية قوله تعالى:

 

﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19)﴾

 

 

( سورة البقرة )

 سحابة من السماء، المنافق تنتابه حالات يتمنى أن يكون مؤمناً، إذا سمع عن حال المؤمنين وعن فوزهم وعن نجاحهم وعن تأييد الله لهم، وعن نصرهم يتمنى، قال تعالى:

 

﴿ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)﴾

 

 

( سورة البقرة )

 أول زمرة صم بكم عمي فهم لا يرجعون، أما الزمرة الثانية فيهم بقية سمع، وفيهم بقية نظر، فلذلك الإنسان إذا رأى أخ متلبس بمعصية يوجد تقصير، يوجد بداخله شبهة لا ينبغي أن يطلقه، أن يحاربه، أن يفضحه عليه أن يأخذ بيده لحظة ضعف طارئة، ضغط شديد، إغراء شديد، شبهة انقدحت في ذهنه صار في اضطراب.
 أيها الأخوة بما أن هذا الموضوع خطير جداً الإمام البخاري رحمه الله تعالى عقد باباً في كتابه سماه باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، ما معنى يحبط عمله ؟ يعني يحرم ثواب عمله، أيام إنسان يعمل في صفقة سنتين والمحصلة خسارة هذه الصفقة حبطت.
 والحقيقة الإحباط نوعان، إحباط تناقض، وإحباط موازاة، إحباط التناقض أن النور ينقض وجود الظلام، وأن وجود الظلام ينقض وجود النور هذا الإحباط إحباط تناقض أما إحباط التوازي، إنسان له حسنات وله سيئات إن رجحت كفة الحسنات ففي رحمة الله وإن رجحت كفة السيئات ففي حكم الله، إما أن يعفو عنك وإما أن يعاقبك.
 قال إبراهيم التيمي ما عرفت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذِباً وفي رواية مكذَباً، شيء خطير جداً دائماً راقب أقوالك، ماذا تقول لأولادك، ماذا تقول لزوجتك، ماذا تقول لأصدقائك، لأخوانك، بماذا تنصح ؟ دقق فيما تقول إعراض قولك على عملك، أو إعراض عملك على قولك إذا كان هناك مسافة فهذه أول بوادر النفاق، صار شخصيتين، صار نموذجين، صار شيء معلن وشيء غير معلن، ظاهر وباطن، خلوة وجلوة، سلوك في المنزل وسلوك في البيت، سلوك في المسجد وسلوك في الدكان، صار في ازدواجية.
 قال إبراهيم التيمي ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذِباً وفي رواية مكذَباً، لو أن أحداً رأى عملي خلاف قولي لكذبني، هذا كان واعظاً، هو لو عرض عمله على قوله لرأى مسافةً لكذب نفسه
وقال ابن أبي مليكة هذا أحد التابعين: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي كلهم يخاف النفاق على نفسه.
 إذا واحد منا ما خطر بكل حياته يتهم نفسه بالنفاق فأين هو من أصحاب رسول الله ؟ طرفة، يعني إذا الإنسان دهس رجلين في مركبته فالأول يصيح من شدة الألم والثاني ساكت لأنه ميت، سكوت الثاني سكوت موت.
فإذا الإنسان ما خطر في باله إطلاقاً أن يتهم نفسه بالنفاق معنى هذا أنه خارج الإيمان كلياً، ميت، علامة الإيمان التدقيق المتابعة، تفحص العمل، تفحص النية، القلق، الخوف، هذا القلق المقدس، هذا الخوف المقدس، هذا الحزن المقدس، أيام الإنسان يحزن على نفسه يبكي، أيام ينقبض هذه الشعور صحي، أما إنسان تراه لا يسأل، إذا كان حصل منه انحراف أو تقصير يقول ما الذي صار، هذا إنسان خارج الموضوع إطلاقاً، أما إذا فيه ذرة إيمان يكون في قلق.
 وقال ابن أبي مليكة هذا أحد التابعين: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول إنه على إيمانه جبريل وميكائيل.
يقول لك أنا مؤمن أفضل منك ويكون مرتكب مليون معصية، هكذا بعض الناس يدعي الإيمان وليس في قلبه ذرة إيمان، يدعي الورع وليس عنده شيء من الورع.
ويذكر عن الحسن قوله: ما خاف النفاق إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق، وما يحذر من الإصرار على النفاق والعصيان من غير توبة، لقول الله تعالى:

 

﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135)﴾

 

 

( سورة آل عمران )

 أخوانا الكرام: الإنسان إذا أخطأ أو إذا زلت قدمه، أو إذا انحرف وندم وتاب، لا تنطبق عليه هذه الآية، ما أصر على ذنب من تاب منه ولو سبعين مرة، ما أصر على ذنب من ندم على وقوعه.
أيها الأخوة: الحقيقة النبي عليه الصلاة والسلام في قصة قصيرة يعالج هذه الحالات الطارئة، نحن نستبعد الآن موضوع النفاق الأصلي نفاق الكفر، نحن نتحدث عن نفاق المعصية، صار يوجد مسافة بين ما يعتقد وبين ما يفعل، صار في معصية، صار تقصير، صار تجاوز.
 القصة عن عتبان بن مالك وهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن شهد بدراً من الأنصار، الآن أريد أن أحاول وإياكم أن نستنبط قواعد من هذه القصة:

 

(( حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ الأنْصَارِيُّ أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الأنْصَارِ أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي... ))

 أي ضعف بصري، بالمناسبة الإنسان أحياناً بالأربعين والخمسين، خمسة وخمسين، ستين، يضعف بصره يضع نظارة، يشيب شعره، ينحني ظهره، تؤلمه مفاصله قليلاً، يعني يفحص يجد تقصير، كولسترول، أسيد أوريك، صار هناك أعراض طارئة تضعف عزيمته يضعف جسمه، يضعف سمعه أحياناً يشيب شعره.
 أيها الأخوة: الحكمة البالغة من هذه الأعراض التي تصيب الإنسان في خريف عمره أنها إشارات لطيفة جداً من الله عز وجل، أن يا عبدي قد قرب اللقاء فهل أنت مستعد، اقتراب اللقاء، من دخل في الأربعين دخل في أسواق الآخرة، والعمر طبعاً نحن نتمنى أن يبدأ الشاب إيمانه والتفاته وإقباله على الله في مقتبل حياته، ولكن نرحب بأي إنسان عرف الله في أي سن، لكن بشكل عام الإنسان بعد الأربعين دخل في أسواق الآخرة.

 

 

((فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي فَإِذَا كَانَتِ الأمْطَارُ سَالَ الْوَادِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ...))

 يعني في الشتاء تهطل الأمطار والوادي يسيل يصبح هناك حاجز بين هذا الصحابي الجليل وبين الذين يأمهم بالمسجد.

 

 

(( لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ فَأُصَلِّيَ بِهِمْ وَوَدِدْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّكَ تَأْتِينِي فَتُصَلِّيَ فِي بَيْتِي فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى... ))

 أدركوا في تواضع النبي عليه الصلاة والسلام، يعني صحابي من عامة الصحابة، يطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيه في بيته ليصلي في بيته ليتخذ هذا المكان مصلى ويصلي به.

 

 

(( قَالَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ... " ))

 يعني إذا دعيت فلبي من دعي ولم يلبِ فقد عصى أبا القاسم، والإنسان كلما ازداد تواضعاً ازداد عند الله رفعةً، لولا التشهد كما يقولون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت لاؤه نعم، ما سئل شيئاً فقال لا، وهكذا المؤمن.

 

 

((فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي فَإِذَا كَانَتِ الأمْطَارُ سَالَ الْوَادِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ فَأُصَلِّيَ بِهِمْ وَوَدِدْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّكَ تَأْتِينِي فَتُصَلِّيَ فِي بَيْتِي فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى، قَالَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ... ))

 إنسان وضع ثقته بك، إنسان طلب منك أمر، إنسان علق الأمل عليك، إنسان طلب أن تزوره، إنسان طلب أن تجلس معه، المؤمن متواضع، المؤمن يلبي، المؤمن يرى كل من يسأله إنما هو هدية من الله عز وجل.

 

 

((فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ عِتْبَانُ فَغَدَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ... ))

 يعني الجماعة، رحمة المسافر وحده شيطان، والمسافران شيطانان، الركب الثلاثة ركب مبارك، الإنسان إذا أحب أن يتحرك أن يكون مع أصدقائه مع أخوانه، اثنين سافروا كل منهما حصن للآخر، كل منهما يذكر أخاه بصلاة، المسافر وحده لعله تضعف همته، لعل تزل قدمه، فعلمنا النبي اللهم صلي عليه، أنك إذا غدوت إلى مكان فاصحب معك من تثق به.
ولو أنك مدعو ينبغي أن تستأذن، ولو أن الإنسان في بيته وأمه في غرفتها ينبغي أن تستأذن على الدخول عليها.
رجل سأل النبي قال أمي، فقال الرسول: أتحب أن تراها عريانة ؟
حتى الاستئذان ضمن البيت من مكارم الخلاق، فالنبي مدعو لبيت عتبان ومع أنه مدعو استأذنه.
النبي دعي مرات عديدة إلى طعام، أكل ثم صلى، أما الآن يوجد موقف جديد.

 

 

(( قَالَ عِتْبَانُ فَغَدَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَذِنْتُ لَهُ فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ ثُمَّ قَالَ أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ... ))

 شراح الحديث قالوا إذا كان دعي ليأكل يأكل ويصلي، أما إذا دعي ليصلي يصلي ثم يجلس، أنت لك هدف، واتضح من هذا ليس حركة النبي عشوائية، دعي ليصلي في أحد بيوت أصحابه فلم يقبل أن يجلس حتى أن يؤدي المهمة.
 يا ترى أنت إذا تحركت لزيارة مريض، لعيادة مريض، لمعاونة أخ، لحل مشكلة، لتوفيق بين متخاصمين، أيام الإنسان ينسى المهمة، ويجلس ويستمتع بالحديث يوضع الطعام يأكل، نحن لماذا جئنا إلى هنا النبي عليه الصلاة والسلام أبى أن يجلس حتى يؤدي المهمة التي جاء من أجلها.

 

 

(( قَالَ فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَبَّرَ فَقُمْنَا فَصَفَّنَا فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ... ))

 شيء كبير جداً أن يكون النبي في بيت أحد من أصحابه.

 

 

((. قَالَ وَحَبَسْنَاهُ عَلَى خَزِيرَةٍ... ))

 ما الخريزة ؟ قال العلماء: طحين خشن ألقي فيه شحم، وقال بعضهم نخالة الطحين، كيف كان النبي متواضعاً، قال عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ لأجَبْتُ وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ ))

 الكراع مقدم واحد، والغميم مثل دمشق والكسوة، دمشق والمليحة دمشق والهامة، الإنسان إذا لب الدعوة فهذا من أدب الإسلام، ودائماً وأبداً أقول هذه الكلمة تلبية دعوة الأقوياء وتلبية دعوة الأغنياء من الدنيا أما تلبية دعوة الفقراء والمساكين والمؤمنين الصادقين من الآخرة، لا يوجد أجمل من إنسان مؤمن عفيف دعاك، بيته بعيد والطعام خشن، هو رأى في تلبية هذه الدعوة شرف له، يجب أن تلبي أناس كثيرون يفحص، يلبي الدعوات الدسمة أما الدعوات الخشنة يقول لك، مشغول لا يوجد وقت، أنا أعتذر.
على ماذا حضر النبي ؟ على خريزة، نخالة الطحين ألقي فيها بعض الشحم، يوجد تفسير لبعض العلماء أنها طحين خشن ألقي فيها بعض الشحم.

 

 

(( قَالَ وَحَبَسْنَاهُ عَلَى خَزِيرَةٍ صَنَعْنَاهَا لَهُ... ))

 يوجد نقطة دقيقة لو أن النبي كان غني، أو كان ملك، أو كان قوي، الناس يشكون في دعوته، إنه فقير متواضع يلبي دعوة كل فقير، يحب المساكين يرعاهم، الإنسان كلما تواضع رفعه الله، وكلما تكبر وضعه الله.

 

 

(( قَالَ فَآبَ فِي الْبَيْتِ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ ذَوُو عَدَدٍ فَاجْتَمَعُوا فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخَيْشِنِ أَوِ ابْنُ الدُّخْشُنِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ مُنَافِقٌ لا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ... ))

دائماً كن طبيباً ولا تكن خصماً، ضع هذا المثل أمامك لو أنك طبيب أمراض جلدية وجاءك مريض معه أكزيما هل تحقد عليه أم ترثي لحاله النقص الخلقي، والضعف الخلقي، التقصير والمعصية، هي أمراض نفسية، فإذا كنت كبير القلب، رحيم القلب، لا تحقد على هؤلاء المقصرين، بل تحتويهم، تعطف عليهم، لأن الدعوة إلى الله ليست معلومات إنها قلب، إنها حب، إنها تواضع، إنها حب العطاء

 

((... فَقَالَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ مُنَافِقٌ لا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تَقُلْ ذَلِكَ... ))

 طبعاً يوجد عدة روايات لهذه القصة هذه أصحها رواية البخاري، يوجد رواية لا، يا ترى لا ليس منافقاً، لا تقل ذلك، كلام موجز بليغ.

 

(( لا تَقُلْ ذَلِكَ أَلا تَرَاهُ قَدْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ... ))

 نحن من أدبنا مع أخواننا من أدى الصلوات الخمس وصام رمضان وحج البيت وغض بصره عن الحرام، وسعى إلى أن يرقى في طريق الإيمان هذا عندنا مؤمن ولا نحاسبه على سريرته فسريرته لا يعلم إلا الله.

 

 

((لا تَقُلْ ذَلِكَ أَلا تَرَاهُ قَدْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ فَإِنَّا نَرَى وَجْهَهُ وَنَصِيحَتَهُ إِلَى الْمُنَافِقِينَ..))

 هل تصدق أيها الأخ الكريم أن كلمة قاسية منك عن أخيك إذا بلغته ربما قطعته عن الله عز وجل، ربما قطعته عن مجالس العلم، لأنه نخبة قليلة جداً من الناس يفرقون بين المبدأ وبين أصحابه، هؤلاء قلة في كل مجتمع، نخبة المجتمع، النخبة العالية هي التي تفرق بين الإسلام والمسلمين، بين التدين والمتدينين، بين حقيقة المبدأ وبين من يتكلمون بهذا المبدأ، هؤلاء القلة القليلة لا يتأثرون بهذه المواقف ولكن عامة الناس قد يرى الدين من خلال إنسان فإذا أخطأ هذا الإنسان في حقه انتكس نكسة كبيرة، والإنسان يتمنى أن يكون منفراً قاطعاً للطريق إلى الله عز وجل، قاطع الطريق يعاقب، وكل إنسان يقطع الناس عن الله إذا أساء إليهم أو طعن بهم أو شتمهم، أو اغتصب حقوقهم فقد أساء.

 

 

((لا تَقُلْ ذَلِكَ أَلا تَرَاهُ قَدْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ فَإِنَّا نَرَى وَجْهَهُ وَنَصِيحَتَهُ إِلَى الْمُنَافِقِينَ.. ))

 يعني إذا أنت وجدت إنساناً مقصراً، أو مع من لا يليق أن يكون معه كن له أنت أخاً صادقاً يقول سيدنا عمر رضي الله عنه، له صديق بلغه أنه ذهب إلى الشام وعاقر الخمر وابتعد عن طريق الإيمان، كتب له كتاب رقيق، قال: أحمد الله إليك غافر الذنب قابل التوب شديد العقاب ذي الطور، وعاتبه عتاباً رقيقاً وكان هذا الصديق يعاقر الخمر، فصار يقرأ الكتاب ويبكي، يقرأ ويبكي إلى أن حمله ذلك على التوبة، فقال عمر رضي الله عنه، هكذا كونوا عوناً لأخيكم على الشيطان ولا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم.
 الحقيقة إذا الإنسان ضعفت همته أو قصر ورأى أخوة صادقين حوله يستوعبونه، يغفرون زلته، ينهضونه، وسيدنا حاطب بن بلتعة ذكرت قبل قليل طرف من قصته، يعني ارتكب خيانة عظمى أكبر عمل يرتكبه إنسان أرسل رسالة إلى كفار قريش يقول فيها إن محمداً سيغزوكم فخذوا حذركم، جاء الوحي للنبي بفعلة حاطب، فأرسل علي ابن أبي طالب وصحابي آخر إلى مكان بين مكة والمدينة اسمه الروضة ليأخذا الكتاب من المرأة، أخذا الكتاب منها وجاءا به إلى النبي الكريم، قرأه النبي وطلب حاطب، وقال: ما هذا يا حاطب؟ ما حملك على هذا سيدنا عمر كان عصبي المزاج قال له: دعني أضرب عنق هذا المنافق قال لا يا عمر إنه شهد بدراً، قل لي يا حاطب ما حملك على ما صنعت قال والله يا رسول الله ما كفرت ولا ارتددت، ولكنني كنت لصيق في قريش لست منهم لصيقاً عليهم، فأردت أن يكون لي بهذا الكتاب يداً عندهم أحمي بها أهلي ومالي، فاغفر لي ذلك يا رسول الله.
 انظر إلى هذا القلب الكبير، هذا قتله جائز، لو قتله النبي لدخل إلى النار، دخل متلبساً بخيانة عظمى للمسلمين، وفي أي نظام بالعالم جزاءه القتل، فقال عليه الصلاة والسلام إني صدقته فصدقوه ولا تقولوا فيه إلا خيراً.
أنهضه، قال كتاب السيرة عمر رضي الله عنه نظر إلى الذنب فرآه خيانة عظمى، لكن النبي نظر إلى صاحب الذنب فرآها لحظة ضعف طارئة فأنهضه.

 

 

(( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ ))

 يعني إذا إنسان أعلن إسلامه وصلى خمسه وصام شهره وكان مع المؤمنين لست وصياً عليه ولست محاسباً عنه، فيما بينه وبين الله دعه لله، الحقيقة لهذه القصة تتمة في كتب السيرة، هذا الصحابي ابن الدخيشن طبعاً سمع ما قاله النبي في غيبته، قالوا منافق، قال النبي لا إنه شهد أنه لا إله إلا الله يبغي بها وجه الله، قالوا وجهه ونصيحته للمنافقين، قال: لا.
لو أن النبي أقرهم على قولهم وبلغ هذا مالك بن الدخيشن لارتد عن الإسلام، أما بهذا الدفاع من قبل النبي عنه جذبه.
أنت الآن بطولتك بجذب الناس لا بتنفيرهم، باستيعابهم لا بمحاسبتهم، أنت لست قاضياً ولا وصياً عليهم أنت أخ كريم لهم.

 

 

(( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ ثُمَّ سَأَلْتُ الْحُصَيْنَ بْنَ مُحَمَّدٍ الأنْصَارِيَّ وَهُوَ أَحَدُ بَنِي سَالِمٍ وَهُوَ مِنْ سَرَاتِهِمْ عَنْ حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ الأنْصَارِيِّ فَصَدَّقَهُ بِذَلِكَ ))

 إذاً هذا موقف النبي، ذكرت في مقدمة الدرس أن الصحابة الكرام على علو شأنهم خافوا على أنفسهم من النفاق وذكرت لكم في موضع آخر قول الإمام الحسن: ما خاف النفاق إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق، وإذا خاف المؤمن النفاق معنى ذلك أنه صاح، لأنه أخطر شيء يصيب الإنسان هي الغفلة، النفاق يتسرب شيئاً فشيئاً، يبدأ السلوك يبتعد عن أصل الدين، أما الشيء المعلن دين، الشيء المعلن مؤمن، الشيء المعلن عقيدة صحيحة، أما في سلوك منحرف إذا بدا سلوكه يخالف منهج الله عز وجل فهذه بداية النفاق لا النفاق الأصلي نفاق الكفر بل نفاق المعصية.
وذكرت قبل قليل أن الضغط الشديد أحياناً والإغراء الشديد أو الشبهة هذه تجعل الإنسان يرتد عن دينه داخلياً وهو في الظاهر مع المؤمنين قال تعالى:

 

 

﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99)﴾

 

( سورة الأعراف )

الذي لا يخاف على نفسه من النفاق، يأمن من النفاق أمناً ساذجاً قال تعالى:

﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99)﴾

( سورة الأعراف )

 يقول أحد أصحاب رسول الله: والذي لا إله إلا هو، ما مضى مؤمن قط ولا بقي إلا هو من النفاق مشفق.
يعني لا يوجد مؤمن على الإطلاق إلا وهو من النفاق مشفق، ولا مضى منافق قط ولا بقي وهو من النفاق آمن، المنافق يأمن النفاق والمؤمن يخاف النفاق، هذه من المفارقات.
وكان يقول أحد أصحاب النبي: من لم يخف النفاق فهو منافق، والله ما مضى مؤمن ولا بقي إلا وهو يخاف النفاق وما أمن النفاق إلا منافق.
الآية الكريمة:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2)﴾

 

( سورة الحجرات )

 أخوانا الكرام: معنى إحباط العمل دقيق جداً، له معنيان الأول أن يسقط العمل من عين الله، مظهره جيد، العمل عظيم العمل إنساني، العمل فيه إنفاق، العمل فيه إحسان، فيه دعوة إلى الله لكن النية التي تخلفت، والإخلاص الذي نقص عن هذا العمل أحبطه، أو أن الإنسان حينما يبتعد عن الله عز وجل يسوء عمله، إما أن يفقد العمل قيمته لضعف الإخلاص له، وإما أن يفقد كماله، صار في عمل سيئ، فالعمل الذي يحبط هو العمل السيئ أو العمل الطيب التي لا ترافقه نية عالية.
أخوانا الكرام: يوجد تحذير العلماء قالوا: من أصر على نفاق المعصية معصية تعرفها معصية وأنت مصر عليها، من أصر على نفاق المعصية خشي عليه أن يفضي به ذلك إلى نفاق الكفر.
 الإنسان أساسه متحرك، يوجد تعبير ديناميكي، يعني متحرك، وساكن فإذا الإنسان أصر على معصية انتقل إلى أكبر منها، أصر على غفلة انتقل إلى غفلة أشد، أصر على صغيرة انتقل إلى كبيرة، طبيعته متحرك، إذا فعل معروفاً بسيطاً انتقل إلى أعظم منه.
يقول بعض العلماء: من أصر على نفاق المعصية خشي عليه أن يفضي به ذلك إلى نفاق الكفر.
والعلماء قالوا: ما أصر من استغفر، دققوا من أصر على نفاق المعصية خشي عليه أن يفضي به ذلك إلى نفاق الكفر، لكن العلماء قالوا ما أصر من استغفر، قال تعالى:

 

﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135)﴾

 

 

( سورة آل عمران )

 لذلك يقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قِتَالُ الْمُسْلِمِ كُفْرٌ وَسِبَابُهُ فِسْقٌ ))

 السباب هو أن تذكر بالإنسان ما كان وما لم يكن، من أجل أن تعريه، من أجل أن تحطمه، فالإنسان إذا فكر أن يسب مسلماً وقع بالنفاق، أما إذا قاتله وقع في الكفر.
لذلك الإنسان يمكن أن يعرف مقامه عند ربه من محبته للمؤمنين، فإذا كان يحبهم ويحفظ غيبتهم، ويحفظ مكانتهم، ولا يحتقرهم، ولا يتهمهم ويحسن الظن بهم ويلتمس لهم العذر، ألم يقول النبي صلى الله عليه وسلم:

 

 

(( التمس لأخيك عذراً ولو سبعين مرة ))

 هذا الذي قال: لي صديق أعظم الناس في عيني وكان رأس ما عظمه في عيني صغر الدنيا في عينيه، كان خارجاً عن سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجد ولا يكثر إذا وجد، وكان خارجاً عن سلطان الجهالة فلا يتكلم بما لا يعلم، ولا يماري فيما علم وكان أكثر دهره صامتاً وكان يُرى ضعيفاً مستضعفاً فإذا جد الجد فهو الليث عادياً.
هذا صديق حميم كان لا يلوم أحداً فيما يكون العذر في مثله حتى يعلم ما اعتذاره، لعل مكانتك عند الله بمحبتك لأخوانك وتسامحك معهم وعرفانك لزلاتهم والتماسك لهم الأعذار ولو سبعين مرة.
 أيها الأخوة: مرة ثانية الإمام البخاري عقد باباً سماه باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، يقول سيدنا عمر رضي الله عنه: تعاهد قلبك، الإنسان أحياناً الإنسان ينتقل شيئاً فشيئاً إلى منزلق النفاق فحص النية من حين لآخر ضروري، ياترى هل يحب المؤمنين، هل يبغضهم، حب الأنصار إيمان وبغضهم نفاق، حب العرب إيمان وبغضهم نفاق.
يا سلمان لا تبغضني فتفارق دينك، فقال سلمان يا رسول الله كيف أبغضك وبك هداني الله، قال: تبغض العرب فتبغضني.
 الإنسان لا يسمح لنفسه أن يعادي إنساناً مؤمناً، أحياناً ينصب نفسه وصي وقد يكون أقل من ذلك، لو سألنا هذا السؤال لماذا أورد الله في كتابه الكريم في البقرة وفي التوبة وفي سورة المنافقين، أوصاف المنافقين طبعاً دون ذكر أسماء ؟ كي نحذر هذا معيار، القضية ليست قضية وصف معيار لنا، إذا إنسان أحب المؤمنين فهو مؤمن أبغضهم فهو منافق، إنسان له موقف مزدوج، الله عز وجل في البقرة وصف المؤمنين بثلاث آيات، قال تعالى:

 

 

﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)﴾

 

( سورة البقرة )

 والكفار آيتين:

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)﴾

 

 

( سورة البقرة )

 أما المنافقين في ثلاث عشرة آية ورد ذكرهم، فنحن نرجو الله سبحانه وتعالى أن نتعاهد قلوبنا وأن نحسن نوايانا وأن نحسن الظن بإخواننا لأنه من أساء الظن بأخيه فكأن أساء الظن بربه، ويجب أن تبني علاقتك مع أخوانك على حسن الظن بهم وهذا من علامة الإيمان، أما سوء الظن أحد علامات النفاق.
طبعاً بالبقرة آيات المنافقين كثيرة جداً منها مثلاً، قال تعالى:

 

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9)﴾

 

 

( سورة البقرة )

 علامة المؤمن على بيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا ضال، المؤمن يعمل تحت ضوء الشمس، سريرته كعلانيته، وخلوته كجلوته وما في قلبه على لسانه.
المنافق يفسد في الأرض ولا يصلح، وإفساد الشيء أن تخرجه عن طبيعته، إفساد العلاقات، إفساد الطرائق، إفساد الأساليب، والمنافق يجامل ويحتقر في غيبة المؤمن، قال تعالى:

 

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)﴾

 

( سورة البقرة )

 أيها الأخوة الكرام: نرجو الله أن نسعى جاهدين لنكون عند حسن ظن ربنا بنا وأن نجتنب النفاق في الأقوال والأفعال، لأن النفاق يسري في نفس المؤمن وهو لا يشعر، ومن حين إلى آخر عليه أن يصحو وأن يتفقد نفسه.