موضوعات في التربية - الدرس : 010 - الإخلاص2 - الفرق بينه وبين الصدق.

1989-09-24

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون... الله سبحانه وتعالى في الحديث عن سيدنا إبراهيم، وردت هذه الآية:

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾

( سورة الشعراء )

 معناها القلب السليم هو كل شيء في الآخرة، في الدنيا القلب السليم مع الجسم السليم، مع العقل السليم، مع الدخل المعقول، مع الزوجة، مع الأولاد، مع المهنة، مع الحرفة، مع المنزل، لكن يبدو أن في الآخرة لا ينفع من خلال هذه الآية:

 

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾

 

 

( سورة الشعراء )

 سيدنا عمر رضي الله عنه كان يقول: " تعاهدوا قلوبكم " يعني المؤمن يراقب قلبه، يا ترى فيه غل، في حقد، في حب للذات، في استعلاء، هل يطلب هذا الشيء لغير الله، هذه كلها أمراض، أمراض نفسية، تصور العين التي أكرمك الله بها، لو أن ذبابة رأيتها في أثناء النظر لبادرت إلى الطبيب، فأحدنا حريص على عينيه حرصاً لا حدود له، مباشرة لا يفكر في أجور الطبيب إطلاقاً، مهما علت، يتوسل لمن مع الطبيب أن يدخل إلى الطبيب في أقرب وقت، يتمنى أن يتجاوز الدور كله، يقول لك: عين، العين غالية.
لو عرفت أيها الإخوة الكريم قيمة القلب لبادرت إلى تطهيره من كل درن، لبادرت إلى تطهيره من كل شائبة، لحرصت على سلامته حرصاً لا حدود له، لأن الله عز وجل يقول:

 

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾

 

( سورة الشعراء )

 من هذا المنطلق كان الحديث في الدرس الماضي عن الإخلاص، من هذا المنطلق كان الحديث في الدروس قبل الماضية عن التواضع، لأن الكبر آفة قلبية مهلكة، عدم الإخلاص آفة قلبية مهلكة، أن تتكل على نفسك آفة قلبية مهلكة، لو أنك تتبعت ما يجري في الأرض، لا أبالغ إذا قلت إن مردَّ ذلك هو ما يجري في القلب، الدليل:
 أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام كانوا معه في معركة حنين، نبيٌ عظيم، سيد الأنبياء والمرسلين، أصحاب أطهار، جاهدوا معه بأنفسهم وأموالهم، وهاجروا معه، ونصروه، وقدموا من أجله الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، وخاضوا معه الغزوات والحروب كلها ؛ خاضوا معه بدر، وأحد، والخندق، وفتحوا مكة..

 

﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾

 

( سورة التوبة: من آية " 25" )

 قالوا: لن نغلب اليوم من قلة. هذه الكلمة، هذا مرض قلبي، شعور بالقوة، الاستغناء عن الله عز وجل، الاتكال على النفس، من أجل هذا:

 

﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25)﴾

 

( سورة التوبة: من آية " 25" )

 بنص القرآن الكريم، مَن نحن إذاً ؟ إذا كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام مع علو شأنهم، وعلو قدرهم، وتفانيهم، وإخلاصهم، وورعهم، وطاعتهم، قالوا: لن نغلب من قلة. إذاً أي مؤمن حتى نهاية الدوران لو أن قلبه أصابه مرض ؛ مرض الشرك الخفي، اعتمد على ذاته، شعر بأنه قوي، شعر بأنه غني، استعلى على عباد الله، راءى بعمله، ابتغى بعمله غير الله، اتكل على غير الله، هذه كلها آفات قلبيةٌ مدمرة، من هنا كان الحديث عن القلب، وكان الحديث عن الإخلاص، وكان الحديث عن التواضع، لأن آفات القلب مهلكة.
نحن في درس سابق تحدثنا عن الإخلاص، وقلنا إن الإخلاص: يعني الوجه الآخر للعبادة، ربنا عز وجل قال:

 

﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (2)﴾

 

( سورة الزمر )

 اعبده أي طبِّق أمره، والعبادة كما تعرفون غاية الخضوع، لكن من الخارج عبادة ومن الداخل إخلاص، وكيف أن الله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً (23)﴾

 

( سورة الفرقان)

 شيء ليس سهل، شيء مخيف جداً ؛ يكون معك مئات ألوف الألوف من العملات الصعبة، وتكتشف فجأةً أنها مزورة كلها، في أشخاص يصيبهم مرض عضال، لمجرد أن يأتي على ذهنهم هذا الخاطر، إذاً فما قول هذا الإنسان لو جاء بعمل كالجبال، وانطبقت عليه الآية الكريمة:

 

﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً (23)﴾

 

 

( سورة الفرقان)

 شيءٌ خطير، لذلك العلماء قالوا: إن الله لا يقبل العمل إلا إذا كان خالصاً وصواباً، خالصاً ابتغي به وجه الله، وصواباً وافق السنة. من الآن فصاعد لا تقل لي: النية طيبة أستاذ الحمد لله، لا تكفي، النية الطيبة لا تكفي، نية طيبة، الهدف عالي، نيتي الإصلاح، يجب أن تتقصى السنة النبوية المطهرة، لأن العمل لا يقبل إلا إذا كان خالصاً وكان صواباً، وتحدثت عن تعاريف الإخلاص، وبيَّنت أبرز التعاريف، وذكرت كيف أن الإخلاص درجات، الدرجة الأولى ألا تنظر إلى عملك، مَن نظر إلى عمله غاب عنه فضل ربه، والدليل قول الله عز وجل:

 

﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾

 

( سورة النور: من آية " 21 " )

 والشيء الثاني في هذه الدرجة: ألا تطالب العِوَض، وسقت مثل وإن كان غريب ولكنه معبّر، إنسان ذهب ليلقي القمامة في الحاوية، فرأى طفل مولود حديثاً في الحاوية، أخذه إلى البيت واعتنى به، وجعله في أكبر عناية، إلى أن كبر، أدخله الابتدائي، والإعدادي، والثانوي، أدخله جامعة، طب أسنان، عمل له اختصاص، زوجه، اشترى له بيت، عيادة، سيارة، بعد ذلك اضطر هذا الإنسان المحسن أن يتحكم عنده، فلمجرد أن يفكر هذا الطبيب الذي كان في الحاوية، لمجرد أن يفكر أن يأخذ منه العوض فهذا لا يعرف الفضل أبداً.
 فمن يقول: أخي هذه استقمت ما صار معي شيء، هذه غضضت بصري عن محارم الله وإلى الآن لم أتزوج، كأنه يريد كل شيء يعمله يأخذ عوض مكانه، مما يقدح في إخلاصك أن تطلب العوض من الله عز وجل على استقامتك وعملك الصالح، مما يقدح في إخلاصك أن تنظر إلى عملك.
 والشيء الثالث في ذلك: مما يقدح في إخلاصك أن تُدِلّ بعملك، لذلك ربنا عز وجل يحب أنَّاتِ المذنبين أكثر مما يحب آهات المدلين، هذا الذي يدلُّ بعمله، ويمن على الله بعمله هذا ليس من الصنف الذي وصفهم الله بالإخلاص، هذا ملخص الدرس السابق.
* * * * *
 الآن ننتقل إلى الدرجة الثانية من الإخلاص: الدرجة الثانية الخجل من العمل، هذا الذي يعمل الأعمال الصالحة، ويفتخر، ويراها أعمال صالحة، كافية، ضحَّى، بذل، ضبط شهواته، هذا الذي يفتخر بعمله الصالح بعيدٌ عن الإخلاص، أما المؤمن يخجل بعمله الصالح، كيف يخجل بعمله الصالح ؟ إذا إنسان أنقذ لك حياتك كلها، أحضرت معك قلم تحبير ثمنه خمسين ليرة، فهل ترى أن هذا القلم يكافئ إنقاذه لك ؟! كنت غريقاً فأنقذك، أنقذ حياتك المادية، فإذا الإنسان شعر أن ربنا عز وجل خلقه من نطفة ولم يكن شيئاً، مهما عمل؛ لو غض بصره، لو أنفق ماله، لو أعطى المسكين، لو دل الضال، لو أفرغ دلوه في دلو المستسقي، لو بر أباه وأمه، يرى أن كل هذا العمل لا شيء أمام فضل الله، إذاً من صفات المخلصين أنهم يخجلون بأعمالهم، والدليل.. قال تعالى:

 

﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾

 

( سورة المؤمنون: من آية " 60 " )

 خائف..

 

﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60)﴾

 

( سورة المؤمنون: من آية " 60 " )

﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾

( سورة المؤمنون: من آية " 60 " )

 خائفون ألا تُقْبَل أعمالهم، يرون أعمالهم ضئيلةً في جنب فضل الله عز وجل، فيا أخي الكريم مهما كان عملك كبير لا تذكره في جانب فضل الله عز وجل. النبي عليه الصلاة والسلام فسَّر هذه الآية فقال:

 

(( هو الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف ألا يقبل منه ))

 

( من تخريج أحاديث الإحياء: عن " السيدة عائشة " )

 يعني هل أنت مطمئن أن عملك مقبول مائة بالمائة ولا توجد مشكلة أبداً ؟؟ هذه الطمأنينة تقدح في إخلاصك، من صفات أهل الإيمان أنهم يعملون ويخجلون بأعمالهم، لأنها إذا قيست بأعمال الله عز وجل، كأم كل حياتها أن ترى ابنها إنساناً عظيماً ؛ قدمت له وقتها، قدمت له قلبها، قدمت له عطفها، قدمت له ليلها، قدمت له عملها، قدمت له مالها، فإذا كان بعيد الأم الأول أحضر هذا الابن معه مثلاً قارورة عطر، لازم كل يومين تقول لها: قنينة جبت لك، كل ثلاثة أيام قنينة، العطرات نسيتهم، هذا ليس عارف فضل أمه عليه، لكن الابن البار يخجل، فما قيمة قنينة ثمنها خمسين ليرة ؟ فهل هذه تقابل تربية الأم خلال عشرين سنة؟! فاضرب الأمثال كي يتضح الأمر..

 

﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60)﴾

 

( سورة المؤمنون: من آية " 60 " )

 قال النبي عليه الصلاة والسلام في تفسير هذه الآية:

 

((هو الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف ألا يقبل منه ))

 

( من تخريج أحاديث الإحياء: عن " السيدة عائشة " )

﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾

(سورة الحجرات: من آية " 17 " )

 يا إخوان... فكرة مهمة جداً: المؤمن جمع إحساناً في مخافةٍ وسوء ظن بنفسه، عمله طيب وهو خائف و سيئ الظن بنفسه، والمغرور حَسَن الظن بنفسه مع سوء عمله، عمله سيئ، ظاهر للملأ سيئ وهو حسن الظن بنفسه، المغرور يجمع إلى سوء عمله حُسْنَ الظن بنفسه، والمؤمن يجمع إلى حسن عمله سوء الظن بنفسه، هذه قاعدة، فهذه نفسك اتهمها دائماً..

 

والنفس كالطفل إن  تتركه شب على
حب الرضاع وإن  تفطمه ينفطم
فلا ترم بالمعاصي  كثرة شــــهوتها
إن الطعام يقوي  شـــــهوة النهم
* * *

 الإنسان لا يمدح نفسه أمام نفسه، يتهم نفسه بالإساءَة دائماً، كي يرقى بها، فكرة مهمة جداً، المؤمن يجمع إلى حُسن عمله سوء الظن بنفسه، والمغرور يجمع إلى سوء عمله حسن الظن بنفسه، فالنبي عليه الصلاة والسلام، كان يقول:

 

 

(( اللهم أرني بعين نفسي صغيراً وبعين الناس كبيراً ))

وهناك من يراه الناس صغيراً، ويرى نفسه بعين نفسه كبيراً، البطولة أن يراك الناس كبيراً وأن ترى نفسك صغيراً، لكن المغرور يراه الناس صغيراً ويرى نفسه كبيراً.
 الحد الثاني في الإخلاص: أن يسعى المؤمن دوماً إلى تصحيح عمله، يراقب نيته ؛ أنا ذاهب إلى هذا المكان، ما نيتي ؟ أنا ذاهب إلى هذه الوليمة، أنا ذاهب لحضور هذا المجلس، أنا سأفعل كذا، سأشتري هذه الحاجة، سأبيع هذه الحاجة، سألتقي مع فلان، سأقاطع فلان، سأصل فلان، ما نيتي ؟ ما هدفي ؟ ما قصدي ؟ تصحيح العمل، من علامات الإخلاص.
 فإذا الإنسان ارتقى يرى عمله الصالح الذي أكرمه الله به من فضل الله عليه، أحياناً الإنسان يرى رؤية مغلوطة ؛ أنا فعلت، أنا رعيت أولاد أخي، لحمهم من خيري، هكذا شايف عمله، يرى عمله عظيم، المؤمن يرى فضل الله عليه، يرى أن الله عز وجل أكرمه بالمال، وألهمه الإنفاق، وجعله ينفق، المؤمن شعاره: إذا أراد ربك إظهار فضله عليك خلق الفضل ونسبه إليك.
من علامة الإخلاص في العمل أن تجعل العمل وفق الشرع تماماً، فأنت ليس معك رأي مع الشرع..

 

 

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

 

( سورة الأحزاب : من آية " 36 " )

 أنت ليس لك خيار، في هذا الموقف يجب أن تغضب، في هذا الموقف يجب أن تتبسَّم، كان إذا دخل بيته بسَّاماً ضحاكاً، إذا انتهكت حرمة من حرمات الله يغضب، كان النبي عليه الصلاة والسلام يغضب، ويغضب لله عز وجل، فأن ليس لك عمل من تخطيطك، مثل ما تكلمنا البارحة ؛ تنتهي حريتك بعد أن تعرف الله، ماذا ينبغي أن أقف من زوجتي وهذه أخلاقها ؟ ماذا ينبغي أنا أقف من شريكي ؟ ماذا ينبغي أن أقف من هذا الذي اشترى هذه البضاعة وجاء لأردها له ؟ أأرفض هذا الطلب أم أقبله ؟ اسأل عن رأي الشرع، فليس لك عمل من تخطيطك أنت عبد لله عز وجل، ليس لك اختيار مع اختيار الله عز وجل، فمن علامة إخلاصك أن عملك يسير وفق الشرع، إن أمرك الشرع أن تصل فصل.
سيدنا سعد الله رضي عنه، في قبيل معركة بدر، النبي عليه الصلاة والسلام كأن العهد الذي بينه وبين الأنصار أن ينصروه في المدينة، أما الآن في خروج إلى بدر، كأن هذا الطلب ليس من بنود الاتفاق، فكان عليه الصلاة والسلام لطيفاً، وكان ذكياً فطناً فقال:
ـ أيها الناس أشيروا علي. ما رأيكم.
ـ فقام سيدنا سعد وهو سيد الأنصار، فقال: يا رسول الله كأنك تعنينا ؟
ـ قال: نعم.
ـ  قال له: لقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أنما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا، فسِر بنا على بركة الله، فنحن معك، لا يتخلَّف منا رجل، إنا لصبر في الحرب صدقٌ عند اللقاء، فصل حبال مَن شئت، واقطع جبال مَن شئت، وسالم مَن شئت، وعادي مَن شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، ودع ما شئت، فو الذي بعثك بالحق للذي تأخذه من أموالنا أحب إلينا من الذي تتركه لنا، فو الذي بعثك بالحق، لو خُضَّت معنا هذا البحر لخضناه معك.
 والله هذا موقف مشرف، هكذا المؤمن مع الله عز وجل، يا ربي أنا كلي لك، فأنت ليس لك رأي ؛ رأي شخصي، قناعات خاصة، خلاف الشرع، تخطيط خاص لعمل لا يرضي الله عز وجل، إذا كنت مخلصاً لله عز وجل تجعل من عملك مطابقاً للشرع تماماً في كل شيء.
 في عندنا شيء دقيق: ما الفرق بين الإخلاص والصدق ؟ الحقيقة كلمة الصدق نستعملها كثيراً، لكن نستعملها في جانب ضيق من جوانب معانيها، فحينما يأتي الخبر مطابق للواقع فهذا صدق، ولكن للصدق معنى آخر، حينما يأتي الواقع مطابقاً للخبر هذا نوع آخر من الصدق، إذا جاء الخبر مطابقاً للواقع، فهو الصدق، أما إذا جاء الواقع مطابقاً للخبر فهذا صدق العمل، في عندنا صدق القول، وعندنا صدق العمل، فالذي يدَّعي أنه يحب الله، إذا فعل فعلاً يؤكد حب الله له، يؤكد حبه لله، فهذا صادق في الطلب، فالعلماء قالوا: الإخلاص عدم انقسام المطلوب، طالب الله، طالب الدنيا، طالب الوجاهة، وطالب المال، وطالب الملذات، مطلوبٌ متعدد، هذا غير مخلص، لكن الصدق عدم انقسام الطلب، الإخلاص عدم انقسام المطلوب، أما الصدق عدم انقسام الطلب، فهذه الشهادة من أجل أن أنالها، يجب أن أدرس كل يوم عشر ساعات، درست ساعتين، أنا غير صادق، إذا ما أدرس عشر ساعات يومياً لن أستطيع أن أنال هذه الشهادة، فالإخلاص شيء والصدق شيء آخر، الإخلاص عدم انقسام المطلوب، إلهي أنت مطلوبي ورضاك مطلوبي، الإخلاص عدم انقسام المطلوب، ولكن الصدق عدم انقسام الطلب، فالإنسان يمتحن إخلاصه ؛ هل له مقصد غير الله عز وجل؟ ويمتحن صدقه ؛ هل يبذل الجهد الكافي لمعرفة الله ؟ هل يستقيم الاستقامة الكافية ؟ هل يضحي التضحية الكافية ؟ هل يفعل الفعل الكافي ؟ ربنا عز وجل قال:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102)﴾

 

( سورة آل عمران )

 الحقيقة كلمة الصدق بمعنى عدم انقسام الطلب، تنقلنا إلى قصةٍ شهيرةٍ وهي قصة سيدنا سلمان الفارسي. فالحقيقة أحياناً تتعجب، إنسان العلم مبذول بين يديه ؛ في بيته، حوله مدرسين، وحوله خطباء، وعلماء، والكتب موفورة، والبيئة صالحة، والبيئة مؤمنة، وحيثما التفت هناك مَن يذكِّره، ومع ذلك بعيد عن الله عز وجل بعداً كبير، وإنسان آخر يعيش في بيئة بعيدة عن الله، كلها كفر وفسوق وعصيان، ومع ذلك صدقه يهديه إلى الله عز وجل.
سيدنا سلمان الفارسي من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام الأطهار، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

((سلمان منا أهل البيت))

 

(من الجامع الصغير: عن " عمرو بن العوف " )

 سلمان الفارسي كان يعيش في بلاد فارس، وكان أبوه مجوسي، أي يعبد النار، وكان من كهنة هذه العبادة، هل يُعْقَل إنسان يعيش في بلاد الفرس، وهو مجوسي يعبد النار، هل يعقل أن يصبح هذا أحد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ؟
 والله سمعت قصة واقعية: امرأة تعمل في بلاد المغرب، مدرسة لغة فرنسية، فنمط حياتها نمط غربي مائة في المائة ؛ سباحة، ودور لهو، ورقص، وشرب الخمور، وزوجها كذلك، هي في الأصل من أب وأم مسلمين، تعيش أكثر ما تعيش في فرنسا، ذات مرة عقب السباحة رأت كتلة محمرة في صدرها، وهي قاسية، فبادرت إلى طبيب فإذا هذا المرض ورمٌ خبيث في صدرها، من طبيب إلى طبيب، ومن خزعة إلى خزعة، ومن تحليل إلى تحليل، إلى أن استشرى المرض، وأصبح في أماكن متعددة من جسمها، آخر طبيب في فرنسا في باريس، قال لزوجها بالحرف الواحد: أغلب الظن أنها لن تعيش أكثر من ثلاثة أسابيع، أغلب الظن، وهذا الذي حصل، حينما أعلمها بشكل أو بآخر، ورأت أنها ميتة لا محالة، تمنت أن تتوب إلى الله قبل أن يأتي الأجل المحتَّم، وتمنت أيضاً أن تتوب وهي في البلاد المقدسة، في الحجاز في مكة، طبعاً إنسانة ميتة تمشي على قدمين.
 أخذها زوجها إلى الحجاز، إلى مكة، تروي قصتها بكتابٍ مؤلَّف ومطبوع، مَن يقرأ هذا الكتاب لا يملك إلا أن يبكي، وبعد أن تابت وتحجبت، بدأت الطواف، وما زالت تطوف وتبكي حتى وقعت مغمياً عليها، ثم استأنفت تشرب من ماء زمزم وتطوف، لأنها موقنة أنها ميتة، ولا سبيل للحياة إذاً، إذاً لعل الله يقبل توبتها، بقيت تطوف حول الكعبة ليلاً نهاراً وتبكي وتعلن توبتها وندمها، ثمانية عشر يوماً، ثم اكتشفت فجأة أن هذه الأورام تلاشت، لم تصدِّق، زارت طبيب في مكة قال لها: لا يوجد فيها شيء.
 فعادت تواً إلى الطبيب الذي قال لزوجها بقي لك من العمر ثلاثة أسابيع فلما رآها دهش، قال: هذه الحالة لم تمر معي من قبل، لكن نصحها أن تأخذ دواءً لعل بقايا هذا المرض موجود، هذا الدواء جعلها تفقد شعرها كله، فحينما سقط شعرها، وهي أنثى، فقد تألَّمت ألماً لا حدود له، نامت فرأت النبي عليه الصلاة والسلام وبكت أمامه، وشكت له ما أصاب شعرها، وتروي هي في القصة: أن النبي عليه الصلاة والسلام وضع يده الشريفة على رأسها، فلما استيقظ، أيام بدأ الشعر ينبت بسرعة عجيبة، إلى أن استعادت شعرها، واستعادت صحَّتها، وتابت إلى الله توبةً لو وزعت على مليون إنسان لوسعتهم، وألفات الكتاب، هذا الذي ذكرته أعتقد واحد من عشرة من الكتاب، فالقصة طويلة، والكتاب مؤلف ومطبوع.
 فالله عز وجل قريب، سميع مجيب، وإذا مرضت فهو يشفين، لا في مرض عضال عند الله، ولا في رزق قليل، فهو بيده كل شيء، لكن المشكلة أن تكون أنت أهلاً ذي العطاء، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان يدعو ويقول:

 

(( اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك ))

 

( من الأذكار النووية )

 فسيدنا سلمان الفارسي من بلاد، فارس مجوسي، وحتى يصبح من أحد أصحابه الكرام، وأن يقول النبي عليه الصلاة والسلام في حقه:

 

(( سلمان منا أهل البيت))

عقول !!

 

 

( من الجامع الصغير: عن " عمرو بن العوف " )

 أنا أعرف إنسان أصابه مرض عضال في رئتيه، وأخذت خزعة من رئتيه إلى بلاد الغرب، وجاء الجواب: مرضٌ خبيث من الدرجة الخامسة، من أصعب الأمراض، وكان الخيار أن يبيع بيته ليعالجوه في أمريكا، ولكن احتمال نجاح العملية ثلاثين في المائة، وأولاده صغار، فقرروا أن يبقوا الأمر على حاله، وقد شفاه الله عز وجل شفاءً تاماً، هذه قصص تتكرر، لذلك الأطباء يقولون عن هذه الحالات: ( الشفاء الذاتي ) أنت أصدق مع الله عز وجل، لنا إخوان كثيرين في ساعات الشدة عاهدوا الله عز وجل على التوبة النصوح، هذه التوبة النصوح إذا وقعت من العبد، فالله عز وجل يقبله، ويحل مشكلته، ويريه آياته، وهذا ما يسميه علماء العقيدة: الكرامة. أي أن الله عز وجل يكرمك بمعاملةٍ استثنائية.
 حدثني سلمان الفارسي قال: كنت رجلاً فارسياً، من أهل أصبهان، من أهل قرية يقال لها ( جي )، وكان أبي دهقان قريته، أي رجل دين، وكنت أحب خلق الله إليه، فلم يزل حبه إياي حتى حبسني في بيته كما تحبس الجارية، واجتهدت في المجوسية حتى كنت قطنَ النار، أي رئيس النار وحاكمها الذي يوقدها ولا يتركها ساعة تخبو ـ هذا كلام سيدنا سلمان الفارسي ـ وكانت لأبي ضيعةً عظيمة، فشغل في بنيان له يوماً فقال لي: يا بني إني قد شغلت في بنيان هذا اليوم عن ضيعتي، فاذهب إليها فاطَّلعها ـ أي راقبها ـ وأمرني فيها ببعض ما يريد، ثم قال لي: لا تحتبس عني، فإنك إن احتبست عني كنت أهم إليَّ من ضيعتي، وشغلني أمرك عن كل شيء.
 قال: فخرجت أريد الضيعة التي بعثني إليها، فمررت بكنيسةٍ من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون، وكنت لا أدري ما أمر الناس لحبس أبي إياي في بيته، فلما سمعت أصواتهم، دخلت عليهم أنظر ماذا يصنعون، فلما رأيتهم، أعجبتني صلاتهم، ورغبت في أمرهم، وقلت هذا والله خيرٌ من الدين الذي نحن عليه، فو الله ما برحتهم حتى غربت الشمس، وتركت ضيعة أبي فلم آتها.
 ثم قلت لهم: أين أهل هذا الدين ؟ قالوا: بالشام، فرجعت إلى أبي، وقد بعث في طلبي، وشغلته عن أمري، فلما جئت قال: أي بني أين كنت؟ ألم أعهد إليك ما عهدته ؟!! قلت: يا أبت مررت بأناس يصلون في كنيسة لهم، فأعجبني ما رأيت من دينهم، فو الله ما زلت عندهم حتى غربت الشمس ـ هذه رواية سيدنا سلمان الفارسي بنصها الدقيق ـ قال: أي بني ليس في ذلك الدين خير، دينك ودين آبائك خير منه، قلت: كلا، والله إنه لخيرٌ من ديننا، فخافني، فجعل في رجلي قيداً، ثم حبسني في بيته.
 وبعثت إلى النصارى فقلت لهم: إذا قدم عليكم ركبٌ من الشام فأخبروني بهم، فقدم عليهم ركب من الشام، فجاءني النصارى فأخبروني بهم، فقلت: إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرجعة إلى بلادهم فآذنوني ـ أي أعلموني ـ فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم أخبروني بهم، فألقيت الحديد من رجلي، ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام.
 فلكما قدمتها قلت: مَن أفضل هذا الدين علماً ؟ قالوا: الأسقف الفلاني في الكنيسة، فجئته فقلت له: إني رغبت في هذا الدين، وأحببت أن أكون معك، وأخدمك في كنيستك، وأتعلم منك فأصلي معك، فقال: ادخل، فدخلت معه، فكان رجل سوء، يأمرهم بالصدقة ويرغبهم بها، فإذا جمعوا له شيئاً، كنزه لنفسه، ولم يعطه المساكين، حتى جمع سبع قلال من ذهبٍ وورق ـ أي الفضة ـ قال: وأبغضته بغضاً شديداً لما رأيته يصنع، ثم مات، واجتمعت له النصارى ليدفنوه، فقلت لهم: إن هذا كان رجل سوء، يأمركم بالصدقة، ويرَّغبكم فيها، فإذا جئتموه بها كنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئاً.
 فقالوا: وما علمك بذلك ؟ قلت لهم أنا أدلكم على كنزه، قالوا: فدلنا، فأريتهم موضعه، فاستخرجوا سبع قلال مملوءة ذهباً وورقاً، فلما رأوها قالوا: لا ندفنه أبداً، فصلبوه ورجموه بالحجارة.
 وجاءوا برجل آخر، قال سلمان فما رأيت رجلاً لا يصلي الخمس أرى أنه أفضل منه، ولا أزهد في الدنيا، ولا أرغب في الآخرة، ولا أدأب ليلاً ونهاراً منه، فأحببته حباً لم أحب شيئاً قبله مثله، فأقمت معه زماناً، ثم حضرته الوفاة، فقلت له: إني قد كنت معك، وأحببتك حباً لم أحبه أحداً قبلك، وقد حضرك ما ترى من أمر الله تعالى، فإلى مَن توصي بي وبما تأمرني ؟ فقال: أي بني والله ما أعلم اليوم أحداً على ما كنت عليه، لقد هلك الناس، وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه، إلا رجلاً بالموصل هو فلان، وهو على ما كنت عليه، فالحق به. صدق، من مكان لمكان.
 قال: فلما مات وغُيِّب، لحقت بصاحب الموصل، فقلت: يا فلان إن فلاناً أوصاني قبل موته أن ألحق بك، وأخبرني أنك على أمره، فقال لي: أقم عندي، فأقمت عنده، فوجدته خير رجل، على أمر صاحبه، فلم يلبث أن مات، فلما حضرته نقله إلى شخص آخر، والآخر إلى آخر، وسأختصر لكم هذه الفقرة من القصة إلى أن آخر واحد فلما مات وغُيِّب لحقت بصاحب عمورية، فأخبرته خبري، فقال: أقم عندي، فأقمت على خير رجل على هدي أصحابه وأمرهم، واكتسبت حتى صارت لي بقراتٌ وغنيمة ـ أي غنمة صغيرة ـ ثم نزل به أمر الله، فلما حضر ـ أي حضرته الوفاة ـ قلت له: يا فلان إني كنت مع فلانٍ، فأوصي بي إلى فلان، فأوصى بي فلان إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إليك، فإلى مَن توصي بي ؟ وبمَن تأمرني ؟
 قال: والله ما أعلمه اليوم أصبح أحدٌ على مثل ما كنا عليه من الناس، آمرك أن تأتيه، ولكن قد أظل زمان نبيٌ مبعوث بدين إبراهيم، يخرج بأرض العرب، مهاجَرَه أرض بين حرَّتين، بينهما نخل، به علاماتٌ لا تخفى ؛ يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل. ثم مات، وغُيِّب، ومكثت بعمورية ما شاء الله أن أمكث.
 ثم مر بي نفرٌ من بني كلبٍ تُجَّار فقلت لهم: احملوني إلى أرض العرب، وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي ـ ست بقرات وغنيمة مقابل أن يحملوه إلى أرض العرب ـ قالوا: نعم. فأخذوها مني وحملوني معهم، حتى إذا بلغوا وادي القرى، ظلموني، وباعوني لرجل يهودي، باعوه رقيق، عبداً، فكنت عنده، ورأيت النخل، فرجوت أن يكون البلد الذي وصف لي صاحبي ـ رأى نخل، سمع من الراهب عنه ـ ولم يحق في نفسي، فبين أنا عنده إذ قدم ابن عم له يهودي، من بني قريظة من المدينة فابتاعني منه، فاحتملني إلى المدينة، فو الله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي لها، فاقمت بها.
 وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقام بمكة ما أقام ولا أسمع له بذكر مما أنا فيه من شغل الرق ـ عمل مجهد ـ ثم هاجر إلى المدينة، فو الله إني لفي رأس عزق ـ رأس شجرة ـ لسيدي أعمل فيه بعض العمل، وسيدي جالسٌ تحتي، إذ أقبل ابن عمٍ له حتى وقف عليه فقال: يا فلان، قاتل الله بني قيلة، والله إنهم لمجتمعون الآن في قباء على رجلٍ قدم من مكة اليوم يزعم أنه نبي.
 قال سلمان: فلما سمعت هذا الكلام أخذتني الرعدة، حتى كدت أسقط على سيدي، فنزلت من النخلة سريعاً، فجعلت أقول لابن عمه: ماذا تقول ؟ فغضب سيدي فلكمني لكمةً شديدة، وقال لي: مالك ولهذا، أقبل على عملك. فقلتك: لا شيء إنما أردت أن أستثبته عما قال. وقد كان عندي شيء قد جمعته، فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت إلى رسول الله وهو بقباء، فدخلت عليه فقلت له: إنه قد بلغني أنك رجل صالح، ومعك أصحابٌ لك غرباء ذوو حاجة، وهذا شيءٌ كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم ـ علامته يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة ـ فرأيتكم أحق به من غيركم، فقربته إليه، فقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: كلوا وأمسك بيده فلم يأكل، قلت في نفسي هذه واحدة ـ هذه أول علامة ـ ثم انصرفت فجمعت شيئاً، وتحوَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ثم جئته فقلت له: إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هديةٌ أكرمتك بها، فأكل عليه الصلاة والسلام منها وأمر أصحابه فأكلوا معه، فقلت في نفس: هاتان اثنتان، وعرفت أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأكببت عليه أقبّله وأبكي.
 فقال لي رسول الله: تحول. فتحولت بين يديه، فقصصت عليه حديثي كله ـ هذا الطويل ـ كما حدثتك يا ابن عباس، فأعجب النبي عليه الصلاة والسلام، وسمع لي قصتي كلها، ثم شغل سلمان بالرق، حتى فاته مع رسول الله بدر وأحد.
 قال سلمان: ثم قال لي النبي عليه الصلاة والسلام: كاتب يا سلمان. فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها له بالفقير، وأربعين أوقية، أي مقابل إعتاقه.
فقال عليه الصلاة والسلام لأصحابه 

 

(( أعينوا أخاكم ))

 فقد عمل عقد مع سيده اليهودي ؛ أنه يخدم له ثلاثمائة نخلة، وأعمال معينة، وإذا فعل هذا أعتقه، فقال عليه الصلاة والسلام:

((أعينوا أخاكم))

 وإذا كنا نحن مؤمنين وأحدنا بحاجة إلى مساعدة يجب أن نعينه إذا كان مؤمنين

(( أعينوا أخاكم ))

 فأعانوني في النخيل الرجل بثلاثين ودية، والرجل بعشرين ودية، والرجل بخمس عشر ودية، ورجل بعشرة، يعين الرجل على ما قدر ما عنده، حتى اجتمعت لي ثلاثمائة ودية، فقال لي رسول الله صلى الله عليه

(( اذهب يا سلمان فقدمها له، فإذا فرغت أكن أنا أضعها بيدي))

 فأعانني أصحابه، حتى إذا فرغت جئته فأخبرته، فخرج النبي عليه الصلاة والسلام معي، فجعلنا نقرِّب إلى هذا اليهودي الودي، ويضعه النبي في يده، حتى إذا فرغنا، فو الذي نفس سلمان بيده، ما ماتت منها ودية واحدة، فأديت النخل وبقي المال، فأتى رسول الله بمثل بيضةٍ من الدجاجة من ذهب من بعض المعادن فقال

(( ما فعل الفارسي المكاتب ))

فدعيت له، فقال:

((خذ هذه فأدها مما عليك يا سلمان ))

 قلت: وأين تقع هذه مما عليَّ يا رسول الله ؟ قال

(( خذها فإن الله سيؤدي عنك بها ))

 فأخذتها، فوزنت لهم منها، والذي نفس سلمان بيده أوفيتهم حقهم، وعُتِقَ سلمان، فشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق حراً، لم يفتني منها مشهد.
 هذا الصدق ؛ من شاب في بلاد فارس، من قرية أصبهان، من أب يعبد النار، انتقل من مكان إلى مكان إلى مكان، ستة أمكنة، وحتى قدَّم كل ما عنده ثمن انتقاله إلى المدينة، وظلمه مَن وعده بهذا النقل، وباعه في سوق العبيد، واشتراه يهودي من مدينة، وأتعبه في العمل، إلى أن سمع بالنبي عليه الصلاة والسلام، وسمع عن علاماته، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام، وعرفه أنه نبي، وكيف أن النبي رق له، وأمر إخوانه وأصحابه أن يعينوه، وكيف أعتق، وكيف صار سلمان الفارسي الذي قال عنه النبي عليه الصلاة والسلام: سلمان منا آل البيت.
هذا نوع من الصدق، إذاً الإخلاص عدم انقسام المطلوب، أما الصدق عدم انقسام الطلب.
 الحمد لله رب العالمين أشهد أنا لا إله إلا الله ولي الصالحين، اللهم أغننا بالعلم، وزينا بالحلم، وأكرمنا بالتقوى، وجمِّلنا بالعافية، وطهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة، فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مباركاً مرحوماً، واجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا ولا معنا شقياً ولا محروما، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.