موضوعات في التربية - الدرس : 041 - الأخلاق الإسلامية2 - فضل الجماعة.

1992-08-03

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، و زدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الثاني من دروس الأخلاق الإسلامية، وعدتكم أن يكون درس من هذه الدروس في الأخلاق الإسلامية، و درس من هذه الدروس من إحياء علوم الدين، فهذا الدرس الثاني من دروس الأخلاق الإسلامية و قد تحدث في درس سابق عن خلق كسب الرزق بالنسبة للمؤمن، وكيف أن اليد العليا خير من اليد السفلى، و كيف أن العلم و المال و القوة قوة في يد المؤمن، و قد قال عليه الصلاة و السلام: المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف...." و اليوم الحديث عن خلق من أخلاق المسلم يميزه عن غيره من الناس، هذا الخلق أساسه الدافع الجماعي، كثيرة هي الرذائل التي تُعزى إلى النزعة الفردية والأثرة و حب الذات، وبالمناسبة كلمة " الأنانية" غلط شائع، صوابها الأثرة , كلمة " الغيرية " غلط شائع صوابها المؤاثرة، مرة أُلِّف كتاب عنوانه "أخطاؤنا " فكُتب حوله مقالة مشابهة أن عنوان الكتاب خطأ شائع، لأن الخطيئة لا تُجمع على أخطاء بل على خطيئات، لقول الله عز وجل:

﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾

 

[سورة نوح]

 فجاء كاتب آخر و قال: عنوان الكتاب بعد التصحيح غلط شائع، لأن الخطيئة متعلقة بالسلوك، بينما الخطيئة في العلم اسمها غلط، و ليست خطيئة، الزنا خطيئة، أما أن تعرب الفاعل منصوبا فهذا غلط و ليس خطيئة، إذًا أول عنوان غلط و الثاني غلط، و الصواب الأغلاط الشائعة، فأن تقول: أنانية هذا غلط، لأن " أنا " ضمير لا يصاغ منها مصدر صناعي، " أنانية، غيرية، كيفية، الكيفية و الغيرية و الأنانية و الهوية هذه أغلاط شائعة، صوابها " الأنانية الأثرة، والغيرية المؤاثرة، و الكيفية الطريقة، فرذائل كثيرة تعزى إلى النزعة الفردية والأثرة و حب الذات، و فضائل كثيرة تعزى إلى النزعة الجماعية و المؤاثرة و حب المجموع.
 بادئ ذي بدء المؤمن اجتماعي، و أهل الدنيا فرديون، يؤثرون نفسهم على غيرهم، حب الذات أعمى أبصارهم، يحبون أن يأخذوا، و لا يحبون أن يعطوا، يؤثرون أنفسهم على كل شيء، بينما المؤمنون الصادقون قال تعالى:

 

﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾

 

 

(سورة الحشر)

 فبيننغا، فمؤمن انعزالي لا يوجد، مؤمن يكره الجماعة، مؤمن ينسحب من الجماعة و يكفرها هذا ليس مؤمنا، الأنبياء مع من عاشوا، مشوا في الأسواق، الله جل جلاله وضفهم أنهم كانوا يأكلون الطعام، و يمشون في الأسواق، تعاملوا مع عامة الناس، لو أنهم ابتعدوت عنهم و عاشوا في برج عاجي، بربكم أكانوا سببا لهداية الناس، فما من قوم - وأنا أعني ما أقول - أساءوا إلى النبي عليه الصلاة و السلام، من أهل الطائف حينما جاءهم مشيا على قدمه ليهديهم إلى سواء السبيل كذّبوه و سخروا منه، و أنا أعتقد أنهم آذوه إيذاء ماديا، لأن النبي بشر، و تجري عليه كل خصائص البشر، و لأنه قدوة لنا، و مع ذلك قال: اللهم اهد قومي.." تخلى عنهم، لا، ما تخلى عنهم، و دعا لهم و التمس لهم العذر، فالمؤمن في أخلاقه العامة فردي أم جماعي، جماعي، طبعه الأثرة أم المؤاثرة ؟ المؤاثرة، ذاتي أم غيري ؟ غيري، يؤثر نفسه على الآخرين، أم الآخرين على نفسه ؟ الآخرين على نفسه، و الآية الكريمة واضحة.
أيها الإخوة الأكارم، هذا الموضوع نحن في الأمس الحاجة إليه، لا في هذا المسجد وحده، بل على مجموع العالم الإسلامي، أولا: لماذا الجماعة، لماذا يجب أن نكون مع مجموعة، لماذا لا ينبغي أن أعيش وحدي منفردا ؟ لماذا قال عليه الصلاة و السلام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ

(( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ بَدَا جَفَا وَمَنْ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ وَمَنْ أَتَى أَبْوَابَ السُّلْطَانِ افْتُتِنَ وَمَا ازْدَادَ عَبْدٌ مِنْ السُّلْطَانِ قُرْبًا إِلَّا ازْدَادَ مِنْ اللَّهِ بُعْدًا ))

(رواه أحمد)

 لأن عظائم الأعمال لا تتحقق إلا في الجماعة، أيمكن أن تكون داعية إلى الله عز وجل وأنت قابع في رأس جبل، في صومعة، لا، عظائم الأعمال لا تقوم إلا في مجموع، إذًا من آثر العزلة و الهروب من المجتمع و التقوقع و البعد عن الناس، و قال: ما شأني و شأنهم، أغناني اله عنهم، أنت لست مستغنيا عنهم، أنت في أمس الحاجة إليهم، لأنك بهم ترقى إلى الله عز وجل، إنك في أمس الحاجة إليهم، لأنك بهم ترقى إلى الله عز وجل، لولا أن الله عز وجل أودع في الإنسان هذا الدافع الجماعي لما ارتقى إلى الله بالأعمال الصالحة، الله جعل القوي و الضعيف، والفقير و الغني، و العالم و الجاهل، و الصحيح و المريض، أنت كيف ترقى إلى الله، طبيب و هناك مريض، حينما تخلص له، و يتم الشفاء على يديك ارتقيت إلى الله عز وجل، كيف ترقى إذا كنت غنيا من دون فقير، تعطي الفقير فترقى إلى الله، كيف ترقى إن كنت عالما من دون جاهل، هذا الذي لا يعرف تعلمه فترقى عند الله عز وجل، لذلك أيها الإخوة يمكن أن تستغربوا، الذي يستمع إليك له فضل عليك، و الذي تعطيه من مالك له فضل عليك، بعكس ما يظن الناس، و الذي تعينه في شأن من شؤون الدنيا له فضل عليك، لأنه لو لم يقبل منك أن تعينه لما ارتقيت عند الله، لو لم يستمع إليك لم ترق عند الله، لو لم يأخذ منك، و يقبل أن يأخذ منك لم ترق عند الله، فهذا الذي قبِل معروفك هو سبب رقيك عند الله عز وجل، لذلك المؤمن يعاشر الناس و يصبر على أذاهم، وهو خير عند الله عز وجل ممن لا يعاشر الناس و لا يصبر على أذاهم.
 أول فكرة في الدرس ؛ عظائم الأعمال، جلائل الأعمال لا تقوم إلا في مجموعة، لذلك أنا كنت أقول لإخواني دائما كلما شكى إلي أحد زوجتَه مثلا أو أولاده أو شركاؤه أو جيرانه أقول له: هؤلاء زادك إلى الله، هؤلاء بصبرك عليهم، و إحسانك لهم و عفوك عنهم ترقى عند الله عز وجل،

 

﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾

 

 

[سورة النور]

 الفكرة الثانية ؛ أن النزعة الفردين من شأنها أنها نزعة هدّامة، الإنسان الفرد لا ينمو إلا على أنقاض الآخرين، أصحاب النزعات الفردية الذين يحبون ذواتهم حبا أعمى، الذين يحبون أن يكونوا وحدهم و لا أحد معهم، هؤلاء لا ينمون إلا على تحطيم الآخرين، وإلا على هدمهم، لذلك فإن النزعات الفردية هدامة، والنزعات الجماعية بنّاءة، المسلم اجتماعي، والمسلم يألف ويؤلف، المسلم يصنع المعروف مع أهله و مع غير أهله، أبو حنيفة النعمان له جار مُغَنٍ أزعجه إزعاجا لا حدود له، كان طوال الليل يغني ويقول:
أضاعوني و أي فتى أضاعوا ليوم كريهة و طعان خلس
 مرة لم يسمع صوته، خير، إذًا جاره أصابه مكروه، سأل عنه فإذا هو في السجن، ذهب إلى المحتسِب و توسط له فأخرجه من السجن، وفي طريق العودة قال لخ: يا فتى هل أضعناك ؟ فكان هذا الموقف الأخلاقي سبب توبته.
 أقول لكم كلمة صراحة ؛ دائما في اللغة الدارجة " المليح ما لو عاوزك " أنت يحتاجك واحد رديء، الجيد يمشي وحده، ليس لك عليه فضل إطلاقا، أنت لا ترقى إلا بإنسان متعب، فلو فرضنا إنسان له ولد مشاكس، و كان حليما و صدره واسه وعلّمه وهذّبه و صبر عليه و أكرمه حتى لان، هذا وسام شرف، الذي عنده زوجة سيئة، بحلمه و هدوئه، وبرحمته و بعطفه، بملاحظاته إلى أن استقامت فصلحت، هذا وسام شرف، الذي يريد أناسا جيدين فهذا إنسان أفقه ضيق جدا، هناك شخص يقول لك: أنا لا أجلس إلا مع ناس يفهمون، و لا أسهر إلى مع ناس نخبة صفوة، إذًا أنت صفوة، من النوع الثاني، إن كنتَ صفوة الناس يجب أن تجلس مع عامتهم، علمهم، هذّبهم و بيِّن لهم، فكل إنسان يعيش في برج عاجي بعيدا عن الناس، يرى نفسه فوقهم، يرى نفسه هو في مستوى غير هذا المستوى، هو يشمئز و يدعو للاشمئزاز، ليست هذه أخلاق المؤمن، هذه الفكرة الثانية.
الفكرة الثالثة ؛ إياك أن تظن أن واحدا زائد واحد يساوي اثنين، هذه حقيقة في الرياضيات، و لكن في علم الاجتماع واحد زائد واحد يساوي مليون، فردان متفرقان لو اجتمعا لا يساوي مجموعهما مجموع عددهما، بالاجتماع تتولد طاقات كبيرة جدا،
فعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ

((إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي أَوْ قَالَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ضَلَالَةٍ وَيَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إِلَى النَّارِ ))

(رواه الترمذي)

 أقل شيء في الجماعة أن تشعر بأنس، مرة قرأت مقالة في مجلة أعجبني عنوانها، هذا العنوان: " لسنا وحدنا في المعركة " أنا عدّلت العنوان فقلت: أيها المؤمن لست وحدك في الحياة، أنت لك إخوان مؤمنون، و لك أشخاص يتعاطفون معك، مسراتك مسراتهم، ومشكلاتك مشكلاتهم، و آلامك آلامهم، أفراحك أفراحهم، أتراحك أتراحهم، واللهِ الذي لا إله إلا هو يكاد - وأنا أعني ما أقول - يكاد يكون أثمن شيء في الحياة، وأسعد شيء في الحياة أخ لك في الله، تمحضه خالص ودك، لهذا قال الله عز وجل في الحديث القدسي،

 

(( عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ قَالَ دَخَلْتُ مَسْجِدَ دِمَشْقِ الشَّامِ فَإِذَا أَنَا بِفَتًى بَرَّاقِ الثَّنَايَا وَإِذَا النَّاسُ حَوْلَهُ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَسْنَدُوهُ إِلَيْهِ وَصَدَرُوا عَنْ رَأْيِهِ فَسَأَلْتُ عَنْهُ فَقِيلَ هَذَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ هَجَّرْتُ فَوَجَدْتُ قَدْ سَبَقَنِي بِالْهَجِيرِ وَقَالَ إِسْحَاقُ بِالتَّهْجِيرِ وَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى إِذَا قَضَى صَلَاتَهُ جِئْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ أَاللَّهِ فَقُلْتُ أَاللَّهِ فَقَالَ أَاللَّهِ فَقُلْتُ أَاللَّهِ فَأَخَذَ بِحُبْوَةِ رِدَائِي فَجَبَذَنِي إِلَيْهِ وَقَالَ أَبْشِرْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ ))

 

[رواه أحمد]

 أنت لو كنت أبا ووجدت أولادك يؤثرون بعضهم بعضا في الطعام، هناك تفاحة كبيرة و تفاحة صغيرة، جاء الأخ و أعطى الكبيرة لأخته، فقالت: هذه لك، ألا يشعر الأب بسعادة لا توصف إن وجد أولاده متعاونين، الله عز وجل علمنا وقال:

 

﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾

 

 

(سورة النحل)

 وربنا عز وجل يحب عباده المتعاونين، واللهِ أيها الإخوة بالمناسبة لو سألتني عن أسعد لحظات حياتي، شهِد الله، هناك حالتان، و عن أشقى لحظات حياتي، هناك حالتان ؛ أسعد لحظات حياتي لما أجد أخا مستقيما متمثلا هذه الدعوة، و له صلة بالله عز وجل، وله ورع شديد، يحب الله و رسوله، استفاد من هذه الدروس، سعيد في بيته، حكيم في تصرفاته، دخله حلال، أشعر بسعادة لا توصف، أقول: هذه أثار الدعوة إلى الله، هذه صنعة الأنبياء، ويفرحني شيء آخر، حينما أرى الإخوة متعاونين، أنا من مدة بلغني أن أخا كان مريضا مقعدا، و له عشر إخوة، ومن دون أن أعلم تقاسموا مصروفهم الشهري ن و قدّموه له رأس كل شهر، هذا هو الدين، ليس الدين حديثا و لا فصاحة ولا طلاقة، الدين تعاون، لذلك الله عز وجل أمرنا أمرا قطعي الدلالة، قال:

 

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾

 

 

(سورة المائدة)

 صدقوني أيها الإخوة أن الذي يشدك إلى المسجد لست أنا وحدي، أنتم تشدون بعضكم بعضا، إذا الواحد عاش بين إخوة أكارم محبين أتقياء أنقياء، يؤثرون، إذا الواحد صديقه افتقر فقال له: هذا دخلي مناصفة، ماذا فعل، قلدّ الصحابة تقليدا، صعب إذا كان لك أخ مؤمن، واللهِ هناك أخ من إخوانكم له أخ فقَد عمله فآثره على نفسه، أقسم بالله أن الله عز وجل ضاعف دخلهما عشر أمثال، أنت تؤثر أخاك لأتدعِّم الإيمان في قلبه و يتخلى الله عنك؟ هكذا أخلاق الله عز وجل ؟ المؤمن إنسان اجتماعي، إنسان منفتح، إنسان عقله مفتوح و صدره رحب، يستمع للنقد، ومن أنا، فعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ

(( كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ ))

(رواه الترمذي)

 سيدنا عمر - كلام دقيق جدا - قال

(("أحب ما أهدى إلي أصحابي عيوبي ))

 عوِّد نفسك تسمع النقد، و عود نفسك تتواضع، وعود نفسك أن ترى إخوانك أعلى منك، إذا كان رسول الله الذي هو سيد الخلق قال: وعلى جمع الحطب.." فما قولكم ؟ هذه أخلاق النبي، إذًا الطاقات إذا اجتمعت شكّلت قوى جبّارة، أساسا ما أسباب ضعف المسلمين، تفرقهم، أبدا التفرق، مثلا لما النبي كان في غزوة و تفقد بعض أصحابه فلم يجدهم، فهناك واحد غمز، فوقف أحد الصحابة قال: واللهِ يا رسول الله لقد تخلف عنك أقوام ما نحن بأشد حبا لك منهم، و لو علموا أنك تلقى عدوا ما تخلفوا عنك.." مثل السيف في ظهره، هكذا هو أخوك، ما دام أخاك، من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته و ظهرت عدالته ووجبت أخوته و حرمت غيبته، أين تسير أنت، أخوك يُتكلم فيه بحضورك و تسكت ؟‍! تفرح، أعطيك مقياسا.
أيها الإخوة الأكارم مقياس خطير ؛ إذا كان أخوك المؤمن أصابه مكروه و أنت ارتحت، جيد الذي حدث معه، اعلم علم اليقين أنك لست مؤمنا، إنك في خندق المنافقين، لأن الله عز وجل وصف المنافقين فقال:

 

﴿ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾

 

 

[سورة آل عمران]

 أخواك اشترى بيتا تغضب، أخذ شهادة عليا تغضب، أخذ ليسانس تغضب، تزوج تغضب، الله رفعه مكانة عليك تغضب، هو قوة لك، فعلامة إيمانك أن تفرح، لأخيك إذا أصابه شيء طيب، وعلامة النفاق أنك تحسده، والحسد من علامات النفاق، انتبه، و راقب نفسك، إلا في حالة واحدة حتى نكون موضوعيين، إذا الإنسان انسحب من مجتمع فاسد، مجتمع فيه الزنا و الخمر، مجتمع فيه الغيبة و النميمة، مجتمع فيه التحاسد، مجتمع فيه العدوان، هذا المجتمع طالح الغنيمة هي البُعد عنه، لذلك قال عليه الصلاة و السلام: الوحدة خير من الجليس السوء، لكن الجليس الصالح خير من الوحدة....." أخوك دعاك لعقد قران، و أخوك مؤمن، و كل المدعوين مؤمنون، ليس هناك إلا مديح رسول الله و كلمة تقال، أنا لا أحب الزحمة، ما هذا الكلام الفارغ ؟ أخوك دعاك لوليمة، و أخوك مؤمن و ماله حلال، و لكن لو فرضنا أن هناك اختلاط و انحرافا و مجلسا لا يرضي الله عز وجل، عندئذ ابتعد، لذلك الإمام الغزالي عقد في إحياء علوم الدين بابين ؛ الباب الأول فضائل العزلة، و الثاني فضائل الاجتماع، فالمؤمن حكيم.
ملخص الملخص ؛ إنك إذا اجتمعت مع هؤلاء و أمكنك أن تأخذ بيدهم إلى الله عز وجل يجب أن تجتمع بهم، أما إذا اجتمعت مع هؤلاء و يحتمل أن يأخذوك إلى طريق لا يرضي الله ابتعد عنهم، هذه مقدمة.
الآن نريد الأدلة والنصوص القرآنية و النبوية التي تبيِّن الدافع الاجتماعي في أخلاق المؤمن، روى الإمام مسلم في صحيحه

 

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَيَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةِ الْمَالِ ))

 

(رواه مسلم)

 إذًا يرضى لكم أن تعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرقوا، وروى الترمذي في صحيحه عن عبد الله بن عمر عن عمر أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: عليكم بالجماعة...." ما معنى عليك ؟ ما إعرابها ؟ اسم فعل أمر، أي الزموا، كقوله تعالى:

 

﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾

 

 

(سورة الكهف)

 وكقوله تعالى:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)﴾

 

 

[سورة التوبة]

((عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ خَطَبَنَا عُمَرُ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قُمْتُ فِيكُمْ كَمَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِينَا فَقَالَ أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى يَحْلِفَ الرَّجُلُ وَلَا يُسْتَحْلَفُ وَيَشْهَدَ الشَّاهِدُ وَلَا يُسْتَشْهَدُ أَلَا لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنْ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمْ الْجَمَاعَةَ مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكُمْ الْمُؤْمِنُ ))

(رواه الترمذي)

 التقيت بأخ اليوم انقطع عن الدروس فترة طويلة، فأنت توهّمت وجاء توهمي صحيحا، حجته أنه حتى تطهر نفسه ثم يأتي، قلت له: هذا كلام مرفوض، كالمريض الذي يقول: أنا حينما أشفى أتناول الدواء، لا، أنت تأخذ الدواء من أجل أن تشفى، أنت حينما تحضر مجالس العلم و تلتقي مع إخوانك، هذا يدعو إلى الشفاء، و حينما تبتعد عن جماعة المؤمنين هذا يدعو إلى الداء، فداؤك في البعد عن الجماعة، ودواؤك في القرب منهم، ما الذي يحصل لما الإنسان يبتعد عن مجلس، يصبح فردا، هو و عقله، هذه ليس فيها شيء، وهذه أعتقد أن ليس فيها شيء، هذه الناس كلها هكذا، شهر واحد إذا ترك مجلس العلم فيه تجده اقترب شيئا فشيئا فشيئا من عامة الناس، أصبح بعقليتهم و بقيمهم و تساهلهم و انحرافهم، لكن إذا اقترب من الجماعة كل درس فيه طرح حقائق إسلامية و مواد وقوانين آيات و أحاديث، كلما انحرفت هذه المركبة عن خط سيرها جاء مجلس العلم فصحح المسيرة، كلما انحرفت، لو فرضنا أن واحدا قال: هؤلاء الفقراء لهم رب لا ينساهم، هذا قاله لوحده، هذا الكلام دعاه إلى أن يبخل، حضر تفسيرًا فقرأ قوله تعالى:

 

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾

 

 

[سورة يس]

 أعوذ بالله هذا كلام الكفار، هذا طرح الكفار لهذه القضية، يعيش في أوهام فردية، تصورات شخصية وفتاوى من عنده، يبتعد شيئا فشيئا فشيئا عن الخط الصحيح، يجب أن تؤمن أن حضور مجالس العلم و الدخول في الجماعة عملية تصحيح مسار، كلما شط بك الذهن، و كلما زلتك القدم، و كلما انحرفت قليلا جاء مجلس العلم فصحح المسار، الآن أنت عندك المركبة الفضائية من حين لآخر يصحح مسارها، و لولا ذلك لما وصلت إلى هدفها، فأنت في مجلس العلم يُصحّح مسارك دائما، هذه ليس فيها شيء، هذه أجازها الفقهاء، هذه فيها فتوى من العالم الفلاني، أما إذا كنت في جماعة فالجماعة بركة،و الجماعة رحمة، فيها سعادة، هناك دليل، هذا الصحابي سيدنا حنظلة
فعَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ قَالَ

(( وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ قَالَ قُلْتُ نَافَقَ حَنْظَلَةُ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ مَا تَقُولُ قَالَ قُلْتُ نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ فَنَسِينَا كَثِيرًا قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا ذَاكَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ثَلَاثَ مَرَّاتٍ))

(رواه مسلم)

 بربك ألا تشعر إذا كنت في مجلس العلم براحة نفسية و طمأنينة و بسعادة، هذا من إكرام الله لك في بيته، ألم يقل الله عز وجل في الحديث القدسي

(( إن بيوتي في الأرض المساجد، وإن زوارها هم عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني، وحق على المزور أن يكرم الزائر))

 أحد العارفين بالله التقى بشخص، يبدو أنه لما التقى به بكى هذا الشخص حبا، و الحديث معروف: أولياء أمتي إذا رأوا ذكر الله بهم، بكى هذا العارف بالله وقال:والله يا رب ما جاء لعندي، و لكن جاء لعندك فوجدني عندك، أنا ليس لي علاقة، هو جاء عندك يا رب، رآني في بيتك فأحبني، فأنت لما تشعر أنك عضو في جماعة، أنا في درس من دروس الأحد بيّنت كيف النبي عليه الصلاة و السلام مثَّل أن المؤمنين كأنهم في سفينة، مصيرك مصير الجماعة، تقول

(( لا دخل لي، من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، عليكم بالجماعة وإياكم - إياكم تفيد التحذير –
عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنْ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمْ الْجَمَاعَةَ مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكُمْ الْمُؤْمِنُ ))

 إذا الواحد انعزالي ويحب العزلة تنشأ معه أمراض نفسية و يتوهّم، أحد أمراض انفصام الشخصية أساسه العزلة، شدة الانعزال يبني أوهاما، هؤلاء أعداؤه، وهؤلاء يمكرون به، هؤلاء كذا، لكن لو كان مع الجماعة رحمة، طبعا الجماعة الصالحة، و ليس أي جماعة، والله هناك جماعة تنجِّس البحر، النبي الكريم في حديث صحيح وصف المؤمن بأنه مألف، هذا مصدر ميمي، أي يألف و يؤلف، يحب الناس، و يحبه الناس، يألفهم يألفونه، مرن ليِّن العريكة، يلتمس الأعذار للناس، ولا يستعلي عليهم، قال عليه الصلاة و السلام فيما رواه البيهقي في شعب الإيمان و أحمد

 

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْمُؤْمِنُ مُؤْلَفٌ وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَأْلَفُ وَلَا يُؤْلَفُ ))

 

(رواه أحمد)

 والحديث الذي تعرفونه جميعا،

((عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ ))

(رواه البخاري)

((عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْلِمُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِنْ اشْتَكَى عَيْنُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ وَإِنْ اشْتَكَى رَأْسُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ ))

(رواه مسلم)

 أما حديث البخاري، فعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ يَقُولُ قَالَ

((رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ))

(رواه البخاري)

 الآن ما دام الإنسان مفطور على حب الجماعة فمن قتل إنسانا فكأنما قتل من خلاله الجماعة كلها، معنى دقيق جدا، لو فرضنا إنسانا، ومن باب التمثيل ؛ طبيب من أشهر الأطباء و قد أجرى فيما مضى خمسة آلاف عملية ناجحة و معقدة جدا، و عمره أرعون أو خمسون سنة،و يمكن أن يعيش عشرين سنة بعدها، و يعمل مائة ألف عملية قادمة، فإذا جاء واحد وقتله ألم يقتل من خلال قتله مائة ألف إنسان، إذا كانت عملياته نادرة، و لا يوجد غيره، والأمراض وبيلة، لو فرضنا أنت طبيب مختص اختصاصا دقيقا و ليس له مثيل، وفي البلد مائة ألف حالة مرضية تحتاج إلى عملية جراحية على يد هذا الطبيب، فمن قتل هذا الطبيب ألم يقتل من خلال قتله مائة ألف إنسان، هذا المعنى أشار القرآن إليه، قال الله عز وجل:

 

﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً﴾

 

 

[سورة المائدة]

 لأن الله عز وجل أودع في الإنسان دافعا جماعيا، بشكل أصح، إذا إنسان خطأ دهس رجلا قيك أسرة، عنده أسرة شابة، و له ثمانية أولاد صغار، كلهم في الابتدائي، أنت من أجل الرعونة و الطيش تقود من شهادة، دهست هذا الإنسان ألم تقتل من خلال هذا الإنسان أولاده قتلا معنويا، لذلك بالمقابل: ومن أحياها - يا لطيف قال:

 

﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً﴾

 

 

[سورة المائدة]

 هذا المعنى الثاني دقيق جدا، إذا أنت إنسان أعنته و أكرمته و هديته و هذّبته وعرّفته بالله عز وجل حتى استقامت نفسه، حتى اطمأنت نفسه، حتى صار ورعا، و صار محبا، هذا الإنسان بعدما علّمته أنت و صار ناضجا، هذا أمِّي، وسيتزوج واحدة مؤمنة، و ينجب أولادا أطهارا، و إن كان معلما فسيكون محسنا في تعليمه، و سيكون داعيا، و إن كان طبيبا فسيخدم الناس، لذلك:

 

﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ﴾

 

 

[سورة المائدة]

 صدقوني يا إخوان أنا لا أبالغ في الأمر لو عندك تجارة القرش بمليون، لو تملك بناية مكل طابق ثمنه خمسون مليون، مائة طابق و كل طابق عشر شقق، في بعض المدن العظمى أبنية شاهقة، كل طابق ثمنه خمسون مليون، مائة طابق و كل طابق عشر شقق، لو أن الله عز وجل أجرى على يدك هداية إنسان، ع

((َنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُفْتَحُ عَلَى يَدَيْهِ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَبَاتَ النَّاسُ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَى فَغَدَوْا كُلُّهُمْ يَرْجُوهُ فَقَالَ أَيْنَ عَلِيٌّ فَقِيلَ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ فَبَرَأَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ فَأَعْطَاهُ فَقَالَ أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا فَقَالَ انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ))

(رواه البخاري)

 خير لك مما طلعت عليه الشمس، و خير لك من الدنيا وما فيها.
سأقول لكم كلمة يقولها الشيوخ: يقول الشيخ العارف بالله: واللهِ لا يصير المريد مريدا حتى تطلع عيون الشيخ بالطول و بالعرض " تجد له عشر سنوات، كل يومين وثلاثة لقاء و تحمل وأسئلة، وأجوبة وتجاوزات، ورعونات، ومرة يغيب، و مرة يغط، حتى يصير الإنسان ملازما ومريدا و صادقا، بقي لك المربي، لكن قصدي أنه " ومن أحياها لابد له أن يتحمل، ولا بد له من صدر رحب وطول بال، ولا بد من حلم، وتحمل شدائد، لابد لها تحمل نقد، ينتقدك أحيانا، أحيانا يحاسبك حسابا عسيرا، إذا صبرت إلى أن يستقيم هذا الإنسان هذه التجارة الرابحة، يقال: فلان بيته في الجنة، لماذا بيته في الجنة، لأن له بيت اشتراه بعشرين ألف ثم صار ثمنه ثلاثين مليونا مثلا، سوف يموت و يتركه، عنده أرض فصدر تنظيم أمامها، يقال: هذا صار فوق الريح، كله كلام فارغ، يأتي الموت فيصير كله تحت الريح، نزل في القبر، ولم يعد فوق الريح، أما الذي أجرى اللهُ عز وجل على يديه العملَ الصالح فهذا هو الغنى " الغنى و الفقر بعد العرض على الله " الغنى غنى العمل، أنا هذا الكلام أقوله وأعني ما أقول، أحب أن أحمّسكم، لا تقبل أن تستمع طول عمرك، أين كنت ؟ كنا في المسجد و الحمد لله، والله الدرس حلو، أين ذاهب ؟ واللهِ على الجامع، أين كنت ؟ في الجامع، عشر سنوات، عشرين سنة، ماذا نتج منك بعد ذلك، لم تستطع أن تهدي واحدا ؟ ترسخ الإيمان في إنسان، ما تمكنت في إخوانك و جيرانك أولادك أقربائك و زملائك وشركائك، و أولاد أختك، وأولاد أخيك، لم تتمكّن أن تهدي واحدا و تقنعه بالدين، وتهذبه، هذا الحديث إذا الواحد لا يغار فمشكلة،

 

((عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُفْتَحُ عَلَى يَدَيْهِ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَبَاتَ النَّاسُ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَى فَغَدَوْا كُلُّهُمْ يَرْجُوهُ فَقَالَ أَيْنَ عَلِيٌّ فَقِيلَ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ فَبَرَأَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ فَأَعْطَاهُ فَقَالَ أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا فَقَالَ انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ))

 

(رواه البخاري)

 خير لك مما طلعت عليه الشمس، و خير لك من الدنيا وما فيها.
هذه الآية أنا أتفاعل معها كثيرا ؛ قال تعالى:

 

﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ﴾

 

 

(سورة المائدة)

 أنت فقط اهد إنسانا واتركه، من باب الفرضية، لو فرضنا أن واحدا هدى إنسانا و مات، يوم القيامة رأى مائة ألف إنسانا مؤمنين، كلهم في صحيفتك، هذا الذي هديته تزوج وأنجب أولادا صالحين، و كان من نسله علماء و دعاة، على مدار مائتي سنة صار عنده مائة ألف، من يصدق أنك إذا هديت إنسانا واحدا ربما رأيت يوم القيامة أمة كلها اهتدت بسببك، والله نحن تجد أخا مؤمنا، هذا الأخ تغرب بعد شهرين أتى بأخيه، وابن عمه و شريكه و صاحبه، أنا أحيانا أجد أخا حوله عشرون، كلهم أتوا عن طريقه، نشيط وغيور، هذا الإناء متى يفيض ؟ إذا امتلأ، إذا لم يمتلئ لم يفض، إذا كان عندك نقص لا تفيض، أما إذا امتلأت ثم جاءك ما فوق الامتلاء فُضت على الناس، فمؤمن لا دخل لي، أو ليس فيه خير، هذا ليس جيد، هذا عقله ناشف، أعطى كل واحد صفة وارتاح، كلهم ليسوا جيدين وأنت الجيد وحدك ‍! أين الصبر و أين العطاء، فنحن أحيانا نجد دعوة إلى الله أساسها واحد أو اثنين، صارت مجموعة كبيرة جدا، لكن لا نريد التجمع على باطل، القضية قضية حق.
انظروا إلى إشارات ربنا عز وجل ؛ قال تعالى:

 

﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾

 

 

[سورة البقرة]

 بالله إذا الواحد عنده جيبان، هنا فيه خمسمائة، نزع الخمسمائة من هنا ووضعها هنا، هل يحاسبه من أحد ؟ الله يقول:

 

﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾

 

[سورة البقرة]

 هذا مالي، هذه الآية فيها إشارة رائعة، أي مال أخيك لأنكم أيها المؤمنون مجتمع واحد، فمال أخيك هو مالك، مالك أخيك قوة لك، مال أخيك هو مالك من حيث إنك يجب أن تحافظ عليه، و ليس لك، هكذا قال الله: مالكم، مال أخيك هو مالك من حيث إنه يجب أن تحافظ عليه، بما أنك مطالب أن تحافظ عليه لأنه مالك، فلأن تمتنع عن أكله فمن بأولى، هذا معنى الآية، هذا المعنى الأول، المعنى الثاني، إذا أكلت مال أخيك فضعف أصبحت ملزَما به، فكأنما أكلت مالك، إذا أنت مؤمن صادق، ولك أخ كان غنيا ومرتاح منه، ولست مرتاحا منه و لكنك تحبه، ليس له همٌّ عليك، و ليس عبئا عليك، فلو افتقر هذا الأخ و جاء فشكى لك همّه وأنت مؤمن لك ضمير حسَّاس، لم يبح همًّا على قلبك، لم يصبح عبئا عليك، فإذا كان مال أخيك وحافظت عليه، وأخوك اغتنى، فأنت ارتحت كذلك، فكأنك حافظت على مالك، فلو افتقر ينبغي أن تنفق من مالك من أجله، انظر إلى الآية ما أجملها:

 

﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾

 

[سورة البقرة]

 أي إذا أكلت مال أخيك فكأنما أكلت مالك، لأنه ضعف أخوك ضعفت معه، وإذا ضعف أخوك فأنت ملزم به، إذا ضعف أخوك كان الناس عبئا عليه، فأصبح عبئا على الناس، هذا المعنى، والمعنى الثاني: مال أخيك لأنك مؤمن، و المؤمنون إخوة، مال أخيك هو بمثابة مالك من حيث الحفاظ عليه، فلأن تمتنع عن أكله من باب أولى، هذه بلاغة القرآن.
الآية الثانية، قال تعالى:

 

﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾

 

 

(سورة الحجرات)

 ما معنى الآية ؟

 

﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾

 

 

 

 

(سورة الحجرات)

 الغمز و اللمز أن تحقر إنسانا، و لكن ما قال: و لا تحقروا إخوانكم، والله لم يقل: لا تحقروا غيركم، قال:

 

﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾

 

 

 

 

(سورة الحجرات)

 أي هذا أخوك إذا أهنته أهنت نفسك، مثلا: إنسان يتكلم عن أبيه فرضا أمام مجموعة، ويسخر من والده، ما الذي حصل ؟ كأنه سخر من نفسه، هذا أبوك،

 

﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾

 

 

 

 

(سورة الحجرات)

 الإنسان عصو في جماعة، فإذا أساء إليها فكأنما أساء إلى نفسه، واسمع الحديث ؛ أخرج النسائي وابن ماجة،

 

((عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ وَلَا بَدْوٍ لَا تُقَامُ فِيهِمْ الصَّلَاةُ إِلَّا قَدْ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ فَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ ))

 

(رواه النسائي)

 صل في المسجد، عوِّد نفسك أن تصلي في المسجد، و تعرف على إخوانك، صافح إخوانكم اسألهم عن حاجاتهم، تفقدهم.
الصحابة الكرام فيما رواى أبوداود عَنْ وَحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ

((عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَأْكُلُ وَلَا نَشْبَعُ قَالَ فَلَعَلَّكُمْ تَفْتَرِقُونَ قَالُوا نَعَمْ قَالَ فَاجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ ))

(رواه أبو داوود)

 تجد أسَرا، جاء الأب فتغدّى، ثم ذهب لينام، و أتى الأب على الساعة الثانية و النصف فأكل وحده، والبنت أتت فأكلت وحدها، وُضعت ثلاث وجبات ن لا تكفي الطبخة، لو أنهم اجتمعوا على الطعام لكفاهم نصف هذا الطعام، الأسرة يأكل كل فرد وحده، صنع الشاي فملأ الإبريق، وغلا الجبن وأكل وحده، شرب كأسين شاي و الباقي رماه، و جاء الثاني فصنع الشاي وصحن فول، بقي قليل فرمِي، لا البركة في تناول الطعام جماعة، هذا توجيه النبي الكريم، فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه.
وبعد ذلك هذا الذي يقول لك: الناس لا يتعاشرون، لن أزور أحدا، أحمق، قال عليه الصلاة والسلام،

 

((عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ عَنْ شَيْخٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْمُسْلِمُ إِذَا كَانَ مُخَالِطًا النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنْ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ ))

 

(رواه الترمذي)

 إذا خالطتهم و آذوك و صبرت على أذاهم أنت أفضل ألف مرة ممن لم يخالطهم و لم يصبر على أذاهم.
 كل هذه الأحاديث تفيد تأكيد الدافع الجماعي في الإنسان، وهناك شيء مهم جدا، الجماعة تحتاج إلى قيادة، طيب ما قولك أن أمة عربية عريقة من زعماء قريش، قال النبي الكريم، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم

((َ قَالَ اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ اسْتُعْمِلَ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ ))

(رواه البخاري)

 نظام الجماعة يقتضي وجود قيادة، فأنت مدرس في ثانوية، أنت معك ليسانس و ديبلوم تربية وأخذت امتيازا، و جيد جدا، ومن عائلة راقية، ووجدت المدير أقل منك، لا بد أن تستعلي عليه ؟ هذا نظام، وهذا مديرك لا بد أن تحترمه، ولا بد أن تنفذ أمره، هكذا نظام الجماعة، والنبي علّمنا إذا الواحد ذهب إلى النزهة إن كنتم ثلاثة فأمروا أحدكم، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ

(( مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ يَعْصِنِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَمَنْ يُطِعْ الْأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ يَعْصِ الْأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي ))

(رواه البخاري)

((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ اسْتُعْمِلَ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ ))

(رواه البخاري)

 هناك حديث أبلغ من ذلك ؛ روى الإمام مسلم

((عَنْ أُمِّ الْحُصَيْنِ قَالَتْ حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ فَرَأَيْتُهُ حِينَ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَانْصَرَفَ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَمَعَهُ بِلَالٌ وَأُسَامَةُ أَحَدُهُمَا يَقُودُ بِهِ رَاحِلَتَهُ وَالْآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الشَّمْسِ قَالَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلًا كَثِيرًا ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ إِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ مُجَدَّعٌ حَسِبْتُهَا قَالَتْ أَسْوَدُ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا ))

(رواه مسلم)

 أي مقطع الأطراف، سمعتم أن أميرا جزء فقط، لا يدين و لا رجلين، جزء فقط، هل هناك إنسان مثل هذا ؟ هذه مبالغة، إن أمر عليكم عبد مجدع -أي مقطع الأطراف - يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، كان الأحنف بن قيس قصير القامة أسمر اللون مائل الذقن ناتئ الوجنتين ضيق الجبين أحنف الرجل، ليس شيء من قبح المنظر إلا وهو آخذ منه بنصيب، و كان مع ذلك سيد قومه، إذا غضب غضب لغضبته مائة ألف سيف لا يسألونه فيما غضب - معه - و كان إذا علِم أن الماء يفسد مروءته ما شربه.
 مرة كان عند أحد الخلفاء و كان المجلس مجلس أخذ البيعة لابنه لابن هذا الخليفة، فكل من حضر أثنى و أفاض في الثناء على هذا الابن،و قد يثني الناس بما ليس فيه، وهو بقي ساكتا، فقال له الخليفة: يا أحنف تكلم، لم أنت ساكت، قال له: أخاف الله إن كذبت، وأخافكم إن صدقت، فكانت كناية أبلغ من تصريح " عَنْ أُمِّ الْحُصَيْنِ قَالَتْ حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ فَرَأَيْتُهُ حِينَ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَانْصَرَفَ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَمَعَهُ بِلَالٌ وَأُسَامَةُ أَحَدُهُمَا يَقُودُ بِهِ رَاحِلَتَهُ وَالْآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الشَّمْسِ قَالَتْ

((فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلًا كَثِيرًا ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ إِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ مُجَدَّعٌ - أي مقطع الأطراف - حَسِبْتُهَا قَالَتْ أَسْوَدُ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا ))

(رواه مسلم)

 بقي علينا الحديث الذي قلته قبل قليل

((عَنْ أُمِّ الْحُصَيْنِ قَالَتْ حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ فَرَأَيْتُهُ حِينَ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَانْصَرَفَ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَمَعَهُ بِلَالٌ وَأُسَامَةُ أَحَدُهُمَا يَقُودُ بِهِ رَاحِلَتَهُ وَالْآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الشَّمْسِ قَالَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلًا كَثِيرًا ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ إِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ مُجَدَّعٌ - أي مقطع الأطراف -حَسِبْتُهَا قَالَتْ أَسْوَدُ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا ))

(رواه مسلم)

 بالمقابل: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، روى البخاري ومسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

((عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ ))

(رواه البخاري)

 قد يأتيك أمر ممن هو فوقك لا تحبه، تكرهه، عليك أن تطيعه، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع و لا طاعة، لا طاعة في معصية،

(( عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً فَاسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ فَغَضِبَ فَقَالَ أَلَيْسَ أَمَرَكُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُطِيعُونِي قَالُوا بَلَى قَالَ فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا فَجَمَعُوا فَقَالَ أَوْقِدُوا نَارًا فَأَوْقَدُوهَا فَقَالَ ادْخُلُوهَا فَهَمُّوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضًا وَيَقُولُونَ فَرَرْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النَّارِ فَمَا زَالُوا حَتَّى خَمَدَتْ النَّارُ فَسَكَنَ غَضَبُهُ فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَوْ ))

(رواه البخاري)

 هذا كلام النبي عليه الصلاة و السلام.
الآية الدقيقة ؛

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59)﴾

 

 

[سورة النساء]

 هذه الآية دقيقة جدا وتعد أصلا من أصول الدين، سوف نشرحها بإذن الله عز وجل.