موضوعات فقهية متفرقة - الدرس : 61 - الأضحية .

2002-02-17

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الأضحية :

 أيها الأخوة الكرام ، هناك موضوع مناسب لما نحن فيه من أيام العشر الأوائل من ذي الحجة ، و موضوع الأضحية موضع من موضوعات الفقه فقد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه :

(( مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا))

[ أحمد عن أبي هريرة]

 و قد استنبط السادة الأحناف من هذا الحديث الشريف أن الأضحية ترقى إلى مستوى الواجب لأن قول النبي عليه الصلاة و السلام فلا يقرب مصلانا فيه وعيد و فيه تهديد . فالأضحية أيها الأخوة شعيرة من شعائر المسلمين في عيد الأضحى المبارك ، واجبة مرة في كل عام على المسلم الحر البالغ العاقل المقيم الموسر ، المسافر ليس عليه أضحية ، الموسر من وجد سعة و لم يضح .
 أيها الأخوة ، العلماء يرون أن إطعام الطعام أفضل من إنفاق المال ، و الحكمة لا تخفى عليكم أن الأب قد يكون مديناً ، الأيام أيام عيد فإذا جاءه مبلغ من المال قد يجتهد أنه إذا سدّ الدين أولى ، و يبقى أطفاله جياعاً ، أما حينما يأتيه اللحم فلابد من أن ينتهي اللحم إلى بطون أولاده الجياع ، فلذلك إطعام الطعام أبلغ من إنفاق ثمن الطعام ، بالمناسبة هذه لفتة أنت كإنسان يتمنى أن يدعو إلى الله عز وجل بطولتك ليس مع المؤمنين هم مؤمنون ، لكن بطولتك في الدعوة مع الطرف الآخر ، مع الذين لا يصلون ، مع الذين لا يحضرون مجالس العلم ، لا يلتزمون بمنهج الله عز وجل ، هؤلاء لو دفعت إليهم شريطاً لا يسمعونه ، لو أعطيتهم كتاباً لا يقرؤونه ، لو دعوتهم إلى مسجد لا يلبون الطلب ، إلا أنك إذا دعوتهم إلى طعام يأتون ، فقد يكون إطعام الطعام مناسبة لجمع الناس على الله عز وجل ، لذلك المؤمن حينما يطعم الطعام ينوي أن يجمع الناس على الله ، يبارك الله له في ماله ، و غير المؤمن حينما يجمع الناس على الطعام ليظهر بيته و فخامة بيته و براعته ، فرق كبير و شاسع بين المؤمن الذي يطعم الطعام و بين غير المؤمن الذي لا يطعم الطعام ، فمن هنا كان تقديم اللحم أفضل من تقديم ثمن اللحم، من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال :

((مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ يَوْمَ النَّحْرِ عَمَلًا أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ هِرَاقَةِ دَمٍ))

[الترمذي عن عائشة ]

 دم الأضحية طبعاً ، لذلك الأضحية تأتي يوم القيامة بقرونها :

(( وَإِنَّهُ لَيَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَظْلَافِهَا وَأَشْعَارِهَا وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا ))

[الترمذي عن عائشة ]

 هكذا حدثنا النبي و هو الصادق المصدوق ، هكذا أمرنا لكن على المسلم الحر البالغ العاقل المقيم الموسر ، و من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال :

((عَنْ أَنَسٍ قَالَ : ضَحَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ فَرَأَيْتُهُ وَاضِعًا قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا يُسَمِّي وَيُكَبِّرُ فَذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ ))

[متفق عليه عن أنس]

 إذاً الأضحية واجبة على كل موسر لكن النبي عليه الصلاة و السلام لحكمة بالغة الأضحية بالذات سمح لك أن تأكل منها ، و سمح لك أن تهدي منها ، معنى تهدي أن الذي تهديه الأضحية قد لا يكون فقيراً ، و سمح لك أن تتصدق ، فجزء تأكل منه و جزء تهديه إلى أصدقائك و أصحابك و جزء تتصدق به على فقراء المسلمين ، إذاً هي شعيرة من شعائر المسلمين .

الشريعة عدل و مصلحة كلها :

 و الله أيها الأخوة حينما قال أحد كبار العلماء : الشريعة عدل كلها ، رحمة كلها ، حكمة كلها ، مصلحة كلها ، حدثني أخ كريم يسكن في ظاهر مكة المكرمة أقسم لي بالله أنه سكن في هذا المكان قرابة خمسة أعوام ، و أن الحجيج في منى يوجد مليوني حاج ، و قبل إنشاء هذه المسالخ النظيفة و المثالية كان الحاج يأخذ الهدي و يذبحه و يلقيه في التراب ، هل تصدق أن شرع الله أن تذبح مليون رأس غنم و أن تلقيها في التراب في حر شديد ، أقسم لي بالله أن رائحة اللحم المتفسخ تبقى أشهراً في منى ، و في ظاهر مكة ، الشريعة مصلحة ، الآن الحمد لله هذه الأغنام تذبح و تسلخ و تجمد و ترسل إلى فقراء المسلمين ، الآن معقول ، هذا شرع إلهي ، مرة قرأت في مجلة خليجية أنه تمّ إعدام عشرين مليون رأس غنم في أستراليا بإطلاق الرصاص عليهم و دفنهم تحت الأرض للحفاظ على أسعار اللحم من أن تنخفض ، كنت مرة في أستراليا حدثوني – هنا إذا أنت دخلت إلى بقالية و طلبت من صاحبها كيس نايلون تقول له : كم تريد ثمنه ؟ يقول لك : لا يوجد شيء محرز - لو طلبت غنمة سعرها بالشام حوالي سبعة آلاف أو ثمانية آلاف لتفاهة اللحم هناك لا تدفع ثمنها ، يوجد خيرات كثيرة جداً ، فالكافر يعدم عشرين مليون رأس غنم للحفاظ على أسعار اللحوم مرتفعة .

الحكمة من ذبح الأضحية :

1 ـ شكر الله على نعمه المتعددة :

 أخواننا الكرام ، أحد أكبر حكم توزيع اللحم أو ذبح الأضحية و تقديم اللحم هدية و صدقة و إطعاماً قال : إن المسلم الموسر يعبر عن شكره لله تعالى على نعمه المتعددة ، أول نعمة نعمة الهدى أنك تشكر الله على أن منحك نعمة الوجود ، و نعمة الإمداد ، و نعمة الهدى و الرشاد ، لا يوجد شخص منا إلا و يتمتع بنعمة الوجود :

﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾

[ سورة الإنسان : 1]

 فأنت موجود ، من منحك نعمة الوجود ؟ الله جل جلاله ، من منحك نعمة الهدى؟ الله جلّ جلاله ، من منحك نعمة الإمداد ؟ الله جلّ جلاله ، إذاً أول نعمة يشكر الله عليها من خلال الأضحية نعمة الهدى ، و منها نعمة البقاء ، أنت حي ، و للحي فرص كثيرة ، مثلاً أبواب التوبة مفتحة أمامه ، أبواب العمل الصالح مفتحة أمامه ، أبواب طلب العلم مفتحة أمامه، أبواب إنفاق المال مفتحة أمامه ، أبواب تربية أولاده مفتحة أمامه ، القصة التي أرويها دائماً أن إنساناً من صعيد مصر له ابن بعث به إلى الأزهر فلما عاد خطيباً لمسجد تمنى الأب أن يكون مثله ، عمر الأب خمسة و خمسون عاماً ، ركب حمارته و توجه إلى القاهرة و سأل عن الأزعر فقالوا له : يا رجل هو الأزهر الشريف ، دلوه عليه و بدأ يتعلم القراءة و الكتابة و بدأ يقرأ القرآن و القصة طويلة جداً و ما مات إلا شيخ الأزهر ، مات في السادسة و التسعين من عمره ، تعلم القراءة و الكتابة و قراءة القرآن في الخامسة و الخمسين ، أنت حي ممكن أن تطلب علماً ، مرة زارني أخ من لبنان قال لي : كم تقدر عمري ؟ قلت له : فوق الستين ، قال لي : عمري سبعون سنة ، البارحة نلت ليسانساً في الآداب ، قال لي : أنا أعمل في ميناء بيروت عاملاً لكن تتوق نفسي إلى طلب العلم ، ذهبت قبل أسابيع لإلقاء محاضرة في بيروت فعرفني على نفسه قال لي: أنا الذي زرتك في البيت أصبحت أحمل ليسانساً في الأدب العربي و عمره سبعون عاماً ، العلم يطلب من المهد إلى اللحد ، فأنت حي ممكن أن تطلب العلم ، ممكن أن تتوب ، ممكن أن تنفق ، ممكن أن تصلح بين اثنين ، ممكن أن تتصدق ، ممكن أن تربي أولادك ، فأول نعمة نعمة الهدى ، و النعمة الثانية نعمة البقاء على قيد الحياة من عام إلى عام ، لأن الله عز وجل وصف الموت في بعض الآيات بأنه مصيبة ، انتهى العمل بالتعبير العامي الذي ضرب ضرب و الذي هرب هرب ، أغلق الباب ، ختم العمل ، أنا حينما أعزي بعض الأخوة في ذويهم أقول المتوفى أدخله الله فسيح جنته ، مات بأجله و ختم عمله و المعول علينا نحن الأحياء ، يقول عليه الصلاة و السلام :

(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ خَيْرُ النَّاسِ؟ قَالَ : مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ))

[الترمذي عن عبد الله بن بسر]

 لأنه بالتعريف الدقيق العمر لا يطول ، إن لك عند الله أجلاً لا يزيد ثانية و لا يقل ثانية ، يوجد برنامج أحد الأخوة وضعه في كمبيوتري تقول : أنا ولدت في اليوم الفلاني الشهر الفلاني العام الفلاني تعطيه أمراً يقول لك عمرك ، يوجد موعظة ، مثلاً : إحدى و خمسون سنة و ثمانية أشهر و ستة أيام و سبع ساعات و ثماني دقائق و ثلاث و أربعون ثانية ، العمر بالثواني يكون هناك ساعة على الكومبيوتر فتقول له : أنا ولدت في يوم كذا يعطيك العمر بالسنوات و الأشهر و الأيام و الساعات و الثواني ، لذلك دقات قلب المرء قائلة له : إن الحياة دقائق و ثوان.
 نعمة الهدى ، نعمة البقاء على قيد الحياة ، نعمة السلامة و الصحة ، نعمة التوسعة على الرزق ، السلامة و الصحة تأتي بعد نعمة الهدى و قبل نعمة المال و ما من دعاء دعاه النبي كل يوم إلا : " اللهم ارزقنا العفو و العافية و المعافاة الدائمة في الدين و الدنيا و الآخرة " مثلاً ملك عظيم لو جاءه مرض عضال و خيّر أن يشفى من هذا المرض على أن يكون موظفاً بسيطاً في قصره لا يتردد ثانية ، إذاً إذا كان الإنسان صحيح الجسم فهذا شيء ثمين جداً .

2 ـ تكفير للذنوب و توسعة على أسرة المضحي :

 الآن إطعام الطعام فيه تكفير للذنوب ، المؤمن أحياناً يخطئ و النبي الكريم يقول :

(( إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ))

[متفق عليه عن ابن مسعود]

 يوجد تعريف آخر : لو إنسان تاب إلى الله ثم زلت قدمه ثانية ، التوبة الثانية صعبة ما الذي يدعمها ؟ العمل الصالح صدقة ، تصور عملاً طيباً ، إذاً هي أيضاً تكفير لما وقع من الذنوب ، و توسعة على أسرة المضحي و أقربائه و أصدقائه و جيرانه و فقراء المسلمين، سيدنا عمر تروي عنه السيدة عائشة كان إذا أطعم أشبع ، الإنسان أحياناً يعطي أضحية نصف كيلو ، أسرة لها خمسة أولاد أقل شيء كيليين ، إذا أطعمت فأشبع ، و إذا تكلمت فأسمع ، و إذا سرت فأسرع ، و الأخيرة لا نذكرها .

 

شروط الأضحية :

 قال : من شروط وجوبها اليسار ، لا تكون يسارياً تكون من أهل اليسار طبعاً ، فالموسر هو مالك نصاب الزكاة ، مالك نصاب الزكاة موسر إذاً أي نصاب ؟ نصاب الفضة سبعة آلاف فقط ، نصاب الزكاة أربعون ألفاً ، فإذا أردت المطلق على إطلاقه من يملك سبعة آلاف زائدة عن حاجاته الأساسية و خارجة عن ديونه فهو موسر في هذا التعريف ، هو مالك نصاب الزكاة ، زائدة عن حاجاته الأساسية ، أو هو الذي لا يحتاج إلى ثمن الأضحية أيام العيد فقط ، تعريف آخر الذي لا يحتاج إلى ثمن الأضحية أيام العيد فقط يعد في الشريعة موسراً ، و يوجد رأي ثالث هو الذي لا يحتاج إلى ثمن الأضحية خلال العام كله ، على اختلاف بين المذاهب في تحديد معنى الموسر ، إذاً هو من ملك نصاب الزكاة فضة أو ذهباً ، أو لم يحتج إلى ثمن الأضحية خلال أيام العيد ، أو من لم يحتج إلى ثمنها خلال أيام العام هذا اسمه موسر، و من وجد سعة و لم يضح فلا يقربن مصلانا .
 قال : ينبغي أن يكون الحيوان المضحى به سليماً من العيوب الفاحشة التي تؤدي إلى نقص في لحم الذبيحة أو تضر بآكلها ، فلا يجوز أن يضحي بالدابة البين مرضها ، و لا العوراء ، و لا العرجاء ، و لا العجفاء ، و لا الجرباء ، و يستحب في الأضحية أسمنها و أحسنها ، و كان صلى الله عليه و سلم يضحي بالكبش الأبيض الأقرن هكذا كان النبي عليه الصلاة و السلام .

وقت الأضحية :

 أخواننا الكرام ، وقت نحر الأضحية بعد صلاة عيد الأضحى و حتى قبيل غروب شمس اليوم الثالث من أيام العيد ، على أن أفضل الأوقات هو اليوم الأول ، ما بعد صلاة عيد الأضحى و حتى قبل زوال الشمس ، أي بعد صلاة العيد إلى الظهر هذا أنسب وقت الأضحية، يوجد أخوة يقول لك ، ثاني يوم السعر ينزل ، لا يوجد مانع ، مسموح لك أن تضحي حتى عصر ثالث أيام العيد .
 يكره تنزيهاً الذبح ليلاً ، كراهة تنزيهية ، و لا تصح الأضحية إلا من النعم ، من الإبل ، أي أرنب لا يوجد أضحية أرنب ، من النعم من الإبل و البقر و الغنم ، من ضأن و معز بشرط أن يتم الضأن ستة أشهر ، و أن تتم المعز سنة كاملة عند بعض الأئمة ، أي يكون حجمها معقولاً .
 الشيء اللطيف جداً أن هذه الأضحية التي يدفع ثمنها صاحب البيت هي عن كل أفراد البيت ، الأضحية عن الأسرة بأكملها بشرط أن يتم الضأن ستة أشهر ، و أن تتم الماعز سنة كاملة ، و يجزئ المسلم أن يضحي بشاة عنه و عن أهل بيته المقيمين معه و الذين ينفق عليهم و هم جميعاً مشتركون في الأجر ، نظام الأسرة الأب ضحى هذه عن كل أفراد الأسرة المقيمين مع صاحب البيت و عمن ينفق عليهم أيضاً .

مندوبات الأضحية :

 من مندوبات الأضحية أن يتوجه المضحي نحو القبلة ، و أن يباشر الذبح بنفسه إن قدر عليه ، و أن يقول : " بسم الله و الله أكبر اللهم هذا منك و إليك ، اللهم تقبل مني و من أهل بيتي " لذلك إذا أراد ربك إظهار فضله عليك خلق الفضل و نسبه إليك ، و له أي مسموح له أن يوكل غيره و عندها يستحب أن يحضر أضحيته ، لك أن توكل غيرك بذبح الأضحية و الأولى أن تذبحها بنفسك ، فإن لم تقدر ينبغي أن تحضر أضحيتك ، لقول النبي عليه الصلاة و السلام لفاطمة :

(( يا فاطمة قومي إلى أضحيتك فاشهديها فإن لك بأول قطرة تقطر من دمها يغفر لك ما سلف من ذنوبك ...))

[ كنز العمال عن أبي سعيد]

 و يستحب أن يوزعها أثلاثاُ فيأكل هو و أهل بيته الثلث ، و يهدي لأقربائه الثلث و أصدقائه و جيرانه ، و يتصدق بالثلث الأخير على فقراء المسلمين لقوله تعالى :

﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾

[ سورة الحج : 36]

 الله عز وجل يقول :

﴿ وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾

[ سورة الحج : 36]

﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ﴾

[ سورة الحج :37]

 أيها الأخوة الكرام ، اقتراح لو أنك ضحيت بهدي في يوم العيد يمكن أن يوزع هذا اللحم قطعة واحدة لكن تصور لو وزعته كما يفعل أهل هذه البلدة أي مفرومة و شقفاً ممكن تستخدم هذه القطعة من اللحم مرات عديدة ، أما قطعة واحدة فتؤكل مرة واحدة ، أي ممكن أن تيسر على من أخذ هذه الأضحية أن يستخدمها في عدة أكلات ، فإذا تمكنت أن تجعل هذه القطعة تقطع قطعاً صغيرة أو تكون بشكل ناعم فهذا ربما ضاعف النفع .

 

من آثر طاعة الله على حظ نفسه ربح الدنيا و الآخرة :

 الحقيقة أنا كنت في عقد قران و ألقيت كلمة أرجو الله سبحانه و تعالى أن ينفع بها المسلمين قام قبلي خطيب و ألقى كلمة ، ألقى في خلال كلمته قصة و الله تأثرت لها تأثراً بالغاً و أردت أن أنقلها ، قرأتها سابقاً هذه القصة و لكن بشكل مختصر ، يبدو أن هذا الأخ الخطيب عثر على تفاصيل لهذه القصة ، ملخصها كما يقال أو كما قال : أن رجلاً جاء النبي عليه الصلاة و السلام قال : يا رسول الله ماذا عليّ أن أفعل ؟ قال له : تشهد أن لا إله إلا الله و أني رسول الله ، و تقيم الصلاة ، و تؤتي الزكاة ، و تصوم رمضان ، و تحج بيت الله الحرام ، فقال له الصحابي : إن فعلت هذا أين موقعي ؟ قال : أنت معي في الجنة ، قال : يا رسول الله فما بال هؤلاء الذين حولك لا يزوجونني ؟ و كان ذميم الخلق مرة أحدهم وصف الأحنف قال : قصير القامة ، أسمر اللون ، أحنف الرجل ، مائل الذقن ، ضيق المنكبين ، ناتئ الوجنتين ، غائر العينين ، ليس شيء من قبح المنظر إلا و هو آخذ منه بنصيب - هذا تابعي- و كان مع ذلك سيد قومه إذا غضب غضب لغضبته مئة ألف سيف لا يسألونه فيمَ غضب ؟ قال له : فما بال هؤلاء الذين حولك لا يزوجونني ؟ تأثر النبي فقال له : اذهب إلى بيت فلان و قل له إن رسول الله صلى الله عليه و سلم زوجني ابنتكم - الخطيب وصف لونها و لون شعرها ولم يصف لون عينيها ، قال : إنها جميلة - فلما فتح الباب أبوها قال له : إن النبي عليه الصلاة و السلام يقرئك السلام و يقول لك : إنه زوجني ابنتك ، فلما رآه بهذا الشكل قال : طرده ، ابنته سمعت ما قال له هذا الشاب و سمعت ردّ أبيها فتوجهت إلى أبيها قالت : يا أبتي ألا تخاف أن يسبقك الوحي إلى رسول الله فيخبره أنك رددت على النبي زواجه أنا راضية به ؟ بنت جميلة جداً قالت : أنا راضية به ، و لكن الحق نفسك و اذهب إلى النبي و صحح ما وقع ، ما هذه الفتاة ؟ فلما وصل إلى النبي قال له : أنت رددت عليّ زواج ابنتك ؟ قال له : و الله يا رسول الله ظننته كاذباً و أشهد أنني زوجته إياها ، توجه النبي إلى الشاب و قال له : ما معك من مال ؟ قال له: ليس معي شيء أبداً ، فقال : مهرك على فلان و فلان و فلان سمى أحد الصحابة الثلاث سيدنا عثمان و سيدنا ابن عوف و سيدنا سعد مهرك على هؤلاء و الصحابة الثلاث نقدوه كل واحد مئتي درهم و حمل هذا المال و توجه إلى السوق ليشتري متاعاً لأهله و لبيته ، فإذا منادي الجهاد ينادي : يا خيل الله اركبي ، وقع في صراع أيذهب إلى عروسه ليتزوجها و معه المال أم يلبي داعي الله ، آثر الآخرة و ذهب إلى الجهاد و هو واحد من سبعة من أصحاب النبي استشهدوا في هذه المعركة ، النبي دفنه بيده و صلى عليه و بكى بكاء شديداً و قال : هو رفيقي في الجنة ، سمع النبي ما قالت بنت هذا الصحابي : إنني رضيت به زوجاً إن رفضته من أجلي أنا راضية به فدعا لها النبي قال : " اللهم بارك لها في عمرها و في مالها " فكانت أغنى بنات الصحابة إطلاقاً و كانت أطولهن عمراً مدّ الله بعمرها .
 أنا أردت أن أستنبط من هذه القصة أشياء كثيرة ، حينما نقيم حياتنا على قيم الدين لا على قيم الدنيا يرضى الله عنا ، بقيم الدنيا هذا الإنسان مرفوض لكن بقيم الدين النبي زكاه ، و حينما يكون في بناتنا من تؤثر طاعة رسول الله على حظ نفسها ، و حينما يوجد بشبابنا من يؤثر الجهاد في سبيل الله على زواجه نكون في حال غير هذا الحال الذي نحن فيه ، أي متى يمكن للمسلمين أن يملوا أوامرهم على شعوب الأرض - الأوامر المحقة طبعاً - ؟ إذا كان فيهم أمثال هؤلاء ؛ فتاة تؤثر طاعة الله عز وجل على حظ نفسها ، و الله حدثني أخ حديثاً لغرابته لا يصدق قال لي : قبل أن أعرف الله و قبل أن أتوب إليه عندي محل تجاري و يوجد فتاة تأتيني ليست مسلمة ، هي استلطفتني تقربت إلي و هممت أن أتزوجها لكن أهلي رفضوا أشد الرفض فصرفتها ، قال لي : و الله لو تزوجتني لأسلمت و صليت و صمت و تحجبت و حفظت القرآن، لم يعبأ بكلامها و تركها ، قال لي : تزوجت امرأة دينة بعد عامين من زواجي منها حدثتها بقصة هذه الفتاة فقالت لي : و الله لن أبقى عندك إن لم تتزوجها ، هذه مؤمنة ، أخ من أخواننا يقول لي : كلما أتذكر خالتي زوجة أبي أبكي لشدة عطفها علينا ، دائماً الخالة امرأة الأب تقسو على أولاد زوجها ؟ طبعاً إن لم تكن مؤمنة تقسو ، أما إذا كانت مؤمنة فيقسم لي هذا الأخ ويقول : و الله لا أذكر زوجة أبي إلا و أبكي ، أي وفاء بإكرامها له ، كانت أرحم بنا من أمنا هذه زوجة ، و الزوجة الثانية تقول لك : أنا أسلم و أصلي و أصوم و أتحجب و أحفظ القرآن و لا تتزوجها و لن ترضى إلا أن يتزوجها ضرة عليها ، و هذه الفتاة الجميلة جداً مادام النبي قد زوجني أنا راضية يا أبتي ، الحق إلى النبي لئلا يسبقك الوحي إليه فينبئه بأنك رددت على رسول الله زواجه ، الآن الإنسان يبيع دينه من أجل الدنيا ، أحياناً طالب علم تفتنه فتاة يغيب عن كل الدروس ، أي يبدو أن الواحد من أصحاب النبي كألف و الألف منا كأف ، الطريق واضح أيها الأخوة ، فتاة ترضى بأي زوج مؤمن لذلك ورد أنه : " من تزوج المرأة لجمالها أذله الله ، و من تزوجها لمالها أفقره الله ، من تزوجها لحسبها زاده الله دناءة ، فعليك بذات الدين تربت يداك ".

الإسلام مجموعة قيم أخلاقية خالدة :

 يوجد نقطة دقيقة أنه أنت قد تجد مخلوقات أخرى غير الإنسان كلها متشابهة ، الإنسان عجيب هو المخلوق الأول تجد إنساناً له رأس و عينان و أذنان و لسان و أنف و فم و شعر و يدان و رجلان ، و يوجد إنسان آخر ، بين المؤمن و الكافر كما بين الأرض و السماء، وضحت هذا مرة بمثل قطعة من اللحم متفسخة أي لا تستطيع أن تقف إلى جانبها و لا دقيقة و أحياناً يموت حيوان في الريف تبدأ رائحته التي لا تحتمل قبل خمسين متراً من الجثة فلا يوجد رائحة فيما أذكر و فيما أعلم أشد إيذاء للإنسان من رائحة اللحم المتفسخ , إذا كنت جائعاً جوعاً شديداً و رأيت لحماً طازجاً مشوياً ما من غذاء أطيب من غذاء اللحم كما قال النبي : اللحم سيد الطعام :

(( سَيِّدُ طَعَامِ أَهْلِ الدُّنْيَا وَأَهْلِ الْجَنَّةِ اللَّحْمُ ))

[ ابن ماجه عن أبي الدرداء]

 قطعتا لحم الأولى تكاد تخرج من جلدك من نتن ريحها ، و الثانية تتمنى أن تاكلها معنى ذلك أن الإنسان إذا كان مؤمناً يرضي الله ، يوجد بقلبه رحمة ، منصف لا يؤذي أحداً ، ينصاع لأوامر الشرع ، هذا رجل ليس بيده دمامته لكنه صادق في طاعته لله ، نطق بالشهادة و صلى و صام و حج مثلاً و أدى زكاة ماله ، و دعاه داعي الجهاد فجاهد فهو في الجنة ، و قال النبي : هو معي في الجنة ، و النبي لا ينطق عن الهوى ، إذا كنت تحب النصر شيء لا يوصف الله عز وجل قال :

﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ﴾

[ سورة الروم : 4-5]

 إذا كنت تحب أن ننتصر على خصومنا و على أعدائنا هات لي شابة كهذه الشابة ، و هات لي شاباً كهذا الشاب ، و هاتِ لي أباً كهذا الأب ، و زوجاً كهذا الزوج ، و خذ من الله كل شيء ، ابن آدم كن لي كما أريد أكن لك كما تريد ، كن لي كما أريد و لا تعلمني بما يصلحك .
 لما سيدنا عبد الله بن رواحة ذهب إلى خيبر ليثمن تمر خيبر حسب اتفاق سابق بين النبي و بين يهود خيبر أغروه بحلي نسائهم لعله يخفض تقييم التمر فيربحون ، فقال هذا الصحابي الجليل مخاطباً اليهود : " جئتكم من عند أحب الخلق إليّ من عند رسول الله صلى الله عليه و سلم و لأنتم عندي أبغض من القردة و الخنازير و مع ذلك لن أحيف عليكم - عدل - فقال اليهود : بهذا قامت السموات و الأرض و بهذا غلبتمونا " لذلك الحياة تحتاج إلى حق .
 أخواننا الكرام ، دققوا فيما سأقول : الدنيا تستقيم مع الكفر و العدل و لا تستقيم مع الإيمان و الظلم ، و قد ينصر الله كافراً عادلاً على مسلم ظالم ، الإسلام مجموعة قيم أخلاقية ، الإسلام مجموعة مبادئ ، الإسلام يضبط بقيم خالدة أما إذا بقي من الإسلام عباداته الشعائرية فماذا نفعل ؟
 أيها الأخوة ، لا يوجد منا واحد إلا و يتمنى أن ننتصر في كل مكان ، و أن نعلي راية الإسلام خفاقة عالية ، و أن يكون لنا شأننا في العالم ، و أن يكون لنا وزننا في العالم ، إن أردتم هذه المكانة العالية ما عليكم إلا أن تتبعوا أصحاب رسول الله ماذا فعلوا ؟ و ماذا أنفقوا ؟ و ماذا وقفوا ؟ بالنهاية عندنا مجموعة قيم مستنبطة من حركة الحياة ، الناس يعظمون أصحاب الأموال و أصحاب الجاه و الأقوياء و الأذكياء ، و يزدرون الفقراء و المؤمنين أحياناً لكن القرآن يثني على كل مؤمن ، يثني على كل عمل طيب مستقيم ، هذا الذي قاله النبي :

(( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّه ))

[ الترمذي عن أنس ]

 أي حينما نلغي من حياتنا قيم الجاهلية و الله أحياناً أجد أنه إذا أضفنا على كلمة مؤمن أي كلمة ثانية نكون جاهليين ، قال له : يا بن السوداء ، فقال له النبي الكريم : إنك امرؤ فيك جاهلية ، إذا ميزنا بحسب اللون ، أو بحسب العنصر ، أو بحسب المال ، أو بحسب الذكاء، أو الوسامة ، أو الانتماء فنحن جاهليون ، أما حينما يقول عليه الصلاة و السلام : " سلمان منا آل البيت "، "نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه " ، يقول عليه الصلاة و السلام :

((عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا وَمَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ ثُمَّ قَالَ إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا ))

[ متفق عليه عن عائشة]

 سيدنا عمر يرى إبلاً سمينة يقول : لمن هذه الإبل ؟ يقولون : هي لابنك عبد الله فاستدعاه و هو غاضب قال له : لمن هذه الإبل ؟ قال : هي لي اشتريتها بمالي و بعثت بها إلى المرعى لتسمن فماذا فعلت ؟ أي مخالفة ، قال له : و يقول الناس : اسقوا هذه الإبل فهي لابن أمير المؤمنين ، ارعوا هذه الإبل فهي لابن أمير المؤمنين ، و هكذا تسمن إبلك يا بن أمير المؤمنين ، قالها متهكماً عليه : بع هذه الإبل و خذ رأس مالك و رد الباقي لبيت مال المسلمين، تجد فرقاً كبيراً بين مجتمع المسلمين المتأخر و بين مجتمع الصحابة العظيم ، لذلك الواحد كألف و الألف كأف ، قلة قليلة فتحوا مشارق الدنيا و مغاربها في ربع قرن ، و مليار و مئتا مليون مسلم ليست كلمتهم هي العليا ، و ليس أمرهم بيدهم ، و للكفار عليهم ألف سبيل و سبيل مع أن الله عز وجل يقول :

﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾

[ سورة النساء : 141]

 إذاً أيها الأخوة نرجو الله سبحانه و تعالى أن نقتدي بأصحاب رسول الله ، أي يوجد أعمال في الدنيا لا تعد و لا تحصى كلها تجعلك بطلاً ، و يوجد أعمال خسيسة أيضاً ، أي هؤلاء الصحابة كأنهم ملوك الدار الآخرة ، ما هذا الشاب ؟ أي خاطب و اليوم عرسه و دعا داعي الجهاد فآثر الجهاد ، و البنت جميلة جداً و علمته دميماً لأن النبي قال لأبيها : قل إن النبي زوجني ابنتك ، أي هكذا كان أصحاب النبي و نحن لا يوجد حل أمامنا إلا أن نطبق سنة النبي عليه الصلاة و السلام .

توزيع اللحم أفضل من توزيع ثمنه :

 أخ يسأل هل يجوز دفع ثمن الأضحية نقداً ؟
 أنا أجبت عن هذا السؤال العلماء أجمعوا على أن توزيع اللحم أفضل من توزيع ثمنه .