موضوعات علمية من الخطب - الموضوع : 043 - دودة القز, وخيطها الحريري, وخيط العنكبوت, وخيط الصوف

1986-11-28

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم
اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

كيف تصنع دودة القز الحرير, وما ميزة هذه الخيوط, وما هي الألوان التي تنتجها ؟


أيها الأخوة المؤمنون, يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾

[سورة الذاريات الآية: 20]

دودة القز يسميها العلماء: ملكة الأنسجة بلا منازع، إن هذه الدودة إذا لامس لعابها الهواء تجمَّد، فصار خيطاً حريرياً، هذا اللعاب مطليٌ بمادةٍ بروتينية، يعطيه لمعاناً لؤلؤياً، تستطيع هذه الفراشة أن تنسج ست بوصات في الدقيقة الواحدة، وطول خيطها، ثلاثمئة متر مستمر، وكل ثلاثمئة وستين شرنقة، أي كل ثلاثمئة وستين مضروبة بثلاثمئة متر، تساوي قميصاً حريرياً واحداً، فكم وزن هذا الحرير؟ لم يستطع الإنسان حتى الآن أن يقلِّد خيط الدودة.

هذه الشرنقة خمسة وعشرين ألف شرنقة تضع رطلاً من الحرير، أي عشرة آلاف شرنقة تضع كيلو حرير واحد، وزنه خفيف، أمتن من الفولاذ
بمعنى لو أمكن أن يسحب الفولاذ بقطر خيط الحرير، لكان خيط الحرير أمتن من الفولاذ، جميلٌ، وبراقٌ، ومتينٌ، وخفيف، هذا من صنع الله عزَّ وجل, قال تعالى:

﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾

[سورة النمل الآية: 88]


هناك فراشٌ يصنع الحرير الذهبي، إن شئت حريراً فضياً، كاللؤلؤ تماماً، وإن شئت حريراً ذهبياً كالذهب تماماً، لون طبيعي، لا يتأثر بالشمس، ولا يحتاج إلى صبغ، ولا يحتاج إلى تثبيت، صنع من؟ تقدير من؟ ترتيب من؟ .

إليكم البناء الهندسي لبيت العنكبوت :


أيها الأخوة, بينما العنكبوت تنسج خيوطاً، بعضها متينٌ جاف لبناء البيت، وبعضها لينٌ لزج لاصطياد الحشرات، والتي تنسج البيت هي الأنثى, قال تعالى:

﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً﴾

[سورة العنكبوت الآية: 41]

بالتاء المؤنثة اتخذت بيتاً, قال تعالى:

﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾

[سورة العنكبوت الآية: 41]

يبنى بيت العنكبوت على أحدث معطيات الهندسة، يبنى على شكل أشعة الشمس، مركزٌ، وخطوطٌ شعاعية، وخطوطٌ دائرية
الخطوط الدائرية تحافظ على المسافة بين الأشعة, والشعاعية تنطلق من المركز، وتثبت في أطراف الجدر، هذا هو البيت, من خيوطٍ, متينةٍ، جافة، وهناك خيوطٌ أخرى بمثابة الشباك، تنسجها العنكبوت، لزجة، تهتز، فتعرف أن الشبكة قد صادت، تأتي العنكبوت، فتجرح الحشرة، تبث فيها السم، ومع السم مادةٌ مذيبة، تصبح أحشاءها كلها سائلةً، تمتص هذا السائل، تأكل عصيراً فقط، تبث ماذةً مذيبة، فتجعل أحشائها سائلةً، ثم تمتص العصير, قال تعالى:

﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾

[سورة النمل الآية: 88]

أصغ السمع لهذه الآيات :

يا أيها الأخوة الأكارم, هذه الآيات التي بثها الله في الأرض، من أجل نعرفه، من أجل أن نعرف عظمته، علمه، رحمته، خبرته، قدرته، غناه، أسماء الله الحسنى كلُّها يمكن أن نستشفها من خلق السموات والأرض, قال تعالى:

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾

[سورة فاطر الآية: 28]

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

[سورة آل عمران الآية: 190-191]


يتفكرون: فعل مضارع، يفيد الاستمرار، هو واقف، هو جالس، هو قاعد، في عمله، في بيته، في الطريق، مع أصحابه، وهو يعمل عملاً، وهو يستمتع متعةً, قال تعالى:

﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾

[سورة آل عمران الآية: 191]

يا أيها الأخوة الأكارم, فكروا فيما حولكم، فكروا في خلقكم، فكروا في أنفسكم، فكروا في أولادكم، فكروا في حاجاتكم، فكروا في هذا الصوف, من أين جاء؟ خيط الصوف، يبقى في أعلى مستوى، خيطٌ مفرغ، ذو طولٍ محدد، الخيوط الصناعية اليوم, تقلِّد خيط الصوف في طوله، إن بإمكان الآلات الحديثة أن تصنع خيطاً مستمراً، ولكن الخيط المثالي هو الخيط الذي بطول خيط الصوف، فإذا نسج, وحبك كان فيه مرونة، هذه المرونة تريح الذي يرتدي هذه الثياب .
أيها الأخوة الأكارم, آيات الله عزَّ وجل بين أيدينا، وفي بيوتنا، وفي أعمالنا، وفي ما حولنا، في السماء، في الأرض، في الطول، في العرض، في كل شيء, قال تعالى:

وفي كل شيءٍ له آيةٌ تدلُّ على أنه واحد

هذا الفكر، لا ينبغي أن تعطله، لا ينبغي أن تسخِّره لأهدافٍ بسيطة، صغيرة، قميئة، ساذجة، سخيفة، إنه خُلق ليعرف الله به، شرِّفه بمعرفة الله، ولا تدنِّسه بالكيد للناس، شرفه بمعرفة الله عزَّ وجل .