الدرس : 1 - سورة الأنعام - تفسير الآية 42 ، من الفائز ؟

1994-06-11

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنامحمد الصادق الوعد الأمين:
 أيها الأخوة الكرام: يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز.

﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الإسراء: 82 )

 وفي آية أخرى وصف الله كتابه الكريم بأنه شفاء لما في الصدور.

 

﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) ﴾

 

( سورة يونس: 57 )

 معنى هاتين الآيتين، أن الإنسان في الحياة الدنيا، قد يقف أمام ظاهرة محيرة فمثلاً: لو أن امرء ذهب إلى بلاد الغرب، لرأى بلاداً جميلة وأمطاراً غزيرة وأبنية شاهقة وحدائق غناء ودخلاً مرتفعاً، ورأى كل وسائل الرفاء متوافر لدى أي إنسان، ورأى مع ذلك انحرافا خطيراً، زنى، شذوذ، مخدرات، تبادل زوجات، زنى محارم، وهم أقوى وهم الأقوياء، والأغنياء، والمسيطرون على العالم كله، ينشئ عنده سؤال يا رب ؟ ما بال هؤلاء يزدادون قوة وسيطرة واستبدادا للشعوب وهم في أحط دركات الفسق والفجور، أين الله ؟ إذا نشأ هذا التساؤل، هذه مشكلة، قد يختل لها توازن المؤمن، كيف أن القرآن الكريم شفاء لما في الصدور، دققوا في هذه الآية الكريمة في سورة الأنعام الآية الثانية والأربعين قال تعالى:

 

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)﴾

 فلما نسوا ما ذكروا به، وذكرناهم و ذكرناهم تارة بالبأساء وتارة بالضراء وتارة بالخوف، فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ، ليس باباً واحداً، ولكن أبواباً، وليس شيئاً واحداً، ولكن أبواب كل شئ، هل من آية أكثر شمولاً واتساعا من هاتين الكلمتين.
 يعني... الغنى مع البلاد الخضراء، مع الأمطار الغزيرة، مع الدخل المرتفع،

 

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

 هذا كلام رب العالمين:

 

﴿ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)﴾

 المؤمن أحياناً يختل توازنه حينما يرى كافراً فاجراً فاسقاً منحلاً قوياً مسيطراً ربنا سبحانه وتعالى يقول:

 

 

﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197)﴾

 

(سورة آل عمران: 196 - 197 )

 في آية أخرى يقول الله عز وجل:

﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15)﴾

( سورة الفجر: 15 )

 هذه مقولته،

 

﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16)﴾

 

( سورة الفجر )

 يقول الله عز وجل،

 

﴿كَلَّا﴾

 

(سورة الفجر: 17 )

 كلا أداة نفي وردع، يعني هذا ليس صحيحاً، هذه مقولتكم هذا وهمكم هذا ظنكم، ليس عطائي إكراماً ولا منعي حرماناً، عطائي ابتلاء وحرماني دواء، فإذا أعطى الله عبداً مالاً أو جاهاً أو قوة أو ذكاء أو وسامة، هذه لا قيمة لها، هذا العطاء موقوف على نوع استعماله، فإذا أنفق ماله في طاعة الله، انقلب المال إلى نعمة، وإذا أنفق قوته في نصرة المظلوم، انقلبت القوة إلى نعمة وإذا أنفق ذكائه في الدعوة إلى الله، انقلب ذكائه إلى نعمة، أما إذا أنفق ماله فيما لا يرضي الله صار المال نقمة ليس نعمة، إذا أنفق جاهه فيما يغضب الله صار الجاه نقمة لا نعمة، إذا أعمل فكره اللماح فيما لا يرضي الله، صار هذا الذكاء وبالاً على صاحبه. فالنعمة الحقيقة، هي النعمة التي تنفق فيما ترضي الله.

 

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) ﴾

 

﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾

( سورة آل عمران: 196 - 197 ـ 198 )

 قارون حينما خرج على قومه في زينته:

 

﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80)﴾

 

(سورة القصص: 79 ـ 80 )

 فأنت أمام مظاهر البذخ والغنى والقوة والسيطرة، أنت كمؤمن ممتحن قد يختل التوازن إذا رأيت أن هذا يزداد قوة ومناعة وسيطرة وهو في أحط الأحوال في الوحول، فلئلا يختل توازنك تأتي هذه الآيات ليطمئنك.
 البطولة أن تكون على منهج الله كفاك على عدوك نصراً أنه في معصية الله،

 

﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196)﴾

 

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾

( سورة آإبراهيم: 42 )

 فالإنسان كلما رأى مظاهر القوة، مظاهر الغنى، يتمتع بها إنسان، بعيد عن الدين، غارق بالمعاصي والشهوات، لا ينبغي أن يختل التوازن، يقول ما بال هؤلاء المؤمنين، فقراء مستضعفين.
الغنى والفقر بعد العرض على الله.
 الإنسان كلما كان إيمانه قوياً يزداد ثقة بوعد الله.

 

﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61)﴾

 

( سورة القصص: 61 )

 هذه الآيات أسوقها لكم، كي يزداد المؤمن ثقة بربه، لأن الله سبحانه وتعالى إذا رضي عنك فأنت أقوى الناس، وأنت أغنى الناس، وأنت أسعد الناس، أنت المتفوق، وأنت الفائز، وأنت الرابح، وأنت الناجح وأنت الفالح، وأنت الذكي، وأنت العاقل.

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً (71)﴾

( سورة الأحزاب: 71 )

 يعني... لما المؤمن يكون على منهج الله تماماً، ويرى أحداً فاقه في الدنيا إذا شعر بالحرمان، فو الله الذي لا إله إلا هو هذا ضعف كبير في إيمانه، من أوتي القرآن فرأى أن أحداً أوتي خيراً منه فقد حقر ما عظمه الله، أتاك الله القرآن، أتاك الله الحكمة، جعلك على صراط مستقيم، جعلك في خدمة الخلق، ألا يكفي الإنسان أن يقيَم نفسه وفق هذه القاعدة، إذا أردت أن تعرف مقامك فنظر فيما استعملك ما دورك في الحياة، هناك أعمال مربحة جداً، قائمة على أخذ ما في أيدي الناس، أو على إيذاء الناس، أو على تخويف الناس، هذه الأعمال لو درت عليك ألوف الملايين، لا تعبأ بها، اجعلها تحت قدمك، ابحث عن رزق حلال، ابحث عن رزق يرضي الله عز وجل ابحث عن خدمة للخلق، لأن هذه الدنيا زائلة، فهذا شيء أساسي في الدين، إذا رأيت إنساناً قوياً، مسيطراً، يزداد قوة ومناعة، وهو في أحط الدركات، في الوحول، في المعاصي، في الأثام، في الكفر، في الفسق، في الفجور، لا ينبغي أن تقول هذا الله أعطاه، الله ما أعطاه شيئاً، هذا ليس عطاء، العطاء ؟! إذا أعطاك الله حظ من حظوظ الدنيا فتستهلكه فيما يرضي الله، هذا هو العطاء.
 لا حسد إلا في اثنتين، رجل أتاه الله علماً فهو يعلمه للناس، ورجل أتاه الله مالاً فهو ينفقه في طاعة الله، هؤلاء الشخصين لك أن تغبطهما، أما أن تغبط غنياً على غناه، سوف تسأل عن كل درهم كيف اكتسبته وكيف أنفقته.
 يحشر الأغنياء أربعة فرق يوم القيامة...
 فريق جمع المال من حرام وأنفقه في حرام، هذا حسابه سريع جداً، يقال خذوه إلى النار.
 فريق جمع المال من حرام ـ عنده ملهى ـ وأنفقه في حلال، أشترى بيت وأزوج يقال خذوه إلى النار، فيه فقرة حرام لأنه.
 فريق جمع المال من حلال ـ تجارة مشروعة ـ وأنفقه في حرام، على النوادي الليلية، فيقال خذوه إلى النار.
 جمعه من حرام وأنفقه في حرام إلى النار.
 جمعه من حلال وأنفقه في حرام إلى النار.
 جمعه من حرام وأنفقه في حلال إلى النار.
 وفريق جمع المال من حلال وأنفقه في حلال، قال هذا حاسبوه، هذا قفوة فاسألوه، هل تاه بماله على عباد الله، هل نسيَ فرضاً أو واجباً، هل قال جيرانه يا رب لقد أغنيته بين أظهرنا فقصر في حقنا.
 يقول عليه الصلاة والسلام:

((فما زال يسأل ويسأل، تركهم يسألونه، وأمامه حساب طويل، حتى ما من ميت إلا وروحه ترفرف فوق النعش تقول: يا أهلي يا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حل وحرم فأنفقته في حله وفي غير حله فالهناء لكم والتبعية عليَ.))

 فيا أيها الأخوة الكرام:
 العبرة أن تكون في طاعة الله

 

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾

 

(سورة الحجرات: 13 )

 العبرة أن تكون على منهج الله، العبرة أن تكون فيما يرضي الله.
 الإمام الجنيد سئل من هو الولي ؟! أهو الذي يطير في الهواء، قال: لا، قالوا أهو الذي يمشي على سطح الماء قال: لا، قال الولي كل الولي الذي تجده عند الحلال والحرام، البطولة أن يجدك الله حيث أمرك وأن يفتقدك حيث نهاك، هذا الولي.
 فالإنسان أيام يتألم لخلل مقايسه، إذا مقايسه فيها خلل يتألم، أما إذا كانت مقايسه طاعة الله عز وجل، وأن الآخرة هي الدار الحقيقية، وأن الجنة هي المغنم الكبير، وأن الله سبحانه وتعالى سميع بصير، وعليم بأحوال عبده.
 لذلك يقول الله عز وجل:

 

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220)﴾

 

( سورة الشعراء: 213 ـ 214 ـ 215 ـ 216 ـ 217 ـ 218 ـ 219 ـ 220 )

 

والحمد لله رب العالمين

 بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم..