الخطب الإذاعية - الخطبة : 35 - الإنسانية - ارحموا عزيزاً ذلّ.

1995-02-17

 الخــطــبـة الأولــى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، لاشيء قبله ولا شيء بعده، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، وجاهد في الله حق الجهاد، وهدى العباد إلى سبيل الرشاد، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحابه الطيبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا، وعنهم يا رب العالمين.
 عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله، وأحثكم على طاعته، وأستفتح بالذي هو خير.

القرآن الكريم ضَمّن الجهاد معنىً إنسانياً نبيلاً وفريداً وحدد له مقاصده العليا:

 أيها الأخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام، نحن في السابع عشر من رمضان، وفي مثل هذا اليوم لسنتين خلتا من الهجرة كانت موقعة بدر الكبرى، وفيها انتصر المسلمون نصراً مؤزراً عزيزاً، في أول مواجهة جماعية مع قوى الكفر والشرك، قال تعالى:

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) ﴾

( سورة آل عمران)

 وقال تعالى:

 

﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) ﴾

 

( سورة الحج)

 أيها الأخوة الكرام لقد ضمن القرآن الكريم الجهاد معنىً إنسانياً نبيلاً وفريداً، وحدد له مقاصده العليا، منزهةً عن الهوى، منزهة عن الأغراض المادية العاجلة، والمطامح الشخصية والعنصرية، من شهوة العلو في الأرض أو التوسع فيها، لتكون أمة هي أربى من أمة، قال تعالى:

 

﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193) ﴾

 

( سورة البقرة)

الجهاد سند مكين للإسلام لنشر العدل و الإحسان:

 وإن الإسلام أيها الأخوة لم يجعل الجهاد مفروضاً في أعلى مراتب الفرضية وأعظمها مثوبة من أجل الدفاع عن الوجود، أو الحفاظ على مقوماته فحسب، بل أولاه عناية فائقة، إذ جعله سنداً مكيناً لدعوته التي تسعى إلى نشر رسالة السماء إلى الأرض، لتتحقق خلافة الإنسان فيها عن طريق التمسك بمبادئ الحق والخير السامية، وقيم العدل والإحسان الرفيعة، فجعله الله جلّ جلاله خالصاً، ومخلصاً لوجهه الكريم تعالى، وابتغاء مرضاته، ومرضاتُه أيها الأخوة لا تتم إلا إذا سادت تعاليمه، وعلت في الأرض مُثله، وحتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله، ولا أدل على صحة هذه المبادئ، وتلك المفاهيم من هذه السعادة التي تملأ جوانح الإنسان حينما يكتشف سرّ وجوده، وجوهر رسالته، وينطلق في الطريق الكبير الذي خلق من أجله.

كرم الله تعالى الإنسان بالخلافة على الأرض ومن مظاهر هذا التكريم :

1 ـ خلقه في أحسن تقويم وصوره فأحسن صوره:

 أخوة الإيمان في كل مكان، الإنسان في نظر الإسلام مخلوق متميز، مكرم، ميزه الله، وكرمه، وفضله على كثير من خلقه، ومن مظاهر هذا التكريم استخلافه في الأرض، قال تعالى:

 

﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) ﴾

 

( سورة البقرة)

 لقد كرمه الله تعالى بالخلافة على الأرض، وهيأه بالعقل، والعلم، والإرادة، والتكليف، ومن مظاهر هذا التكريم أنه خلقه في أحسن تقويم، وصوره فأحسن صوره، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يكرر هذا الدعاء في سجوده، كان يدعو ويقول:

 

((سجد وجهي للذي خلقه، وصوره، وشق سمعه، وبصره، فتبارك الله أحسن الخالقين))

 

[أخرجه الترمذي والنسائي عن عائشة]

2 ـ نفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته إكراماً له:

 ومن مظاهر هذا التكريم أن الله سبحانه وتعالى نفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته إكراماً له، قال تعالى:

 

﴿ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72) ﴾

 

( سورة الحجر)

 وهذه النفخة ليست خاصة بآدم أبي البشر، فإن بنيه ونسله قد نالهم حظ منها.

 

3 ـ سخر له ما في السماوات وما في الأرض تسخير تعريف وتكريم:

 أيها الأخوة الكرام في دنيا العروبة والإسلام، ومن مظاهر هذا التكريم الإلهي للإنسان أنه سخر له ما في السماوات وما في الأرض تسخير تعريف وتكريم، قال تعالى:

 

 

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13)﴾

 

( سورة الجاثية)

 وفي آية أخرى:

 

﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (20)﴾

 

( سورة لقمان)

 ومعنى هذا التسخير أن الطاقات الكونية كلها مهيأة ومبذولة للإنسان، لا يستعصي منها شيء عليه، وأن الإنسان هو واسطة العقد في هذا العالم، وإن صغر حجمه بالنسبة إلى المكان، أو قصر عمره بالنسبة إلى الزمان، فلا يجوز لهذا الإنسان أن يؤله شيئاً في هذا العالم، أو أن يتعبد له رغباً أو رهباً، والذين عبدوا بعض ما في الكون قلبوا الحقائق، فحولوا الإنسان من سيد سخر له الكون إلى عبد ذليل يسجد لنجم، أو شجرة، أو بقرة، أو حجر، أو غير ذلك.

 

4 ـ فتح له باب التقرب إليه أنى شاء ومتى شاء:

 ومن دلائل تكريم الله للإنسان أنه فتح له باب التقرب إليه أنى شاء، ومتى شاء، قال تعالى:

 

 

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ (186) ﴾

 

( سورة البقرة)

 يدعوه فيجده، أقرب إليه من حبل الوريد، دون وسيط أو شفيع، قال تعالى:

 

﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115) ﴾

 

( سورة البقرة)

 وليس هذا لخاصة الأولياء والصالحين دون العصاة المذنبين، قال تعالى:

 

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) ﴾

 

( سورة الزمر)

5 ـ اعترف بكيانه كله جسماً ونفساً وعقلاً وقلباً ووجداناً وإرادةً:

 ومن تكريم الإسلام للإنسان أنه اعترف بكيانه كله جسماً، ونفساً، وعقلاً، وقلباً، ووجداناً، وإرادةً، لهذا أمره بالسعي في الأرض، والمشي في مناكبها، والأكل من طيباتها، والاستمتاع بزينة الله التي أخرج لعباده، وحثه على النظافة، والتجمل، والاعتدال، ونهاه عن المسكرات، والمفتِّرات، وكل ما يضره تناوله وفاءً بحق جسده.
 وأمره بعبادة الله وحده، والتقرب إليه بأنواع الطاعات من صلاة، وصيام، وصدقة، وزكاة، وحج، وعمرة، وذكر، ودعاء، وإنابة، وتوكل، وخوف، ورجاء، وبر، وإحسان، وغير ذلك من أنواع العبادات وفاءً بحق نفسه، وأمره بالنظر والتفكر في ملكوت السماوات والأرض، وما خلق الله من شيء، وفي مصير الأمم وسنن الله في المجتمعات، كما أمره بطلب العلم والتماس الحكمة، وأنكر عليه الجمود وتقليد الآباء والكبراء كل ذلك وفاءً بحق عقله.
ولفته إلى جمال الكون بأرضه وسمائه، ونباته وحيوانه، وما زانه الله به من الحسن والبهجة ليشبع حاسة الجمال في نفسه، وليشعره في أعماقه بعظمة ربه، الذي أحسن كل شيء خلقه، وذلك رعاية لجانب الوجدان والعاطفة فيه، لقد اعترف به، بكيانه كله، جسماً، ونفساً، وعقلاً، وعاطفة.
 وقبل أن تسمع أذن الدنيا عن حقوق الإنسان لاثني عشر قرناً أو تزيد، ويوم كان العالم كله لا ينظر إلى الإنسان إلا من جهة ما عليه من الواجبات يُطالب بأدائها، وإلا كان عليه من العقاب ما يستحق، جاء الإسلام ليقرر جهرة أن للإنسان حقوقاً ينبغي أن تُرعى، كما أن عليه واجبات يجب أن تؤدى، وكما أنه يُسأل عما عليه يجب أن يعطى ماله، لك واجب يقابله حق، كما أن كل حق يقابله واجب، ومن هذه الحقوق التي أعلنها الإسلام جهرة قبل خمسة عشر قرناً، حق الحياة، وحق الكرامة الإنسانية، وحق التفكير، وحق التدين، وحق الاعتقاد، وحق التعبير، وحق التعلم، وحق التملك، وحق الكفاية، وحق الأمن من الخوف.

الحقوق التي قدسها الإسلام للإنسان عديدة منها:

1 ـ حق الحياة:

 أخوة الإيمان حضوراً ومستمعين، لقد قدس الإسلام حقّ الحياة، وحماه بالتربية والتوجيه، وبالتشريع والقضاء، وبكل المؤيدات النفسية والفكرية والاجتماعية، وعدّ الحياة هبة من الله تعالى لا يجوز لأحد كائناً من كان أن يسلبها منه، فالإنسان بنيان الله، وملعون من هدم بنيان الله.
وقد أنكر الإسلام على أهل الجاهلية قتلهم أولادهم سفهاً بغير علم، قال تعالى:

 

﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9) ﴾

 

( سورة التكوير)

 ولم يفرق الإسلام في حق الحياة بين أبيض وأسود، ولا بين شريف ومشروف، ولا بين حر وعبد، ولا بين رجل وامرأة، ولا وبين كبير وصغير، حتى الجنين في بطن أمه له حرمة لا يجوز المساس بها، ومن هنا جاء تحريم الإجهاض، حتى الجنين الذي ينشأ من طريق حرام، لا يجوز لأمه ولا لغيرها أن تسقطه، لأنه نفس بريئة، لا يحل الاعتداء عليها، فلا تزر وازرة وزر أخرى، لذلك شُرع القصاص صوناً لحياة كل الأطراف، وشرعت الدية والكفارة في القتل الخطأ، وقد حمى الإسلام حياة الحيوان أيضاً إن لم يكن منه أذىً، وفي الحديث الصحيح:

 

(( دخلت النار امرأة في هرة حبستها حتى ماتت ؛ لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض ))

 

[ مُتَّفَقٌ عَلَيْه عن ابن عمر]

2 ـ حق الكرامة و حماية العرض:

 وأما حق الكرامة، وحماية العرض فقد أكد الإسلام حرمة العرض والكرامة للإنسان، مع حرمة الدماء والأموال، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم أعلن ذلك في حجة الوداع أمام الجموع المحتشدة في البلد الحرام والشهر الحرام، واليوم الحرام فقال عليه الصلاة والسلام:

 

((إن الله حرم عليكم دماءكم وأعراضكم وأموالكم))

 

[متفق عليه عن ابن عمر]

 فلا يجوز أن يُؤذى إنسان في حضرته، ولا أن يهان في غيبته، سواء أكان هذا الإيذاء للجسم بالفعل أم للنفس بالقول، فربما كان جرح القلب بالكلام أشد من جرح الأبدان بالسياط أو بالسنان.
 لقد حرم الإسلام أشد التحريم أن يُضرب إنسان بغير حق، وأن يُجلد ظهره بغير حدّ، وأنذر باللعنة من ضرب إنساناً ظلماً، ومن شهده يضرب ولم يدفع عنه.
 كما حرم الإسلام الإيذاء الأدبي للإنسان، حرم الهمز، وحرم اللمز والتنابز بالألقاب، والسخرية، والغيبة، وسوء الظن بالناس، وكفل الإسلام صون كرامة الإنسان بعد مماته، ومن هنا جاء الأمر بغسل الميت، وتكفينه، ودفنه، والنهي عن كسر عظمه، أو الاعتداء عليه، أو على جثته، وقد جاء في الحديث النبوي:

 

((كسر عظم المَيْت ككسره حياً))

 

[رواه أبو داود عن عائشة]

 وكما حمى الإسلام جسم المَيْت بعد الموت حمى عرضه وسمعته لئلا تلوكها الأفواه، فقال عليه الصلاة والسلام:

 

((لا تذكروا موتاكم إلا بخير))

 

[رواه النسائي عن عائشة]

3 ـ حق الكفاية:

 أخوة الإيمان في كل مكان، وأما حق الكفاية التامة فمن حق كل إنسان أن تُهيأ له كفايته التامة من العيش، حيث تتوافر له الحاجات الأساسية للمعيشة، من مأكل، وملبس، ومسكن، وعلاج، والأصل أن يكون للإنسان دخل كاف يحقق كفايته منه عن طريق مشروع؛ من زراعة، أو تجارة، أو صناعة، أو وظيفة، أو حرفة، فإن لم يكن للإنسان دخل يكفيه كان على أقاربه الموسرين أن يحملوه لأنه جزء منهم، قال تعالى:

 

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75) ﴾

 

( سورة الأنفال)

 فإن لم يكن له أقارب موسرون يستطيعون حمله وجبت كفايته من الزكاة التي فرضها الله على المسلمين، تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم، والزكاة فرضت لتحقيق تمام الكفاية للإنسان، وذكر الفقهاء أن الزواج لمن لا زوجة له من تمام الكفاية، وأن آلات الحرفة من تمام الكفاية، وأن كتب العلم من تمام الكفاية، وهذه الكفاية التامة تجب للإنسان الفقير، تجب له ولأسرته مدة عام بأكمله على مذهب، ومدة العمر كله على مذهب آخر، حيث يغدو آخذ الزكاة دافعاً للزكاة، يقول عمر عملاق الإسلام رضي الله عنه: "إذا أعطيتم فأغنوا ".

من ثمرات الإنسانية في الإسلام:

1 ـ مبدأ الإخاء البشري:

 أيها الأخوة المؤمنون، من ثمرات الإنسانية في الإسلام مبدأ الإخاء البشري الذي نادى به الإسلام، وأساس هذا المبدأ أن البشر جميعاً أبناء رجل واحد وامرأة واحدة، ضمتهم هذه البنوة الواحدة المشتركة، والرحم الواصلة، قال تعالى

 

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75) ﴾

 

( سورة الأنفال)

 و ربما فهمت كلمة الأرحام في هذه الآية بالمعنى الإنساني الواسع لتتسق مع بداية الخطاب، و قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو دبر كل صلاة ويقول:

 

((اللهم ربنا ورب كل شيء ومليكه أنا شهيد أنك الله وحدك لا شريك لك، اللهم ربنا ورب كل شيء ومليكه أنا شهيد أن محمداً عبدك ورسولك، اللهم ربنا ورب كل شيء ومليكه أنا شهيد أن العباد كلهم أخوة ))

 

[الإمام أحمد في مسنده عن زيد بن أرقم رضي الله عنه]

 ويزداد هذا الإخاء توثقاً إذا أضيف إليه عنصر الإيمان، قال تعالى:

 

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10) ﴾

 

( سورة الحجرات)

 فالمسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ولا يحقره، ولا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه، لقد غسل الإسلام أرجاس الجاهلية، وطهرها من الغل والحسد، ونقاها من الأنانية والشح والبخل، ومحا منها فوارق الجنس واللون والقبيلة والطبقة.

 

2 ـ مبدأ المساواة الإنسانية:

 ومن ثمرات الإنسانية في الإسلام مبدأ المساواة الإنسانية، أساس هذا المبدأ أن الإسلام يحترم الإنسان، ويكرمه من حيث هو إنسان، الإنسان من أية سلالة ومن أي لون من غير تفرقة بين عنصر وعنصر، وبين قوم وقوم، وبين لون ولون، يقول الله تبارك وتعالى:

 

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) ﴾

 

( سورة الحجرات)

 وقد خطب النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، وقال في معنى هذه الآية:

 

(( يا أيها الناس ! إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، لا فضل لعربي على عجمي، ولا عجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم ))

 

[رواه ابن النجار عن أبي سعيد]

العصر الإسلامي الأول عصر مبادئ لا عصر أشخاص:

 أيها الأخوة، في خلافة سيدنا عمر ـ رضي الله عنه وأرضاه ـ جاءه إلى المدينة جبلة بن الأيهم آخر ملوك الغساسنة يعلن إسلامه، فيرحب به عمر أشد الترحيب، وفي أثناء طواف هذا الملك حول الكعبة داس بدوي طرف إزار الملك الغساني، فيغضب الملك ويلتفت إلى هذا البدوي فيضربه فيهشم أنفه، فما كان من هذا البدوي من فزاره إلا أن توجه إلى الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب، فيستدعي عمر ـ رضي الله عنه ـ الملك الغساني إلى مجلسه، ويجري بينهما حوار صيغ على الشكل التالي:
 قال عمر: جاءني هذا الصباح مشهد يبعث في النفس المرارة، بدوي من فزارة بدماء تتظلم، بجراح تتكلم، مقلة غارت، وأنف قد تهشم، وسألناه فألقى فادح الوزر عليك بيديك، أصحيح ما ادعى هذا الفزاري الجريح ؟
 قال جبلة: لست ممن ينكر أو يكتم شيئاً، أنا أدبت الفتى، أدركت حقي بيدي.
 قال عمر: أي حق يا بن أيهم ؟ عند غيري يقهر المستضعف العافي ويظلم، عند غيري جبهة بالإثم بالباطل تلطم، نزوات الجاهلية، ورياح العنجهية، قد دفناها، وأقمنا فوقها صرحاً جديداً، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً.
 أرضِ الفتى، لابدّ من إرضائه ما زال ظفرك عالقاً بدمائه، أو يهشمن الآن أنفك، وتنال ما فعلته كفك.
 قال جبلة: كيف ذاك يا أمير المؤمنين ؟ هو سوقة، وأنا صاحب تاج، كيف ترضى أن يخر النجم أرضاً ؟ كان وهماً ما مشى في خلدي أنني عندك أقوى وأعز، أنا مرتد إذا أكرهتني.
 قال عمر: عالم نبنيه كل صدع فيه بشبا السيف يداوى، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى ".
 أما جبلة فلم يستوعب هذا المعنى الكبير في الإسلام، وفرّ من المدينة هارباً مرتداً، ولم يبال عمر ولا الصحابة معه بهذه النتيجة، لأن ارتداد رجل عن الإسلام أهون بكثير من التهاون في تطبيق مبدأ عظيم من مبادئه، وخسارة فرد لا تقاس بخسارة مبدأ.

الدين كله لله:

 أيها الأخوة الكرام عود على بدء، انطلقت معركة بدر الكبرى، ونحن في ذكراها من قوله تعالى:

 

﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193) ﴾

 

( سورة البقرة)

 فإذا كان الدين كله لله، كرم الإنسان هذا التكريم، وحفظت حقوقه هذا الحفظ، وساد الإخاء بين بني البشر محبة، وألزم الناس بالمساواة عدلاً.

***

الخــطــبـة الثانية:
ارحموا عزيزاً ذلّ:
 أيها الأخوة الكرام، عقب بعض الغزوات عرض على النبي صلى الله عليه وسلم الأسرى فوقفت من بينهم امرأة أسيرة اسمها سفّانة، وقالت بأدب جم: يا رسول الله، هلك الوالد، وغاب الوافد فامنن علي منّ الله عليك، وخلِّ عني ولا تشمت بي أحياء العرب، فإن أبي كان سيد قومه، يفك العاني، ويعفو عن الجاني، ويحفظ الجار، ويحمي الذمار، ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشي السلام، ويحمل الكَلَّ، ويعين على نوائب الدهر، وما أتاه أحد في حاجة فرده خائباً، أنا بنت حاتم طيِّئ.
 فقال عليه الصلاة والسلام: (( يا جارية هذه صفات المؤمنين حقاً، ثم قال: خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق )).وقال عليه الصلاة والسلام: (( ارحموا عزيز قوم ذلّ، وغنياً افتقر، وعالماً ضاع بين الجهَّال )).عندها استأذنته أن تدعو له، فقال عليه الصلاة والسلام لأصحابه: (( اسمعوا وعوا )). قالت: أصاب الله ببرك مواقعه، ولا جعل لك إلى لئيم حاجة، ولا سلب نعمة عن كريم قوم إلا جعلك سبباً في ردها، ورجعت إلى أهلها، وقالت لأخيها عدي بن حاتم: يا عدي ائت هذا الرجل فإني قد رأيت هدياً، وسمتاً، ورأياً، يغلب أهل الغلبة، ورأيت فيه خصالاً تعجبني، رأيته يحب الفقير، ويفك الأسير، ويرحم الصغير، ويعرف قدر الكبير، وما رأيت أجود ولا أكرم منه، فإن يكن نبياً فللسابق فضله، وإن يكن ملكاً فلا تزال في عزّ ملكه، قيل: وأسلمت.