الشمائل المحمدية إصدار 1995 - الدرس : 06 - سعة علمه

1994-11-07

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام ؛ مع الدرس السادس من دروس شمائل النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وأنهينا في الدرس الماضي رجاحة عقله صلى الله عليه وسلَّم، وها نحن ننتقل إلى سعة علمه عليه الصلاة والسلام..
 فقد كان عليه الصلاة والسلام واسع العلم، عظيم الفهم، أفاض الله تعالى على يده العلوم النافعة الكثيرة، والمعارف العالية الوفيرة، وقد أعلن الله سبحانه وتعالى بسعة علمه فقال الله عزَّ وجل:

﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً(113)﴾

( سورة النساء )

 فأي عالمٍ من علماء الأرض قد يتيه بعلمه، ويفتخر بأساتذته، ويزهو بجامعته، ويختال بمؤلَّفاته، لكنّ النبي يكفيه فخراً أن الله جلَّ جلاله هو الذي علَّمه..

 

﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5)﴾

 

( سورة النجم )

﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (113)﴾

( سورة النساء )

 أيها الإخوة ؛ موضوع الكرامات يتحدَّث الناس عنها كثيراً، فإذا رأوا أن أحداً من المؤمنين خُرِقَت له بعض العادات عُدَّت هذه كرامة، ولكن غاب عن أذهان معظم المسلمين أن أعظم كرامةٍ على الإطلاق هي كرامة العِلم، وكرامة العلم لا تحتاج إلى خرقٍ للعادات..

 

﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾

 وفي الأثر: " ما اتخذ الله ولياً جاهلاً، ولو اتخذه لعلَّمه ".
 والقيمة الوحيدة التي جعلها الله أساس الترجيح بين خلقه هي قيمة العلم، قال:

 

 

﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾

 

( سورة الزمر: من آية " 9 " )

 والشيء الوحيد الذي طُلِبَ من النبي أن يدعو بالاستزادة منه هو العلم..

 

﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (114)﴾

 

( سورة طه )

 المرجِّح الوحيد هو العلم، والدعاء الوحيد بالزيادة هو العلم..

 

﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (114)﴾

 لذلك حينما تعلَم الحقيقة العظمى، حينما تصل إلى الله، حينما تتعرَّف إلى منهجه، حينما تكون على هذا المنهج - دقِّق فيما سأقول - فقد حُزتَ النعمة المطلقة، والدليل:

 

 

﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ(7)﴾

 

( سورة الفاتحة )

 إذا وصلت إلى الصراط المستقيم، والنهج القويم فقد وصلت إلى النعمة المطلقة، لذلك فأعظمُ إنسان بلغ أعلى مرتبةٍ في العلم هو النبي عليه الصلاة والسلام. ويمكن أن نقول: إن حظَّك من العلم ليتناسب مع مكانتك عند الله عزَّ وجل، والنبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال عن نفسه:

((إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا))

( من صحيح البخاري: عن " عائشة " )

 ما قال هذا مفتخراً ولكن قال هذا مبيِّناً:

((إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا))

لذلك قال الله عزَّ وجل:

﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾

( سورة الأحزاب: من آية " 6 " )

 أي لو طبَّقت توجيهات النبي لَنِلتَ أعلى مرتبة، وأعلى حظ، ووصلت إلى أعلى درجة، وبلغت أعلى نجاح، لأن تعليمات النبي وسنته عليه الصلاة والسلام تتناسب مع علمه الشريف، فإذا توهَّمت أن صالحك في مجانبةِ السنَّة فهذا هو الجهل بعينه، بل كلُّ صالِحك، وكل نجاحك في الدنيا والآخرة في اتباع سنة النبي عليه الصلاة والسلام.
 وبعد ؛ فهذه نقطة دقيقة أرجو أن أوفَّق في شرحها وتوضيحها، جاء في الصحيحين - واللفظ لمسلم - عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

((سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَحْفَوْهُ الْمَسْأَلَةَ فَغَضِبَ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ لَا تَسْأَلُونِي الْيَوْمَ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا بَيَّنْتُهُ لَكُمْ، وفي روايةٍ:" إِلاَّ أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي هَذَا "، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ يَمِينًا وَشِمَالًا فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ لَافٌّ رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي فَإِذَا رَجُلٌ كَانَ إِذَا لَاحَى الرِّجَالَ يُدْعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبِي قَالَ حُذَافَةُ ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ فَقَالَ رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولًا نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الْفِتَنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا رَأَيْتُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَالْيَوْمِ قَطُّ إِنَّهُ صُوِّرَتْ لِي الْجَنَّةُ وَالنَّارُ حَتَّى رَأَيْتُهُمَا وَرَاءَ الْحَائِطِ وَكَانَ قَتَادَةُ يَذْكُرُ عِنْدَ هَذَا الْحَدِيثِ هَذِهِ الْآيَةَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ))

 وفي روايةٍ:

((إِلاَّ أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي هَذَا))

( متفق عليه عن أنس بن مالك )

 فالسؤال الآن: لماذا غضب النبي عليه الصلاة والسلام من كثرة الأسئلة ؟
 الجواب: العلم في الإسلام ليس هدفاً بذاته، إنما هو وسيلة، فإذا جعلت العلم وحده هدفاً، وأكثرت المسألة، وأغرقت في التفاصيل، وفي الجُزئيَّات، وجعلت همَّك وحده أنْ تشحذ عقلك بالمعارف، ويبدو أن العمل أقل من العلم، عندئذٍ وقعت في انحراف، وكان أصحاب النبي رضوان الله عليه يقرؤون الآيات العشر، ولا ينتقلون إلى غيرها حتى يطبِّقوها.
فمغزى هذا الحديث أنّ الإنسان إذا زاد علمه عن عمله فقد أخطأ، أما إذا طلب العلم، ولم يعمل به فقد نافق، فليس القصدُ أن تعلم دقائق الأشياء ولا التفاصيل، لكن القصد أن تعمل بما علمت، وأن تضع يدك على جوهر الدين لا على تفصيلاته، وكثيرٌ أولئك الذين يمضون كل حياتهم في تفاصيل، وأعمالهم لا ترقى إلى مستوى علمهم، لذلك هؤلاء تاهوا عن الصراط المستقيم، وهؤلاء تركوا الأَوْلى، فكأن النبي عليه الصلاة والسلام حينما أكثر عليه أصحابه المسألة غضب، ورأى أن الإنسان إذا طبَّق آيةً واحدة تطبيقاً صحيحاً سعد بها أيما سعادة.
 وهذا الأعرابي الذي قال للنبي عليه الصلاة والسلام: " عظني ولا تطل "، فتلا عليه الصلاة والسلام قوله تعالى:

 

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7)﴾

 

( سورة الزلزلة )

 فقال هذا الأعرابي: " قد كُفيت يا رسول الله "، فقال عليه الصلاة والسلام: " فقُه الرجل".
 أنا أريد من هذا النَص الذي يبدو غريباً لكم، أن ينصرف الناس إلى العمل لا إلى القول، أن يزيد عملك على قولك، أن تكون فعَّالاً لا قوَّالاً، أن تُعْنَى بحقيقة الدين لا بقشوره، أن تعنى بالتطبيق لا بالسفسطة، أن تنطلق إلى الله عزَّ وجل من خلال طاعته، لا أن تتفنَّن في تشقيق المسائل، وتخريج النصوص، والتنطُّع والتقَعُّر، والعمل لا يرقى إلى مستوى العلم، هذه النقطة التي يبدو أن النبي عليه الصلاة والسلام ما أراد لأصحابه أن يطلبوا العلم لذات العلم، بل ينبغي أن تطلب العلم للعمل، أن يكون العلم وسيلةً، وليس هدفاً، فقال:

((سَلُونِي، لا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلا بَيَّنْتُهُ لَكُمْ))

 

 فيبدو أن النبي غضب، والصحابة الكرام سكتوا وخافوا، وكل واحدٍ منهم لفَّ رأسه بثوبه وصار يبكي، قال أحدهم: " يا نبيَّ الله من أبي ؟ ". قال: "أَبُوكَ حُذَافَةُ "، فقال عمر بن الخطَّاب وكأنه فَهِمَ قصدَ النبي عليه الصلاة والسلام: " رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ صلى الله عليه ومسلَّم رسولاً عائذاً بالله من سوء الفتن ". فالنبي عليه الصلاة والسلام قال:

((لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ قَطُّ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ إِنِّي صُوِّرَتْ لِيَ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَرَأَيْتُهُمَا دُونَ هَذَا الْحَائِطِ))

( من صحيح مسلم: عن " أنس بن مالك " )

 على كلٍ كما قلت في أول الدرس: العلم هو القيمة الوحيدة المرجِّحة، والعلم هو الشيء الوحيد الذي طُلِب من النبي أن يزداد منه.
 كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ في الليل يدعو ؟ فبماذا كان يدعو ؟ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَيْقَظَ مِنْ اللَّيْلِ قَالَ:

((لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ أَسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي، وَأَسْأَلُكَ رَحْمَتَكَ، اللَّهُمَّ زِدْنِي عِلْمًا، وَلَا تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنِي، وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ))

(رواه أبو داود)

 في دعاء منتصف الليل، في دعاء قيام الليل:

((اللهمَّ زدني علماً))

 

 وينسب إلى النبي دعاءٌ، بعضهم يضعِّف نسبته إليه:

(( لا بورك لي في طلوع شمس يومٍ لم أزدد فيه من الله علماً))

 وأُثر عن النبي صلى الله عليه وسلَّم دعاءٌ آخر، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((اللَّهُمَّ انْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتَنِي وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي وَزِدْنِي عِلْمًا الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ حَالِ أَهْلِ النَّارِ))

( من سنن الترمذي: عن " أبي هريرة " )

 وأنا بهذا دائماً أدعوه، وهذا من فضل الله تعالى علينا: " اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ".
 أيها الإخوة الكرام ؛ قال بعضهم: الوجوه التي يمكن أن تكون وجوهاً لعلوم النبي عليه الصلاة والسلام هي " القرآن الكريم "، أي إن فَهْم النبي لكتاب الله يُعَدُّ أعلى فهمٍ على الإطلاق، والذي يدعو للعجب أن يأتي إنسانٌ بعد ألفٍ وخمسمئة عام، ويقرأ في القرآن قراءة معاصرة، ويبتدع معاني ما خطرت على بال إنسانٍ في هذه السنوات الألف والخمسمئة، ولم يذكرها النبي عليه الصلاة والسلام، لذلك هذا محض افتراءٍ على القرآن الكريم، فأنْ تفهم كلام الله فهماً ما ورد لا في سنةٍ، ولا في قول صحابيٍ، ولا في قول تابعيٍّ، ولا على لسان عالمٍ عامل مسلمٍ مخلص، فهذا هُراء وافتراء، قال عليه الصلاة والسلام:

((لا تجتمع أمتي على خطأ))

 أي أن تحوِّر كلام الله كي يغطي كل انحرافات العصر، وكي يغطي كل سلوك العصر الإباحي، وهذا السلوك يغطَّى بكلام الله عزَّ وجل، وتؤوَّل الآيات تأويلاً ما أنزل الله به من سلطان، هذا الفهم ليس فهماً معاصراً، لكنه فهمٌ قاصر.
 على كلٍّ إليكم مراحل الوحي الذي أوحي إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وكلكم يعلم قصّته، كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام أول شيءٍ بُدئ فيه بالوحي الرؤيا الصادقة، فكان عليه الصلاة والسلام لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصُبح، ثم حُبِّب إليه الخلاء - الخلوة مع الله - وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على خلوةٍ يوميَّة ولو ساعة، وأو نصف ساعة، أو ربع ساعة، أن يعيننا على خلوةٍ يوميَّة نذكر الله فيها، أو نفكِّر في آيات الله، أو نتلو كلام الله، أو ندعو الله، أو نستغفره، أو نسبِّحه، أو نوحِّده، أو نكبِّره، أو نحمده.
 هذه الخلوة جاءت بعد الرؤيا الصادقة، إذًا أول مرحلةٍ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان عليه الصلاة والسلام لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصُبح، ثم حُبِّب إليه الخلاء، فكان يخلو في غار حِراء فيتحنَّث فيه، وهو التعبُّد، يتحنَّث الليالي ذوات العدد.
 حينما كنا في أداء فريضة الحج، فمِن فضل الله علينا، نظرت إلى الطريق المؤدي إلى غار حِراء، يحتاج إلى ساعتين من السير الشاق، والجبل صعودٌ كلُّه، وليس هناك طريق معبَّد، كان عليه الصلاة والسلام يمضي فيه الليالي ذوات العدد، المكان موحش، لكن كم كان أُنس النبي بالله عزَّ وجل، حتى غلب أنسه بالله على وحشة المكان ؟ يبقى وحده الليالي ذوات العدد، فالإنسان أحياناً يأنس بأخيه الإنسان، أما النبي عليه الصلاة والسلام فكان يأنس بربه، فكان يمضي في غار حراء الليالي ذوات العدد، وكان إذا جلس في غار حراء ؛ هكذا قيل لي: يمكن أن يرى الكعبة منه، فهو مطل على الكعبة، لأن الجبل شاهق- جبل النور - في قمَّته تقريباً مغارة لها فتحات عجيبة، إحدى فتحاتها تطل على الكعبة المشرَّفة، فكان عليه الصلاة والسلام يمضي في هذا الغار - غار حراء -الليالي ذوات العدد.
 وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون لكلٍ منا غارٌ صغير كغار حراء، مثلاً غرفته في البيت، أو غرفة الضيوف أحياناً، أو مكانٌ لا يدخل عليه أحد، فيقرأ القرآن، يفكِّر في خالق السماوات والأرض، يذكر الله عزَّ وجل، يسبِّح الله، ويفكر في خلق السماوات والأرض، هكذا.
 جاءه الوحي وهو في غار حراء، جاءه الملك فقال له: اقرأ، والنبي أمي لا يقرأ، والأميَّة في حق النبي كمال، لأن الله سبحانه وتعالى ما سمح له أن يتزوَّد بثقافات عصره، لأنه لو سمح له أن يتزوَّد بثقافات عصره، ثم جاء الوحي لاختلط وحي السماء مع ثقافات الأرض، فإذا تكلَّم سأله أصحابه كل يوم، وكل ساعة: يا رسول الله هذا الكلام من أين ؟ أمِن وحي السماء، أم من ثقافة العصر ؟ لذلك شاء الله عزَّ وجل أنْ تكون حكمته في أنْ ينحِّي عن النبي كل ثقافة العصر، وأن يجعل كلامه وحياً من عند الله عزَّ وجل..

 

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾

 

( سورة النجم )

 لكي لا نتوهَّم أن موضوع الوحي موضوع خيال، أو منام، أو أنّه عليه الصلاة و السلام كان نائمًا حالما، لا هذا ولا ذاك، بل إنّ جبريلَ عليه السلام عندما جاء النبي عليه الصلاة والسلام وقال له:

((اقْرَأْ "، فقال: " مَا أَنَا بِقَارِئٍ "، قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي - أي ضغط علي - حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ))

( من صحيح البخاري: عن: السيدة عائشة " )

 كأن سيدنا جبريل لا يطالب النبي أن يقرأ من ثقافات الأرض، أراده أن يقرأ باسم الله عزَّ وجل الذي يعبده، أن يقرأ باسم الله الذي يمضي الليالي ذوات العدد في مناجاته، اقرأ باسم ربِّك، أخذني فغطَّني ـ أي ضمني ـ حتى بلغ مني الجهد، لئلا يتوهَّم متوهِّمٌ أن الوحي منام، أو أن الوحي رؤيا، بل الوحي وحي حقًّا، وكان عليه الصلاة والسلام في أعلى درجات اليقظة، وفي أعلى درجات الوعي، وفي أعلى درجات التنبُّه، والدليل أن جبريل عليه السلام أخذه، وضمَّه حتى بلغ منه الجهد، المرَّة الأولى والثانية والثالثة.
 يخطر في بالي الآن عندما قال الله جلَّ جلاله لسيدنا موسى في المناجاة:

 

﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17)﴾

 

( سورة طه )

 َمن الذي يسأل ؟ الله يسأل، فهل الله لا يعلم ؟ فالسؤال عندنا في البلاغة لطلب العلم لشيءٍ تجهله، الإله يسأل، قال العلماء: " الله جلَّ جلاله لفت نظر سيدنا موسى إلى أنّ هذه العصا بعد قليل ستكون أفعى ؛ ثعباناً مبيناً، ليكون هذا واضحاً في ذهنه، فالله سبحانه يهيِّئه حتى تكون المفاجأة أقلَّ وطأة.

 

﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17)﴾

 انظر إليها..

 

 

﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ﴾

 تأكُّد، ليتأكَّد أنها عصاهُ، وبعد حين سوف تغدو ثعباناً مبيناً، فقال:

 

 

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ(5)﴾

 

( سورة العلق )

 هذه أول آيات أُنزلت على النبي عليه الصلاة والسلام - اقرأ - فمِن فضل الله علينا أن ديننا دين علم، دين قراءة، دين حقيقة، دين عقل، والنبي عليه الصلاة والسلام حينما قال له جبريل: اقرأ، قال: " ما أنا بقارئ "، أي أن النبي أراد أن يقول: أنا أُمِّي، أنا لا أقرأ ولا أكتب، فجاء الكلام: اقرأ باسم ربِّك.
 وهذه الآية الكريمة تبيِّن حالَه بوضوح، قال تعالى:

 

﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ(16)﴾

 

( سورة يونس )

 لبث النبي في قومه عمراً مديداً قبل أن ينزَّل عليه الوحي، فلو أن الوحي من عنده لجاء به في وقت مبكِّر.
 والآية الثانية كذلك تؤكِّد أُمِّيته صلى الله عليه و سلم، قال تعالى:

 

﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48)﴾

 

( سورة العنكبوت )

 وكان بعض أعدائه يدَّعي أن هذا القرآن إنما تعلَّمه النبي من غلامٍ في قريش، مولىً من موالي العجم، فقال تعالى:

 

﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ(103)﴾

 

( سورة النحل )

 غلام من الموالي أعجمي، افترى المفترون على النبي أن هذا الغلام الأعجمي هو الذي علَّم القرآن للنبي، فجاء الجواب:

 

﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ(103)﴾

 لذلك بعضهم يفسِّر قوله تعالى:

 

 

﴿الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)﴾

 

( سورة الرحمن )

 أي الرحمن علَّم النبي القرآن، علَّمه القرآن، علَّمه بيان معاني القرآن، علمه تلاوته نصاً وروحاً، علَّمه حِكَمَهُ، علَّمه معارفه، علَّمه أسراره، علَّمه إشاراته، علَّمه خصائصه..

 

﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾

 

( سورة الأعلى )

 إنّ النبي لا ينسى إلا أن يشاء الله له أن ينسى، وإذا نسي النبي فلحكمةٍ تشريعيَّة، وقد صلَّى النبي بأصحابه الظهر ركعتين في غير سفر ولا عذر، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:

((صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِحْدَى صَلَاتَيْ الْعَشِيِّ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا قَالَ فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ فَقَامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّه غَضْبَانُ وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ وَوَضَعَ خَدَّهُ الْأَيْمَنَ عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى وَخَرَجَتْ السَّرَعَانُ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالُوا قَصُرَتْ الصَّلَاةُ وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ يُقَالُ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتْ الصَّلَاةُ قَالَ لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ فَقَالَ أَكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالُوا نَعَمْ فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى مَا تَرَكَ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّر ثُمَّ سَلَّمَ ))

(متفق عليه)

 نُسِّيت ركعتين كي أسن لكم سجود السهو، فأتى بركعتين أُخريين، وسجد للسهو..

 

﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾

 

( سورة الأعلى )

 أي إذا شاء الله لك أن تنسى فأنت تنسى لتشرِّع، أما الأصل فإنّك لا تنسى..

 

﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)﴾

 

( سورة القيامة )

 أي إنّ الله عزَّ وجل تولَّى أن يحفظ النبيُّ القرآنَ، وأن يعلم معانيه وتفصيلاته وأحكامَه، وأن يعلم كل شيءٍ متعلِّقٌ به، من دون أن يقلق بنسيانٍ، أو بخطأٍ، أو بسهوٍ..

 

﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6)﴾

 

( سورة الأعلى )

﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)﴾

 حتى لا يتوهَّم أحدكم أن هذه الميزات جاءت للنبي عليه الصلاة والسلام، ويمكن أن تكون لغير النبي، وهذا مستحيل، لأن الله سبحانه وتعالى اصطفى النبيَّ من كل خلقه، اصطفاه لصدقٍ فيه، واصطفاه لحبٍ، وشوقٍ، ومعرفةٍ، وطاعةٍ، وكل هذه الميزات أهَّلته لأن يوحى إليه، ولأن يكون القرآن في صدره واضحاً لفظاً ومعنى.
 قد يسأل أحدكم: ألم يفسِّر النبيُّ القرآنَ ؟ الجواب: السنة المطهَّرة كلُّها تفسيرٌ للقرآن الكريم، لكن أحياناً هناك آيات كونيَّة لم يرِدْ فيها تفسير، ولحكمةٍ بالغةٍ بالغة كأنّ الله سبحانه وتعالى مَنَعَ النبيَّ عليه الصلاة والسلام من أن يفسِّر الآيات الكونيَّة، لأنه لو فسَّرها تفسيراً مبسَّطاً يتناسب مع مفهوم العصر لأنكرنا نحن عليه هذا التفسير، ولو فسَّرها تفسيراً يتناسب مع التقدُّم العلمي والحقيقة المطلقة لأنكر أصحابه هذا التفسير، لذلك تُرِكت هذه الآيات لكل عصرٍ كي تُفهم وفق مقياس العصر، وهذه الآيات الكونيَّة التي لم يرِد في تفسيرها نصٌ، هي الإعجاز العلمي للقرآن الكريم، هي السبق العلمي للقرآن الكريم.
 وفي كتاب لأحد العلماء، يبيِّن الأحاديث التي ذكرها النبي، وكيف استنبطها من كتاب الله ؟ حتى إنّ هذا العالم يقول: " إن أعلى علمٍ على الإطلاق أن تكتشف هذا الحديث الذي قاله النبي من أَيَّة آيَةٍ استنبطه ؟ "، طبعاً الكتاب فيه بعض الشواهد، لكن أنْ تكتشف كل حديثٍ قاله النبي من أيَّة آيةٍ استنبطه فهذا شيء من أرقى العلوم، لقد كان فهمُ النبي عليه الصلاة والسلام لكتاب الله أعلى فهمٍ على الإطلاق.
 وبعد ؛ فها نحن ننتقل إلى مرحلة ثانية ؛ فقد كان سلوكه صلى الله عليه وسلم تجسيداً لفهمه، أي إن أعظم تفسيرٍ لكلام الله أن تقرأ سُنة رسول الله، وأعظم تفسيرٍ عمليٍ لكتاب الله أن تقرأ سيرة رسول الله، فسُنته القولية بيانٌ، وسنته العمليَّة تطبيقٌ.
مثلاً عندما قال الله عزَّ وجل:

 

﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً (3)﴾

 

( سورة النصر )

 ماذا قال عليه الصلاة والسلام عن هذه السورة ؟ فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:

((لَمَّا نَزَلَتْ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي بِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ فِي تِلْكَ السَّنَةِ))

(أحمد)

 هكذا فهِم، فهِم أنه قد انتهت رسالته، قد بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الغُمَّة، وجاهد في الله حقَّ الجهاد، وما يقي عليه إلا أن يقبضه اللهُ إليه، قال:

((نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي))

 لذلك ففي آخر أيامه، وآخر الأشهر التي عاشها النبي عليه الصلاة والسلام كان أكثر كلامه أنْ يقول كما روتْ عَنْه عَائِشَةُ قَالَتْ:

((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الَّتِي أَرَاكَ أَحْدَثْتَهَا تَقُولُهَا قَالَ جُعِلَتْ لِي عَلَامَةٌ فِي أُمَّتِي إِذَا رَأَيْتُهَا قُلْتُهَا إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ))

( رواه مسلم )

 قال له:

 

﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً (3)﴾

 

( سورة النصر )

 فكان عليه الصلاة والسلام بعد نزول هذه الآية يقول دائماً:

((سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ))

( من صحيح مسلم: عن " السيدة عائشة " )

 كان عليه الصلاة والسلام يصف القرآن بأنه حبل الله المتين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس فيه الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلَق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه.
 وقال ابن مسعودٍ رضي الله عنه: " من أراد علم الأولين والآخرين فليتلُ القرآن "، أي إن أول وجه من وجوه علم النبي عليه الصلاة والسلام أنه فهِم كلام الله فهماً دَقيقاً دقيقاً، فهِم كل شيءٍ في كلام الله، وكما قلت قبل قليل: يعدُّ فهمُ النبي لكلام الله أعلى فهمٍ على الإطلاق، إذاً بيانه تفسيرٌ حقيقيٌ لكلام الله، وسيرته تجسيدٌ عمليٌّ لفهمه لكلام الله.
 سيدنا علي كرَّم الله وجهه يقول: " لو تكلَّمت لكم على سورة الفاتحة لأوقرت سبعين جملاً "، سبعين جملاً محمَّلاً كتب عن الفاتحة وحدها، في وفي قول آخر: " جُمِع القرآن في الفاتحة، وجمعت الفاتحة في إياك نعبد وإياك نستعين "، ودروس مدارج السالكين التي أكرمنا الله بها في هذا المسجد، كانت واحدًا وأربعين درسًا على ما أعتقد، فكل الكتاب ؛ مدارك السالكين في مراتب إياك نعبد وإياك نستعين، " جُمِع القرآن في الفاتحة، وجمعت الفاتحة في إياك نعبد وإياك نستعين "، سيدنا علي يقول: "لو تكلَّمت لكم على سورة الفاتحة لأوقرت سبعين جملاً "، فما ظنُّك بعلوم رسول الله عليه الصلاة والسلام ؟، طبعاً يكفينا قول الله عزَّ وجل:

 

﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾

 

( سورة لقمان: من آية " 27 " )

 لو أن كل أشجار الأرض أقلام، ولو أن بحار الأرض سبعة أمثال، وهذه الأقلام تكتُب من هذه البحار ما نفدت كلمات الله.
 لذلك عندما قال ربنا عزَّ وجل..

 

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾

 

( سورة المائدة: من آية " 3 " )

 هذا القرآن الكريم كاملٌ وتام، عدد القضايا التي عالجها القرآن تامة، وطريقة المعالجة كاملة، هذا التشريع يغطي كل حاجات البشر إلى يوم القيامة، فإن لم تجد في الإسلام تشريعاً يغطي حاجةً فهذا من تقصير المجتهدين، ما من شيءٍ نحتاجه في التشريع إلا وهناك آيةٌ أشارت إليه، عَلِمَهُ مَن عَلِمَهُ وجَهِلَهُ مَن جَهِلَهُ.
 الوجه الأول أن أحد أكبر فقرات العلم الذي أكرمه الله بها نبيَّه صلى الله عليه وسلم العلمُ بكتاب الله.
 وبعد ؛ إليكم استنباطاً مهِمًّا أيها الإخوة ؛ أعلى علم يمكن أنْ تصل إليه أنْ تفهم كلام الله، أي إنك إذا وفِّقتَ إلى فهمِ كلام الله، وفهم دقائق الآيات، فهم المعاني الصحيحة، والأبعاد العميقة لكلمات الله عزَّ وجل فهذا أعظم عطاءٍ على الإطلاق، لأنه عطاء النبي عليه الصلاة والسلام.
 أمّا الوجه الآخر، ونكتفي بهذا الوجه الثاني لأن هناك خمسة أو ستة أوجه، والوجه الآخر من وجوه علم النبي عليه الصلاة والسلام الحكمة التي أنزلها الله عليه. الدليل:

 

﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾

 

( سورة النساء: من آية " 113 " )

 الكتاب القرآن، تكلَّمنا عنه قبل قليل، فما الحكمة ؟

 

﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً (34)﴾

 

( سورة الأحزاب )

 الحكمة كما قال الإمام الشافعي: " هي السنة الظاهرة في أفعاله، وأقواله، وأحواله، وإقراره "، الحكمة سنة النبي قولاً، وفعلاً، وحالاً، وإقراراً.
 قال العلماء: " سميت السنة النبويَّة حكمة لأن الحكمة تشتمل على سداد القول، وصواب العمل، هكذا عُلِّمنا سابقاً، الفرق بين الفلسفة والحكمة، قد تكون فيلسوفًا دارسًا، ولك نظريات في الفلسفة، لكنك لست حكيماً ما لم تطبِّق مبادئك، كلمة الحكمة تعني جانبًا نظريًا وجانبًا عمليًا، لذلك التعريف دقيق، الحكمة تشتمل على سداد القول وصواب العمل ـ وإيقاع ذلك في مواقعه، ووضعه في مواضعه، ولاشكَّ أن أقواله عليه الصلاة والسلام، وأفعاله، وأحواله، وإقراره هي عين الحكمة ".
 إذاً الوجه الثاني من وجوه علوم النبي عليه الصلاة والسلام بعد القرآن الحكمةُ.
 الآيات:

 

﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾

 

( سورة النساء: من آية " 113 " )

 العلماء قالوا: الحكمة هي السُنَّة، لكن هذه الحكمة أُوحِيت إليه عليه الصلاة و السلام وحيًا، قال تعالى:

 

﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾

 أي إنّ سُنَّة النبي أوحيت إليه وحياً، لذلك يقول علماء الأصول: " سنة النبي وحيٌ غير متلو، والقرآن وحيٌ متلو "، والدليل:

 

 

﴿وَمَا يَنْطِقُ﴾

 

( سورة النجم: من آية " 3 " )

 لو قلنا: وما يتلو عن الهوى، معنى هذا أنّ القرآن وحي وحده، لكن..
 فأيُّ نطقٍ نطقه النبي فهو وحيٌ من الله عزَّ وجل..

 

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾

 فالذي ينطق به النبي قرآنٌ متلو، أو سنةٌ غير متلوَّة.
 والحديث الذي يؤكِّد هذا، رواه أبو داود عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:

 

((أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ أَلَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ لَحْمُ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ وَلَا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السَّبُعِ وَلَا لُقَطَةُ مُعَاهِدٍ إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُ فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ))

(رواه أبو داود)

 المراد بمثله، معه السنة أيضًا كما ذكر جمهور العلماء.
 وهذه بعض الأدلَّة ؛ ورد في الصحيحين واللفظ للبخاري، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِنَّ أَكْثَرَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ بَرَكَاتِ الْأَرْضِ قِيلَ وَمَا بَرَكَاتُ الْأَرْضِ قَالَ زَهْرَةُ الدُّنْيَا فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ هَلْ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ فَصَمَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى ظَنَنَّا - أي عرفنا - أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ ثُمَّ جَعَلَ يَمْسَحُ عَنْ جَبِينِهِ فَقَالَ أَيْنَ السَّائِلُ قَالَ أَنَا قَالَ أَبُو سَعِيدٍ لَقَدْ حَمِدْنَاهُ حِينَ طَلَعَ ذَلِكَ قَالَ لَا يَأْتِي الْخَيْرُ إِلَّا بِالْخَيْرِ إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ وَإِنَّ كُلَّ مَا أَنْبَتَ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ حَبَطًا أَوْ يُلِمُّ - أي إن الدابة إذا رعت كثيراً فملأت بطنها ربَّما تموت من شدة الأكل، أو تمرض - إِلَّا آكِلَةَ الْخَضِرَةِ - أي إذا أكلت أكلاً معتدلاً وحشيشاً يانعاً - أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتْ الشَّمْسَ فَاجْتَرَّتْ وَثَلَطَتْ وَبَالَتْ ثُمَّ عَادَتْ فَأَكَلَتْ وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ حُلْوَةٌ مَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ وَوَضَعَهُ فِي حَقِّهِ فَنِعْمَ الْمَعُونَةُ هُوَ وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ))

(متفق عليه)

 صحابي سأل، ورسول الله جاءه الوحي فقال: " أين السائل ؟ " قلت: " أنا " فأجابه: أي إنّ الخير لا يأتي إلا بالخير، فكيف يأتي الخير بالشر ؟ بالإسراف، الدنيا خضرةٌ نضرة، فإذا أكل الإنسان كالدابة، وأكل ثم شرب، ثم أكل، وأكل، وأكل فإنه يموت أو يمرض، أما إذا أكل باعتدال، فهذا الطعام يقوِّيه، وهذا المعنى، من أخذه بحقه ـ المال ـ ووضعه في حقِّه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقِّه كان كالذي يأكل ولا يشبع، فهل هذا الحديث واضح ؟.
 من أخذ المال بحقه ـ من مصادر مشروعة ـ وأنفقه في حقه كان المال نعمةً له، أعانه على دينه ودنياه، لكن من أحب المال حباً جماً ـ أحبه لذاته ـ فأخذ منه حلالاً أو حراماً، وأنفقه في حله وفي غير حلِّه أهلك نفسه، فهل يا ترى المال أتى بالشر ؟ لا، فالشر أتى من سوء استخدام المال، الشر لا يأتي من الخير، لكن الخير إذا لم تستخدمه وفق منهج الله أصبح شراً، هذا المعنى.
 عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ:

((إِنَّمَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَرَكَاتِ الْأَرْضِ ثُمَّ ذَكَرَ زَهْرَةَ الدُّنْيَا فَبَدَأَ بِإِحْدَاهُمَا وَثَنَّى بِالْأُخْرَى فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ فَسَكَتَ عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْنَا يُوحَى إِلَيْهِ وَسَكَتَ النَّاسُ كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِهِمْ الطَّيْرَ ثُمَّ إِنَّهُ مَسَحَ عَنْ وَجْهِهِ الرُّحَضَاءَ فَقَالَ أَيْنَ السَّائِلُ آنِفًا أَوَ خَيْرٌ هُوَ ثَلَاثًا إِنَّ الْخَيْرَ لَا يَأْتِي إِلَّا بِالْخَيْرِ وَإِنَّهُ كُلَّمَا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ مَا يَقْتُلُ حَبَطًا أَوْ يُلِمُّ ـ أي يقتل الدابَّة، أو يمرضها ـ إِلَّا آكِلَةَ الْخَضِرِ ـ هذه الدابَّة ـ كُلَّمَا أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَلَأَتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتْ الشَّمْسَ فَثَلَطَتْ وَبَالَتْ ثُمَّ رَتَعَتْ وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ وَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ لِمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ فَجَعَلَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَنْ لَمْ يَأْخُذْهُ بِحَقِّهِ فَهُوَ كَالْآكِلِ الَّذِي لَا يَشْبَعُ وَيَكُونُ عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ))

(متفق عليه)

 استدل علماءٌ كثيرون بهذا الحديث على أن الحديث النبوي هو نزل بالوحي من عند الله عزَّ وجل.
 شيءٌ آخر ؛ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ كَانَ يَقُولُ لَيْتَنِي أَرَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ قَالَ فَبَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجِعْرَانَةِ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ قَدْ أُظِلَّ بِهِ مَعَهُ فِيهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ إِذْ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ عَلَيْهِ جُبَّةٌ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي جُبَّةٍ بَعْدَمَا تَضَمَّخَ بِالطِّيبِ فَأَشَارَ عُمَرُ إِلَى يَعْلَى بِيَدِهِ أَنْ تَعَالَ فَجَاءَ يَعْلَى فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ فَإِذَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْمَرُّ الْوَجْهِ يَغِطُّ كَذَلِكَ سَاعَةً ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ:

((أَيْنَ الَّذِي يَسْأَلُنِي عَنْ الْعُمْرَةِ آنِفًا فَالْتُمِسَ الرَّجُلُ فَأُتِيَ بِهِ فَقَالَ أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ))

( رواه البخاري )

 هذا دليل ثانٍ على أن السنة أيضاً جاءت النبي بالوحي.
 أيها الإخوة ؛ لنا وقفةٌ ثانية مع علم النبي عليه الصلاة والسلام، والوقفة الثانية يجب أن نقفها بتأنٍّ شديد، لأنّ موضوعها الحديث عن المغيَّبات، وعن الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، لكن قبل أن نختم الدرس، أسوق لكم بأنّه عليه الصلاة والسلام أحياناً كان يكشف عن خبايا النفوس، لا بذاته، ولكن بإعلام الله له.
 روى الحاكم والبيهقي عن ابن عباس قال: " رأى أبو سفيان رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يمشي، والناس يطؤون عقبه ـ يمشون على أثره من شدة حبهم به، أي يمشون وراءه ـ فقال أبو سفيان في نفسه: " لو عاودت هذا الرجل في القتال، وجمعت له جمعاً ـ يحدِّث نفسه، أي لو عاودت هذا الرجل في القتال، أقاتله مرَّة ثانية، وجمعت له " فجاء عليه الصلاة والسلام حتى ضرب في صدر أبي سفيان تحبُّباً، وقال له: " إذاً نخزيك "، فقال أبو سفيان: "أتوب إلى الله وأستغفر الله، ما أيقنت أنك نبي إلا الساعة، إني كنت لأحدِّث نفسي بذلك ".
 أبو سفيان كان يحدِّث نفسه بعدما مشي خلف النبي، قال: والله إني أنوي أنْ أعمل له مشكلة ثانية، أجمعُ الناس عليه وأحاربه، فضرب النبي عليه الصلاة و السلام على صدره، وقال: " إذاً نخزيك "، فقال أبو سفيان: " أتوب إلى الله وأستغفر الله، ما أيقنت أنك نبي إلا الساعة، إني كنت لأحدِّث نفسي بذلك ".
 وهذه قصَّة أخرى دقيقة، فقد روى ابن هشام وغيره أن فضالة بن عمير همَّ أن يقتل النبي عليه الصلاة والسلام، وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنا من النبي قال له عليه الصلاة والسلام: " أفضالة - أيْ يا فضالة - " فقال: " نعم يا رسول الله "، قال: " ماذا كنت تحدِّث به نفسك ؟ "، قال: " لا شيء، كنت أذكر الله "، فضحك النبي عليه الصلاة والسلام ثم قال له: "استغفر الله - أي مما حدَّثت به نفسك وقولك لا شيء -، ثم وضع رسول الله يده على صدر فضالة، فسكن قلبه ـ أي ثبت فيه الإسلام ـ فكان فضالة يقول: " والله ما رفع النبي يده عن صدري حتى ما خلق الله شيئاً أحب إليَّ منه ".
 يحدِّث نفسه بقتله، فقال له: " يا فضالة ماذا كنت تحدِّث به نفسك ؟ ". قال: " أذكر الله". فضحك النبي، شتَّان بين ما يحدِّث نفسه وبين ما قال، طبعاً هذه من خصائص النبي عليه الصلاة والسلام، أكرمه الله بأن أطلعه على بعض الخبايا.
 والقصَّة التي تعرفونها جميعاً، وقد ذكرتُها كثيراً، عمير بن وهب عندما التقى مع صفوان بن أميَّة وقال له: " والله لولا ديون ركبتني، وأولادٌ أخشى عليهم العنت، لذهبت إلى محمدٍ وقتلته وأرحتكم منه "، فصفوان استغل هذه البادرة فقال له: " ديونك علي بلغت ما بلغت وأولادك أولادي ما امتد بهم العمر فاذهب لما أردت ".
 فلما ذهب إلى المدينة وقد سقى سيفه سُمًّا، فلقيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقاده من حمالة سيفه إلى النبي، وقال: "هذا عدو الله جاء يريد شراً "، فالنبي الكريم قال له: " دعه يا عمر، ابتعد عنه، تقدَّم يا عمير، اجلس، وسلِّم "، قال له: "عمت صباحاً "، قال له: " قل السلام عليكم " قال: " لست بعيداً بعهد الجاهليَّة "، قال له: " ما الذي جاء بك إلينا ؟ " قال له: "جئت أفدي ابني من الأسر ". قال له: " وهذا السيف التي على عاتقك ؟ " قال له: " قاتلها الله من سيوف، وهل نفعتنا يوم بدر؟ ". قال له: " أما قلت لصفوان كذا وكذا وكذَا "، فوقف، وقال: " أشهد أنك رسول الله، لأن هذا الذي جرى بيني وبين صفوان لا يعلمه أحدٌ إلا الله ".
 هذه من خصوصيات النبي، أن الله سبحانه وتعالى أطلعه على خبايا النفوس ـ طبعاً ليس دائماً ولكن أحياناً، وثمَّةَ أحوال ما أطلعه الله سبحانه عليها، فقد جاء وفد من إحدى القبائل، وطلب علماء وقُرَّاء، ولبَّى له النبي طلبه، وقتلوهم في الطريق، وكانوا سبعين قارئًا، معنى هذا أنّه إذا عرف خبايا النفوس فليس بذاته، بل بإطلاع الله له.