موضوعات في التربية - الدرس : 030 - ذكر الله1.

1992-03-08

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، و زدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة الأكارم ، رمضان كما تعلمون شهر العبادة ، ولكن هذه الكلمة لها مدلولات كثيرة ، فإذا قمت بعمل نافع ، فهذا العلم النافع نوع من العبادة ، وإذا أديت واجبك اتجاه أهلك وأولادك ، فأداء هذا الواجب نوع من العبادة ، والعبادة ألوان ، عبادات تعاملية ، وعبادات شعائرية ، الذي يعنينا من هذه العبادات ونحن في رمضان العبادات الشعائرية ، فالصلاة والصيام والحج هي في رأس العبادات الشعائرية ، ولكن ورد في القرآن الكريم آيات كثيرة تدعو إلى ذكر الله ، وذكر الله عز وجل يقع في القرآن الكريم في قمة العبادات الشعائرية ، قال تعالى :

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾

[ سورة العنكبوت الآية : 45 ]

 موضوع الدرس اليوم ذكر الله عز وجل ، بعض العلماء يقول : إذا ذكرت آيات الله الكونية فمن أجل أن تعرفه ، وإذا ذكرت آلاءه ، والآلاء هي النِعم فمن أجل أن تحبّه ، وإذا ذكرت عقوباته لخلقه فمن أجل أن تخافه ، و إذا ذكرت وعده ووعيده فمن أجل أن تسعى إلى الجنة و أن تبتعد عن النار ، إذًا هناك ذكر للآيات ، وذكر للآلاء ، وذكر للنقم و ذكر للوعد ، وذكر للوعيد ، على كلٍّ من الأحاديث الصحيحة التي وردت في كتاب البخاري و مسلم قول النبي عليه الصلاة و السلام عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ *

(رواه البخاري)

 هذا الحديث يكفي ، عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ *

(رواه البخاري)

 و في حديث آخر رواه الإمام مسلم عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ

مَثَلُ الْبَيْتِ - الآن مثل البيت -الَّذِي يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ وَالْبَيْتِ الَّذِي لَا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ *

(رواه مسلم)

 إذًا :

﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

[سورة الرعد الآية : 28]

 ألا بذكر الله تحيا القلوب ، و الآية الكريمة :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾

[ سورة الأنفال الآية : 24 ]

 فذكر الله عز وجل حياة للقلب ، في الحقيقة دائما هذه الأحاديث إذا الإنسان طبقها شعر بقيمتها ، فالنبي عليه الصلاة و السلام سئل مرة وقيل له أي أهل المسجد خير ؟ رواد هذا المسجد ، و رواد أي مسجد من هو متصفون بالإسلام ، من هو متصوف بالإيمان ، أي أهل المسجد خير ؟ فقال عليه الصلاة و السلام أكثرهم ذكرا لله عز وجل " إذًا التفاوت بين رواد المساجد في كثرة الذكر ، و سئل عليه الصلاة و السلام : أي الجنازة خير ؟ أي أي أهل الجنازة خير ؟ هؤلاء المشيعون أيهم خير ؟ قال : أكثرهم ذكرا لله عز وجل ، مرة كنا في تشيع جنازة ووصلنا إلى المقبرة وشرع في دفن الميت و أُلقيت كلمة وعظية في هذه المناسبة و إلى جحواري رجلان لا يفتآن يتحدثان عن صفقات وعن عقود وعن خلافات وعن توكيل وعن محامين ، فقلت : سبحان الله وهو في المقبرة ، وهو يرى بأم عينه هذا الميت يوضع في القبر يتحدث عن حطام الدنيا ، و مرة للإمام علي كرم الله وجهه جاءه رجل يطلب منه أن يكتب له عقد بيع بيت ، نظر هذا الإمام في عيني هذا الرجل فرأى عينيه غارقتين في الدنيا ، فقال : هذا ما اتفق عليه العبدان الفانيان المذنبان على شراء بيت يقع في شرقه الموت وفي طرفه .." ذكر له مصير الإنسان في الموت و البرزخ و في الحساب ، فالإنسان إذا ذكر الموت انضبط ، وإذا ذكر نعمة الله عليه أحب الله ، ذكر آياته الكونية عرفه ، الذكر إذًا ، بل إن القرآن الكريم كله ذكر ، قال تعالى :

﴿ كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ﴾

[سورة المدثر الآية : 54]

عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ أَيُّ الْجِهَادِ أَعْظَمُ أَجْرًا قَالَ أَكْثَرُهُمْ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذِكْرًا قَالَ فَأَيُّ الصَّائِمِينَ أَعْظَمُ أَجْرًا قَالَ أَكْثَرُهُمْ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذِكْرًا ثُمَّ ذَكَرَ لَنَا الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَالْحَجَّ وَالصَّدَقَةَ كُلُّ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ أَكْثَرُهُمْ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذِكْرًا فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يَا أَبَا حَفْصٍ ذَهَبَ الذَّاكِرُونَ بِكُلِّ خَيْرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَلْ *

(رواه أحمد)

 أي أهل المسجد خير، خير العباد ، وخير الحجاج ، وخير المجاهدين ، وخير المشيعين، وخير رواد المساجد ، هؤلاء جميعا كلما كثر ذكر الله عز وجل كلما اقتربوا من الله عز وجل، وكلما كانوا أكثر مكانة ومقعد صدق عند الله عز وجل ، سيدنا الصديق رضي الله عنه قال : ذَهَبَ الذَّاكِرُونَ بِكُلِّ خَيْرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَلْ الذاكرون ، و ربنا عز وجل وصف فقال تعالى :

﴿ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ ﴾

[سورة الأحزاب الآية : 35]

 هذا هو ذكر الله عز وجل ، لو فرضنا إنسانا دخل إلى محله التجاري كيف يذكر الله عز وجل ، بالدعاء ، الدعاء ذكر ، بل هو قمة حالات الذكر ، اللهم وفقني لخدمة المسلمين ، اللهم ارزقني حلالا طيبا ، اللهم جنبني الشرور ، اللهم إني أعوذ بك من صفقة خاسرة أو يمين فاجرة ، دخل عند إنسان ليقابله : اللهم إني تبرأتُ من حولي و من قوتي ، والتجأت إلى حولك و قوتك ، يا ذا القوة المتين ، دخل إلى بيته " الحمد لله الذي آواني ، فكم ممن لا مأوى له " دخل إلى الخلاء : "الحمد لله الذي أذاقني لذته ، وأبقى في قوته ، و أذهب عني أذاه ، " نظر في المرآة : اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي ، هذا الذكر ، و الدعاء ذكر ، و الإنسان لا بد أن يقتني كتابا في الأذكار ، في أذكار النبي عليه الصلاة و السلام ، في حله و في ترحاله، إذا سافرت " اللهم أنت الرفيق في السفر و الخليفة في الأهل و المال و الولد " إذا عدت إلى البيت و انقلبت إلى بيتك معافى سليما ، فهذه نعمة من الله عز وجل ، القضية إذًا أن الإنسان ألاّ ينسى الله عز وجل في بيعه ، و في شرائه، في حله و ترحاله ، في لقاءاته و ندواته، مع بيته ، حتى إذا التقى مع أهل بيته :" اللهم جنبني الشيطان ، وجنبه ذريتي " هذا الدعاء النبي عليه الصلاة و السلام سنه لنا ، إذًا " ذَهَبَ الذَّاكِرُونَ بِكُلِّ خَيْرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَلْ " ،

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ - أي أتعلق به وأستمسك - قَالَ لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ *

(رواه الترمذي)

 هذه الأذكار لها نتائج طيبة جدا ، من نتائجها راحة القلب ، من نتائجها جلاء القلب ، من نتائجها طمأنينة القلب ، وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة و السلام ،

عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ قَالُوا بَلَى قَالَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا شَيْءٌ أَنْجَى مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ *

(رواه الترمذي)

 أحاديث كلها صحيحة تدعو إلى ذكر الله ، مرة ثانية ؛ إن نظرت إلى آية كونية فذكر الله هو التفكر في هذه الآية ، و إن نظرت إلى حادث مؤلم ، فذكر الله أن تتعظ به ، إذا دمر الله إنسانا أو أتلف مالا أو أتلف محصولا ، فذكر الله أن تتعظ من خلال هذا الحادث ، لأن الله سبحانه و تعالى حكيم ، طيب إذا نظرت إلى القرآن فذكر الله تلاوته و تدبره ، إذا رأيت منكرا فذكر الله أن تأمر بالمعروف و أن تنهى عن المنكر ، فذكر الله إذًا سلوك واسع جدا و منوّع جدا ، ممكن أن يدور مع الإنسان في كل حالاته ، لكن العلماء استشكلوا قضيتين ، أولاهما أن النبي عليه الصلاة و السلام فضل الذكر على الصدقة ،و فضّل الذكر على الجهاد، الإمام النووي رحمه الله تعالى حلَّ هذا الإشكال ، عن طريق التوجيه التالي فقال : الإنسان إذا كان ذا مال فأفضل أعماله إنفاق من هذا المال ، و الإنسان إذا كان ذا علم فأفضل أعماله إنفاق هذا العلم ، و الإنسان إذا كان ذا قوة فأفضل أعماله أن يجاهد العدو في سبيل الله ، لكن إذا افتقر الإنسان إلى المال أو إلى العلم أو إلى القوة فمن أفضل أعماله أن يذكر الله عز وجل، من دون أن يفهم من ذلك أن الغني معفى من الذكر ، و القوي معفى من الذكر ، و العالم معفى من الذكر ، لا بد لكل هؤلاء من أن يذكروا الله عز وجل ، و لكن كلما نما عند الإنسان شيء ، فهذا الشيء إنفاقه مقدّم على غيره .
 أحد العلماء ممن له باع طويل في معرفة الله عز وجل ذكر من فوائد الذكر مائة فائدة ؛ فمن هذه الفوائد أن ذكر الله عز وجل يرضي الرحمن ، ويطرد الشيطان و يزيل الهم ، العوام يقولون لك " صل على النبي " الصلاة على النبي تزيل الهم و تجلب السرور ، تجد المؤمن عنده صفة مفقودة عند معظم الناس ، معظم الناس إذا جاءهم الهمُّ سحقهم ، وإذا جاءتهم الأخبار السيئة قبضتهم ، و دائما يشكون ، و دائما في ضيق ، ودائما في حيرة ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام و القرآن الكريم في الدرجة الأولى بآية واحدة قال :

﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

[سورة الرعد الآية : 28 ]

 وأقرب مثل لك في أي سهرة وفي أية جلسة إذا ذكرت الله في هذا اللقاء رأيت الوجوه قد أشرقت و العيون قد برقت ، و القلوب قد نتو النفوس قد ارتاحت ، فإذا ذكرت الدنيا تفرق الناس ، لو أن في الجلسة أناس أغنياء و فقراء ، و الأغنياء تحدثوا عن دخولهم و عن ارتفاع الأسعار أو عن أرباحهم ، و الفقراء ينظرون ، صار هناك انقضاض ، الأغنياء متفوتون ، هناك غني عنده صفقة كاسدة ، و الثاني له صفقة رابحة ، حدثه عن أرباحه ، عنده كساد انقبض ، فإذا كان الحديث عن الدنيا رأيت الناس قد انقضوا ، و إذا كان الحديث عن الله عز وجل رأيت القلوب قد اطمأنت ، فذكر الله عز وجل يرضي الرحمن و يطرد الشيطان و يزيل الهم و يجلب السرور ، و يقوي القلب و البدن ، كثيرا ما أسمع حالات أمراضا عضالة ، و لا سيما في القلب بسبب أزمات اقتصادية ، إنسان عنده مشكلة في تجارته ، عنده مشكلة في بضاعته ، عنده خبر سيئ في دفع ثمن بضاعة و لم يصل ، صار عليه احتيال ، مباشرة أزمة في قلبه ، طيب المؤمن غير هذا ، استسلامه لله عز وجل ، و توكله على الله ، و صبره على حكم الله ، و تفويضه لله ، و استسلامه لمشيئة الله ، يقي قلبه الأزمات ، الحقيقة الإيمان صحة، و كلما تقدّم الزمن تبيّن أن معظم الأمراض يقع في قمة أسبابها الصدمات النفسية ، وأن المؤمن كلما ازداد أزماته النفسية ، و كلما قلّ إيمانه ازدادت أزماته النفسية ، بل إن الشرك من لوازمه الخوف ، قال تعالى :

﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً ﴾

[ سورة آل عمران الآية : 151 ]

 بل إن الله عز وجل يؤكد أن الشرك يلازم الخوف في آية أخرى :

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

[ سورة الشعراء الآية : 213 ]

 فالذكر يقوي القلب ، حتى قلب الإنسان ، القلب لأنه متعلق بالحالة النفسية ، اسأل أطباء القلب ، أطباء الهضم ، أطباء الأعصاب ، أطباء الأورام الخبيثة ، أحدث بحث عن الأورام الخبيثة أنه بسبب نقص المناعة ، ونقص المناعة بسبب الشدة النفسية ، الشدة النفسية تسبب نقص المناعة ، و نقص المناعة تسبب أوراما خبيثة ، يكاد يكون اختصاص الطب النفسي المتعلق بالأمراض الجسمية في أول أو في قمة الاختصاصات ، يقوي القلب و البدن ، و ينور القلب و الوجه ، المؤمن الذاكر سماهم في وجوههم ، ذكر الله عز وجل ينور القلب ، فلا تتخذ قرارا خاطئا ، وينور الوجه ، فترى الوجه كالكوكب الدري ، ويجلب الرزق و يكسب المهابة والحلاوة ، و يورث محبة الله التي هي روح الإسلام ، و يورث المعرفة و الإنابة و القربى و حياة القلب ، وذكر الله تعالى للعبد ، عندنا ذكر العبد لله عز وجل ، لقول الله عز وجل :

﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾

[سورة البقرة الآية : 152 ]

 و ذكر الله تعالى للعبد هو قوت قلبه وروحه يجلي صدره و يحط خطاياه ، و يرفع درجاته ، و يحدث الأنس و يزيل الوحشة .
 أحيانا الإنسان يبلغ أعلى درجات النجاح في عالَم المال أو عالَم الفن أو عالَم التجارة أو عالَم المناصب ، و قد ينتحر ، الناس جميعا يظنون أن هذا الإنسان هو أسعد الناس ، فلما انتحر يفاجئون ، ما لذي حمله أن ينتحر ، الوحشة التي في قلبه ، عنده أموال لا تأكلها النيران، تألق على صفحات المجلات ، جمهور كبير جدا يحبه ، ومع ذلك هو في وحشة ، لأن هؤلاء جميعا يحبون صوته و لا يحبونه بالذات ، يحبون شكله و لا يحبونه بالذات ، فلما يبتعد الإنسان عن الله عز وجل يعاني من وحشة ، هذه الوحشة لا يسدها إلا ذكر الله تعالى .
 حدثني رجل كان مقيما في بلد أجنبي ، قال لي : مغني في قمة مجده ، دخله بمئات الملايين ، و صورته على كل المجلات ، و جمهوره يزيد عن مائة مليون ، و مع ذلك انتحر، كتب رسالة ذكر فيها سبب انتحاره ، شعور بالوحشة ، شعور بالضيق ، هذا شيء واقع ، مستحيل في إنسان يكون بعيدا عن الله عز وجل أن يكون سعيدا ، و الآية الدقيقة :

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

[ سورة طه الآية : 124 ]

 لا يمكن أن ترى ي العالم كله إنسانا وحيدا بعيدا عن الله عز وجل يشعر بالسعادة ، مستحيل ، كلام خالق الكون ، قد تقول : هو غني ، أقول لك : هو غني ، و لكن ضيق القلب سحقه ، قد تقول : هو قوي ، أقول لك : نعم هو قوي و لكن ضيق القلب سحقه ، فيجب أن تعلم علم اليقين أنه لن تسعد إلا بالقُرب من الله عز وجل ، لن تطمئن نفسك ، يا رسول الله إني إذا رأيتك اطمأنت نفسي .." هذا شيء ثابت ، إذا أنت لك مجلس علم ، ولك إخوان مؤمنون طيبون إذا رافقتهم و إذا جالستهم تزداد إيمانا ، و تزداد أنسا ، و تزداد قربا ، فإذا خالطت أهل الدنيا تزداد وحشة ، تزداد ضيقا ، فصار كل أخ عنده ميزان ، يقول لك : في هذا المجلس ما ارتحت ، كله عن الدنيا ، و النميمة والغيبة ، و كلام غير منضبط ، و مزح رخيص ، شعرت بضيق ، شعرت بالتفاهة ، شعرت أني حقير معهم ، فإذا عشت مع المؤمنين و ذكرت الله عز وجل لهم ، أو ذكروا الله لك اطمأن القلب ، لذلك معنى الحديث القدسي : إن بيوتي في الأرض المساجد ، و إن زوارها هم عمارها ، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني ، و حق على المزور أن يكرم الزائر " إكرام المزور طبعا ليس عندنا ضيافة ، بغير رمضان لا يوجد ضيافة ، لا يوجد إلا الماء البارد في المسجد ، أما الضيافة الحقيقية هي هذا التجلي الذي يلقيه الله في قلبك ، هذا البشر ، وهذه الطمأنينة ، تجد المؤمن دنياه متواضعة ، ليس معه عمله أجنبية ، و ليس معه شيكات ، و ليس معه أراضي ، و لا عنده عمارات ، دخله أقل من حاجاته أحيانا ، ليس عنده احتياط ، و مع ذلك نجده سعيدا ، وتجلس مع واحد يكلمك بأرقام كلها فلكية ، و يقول لك : لا يوجد ، وهذه السنة خسرنا ، أنت او تنفق مالك يكفيك طوال حياتك ، يقول : خسرنا هذه السنة ، هناك ضيق ، لذلك هذا الشعور بالسعادة أول ثمرات الإيمان ، هذه حلاوة الإيمان ، يحدث الأنس ويزيل الوحشة ، ينجي من عذاب الله .
 بعضهم قال : الذكر هو العلم المنافي للجهل ، ما معنى أنك ذكرت الله ؟ أي ذكرت الله كما يريد اله عز وجل ، ذكرت الله بأسمائه الحسنى ، ذكرته بالعلم ، فالعلم طريق إلى الذكر ، بعضهم قال : الذكر هو اليقين المنافي للشك ، من ذكر الله وهو شاك في عدالته ، من لوازم الذكر اليقين المنافي للشك ، ومن لوازم الذكر العلم المنافي للجهل ، ومن لوازم الذكر الإخلاص المنافي للشرك ، من لوازم الذكر الصدق المنافي للنفاق ، من لوازم الذكر القبول المنافي للرد ، أنت قبلت أمر الله عز وجل و قبلت سنة رسوله ، و صدقت في التطبيق ، و أخلصت لله ، و أيقنت بوعده ووعيده ، وعلمت علما حقيقيا يقينيا ، هذه إذا توافرت جاء الذكر صحيحا و مقبولا و مسعِدا .
الشيء الذي يجب أن نهتم به هو أن الأمر بالذكر لا ينصب على مطلق الذكر ، ولا على مجرد الذكر ، بل ينصب على كثرة الذكر ، والآية الكريمة :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ ﴾

[ سورة الأحزاب الآية : 41-43]

 إذا ذكرتموه ، انظر إلى الآية ما أجملها :

﴿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ ﴾

[سورة الأحزاب]

 إذا ذكرتموه ،

﴿ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً ﴾

[سورة الأحزاب]

 من ظلمة الوحشة إلى نور القرب ، من ظلمة المعصية إلى نور الطاعة ، من ظلمة الدناءة إلى نور الكمال ، ربنا عز وجل قال :

﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ﴾

[سورة الأحزاب الآية : 35]

 قال ابن عباس : المراد يذكرون الله في إدبار الصلوات و غدوا وعشيا وفي المضاجع ، وكلما استيقظوا من نومهم " استيقظ من نومه ، آوى إلى فراشه ، غدوا و عشيا و في إدبار الصلوات ، بعد كل صلاة شيء من الذكر ، قبل أن ينام ، بعد أن يستيقظ ، عند الملمات ، هذا معنى :

﴿ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ ﴾

[ سورة الأحزاب الآية : 35]

 و كلما غدا أو راح من منزله ذكر الله تعالى ، وقال مجاهد : " لا يكون من الذاكرين الله كثيرا و الذاكرات حتى يذكر الله تعالى قائما و قاعدا و مضطجعا ، وهذا معنى قوله تعالى:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً ﴾

[ سورة آل عمران الآية : 190-191]

 طيب الإنسان كم حالة له ؟ واقف أو قاعد أو مضطجع في سريره ، وإما في غرفة الجلوس جالس أو واقف في عمله ، فإذا كان الذكر متعلقا بالقيام و القعود و الاضطجاع ، ما معنى ذلك ؟ في أي وقت ، وفي كل أحوالك ، يقول مجاهد : لا يكون من الذاكرين الله كثيرا و الذاكرات حتى يذكر الله تعالى قائما و قاعدا و مضطجعا " وقال بعض العلماء وهو عطاء : من صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله تعالى :

﴿ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ ﴾

[ سورة الأحزاب الآية : 35]

 وإذا أيقظ الرجل أهله ، كما قال عليه الصلاة و السلام ، من الليل فصليا أو صلى ركعتين جميعا كتبا من الذاكرين الله كثيرا و الذاكرات .
 سئل أحد العلماء وهو ابن صلاح رحمه الله تعالى عن القدر الذي يصير به المرء من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات ، فقال : إذا واظب على الأذكار المأثورة المثبتة صباحا و مساء ، وفي الأوقات والأحوال المختلفة ليلا و نهارا ، كان من الذاكرين الله كثيرا و الذاكرات " بل إن مجالس الفقه ؛ كيف تشتري ، و كيف تبيع ، إذا درست أحكام الفقه ، وإذا درست حديث رسول الله ، إذا درست التفسير أخبار الصحابة هذه أيضا عدّها العلماء من مجالس الذكر ، و قال عليه الصلاة و السلام فيما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال ،

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَةٌ لَا يُرَدُّ دُعَاؤُهُمْ الْإِمَامُ الْعَادِلُ وَالصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ يَرْفَعُهَا اللَّهُ فَوْقَ الْغَمَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَفْتَحُ لَهَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ وَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ بِعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ *

(رواه احمد)

 و أخرج الإمام أحمد في مسنده عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ

أَكْثِرُوا ذِكْرَ اللَّهِ حَتَّى يَقُولُوا مَجْنُونٌ *

(رواه احمد)

 إلى درجة أن أهل الغفلة و البُعد إذا اتهمك شخص غافل جاهل بالجنون فهذه علامة الذكر الكثير .
 عندنا الآن الموضوع الأخير في هذا الدرس هو الذكر ضرورة و ليس شيئا مستحبا أو مندوبا ، ضرورة ، و الدليل قال : لو أن أعفي من الذكر - لو في الأرض كلها إنسان واحد أُعفي من الذكر لكان سيدنا زكريا عليه السلام ، لماذا ؟ فحين اعتقل لسانه عن الكلام وحُبس عن النطق ، حينما بشر بالغلام طلب من الله تعالى علامة يعرف بها فقال الله عز وجل :

﴿ قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً ﴾

[ سورة آل عمران الآية : 41 ]

 الله عز وجل جعل علامة إنجاب هذا الغلام حبس اللسان ، ومع أن لسانه محبوس ،

﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ﴾

[ سورة آل عمران الآية : 41 ]

 ما قولكم ، لو أن في الأرض كلها عبر التاريخ كله رجل واحد معفى من الذكر هو سيدنا زكريا حينما عُقل لسانه ، و مع ذلك :

﴿ قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ﴾

[ سورة آل عمران الآية : 41 ]

 قال : لو أن جماعة أعفيت من الذكر لكان أولى الناس بهذا المقاتلون في سبيل الله ، و هم في ساحة المعركة ، وهم يلقون عدوهم ، وهم يضربون رقاب أعداءهم ، وهم ينتظرون أن يُقتلوا ، وهذه أشد حالات الإنسان ، و الإنسان يخاف و يفزع ، و لكن هناك حالات يبلغ بها فزعه أشده ، في مثل هذه الحالة قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة الأنفال الآية : 45 ]

 و الصلاة ذكر ، و الإنسان لا يُعفى من الصلاة أبدا إلا في حال الإغماء التام ، أما مادام على شيء من الوعي لا بد من أن يصلي و لو بالإيماء ، و لو قاعدا و لو برأسه ، معنى ذلك حياة الإنسان اتصاله بالله ، و الحقيقة لماذا قلنا : صلاة أو ذكر ، الصلاة لها شروط ، تحتاج إلى طهارة بدن ، و تحتاج إلى مكان تصلي عليه طاهرا ، و تحتاج إلى قبلة ، لكن الذكر أوسع من الصلاة ، أنت في كل أحوالك بإمكانك أن تذكر ، إذا نظرت إلى الشمس و قلت : سبحان الله هذه الشمس تبعد عنا مائة و ست و خمسين كيلو مترا ، ومع ذلك إذا أشرقت نشعر بالدفء ، و كما تعلمون يعض ألسنة اللهب فيها نصف مليون كيلومتر ، أي في أعماقها تزيد الحرارة عن عشرين مليون درجة ، وفي سطحها ستة آلاف درجة ، ومع ذلك على هذا البعد الشاسع تصل أشعتها إلينا ، ضوءها و دفؤها ، إذا قلت : سبحان الله فهذا ذكر ، إن رأيت الأمطار الغريزة تنهمر فهذا ذكر ، من ساق الأمطار الغزيرة إلينا ، إن رأيت طفلا صغيرا بديع التكوين ، عينان ، أنف ، فم ، لسان ، أسنان ، يتكلم ، يضحك و يبتسم و يمشي ، وله أجهزة ، وأعصاب ، و جهاز هضم و جهاز دوران ، وجهاز طرح فضلات ، عضلات ، وأعصاب ، قوام ، له ذاكرة ، و يذكر ، و يتكلم و يسالك و يفكر ، من خلقه بهذا القوام و بهذه الطاقات و بهذه الميزات ، الله سبحانه و تعالى فهذا ذكر ، أي التأمل في السماوات والأرض نوع من أنواع الذكر .
 الآن رأيت إنسانا دمّر الله ماله ، و تعرف أن ماله حرام ، هذه آية ، جاءت الوقائع مطابقة لقول الله عز وجل :

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا ﴾

[ سورة البقرة الآية : 276 ]

 إن رأيت إنسانا وفّقه الله توفيقا استثنائيا و تأملت في قصته و رويتها للناس فهذا ذكر ، خلق الله و التأمل في خلق الله ذكر ، والتأمل في أفعاله ذكر ، و قراءة كتابه و تدبره ذكر ، الأمر بالمعروف ذكر ، و النهي عن المنكر ذكر ، طلب الحلال و الحرام ، إذا بحثت عن قضية أهي حلال أم حرام هذا ذكر ، نصحت مسلما هذا ذكر ، جاءك خوف فدعوت الله عز وجل هذا ذكر ، صليت هذا ذكر ، في أثناء الصيام صيامك و تلاوتك و إقبالك هذا ذكر ، يجب أن تعلم أن الذكر يدور معك حيثما اتجهت ، في فراشك ، عند استيقاظك ، عند تناول الطعام ، هذه مائدة الله عز وجل ، هو الذي خل هذه الطعوم وهذه الفواكه وهذه الخضار و هذا الماء أعذب الزلال ، و إذا نظرت إلى ابنك ، وإذا قمت من فراشك و إذا اتجهت إلى مسجدك ، وإذا اتجهت إلى عملك ، فالمؤمن إنسان ذاكر ، متصل بالله على الدوام ، وهذا معنى قول الله عز وجل :

﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾

[ سورة المعارج الآية : 23 ]

 دوام الذكر هو دوام الصلة بالله عز وجل ، و يجب أن تعلم أن الصلاة من أجل الذكر ، و أن الصيام من أجل الذكر ، الذكر أوسع من الصلاة ، الصلاة حالة معينة ، حالة وضوء و قيام و تلاوة و ركوع و سجود ، فالصلاة هناك خمس صلوات ، لكن الذكر يغطي كل أوقات ليلك و نهارك ، في سفرك ، في حضرك ، في دراستك ، يقرأ الطالب في كتاب التشريح ، فقرأ عن العضلات مخططة وملساء ، و عضلة لا إرادية و إرادية ، وحمض اللبن في العضلة كيف يتراكم ، و كيف ترتاح العضلة ، من صمم هذا التصميم ، إذا قرأت كتب التشريح وخشعت لله عز وجل فهذا ذكر ، فلذلك نعود مرة ثانية قبل أن ننهي الدرس إلى الأحاديث الدقيقة التي ذكرها النبي عليه الصلاة و السلام في شأن الذكر فقال عليه الصلاة و السلام :

عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ *

(رواه البخاري)

 أنت إذا ذكرت الله فأنت حي ، و إن لم تذكره فأنت ميت ، لذلك ربنا عز وجل قال :

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

[ سورة النحل الآية : 21 ]

 ميت وهو في أوج حياته ، القلب سليم و النبض سليم ، و التخطيط سليم ، التحاليل كلها مائة بالمائة وهو ميت عند الله ، قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾

[ سورة الأنفال الآية : 24 ]

عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ *

(رواه البخاري)

الحديث الثاني ، سيدنا الصديق يقول : ذَهَبَ الذَّاكِرُونَ بِكُلِّ خَيْرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَلْ " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ - أي أتعلق به وأستمسك - قَالَ لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ *

(رواه الترمذي)

النبي عليه الصلاة و السلام قال : عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ قَالُوا بَلَى قَالَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا شَيْءٌ أَنْجَى مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ *

(رواه الترمذي)

 ونحن في شهر الذكر ، نحن في شهر القرب ، نحن في شهر العبادة ، نحن في شهر التفكر ، و في شهر التلاوة ، في شهر البذل ، و في شهر العطاء ، فرصة ثانوية ، دورة تدريبية .
 أرجو الله سبحانه و تعالى أن ينفعنا بما علمنا ، و أن يعلمنا الخير