موضوعات في التربية - الدرس : 050 - إحياء علوم الدين5 - المحبة.

1992-09-21

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الأكارم... مع الدرس الخامس من دروس إحياء علوم الدين، في الدروس السابقة تحدَّثنا عن موضوع المحاسبة، كما ورد في إحياء علوم الدين، وعن موضوع المحاسبة وموضوع المراقبة، وتذكر الموت، وعن موضوع التفكر، هذه الأبواب الأربعة ؛ المحاسبة، والمراقبة، وذكر الموت، والتفكر في خلق السماوات والأرض هذه الموضوعات عقدت في الجزء السادس من إحياء علوم الدين.
 أما في الجزء الخامس، من أبرز موضوعاته، بل من أخطرها، بل من أشدها لصوقاً بالمؤمن قال: " كتاب المحبة، والشوق، والأنس، والرضا، لفت نظري في مقدمة الكتاب هذه الأسطر، يقول أبو حامد الغزالي، في كتاب المحبة والشوق والأنس والرضا من الجزء الخامس من إحياء علوم الدين، يقول: إن المحبة لله هي الغاية القصوى، من المقامات، والذروة العليا من الدرجات، فما بعد إدراك المحبة مقام، إلا وهو ثمرة من ثمارها، وتابع من توابعها، كالشوق والأنس والرضا، ولا قبل المحبة مقام إلا وهو مقدمةٌ من مقدماتها كالتوبة والصبر والزهد وغيره ".
 يعني الغاية القصوى، ذروة المقامات، أعلى الدرجات، غاية الغايات، محط الرحال، منتهى الأمل، أن تحب الله عز وجل، فأي مقامٍ بعد هذا المقام ثمرةٌ من ثمار هذا المقام، إذا أحببت الله أنست به، إذا أحببت الله اشتقت إليه، إذا أحببت الله لزِمت بابه، إذا أحببت الله أقبلت عليه، إذا أحببت الله خدمت عباده، إذا أحببت الله أكثرت من ذكره، إذا أحببت الله فعلت الخيرات تقرُّباً له، ذروة المقامات، وأعلى الدرجات، وغاية الغايات، ونهاية السُّلَّم، ما بعده مقام إلا وهو ثمرة له، ولا قبله مقام إلا وهو مقدّمة له ؛ التوبة، الزهد، الصبر، الإنابة، لأن هذا المقام أعلى المقامات، مقام الأنبياء.. " ألا لا إيمان لمن لا محبة له، ولا دين لمن لا عهد له ".
 يعني لن تسعد في الجنة إلا إذا أحببت الله عز وجل، لن تستقيم على أمره إلا إذا أحببته، لن تشتاق إليه إلا إذا أحببته، الحُب هو كل شيء، الإنسان عقل يدرك، وقلب يحب، والعقل في خدمة القلب، أو العقل أميرٌ على القلب، والدليل " أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً ". كلما نما عقلك ازداد حبك، وازداد خوفك من انقطاع الصلة مع محبوبك، لهذا قال عليه الصلاة والسلام:

(( رأس الحكمة مخافة الله ))

 ماذا أقول لكم ؟ علم قليل مع الحب علم مبارك، حظ من الدنيا قليل مع الحب دنيا مباركة، زوجة ليست على ما يرام مع الحُب لله عز وجل، حياة أسرية سعيدة، فكأن الحب تيَّارٌ كهربائي يسري في هذه الأجهزة ؛ فالمروحة تدور، والبراد يبرِّد، والمكيِّف يعمل، والمكواة تعمل، كل شيء يعمل بهذا المحرك، لذلك إسلام بلا حب جسد من دون روح، جثة هامدة، إسلام بلا حب مركبةٌ بلا محرك، العقل مِقْوَد، أما الحب محرك، لخطورة هذا الموضوع، ولأنه غاية الغايات، ولأن الحب أعلى المقامات، ولأن الحب نهاية المطامح والآمال، وما من مقامٍ بعد الحب إلا وهو ثمرة من ثماره، وما من قبل الحب إلا هو مقدمةٌ له، وإن لم يخفق قلبك بحب الله فلست من الأحياء.
 من لوازم الحي أنه يحب، والبطل هو الذي يعرف مَن يحب، إذا أحب الدنيا فهي فانية، إذا أحب امرأة فهي فانية، إذا أحب بيتاً أو بستاناً أو مقصفاً فهو فانٍ، لكنه إذا أحب الله عز وجل فهو الحيّ الذي لا يموت، هذه مقدمة، سؤال الآن: هل في الكتاب والسنة ما يؤكِّد أن الحب هو أعلى المقامات ؟ اسمعوا، قال تعالى يصف المؤمنين بأنهم:

 

﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾

 

 

( سورة المائدة: من آية " 54 " )

 حب..

 

﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾

 

( سورة المائدة: من آية " 54 " )

 يصف المؤمنين بأنهم:

 

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾

 

 

( سورة البقرة: من آية " 165 " )

 وصفهم بالحب، ووصفهم بتفاوت الحب، الإنسان يحب، لكن المؤمن كل حبه لله عز وجل، حبه الشديد لله عز وجل أعلى درجات حبه لله عز وجل..

 

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا﴾

 

 

(سورة البقرة: من آية " 165)

 نحن مع القرآن، الله جل جلاله أثبت الحب للمؤمنين وأثبت التفاوت في هذا الحب، فإن أحببت كذا وكذا وكذا، فالله ورسوله أحب إليك من كل شيء، النبي عليه الصلاة والسلام قيل له: يا رسول الله ما الإيمان ؟ قال:

 

(( أن يكون الله ورسوله أحب إليك مما سواه ))

 

 سؤال صغير: الآن يقول لك: أنا أحب الله عز وجل، لو سألت هذا السؤال لكل الناس من دون استثناء: أتحب الله ورسوله أكثر أم الزوجة ؟ يقول لك: أعوذ بالله، الله ورسوله. هذا كلام فارغ، المحك حينما تطيع جهة غير الله عز وجل وتعصي الله، فأنت قولاً واحداً تحب هذه الجهة أكثر من الله ورسوله، المحك هو الطاعة.
 أحياناً تأتيك ضغوط ؛ ضغط من شريك لإيداع المالِ في المصرف، وإن لم تفعل فصم معك الشركة، فأنت إذا كنت تحب الله ورسوله أكثر من هذه التجارة، ومن هذا الشريك، ومن هذا العمل، ومن هذه الأرباح، تقول له: لا أفعل وليكن ما يكن، لأن الله ورسوله أحب إليك مما سواهما.
 لو أن امرأة ضغطت علك في شيء لا يرضي الله تقول لها: اعلمي أيتها المرأة أن الجنة من الحور العين ما لو أطلت إحداهن على الأرض لغلب نور وجهها ضوء الشمس والقمر، فلأن أضحي بك من أجلهن أهون من أضحي بهن من أجلك. وانتهى الأمر، المؤمن ليس عنده مشكلة، ما عنده صراع، الله ورسوله أحب إليه مما سواهما..

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾

 

( سورة الأحزاب: من آية " 36" )

 مستحل هذا، من رابع المستحيلات، أو من خامس المستحيلات، أو من سابع المستحيلات، أو من عاشر المستحيلات..

 

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

 

 

( سورة الأحزاب: من آية " 36" )

 هذا حديث: يا رسول الله ما الإيمان ؟ قال:

 

(( أن يكون الله ورسوله أحب إليك مما سواهما ))

 في حديث آخر:

 

 

(( لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ))

 في حديث ثالث:

 

 

((لا يؤمن العبد حتى أكون ـ النبي ـ أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين ". وفي رواية: " ومن نفسه ))

 كيف من نفسه، كان يقف الصحابي الجليل يقول: يا رسول الله نحري دون نحرك، صدري دون صدرك، رأى حياة النبي أغلى عليه من حياته، رأى سلامة النبي أغلى عليه من سلامته.
 هذه المرأة الأنصارية، والله حينما أروي قصتها أقف خاشعاً لها، مات أبوها في أحد، وابنها وأخوها وزوجها وتقول: ما فعل رسول الله ؟ ولم يهدأ لها بال حتى رأت النبي عليه الصلاة والسلام، فلما رأته قالت: يا رسول الله كل مصيبة بعدك جلل.
 ما دمت حباً فالقضية سهلة، مصيبتي سهلة، هذا الحب، الكلام فيه سهل جداً، الكلام عن الحب سهل، سهل جداً، لكن البطولة في تحقيق هذه المعاني في أنفسنا، تقول: ألف مليون، سهلة، أقول لك: ألفين مليون، ثلاثة آلاف مليون، مليون، مليون، مليون، مليون، ولكن كم معك أنت من الليرات ؟ خمسة ليرات فقط، الحديث سهل، الحديث عن الحب سهل جداً وجميل، ولكن البطولة في تحقق هذا الحب في قلب المؤمن، والطريق واضح، الطريق طاعة الله عز وجل.
وفي الحديث الثالث:

 

 

(( لا يؤمن العبد حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين ".. وفي رواية: " ومن نفسه ))

 ـ قال: كيف أصبحت يا عمر ؟
ـ قال: والله أحبك أكثر من أهلي ومالي وولدي والناس أجمعين إلا ـ صريح ـ نفسي التي بين جنبي.
ـ قال: لما يكمل إيمانك يا عمر. رآه مرة ثانية قال: كيف أصبحت يا عمر ؟.
ـ قال: أصبحت أحبك أكثر من أهلي ومالي وولدي والناس أجمعين حتى نفسي التي بين جنبي.
ـ قال: الآن يا عمر. هذا المؤمن.
قال تعالى:

 

 

﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾

 

 

(ورة التوبة: من آية " 24 " )

 يعني الطريق إلى الله مغلق، ليس سالكاً، ما دام هناك شيءٌ أحبَّ إليك من الله عز وجل فالطريق إلى الله مغلق..

 

﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)﴾

 

 

( سورة التوبة: من آية " 24 " )

 والله أيها الإخوة، هذه الآية وحدها لو تحققنا منها لكنا أناساً آخرين، الله عز وجل يخبرنا:

 

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾

 

 

( سورة التوبة: من آية " 24 " )

 أي إذا حملكم أبوكم، أو أخوكم، أو ابنكم، أو زوجتكم، أو عشيرتكم، أو مال وفير، أو مسكن طيب، حبكم لهذه الأشياء إذا حملكم على أن تعصوا الله عز وجل..

 

﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

 

 

( سورة التوبة: من آية " 24 " )

 أي أحببتموها أكثر من الله، والدليل أنكم أطعتم هؤلاء وعصيتم الله، فتربصوا، يعني حبكم لها حملكم على الفسق..

 

﴿بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)﴾

 

 

( سورة التوبة: من آية " 24 " )

 الآن أيها الإخوة... نحن مأمورون أن نحب الله عز وجل، والدليل، قال عليه الصلاة والسلام، وهو لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى:

 

(( أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني لحب الله إياي، وأحبوا آل بيتي لحبي، قالوا: مَن هم آل البيت ؟ قال: كل تقي من آل البيت ))

 كل تقي من آل بيت رسول الله:

 

 

(( أنا جد كل تقي ولو كان عبداً حبشياً ))

 في معاني بنفسي لا أدري كيف أعبر عنها، الإسلام بسيط جداً، لا يحتاج إلى تعقيد، نحن عقَّدناه، يكفي أن تتجه إلى الله، يكفي أن ترى أن كل هؤلاء الناس الذين أمامك هم عباد الله، يكفي أن تتقرَّب إلى الله بخدمة عباده، يكفي أن تؤدّي الصلاة الخمس، يكفي أن تستقيم على أمره، يكفي أن تذكره، يكفي أن تتلو كتابه، عندئذٍ يلقي في قلبك النور، يلقي في قلبك الحبور، يلقي في قلبك حبه، وحب نبيه، وحب المؤمنين، فإذا أنت إنسان آخر.
 رجل قال:
ـ يا رسول الله إني أحبك، والله إني أحبك.
ـ قال: انظر ما تقول ـ دقق، هذه كلمة خطيرة ـ
ـ قال: والله إني لأحبك.
ـ قال: انظر ما تقول ؟
ـ قال: والله إني لأحبك.
ـ قال: إن كنت صادقاً فيما تقول فاستعد للفقر.
 بالطبع الحديث يحتاج إلى شرح طويل، ليس معنى الحديث أن كل من أحب النبي كان فقيراً، لا، لكن مَن أحب النبي وجاءته صفقة مشبوهة يقول: لا، إني أخاف الله رب العالمين، فالذي أحب النبي من أجل تطبيق سنته ربما ضاع عليه مال كثير، ودنيا عريضة، تجارة فيها شبهة، هو يحب رسول الله، والذي يحب النبي يتبع سنته، إذاً يقول والله باعتذار، والله اليوم زارني أخ عرضوا عليه شركة جيدة جداً، التمويل جاهز، والمحل جاهز، والأرباح طائلة، والسقف غير محدود، ولكن الذي سيموّل هذه الشركة سيأخذ قرضاً من المصرف بفائدة، قال له: ليس فيها شيء، كن مرن. قال له: الله غني، السلام عليكم. ليس معناها كل من أحب النبي كان فقيراً، لا، ولكن معناها إذا أحببت النبي، من علامات حبك له تطبيق سنته، فإذا عرض عليك إنسان مشروعاً فيه شبهة ربا، فيه مخالفة للشرع، فيها بضاعة محرمة، لا ترضى بها، لابد من أن يفوتك مال كثير من اتباع سنة النبي، يأتيك مال وفير من جهة أخرى، بالبداية لابد من الامتحان..

 

 

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2)﴾

 

 

( سورة العنكبوت)

 ـ فقال هذا الرجل: إني أحب الله تعالى.
ـ قال: إذاً فاستعد للبلاء.
ادعاء الحب القضية جميلة جداً أن تقول: أنا أحب الله، والله هذا شيء سهل..

 

كل يدعي وصلاً بليلى  وليلى لا تقر لهم بذاك
* * *

 أن تدعي أنك تحب الله قضية سهلة جداً، لكن يضعك الله في موقف حرج، إما أن تطيعه، وإما أن تطيع زيداً أو عُبيداً، ضغط، تعرض لك شهوة عاجلة ؛ إما أن تستجيب لها، وإما أن تقول: إني أخاف الله رب العالمين، فإذا قلت: إنني أحب الله. هناك ابتلاء وامتحان، وإذا قلت: إني أحب رسول الله. هناك تفويتٌ لفرص كثيرة.
 في شاب من الصحابة الكرام، تقريباً بمنطق العصر ابن شخص غني، يتكلم التجار أحياناً يقول لك: يحكي بسبعمائة مليون، يحكي بثلاثمائة مليون وليس ليرة سورية يقول لك بالدولار، ينبهك ليس بالليرة السوري، شخص بهذا الغنى وعنده شاب وحيد، كم هذا الشاب مدلل، طعامه، شرابه، ثيابه، أناقته، حاجاته، شاب وحيد وأب غني مليء يحب هذا الشاب، هذا هو مصعب بن عمير، من أغنى شباب قريش، من أكثرهم رفاهاً من أكثرهم نعومة ؛ نعومة في ثيابه، في طعامه، في شرابه، هذا عندما آمن برسول الله، طرده أهله، وحرموه كل شيء، فكان من أفقر الشباب.
 فيبدو أن النبي عليه الصلاة والسلام نظر إلى مصعب بن عمير مقبلاً وعليه ثياب خشنة، ثياب خشنة رخيصة جداً، قد تنطق به، الثياب تنطق بفقره، واحد كان عايش بأعلى درجة من الرفاه، من الأناقة، من الثياب، من الطعام الطيب، فجأة حرمه أبوه كل شيء، وجعله مشرَّداً، نظر النبي إليه، فقال عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( انظروا إلى هذا الرجل الذي نور الله قلبه، لقد رأيته بين أبويه يغذوانه بأطيب الطعام والشراب، فدعاه حب الله ورسوله إلى ما ترون ))

 

(من تخريج أحاديث الإحياء: عن " عمر " )

 انظروا حب الله ورسوله، طبعاً امتحان، نحن ضعاف الله عز وجل يمتحننا ولكن لا يطول امتحانه رأساً يعوض علينا، لكن يبدو أن الصحابة الكرام لهم مقامات عليا، لماذا هذا الشاب يرتدي هذه الثياب الخشنة ؟ لماذا هو جائع ؟ لأنه آمن بالله وأحب الله ورسوله، فإذا أحدنا لأنه آمن بالله ضاعت منه وظيفة، أو ضاعت منه تجارة، أو ضاع منه عمل، أيندب حظه ؟ هذا وسام شرف، وسام شرف لك، فالنبي عليه الصلاة والسلام لما نظر إلى مصعب بن عمير مقبلاً وعليه إهاب خشن قد تنطق به، قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( انظروا إلى هذا الرجل الذي نور الله قلبه، لقد رأيته بين أبويه يغذوانه بأطيب الطعام والشراب، فدعاه حب الله ورسوله إلى ما ترون))

 

( من تخريج أحاديث الإحياء: عن " عمر " )

 أهل الكهف، الذي تقرءون قصتهم في القرآن الكريم، أين كانوا يعيشون ؟ في قصور الملك، ملك البلاد الأقوام الذين عاشوا قديماً جداً في هذه البلاد كانوا في أعلى درجات العز والرفاه، أهل الكهف كانوا يعيشون في قصر الملك، فلما آمنوا بالله عز وجل، لجئوا إلى الكهف..

 

﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً (16)﴾

 

 

( سورة الكهف)

 أنت أحياناً ممكن أن تخسر شيء من الدنيا إذا كنت أحببت الله ورسوله، لكن العطاء كبير جداً.
 إبراهيم عليه السلام قال لملك الموت، إذ جاء لقبض روحه قال: "يا ملك الموت هل رأيت خليلاً يميت خليله ؟! معقول ؟ قال فأوحى الله تعالى إليه: هل رأيت محباً يكره لقاء حبيبه ؟!! هذا كان الرد، يا رب معقول هل رأيت خليلاً يميت خليله ؟! قال له قل له: هل رأيت محباً يكره لقاء حبيبه ؟!! فقال إبراهيم: يا ملك الموت الآن فاقبض إذاً. إذاً غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه.
السيدة فاطمة قالت للنبي الكريم قبل أن يموت: واكربتاه يا أبتِ. قال: لا كرب على أبيك بعد اليوم.
أحياناً الإنسان يكون بالحياة متعَب، مثقَل، ساعة بالعبادات، ساعة بالدعوة إلى الله، ساعة بحل مشاكل الناس، يجد معارضات، يجد خصوم، يجد حساد، هناك من يتهمه ظلماً وزوراً، هناك صعوبات، هناك مشَقَّات، فإذا جاء ملك الموت ليقبض روح المؤمن، يشعر بشعور لا يوصف، غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه.
 تراودني نفسي أقول لكم قصة سمعتاه اليوم، وتأثرت بها تأثر كثير، كنا في دعوة بمناسبة وفاة امرأة، فأحد المدعوين حدثنا عن زوجته المتوفاة، أنا يغلب على ظني أنه صادق، لأن جالسين أولادها وجالسين أقربائها وكلهم كانوا يصدقونه، امرأة يكاد لا يوجد في بلدة كبيرة طويلة عريضة امرأة تشبهها، مشغوفةٌ بحب اله عز وجل، صلاة الليل، وتلاوة القرآن في أسبوع، كل أسبوع ختمة، وتؤدي واجباتها تجاه زوجها أعلى أداء ؛ الاحترام، والتقدير، والخدمة، ثم إنها تعرض نفسها عليه، ولا تفعل شيئاً إلا بإذنه، يقول زوجها: والله حينما أنظر إلى وجهها حينما تقرأ القرآن أشعر كأنها شمس.
 قبل أن تموت بأيام قالت له: كأنها اختارت الرفيق الأعلى، وذهبت وودَّعت أولادها، وبناتها وأقربائها واحداً واحداً، ثم توفاها الله بأحلى حال، يقول زوجها: بقيت معها خمسة وثلاثين سنة ما ساء تني ليلة واحدة، وأنا أتهيّبها لأنها تقوم بأعلى درجات الزوجة، كواجبات، وهي في أسعد أحوالها، جاءها بمبلغٌ من المال لإرث أصابها، وزعته كله لله عز وجل، ولم تنل منه شيئاً، كانت تحض زوجها على أن يقدم خروفاً كل أسبوع للفقراء، له مزرعة تحضّه على أن يعطي كل ثمارها للفقراء لطلاَّب العلم، تقول له: لو دعوت أهل العلم كل يوم لوجدتني خادمةً لهم، أنا استمعت إلى حديثه خلال ساعة أو ساعتين، وهي ليست متعلمة، قلت: والله تضع عشرات المتعلمين في طرف جيبها، شيء عجيب، هذا الحب، هكذا يفعل الحب.
 لا تتحرك حركة من دون رضاه، إذا دخل إلى البيت، وقفت وسلَّمت عليه بمنتهى الأدب، وكل شيء تقول له: أتأذن لي. ومع ذلك تمضي أطول ليلها في الصلاة، وأطول نهارها في تلاوة القرآن، وتقدم أعلى درجة من واجباتها الزوجية، ولكنه قال: والله أنها أعلى مني بآلاف المرَّات، فهو يشعر أنه صغير جداً أمامها، توفيت ابنتها، قالت له: هذا قضاء الله وقدره، إياك أن تقول كلمة قل " لا حول ولا قوة إلا بالله " كأنها هي الرجل. شيء عجيب هذا الإنسان إذا عرف الله عز وجل صار إنسان آخر، ما قيمة الدنيا، ما عبأت بالدنيا إطلاقاً ؟ لا تعبأ لا بطعام، ولا بشراب، ولا بلباس، ولا بثياب، ولا تسمح لأحد أن يقول كلمة غيبةٍ أو نميمة، بل تقول: اذكر الله.
 قال لي: جاءه صديقٌ ومعه زوجته وهي من أشد النساء تهتُّكاً، فدخلت لعندها قال له: ما قولك أن زوجتي الآن تقنع زوجتك بأن تتحجَّب، قال له: والله هذا من سابع المستحيلات، عندي وحدة عنيدة. أقسم بالله في زيارة واحدة خرجت وهي محجبة، أعطتها حجاب، وحتى الآن بقيت محجبة، قوة تأثير، هذه القوة تأتي من اتصالها بالله عز وجل، هذا الإيمان يا أخوان. فأنا شعرت زوجها قال: والله حرام علي أن أتزوج امرأة بعدها، قلت له: لماذا ؟ قال لي: لا يمكن أن أرتاح مع امرأة غيرها. ما هذه الأخلاق ؟!! هذا الإيمان، هذا الحب.
 وهي ليست مثقَّفة، قال لي: أحضر مجلس وعلم، وأذكرها لها، تكمل الآية عني، تكمل الحديث، هذه غلط، هذه صواب، الله فاتح بصيرتها، حدثني عنها طوال الوقت، قلت له: والله تعطَّر هذا المجلس بذكرها، أنا شعرت بسرور ما له حدود، يمكن اختياري لهذا الموضوع بهذا السبب، اخترت موضوع الحب لتأثري الشديد، هو قال لي أول شيء: أنا عندي زوجة هي رابعة العدوية لهذا العصر. سبحان الله !! فالمرأة كالرجل تماماً..

 

﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾

 

 

( سورة آل عمران: من آية " 195 " )

 لماذا كانت امرأة فرعون مؤمنة ؟ فرعون، قال: أنا ربكم الأعلى ما أرى لكم من إلهي غيري، يذبح أبناءهم، ويستحي نساءهم، ليؤكد الله لنا أن المرأة مستقلة في اختيارها عن زوجها، يمكن أن تبلغ إلى أعلى درجات الإيمان ولو كان زوجها كافراً.
 الذي لفت نظري بهذه المرأة أن شدة طاعتها لله عز وجل وإقبالها على الله، قال لي: والله تطبخ والمصحف في يدها، في المطبخ والمصحف في يدها، تقرأه كل أربعة أو خمسة أيام مرة، مداومة على ذكر الله، لفت نظري على الرغم من انشغالها بكل هذه العبادة ؛ من صلاة، وذكر، واستغفار، وتلاوة قرآن، ما شغلت عن حقه أبداً، قال لي: مرة ثلاثة أيام زارت أمها كانت مريضة، جاءت بعد الأيام الثلاثة تقول له: سامحني، أنا قصَّرت في حقك، لعلك بحاجة إلي في هذه الأيام الثلاثة، هو الزوج يتكلم ويبكي. هذا هو الإيمان، الإنسان عندما يؤمن أصبح ألماس، لما يؤمن أصبح إشعاع من النور، مصدر ثقة، مصدر حبور.
 أنا قلت لكم: غلب على ظني أنه صادق، لأن أولادها جالسون، وكلهم يؤكِّد كلامه، وحدثنا طوال الجلسة عن زوجته، وهي متوفاة ؛ عن فضائلها، عن تواضعها، عن خدمتها، عن عفتها، عن استقامتها، عن طاعتها له، عن أدائها لواجباتها الزوجية، عن أدبها الجم، حتى أنه ذكر أشياء لا تذكر العادة، لا يمكن إذا كان هناك مناسبة تحتاج بعدها إلى غسل إلا أن تقرأ القرآن أولاً، وتصلي ركعتين، لعل الله يهبهما ولداً صالحاً، على السنة أبداً، ما هذه الاهتمام، هذا الحب، إذا أردت أن تحب هذا هو الحب، إذا أحببت الله تألقت، أصبحت مشعاً، يقولون لك: معدن مشع، قوة تأثير. طوال الدرس تراودني أذكر القصة أم لا أذكرها ؟ فذكرتها لكم، غلبتني نفسي وحدثتكم بها.
 قال نبينا عليه الصلاة والسلام في دعائه:

 

(( اللهم ارزقني حبك، وحب مَن أحبك، وحب ما يقربني إلى حبك، واجعل حبك أحب إلي من الماء البارد ))

 

( من تخريج أحاديث الإحياء: عن " معاذ " )

 قال جاء أعرابي قال:
ـ يا رسول الله متى الساعة ؟
 ـ قال: ما أعددت لها ؟ هذا جواب ذكي جداً، إذا إنسان أحرجك أنت رد عليه بسؤال محرج، قال أحد القضاة أعداء أبي حنيفة وهو عند المنصور، أراد أن يحرجه بقوله:
ـ إذا أمرني المنصور ـ المنصور جالس وهو الخليفة ـ بقتل امرئٍ أأقتله أم أتريس فلعله مظلوم ؟
ـ فقال أبو حنيفة: الخليفة على الحق أم على الباطل ؟ والمنصور قاعد.
ـ قال له: على الحق.
ـ قال له: كن مع الحق. فقال لما خرج: أراد أن يقيدني فربطته.
فالنبي عليه الصلاة والسلام سأله أعرابي قال له:
ـ يا محمد متى الساعة ؟
ـ قال له: ماذا أعددت لها، ماذا هيأت لها ؟.
ـ فقال: ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام إلا أني أحب الله ورسوله.
ـ قال له عليه الصلاة والسلام: المرء مع من أحب.
 بقيت لنا عدة نصوص من الدرس، سيدنا الصديق يقول: " من ذاق من خالص محبة الله تعالى، شغله ذلك عن طلب الدنيا، وأوحشه عن جميع البشر".
 وقال الحسن رضي الله عنه: " من عرف ربه أحبه، ومن عرف الدنيا زهد فيها، والمؤمن لا يلهو حتى يغفل ـ إذا غفل عن الله يلهو ـ فإذا تفكر حزن".
وقال الداراني: " إن من خلق الله خلقاً ما يشغلهم الجنان وما فيها من النعيم عنه، فكيف يشتغلون عنه بالدنيا ؟ ".
 وقال بعضهم: " المؤمن إذا عرف ربه أحبه، وإذا أحبه أقبل عليه، وإذا وجد حلاوة الإقبال إليه لم ينظر إلى الدنيا بعين الشهوة، ولم ينظر إلى الآخرة بعين الفترة ".
وقال يحيى بن معاذ: عفوه يستغرق الذنوب، فكيف رضوانه ؟ ورضوانه يستغرق الآمال، فكيف حبه ؟! وحبه يدهش العقول، فكيف وده؟!! ووده ينسي ما دونه، فكيف لطفه

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً (96)﴾

 

 

( سورة مريم)

 ورد في بعض الكتب: " أن عبدي أنا وحقك لك محبك، فبحقي عليك كن لي محباً ".
 قال يحيى بن معاذ: " مثقال خردلةٍ من الحب ـ أي تنزل من عينك دمعة واحدة لا أنك خائف، دمعة حب، أن تبكي بشعورٍ من مشاعر الحب ـ أحب إلي من عبادة سبعين سنة بلا حب ". سبعين سنة بلا حب، أفضل منها مثقال خردلة من الحب.
 ناجى بعضهم ربه قال: " يا إلهي إني مقيم بثنائك، مشغول بثنائك صغيرٌ أخذتني إليك، وسربلتني بمعرفتك، وأمكنتي من لطفك، ونقَّلتني في الأحوال، وقلَّبتني في الأعمال، ستراً، وتوبة، وزهداً، وشوقاً، ورضاً، وحباً، تسقيني من حياضك، وتلهمني من رياضك، ملازماً لأمرك، مشغوفاً بقولك، ولما طَرَّ شاربي، ولاح طائري فكيف أنصرف عنك كبيراً وقد اعتدت منك هذا صغيراً ؟!
أي إذا أخ من الإخوان الكرام ليس له مع ربه مناجاة، ليس له مع ربه ساعة إقبال، ساعة رجاء، ساعة سؤال، ساعة ذكر، لا يسعد بلقاء الله عز وجل، والله يحتاج إلى علم طويل.
إن شاء الله في موضوع الدرس القادم إن أحيانا الله، موضوع دقيق جداً، الإنسان ماذا يحب ؟ أي قوانين الحب..
* أول قانون: يحب نفسه.
* ثاني قانون: يحب مَن أحسن إليه.
* ثالث قانون: يحب المُحسن ولو لم يحسن إليه.
* رابع قانون: يحب الجميل.
* خامس قانون: يحب من شابهه في الكمال.
 هذه قوانين الحب، ومعها إن شاء الله تعالى في الدرس القادم ومعها في التفاصيل، الإنسان مَن يحب ولماذا يحب ؟ فإذا تذكَّرتم أن الله وحده تجتمع فيه كل هذه القوانين، إذاً كل إنسان لا يحب الله وحده في عقله خلل، هذا موضوع الدرس القدم، ماذا نحب ؟ ولماذا نحب؟ ومَن نحب ؟ ولماذا ينبغي أن نحب الله وحده ؟ لأن كل قوانين الحب مجتمعةٌ في الله عز وجل.